جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : والذين يتوفون منكم من الرجال أيها الناس، فيموتون ويذرون أزواجا يتربص أزواجهن بأنفسهن.
فإن قال قائل : فأين الخبر عن الذين يتوفون ؟ قيل : متروك لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهنّ، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام، وهو نظير قول القائل في الكلام : بعض جبّتك متخرقة، في ترك الخبر عما ابتدئ به الكلام إلى الخبر عن بعض أسبابه. وكذلك الأزواج اللواتي عليهنّ التربص لما كان إنما ألزمهنّ التربص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من ابتدىء بذكره إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه، كما قال الشاعر :
لَعلّيَ إنْ مالَتْ بِيَ الرّيحُ مَيْلَةًعلى ابْنِ أبي ذِبّانَ أنْ يَتَنَدّمَا
فقال «لعلّي »، ثم قال «أن يتندما »، لأن معنى الكلام : لعلّ ابن أبي ذبّان أن يتندم إن مالت بي الريح ميلة عليه. فرجع بالخبر إلى الذي أراد به، وإن كان قد ابتدأ بذكر غيره. ومنه قول الشاعر :
ألمْ تَعْلَمُوا أنّ ابْنَ قَيْسٍ وقَتْلَهُبغيرِ دَمٍ دَارُ المَذَلّةِ حُلّتِ
فألغى «ابن قيس » وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذُلّ.
وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر الذين يتوفون متروك، وأن معنى الكلام : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ينبغي لهنّ أن يتربصن بعد موتهم وزعم أنه لم يذكر موتهم كما يحذف بعض الكلام، وأنّ «يتربصن » رفع إذ وقع موقع ينبغي، وينبغي رفع. وقد دللنا على فساد قول من قال في رفع يتربصن بوقوعه موقع ينبغي فيما مضى، فأغنى عن إعادته.
وقال آخرون منهم : إنما لم يذكر «الذين » بشيء، لأنه صار الذين في خبرهم مثل تأويل الجزاء : مَنْ يلقك منا تُصِبْ خيرا، الذي يلقاك منا تصيب خيرا. قال : ولا يجوز هذا إلا على معنى الجزاء، وفي البيتين اللذين ذكرناهما الدلالة الواضحة على القول في ذلك بخلاف ما قالا.
وأما قوله : يَتَرَبصْنَ بأنْفُسِهِنّ فإنه يعني به : يحتبسن بأنفسهن معتدّات عن الأزواج والطيب والزينة والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن أربعة أشهر وعشرا إلا أن يكن حوامل، فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن، فإذا وضعن حملهن انقضت عددهن حينئذٍ.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم مثل ما قلنا فيه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس : وَالّذينَ يُتَوَفّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَترَبّصْنَ بأنْفُسَهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرا فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملاً، فعدتها أن تضع ما في بطنها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني عقيل، عن ابن شهاب، في قول الله : وَالّذِينَ يُتَوَفّونَ مِنْكُمْ وَيَذرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا قال ابن شهاب : جعل الله هذه العدة للمتوفى عنها زوجها، فإن كانت حاملاً فيحلها من عدتها أن تضع حملها، وإن استأخر فوق الأربعة الأشهر والعشر فما استأخر، لا يحلها إلا أن تضع حملها.
وإنما قلنا : عنى بالتربص ما وصفنا لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع وأبو أسامة، عن شعبة، وحدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حميد بن نافع، قال : سمعت زينب ابنة أم سلمة تحدّث قال أبو كريب : قال أبو أسامة، عن أم سلمة أن امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبيّ ﷺ تستفتيه في الكحل، فقال :«لَقَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَكُونَ فِي الجاهِلِيّةِ فِي شَرّ أحْلاسِها، فَتَمْكُثُ فِي بَيْتِها حَوْلاً إذَا تُوُفي عَنْها زَوْجُها، فَيَمُرّ عَلَيْها الكَلبُ فَترْمِيهِ بالبَعْرَةِ أفَلا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا ».
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : سمعت يحيى بن سعيد، قال : سمعت نافعا، عن صفية ابنة أبي عبيد أنها سمعت حفصة ابنة عمر زوج النبيّ ﷺ تحدّث عن النبيّ ﷺ قال :«لاَ يَحِلّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللّهِ وَاليَوْمِ الآخر أنْ تُحِدّ فَوْقَ ثَلاثٍ إلاّ على زَوْجٍ فإنها تُحِدّ عَلَيْهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا ».
قال يحيى : والإحداد عندنا أن لا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، ولا تكتحل ولا تزّيّن.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا يحيى، عن نافع، عن صفية ابنة أبي عبيد، عن حفصة بنة عمر، أن النبيّ ﷺ قال :«لا يَحِلّ لاِمْرأةٍ تُؤْمِنُ باللّهِ وَاليَوْم الاَخِر أنْ تُحِدّ على مَيتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلا على زَوْج ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني حميد بن نافع أن زينب ابنة أم سلمة أخبرته عن أم سلمة، أو أم حبيبة زوج النبيّ ﷺ : أن امرأة أتت النبيّ ﷺ، فذكرت أن ابنتها توفي عنها زوجها، وأنها قد خافت على عينها. فزعم حميد عن زينب أن رسول الله ﷺ قال :«قَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَرْمي بالبَعْرَةِ على رأسِ الحَوْلِ، وإنّمَا هِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع : أنه سمع زينب ابنة أم سلمة تحدّث عن أم حبيبة أو أمّ سلمة أنها ذكرت أن امرأة أتت النبيّ ﷺ قد توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها وهي تريد أن تكحل عينها، فقال رسول الله ﷺ :«قَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَرْمي بالبَعْرَةِ بَعْدَ الحَوْلِ، وإنّمَا هِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ » قال ابن بشار : قال يزيد، قال يحيى : فسألت حميدا عن رميها بالبعرة، قال : كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها عمدت إلى شرّ بيتها، فقعدت فيه حولاً، فإذا مرّت بها سنة ألقت بعرة وراءها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا شعبة، عن يحيى، عن حميد بن نافع بهذا الإسناد، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى ويحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة : أن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت : إن ابنتي مات زوجها فاشتكت عينها، أفتكتحل ؟ فقال :«قَدْ كانَتْ إحْداكُنّ تَرْمي بالبَعْرَةِ على رأسِ الحَوْلِ، وإنمَا هِيَ الآن أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ ». قال : قلت : وما ترمي بالبعرة على رأس الحول ؟ قال : كان نساء الجاهلية إذا مات زوج إحداهنّ لبست أطمار ثيابها، وجلست في أخسّ بيوتها، فإذا حال عليها الحول أخذت بعرة فدحرجتها على ظهر حمار، وقالت : قد حللت.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أحمد بن يونس، قال : حدثنا زهير بن معاوية، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع عن زينب ابنة أم سلمة، عن أمها أم سلمة، وأم حبيبة زوجي النبيّ ﷺ : أن امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت : إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد خفت على عينها، وهي تريد الكحل. قال :«قَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَرْمي بالبَعْرَةِ على رأسِ الحَوْلِ وإنّمَا هِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ »، قال حميد : فقلت لزينب : وما رأس الحول ؟ قالت زينب : كانت المرأة في الجاهلية إذا هلك زوجها عمدت إلى أشرّ بيت لها فجلست فيه، حتى إذا مرّت بها سنة خرجت، ثم رمت ببعرة وراءها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة : أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها أن تحد على زوجها حتى تنقضي عدتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا معصفرا، ولا تكتحل بالإثمد، ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها، ولكن تكتحل بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب، ولا تلبس حليا وتلبس البياض ولا تلبس السواد.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر في المتوفى عنها زوجها : لا تكتحل، ولا تطّيّب، ولا تبيت عن بيتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب تَجلبَبُ به.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال : بلغني عن ابن عباس، قال : تنهى المتوفى عنها زوجها أن تزيّن وتطيب.
٤حدثنا نصر بن علي، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال : إن المتوفى عنها زوجها لا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا تمسّ طيبا، ولا تكتحل، ولا تمتشط. وكان لا يرى بأسا أن تلبس البرد.
وقال آخرون : إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنزل فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن : أنه كان يرخص في التزين والتصنع، ولا يرى الإحداد شيئا.
٤حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس : وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا لم يقل تعتدّ في بيتها، تعتدّ حيث شاءت.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا إسماعيل، قال : حدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال : قال ابن عباس : إنما قال الله : وَالّذِينَ يُتَوَفّونَ مِنْكُم وَيَذْرَوُنَ أزْوَاجا يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرا ولم يقل تعتدّ في بيتها، فلتعتد حيث شاءت.
واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره إنما أمر المتوفى عنها بالتربص عن النكاح، وجعلوا حكم الآية على الخصوص. وبما :
٤حدثني به محمد بن إبراهيم السلمي، قال : حدثنا أبو عاصم، وحدثني محمد بن معمر البحراني، قال : حدثنا أبو عامر، قالا جميعا : حدثنا محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس، قالت : لما أصيب جعفر قال لي رسول الله ﷺ «تَسَلّبِي ثَلاثا ثُم اصْنَعِي ما شِئْتِ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو نعيم وابن الصلت، عن محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء، عن النبيّ ﷺ بمثله.
قالوا :

تفسير هذه الآية من كتب أخرى