جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيَ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنّ وَلََكِن لاّ تُوَاعِدُوهُنّ سِرّاً إِلاّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُوَاْ عُقْدَةَ النّكَاحِ حَتّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : ولا جناح عليكم أيها الرجال فيما عرّضتم به من خطبة النساء للنساء المعتدات، من وفاة أزواجهن في عددهن، ولم تصرّحوا بعقد نكاح. والتعريض الذي أبيح في ذلك، هو ما :
٤حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد عن ابن عباس قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : التعريض أن يقول : إني أريد التزويج، وإني لأحبّ امرأة من أمرها أمرها، يعرّض لها بالقول بالمعروف.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : إني أريد أن أتزوّج.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال : التعريض ما لم ينصِب للخطبة. قال مجاهد : قال رجل لامرأة في جنازة زوجها لا تسبقيني بنفسك، قالت : قد سبقت.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال في هذه الآية : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : التعريض ما لم ينصب للخطبة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس : فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : التعريض أن يقول للمرأة في عدتها : إني لا أريد أن أتزوّج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ يقول : يعرّض لها في عدتها، يقول لها : إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك، ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك ونحو هذا من الكلام فلا حرج.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم العسقلاني، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : هو أن يقول لها في عدتها : إني أريد التزويج، ووددت أن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة.
٤حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة في هذه الآية، قال : يذكرها إلى وليها يقول : لا تسبقني بها.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : يقول : إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير.
٤حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد أنه كره أن يقول : لا تسبقيني بنفسك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قل : هو قول الرجل للمرأة : إنك لجميلة وإنك لنافقة وإنك لإلى خير.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : يعرّض للمرأة في عدتها فيقول : والله إنك لجميلة، وإن النساء لمن حاجتي، وإنك إلى خير إن شاء الله.
٤حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال : هو قول الرجل : إني أريد أن أتزوّج، وإني إن تزوّجت أحسنت إلى امرأتي، هذا التعريض.
حدثني المثنى، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال : حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : يقول : لأعطينك، لأحسنن إليك، لأفعلنّ بك كذا وكذا.
٤حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : سمعت يحيى بن سعيد، قال : أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، في قوله : فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : قول الرجل للمرأة في عدتها يعرّض بالخطبة : والله إني فيك لراغب، وإني عليك لحريص، ونحو هذا.
٤حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع القاسم بن محمد يقول : فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ هو قول الرجل للمرأة : إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير.
٤حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال : قلت لعطاء : كيف يقول الخاطب ؟ قال : يعرّض تعريضا ولا يبوح بشيء، يقول : إن لي حاجة وأبشري، وأنت بحمد الله نافقة، ولا يبوح بشيء. قال عطاء : وتقول هي : قد أسمع ما تقول. ولا تعده شيئا، ولا تقول : لعل ذاك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، قال : ثني عبد الرحمن بن القاسم : أنه سمع القاسم يقول في المرأة يتوفى عنها زوجها، والرجل يريد خطبتها، ويريد كلامها ما الذي يجمل به من القول ؟ قال : يقول : إني فيك لراغب، وإني عليك لحريص، وإني بك لمعجب، وأشباه هذا من القول.
٤حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : لا بأس بالهدية في تعريض النكاح.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، قال : كان إبراهيم لا يرى بأسا أن يهدي لها في العدة إذا كانت من شأنه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : يقول : إنك لنافقة، وإنك لمعجبة، وإنك لجميلة، وإن قضى الله شيئا كان.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : كان إبراهيم النخعي يقول : إنك لمعجبة، وإني فيك لراغب.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : وأخبرني يعني شبيبا عن سعيد، عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي أنه قال في هذه الآية : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ. قال : لا يأخذ ميثاقها ألا تنكح غيره.
٤حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : كان أبي يقول : كل شيء كان دون أن يعزم عقدة النكاح، فهو كما قال الله تعالى ذكره : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ.
٤حدثنا ابن حميد. قال : حدثنا مهران، وحدثني عليّ، قال : حدثنا زيد جميعا، عن سفيان قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ. والتعريض فيما سمعنا : أن يقول الرجل وهي في عدتها : إنك لجميلة، إنك إلى خير، إنك لنافقة، إنك لتعجبيني، ونحو هذا، فهذا التعريض.
٤حدثنا المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن خالته سكينة ابنة حنظلة بن عبد الله بن حنظلة، قالت : دخل عليّ أبو جعفر محمد بن عليّ وأنا في عدتي، فقال : يا ابنة حنظلة أنا من علمت قرابتي من رسول الله ﷺ، وحقّ جدّي عليّ وقَدَمي في الإسلام. فقلت : غفر الله لك يا أبا جعفر أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك فقال : أو قد فعلت ؟ إنما أخبرك بقرابتي من رسول الله ﷺ وموضعي، قد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله ﷺ يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة.
٤حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني عقيل، عن ابن شهاب : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ قال : لا جناح على من عرّض لهنّ بالخطبة قبل أن يحللن إذا كنوا في أنفسهن من ذلك.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه كان يقول في قول الله تعالى ذكره : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّساءِ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدة من وفاة زوجها : إنك عليّ لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله سائق إليك خيرا ورزقا، ونحو هذا من الكلام.
واختلف أهل العربية في معنى الخطبة. فقال بعضهم : الخطبة : الذكر، والخطبة : التشهد. وكأن قائل هذا القول تأول الكلام : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهم وقد زعم صاحب هذا القول أنه قال :«لا تواعدوهنّ سرّا »، لأنه لما قال :«لا جناح عليكم »، كأنه قال : اذكروهن، ولكن لا تواعدوهنّ سرّا.
وقال آخرون منهم : الخِطْبَةُ أخطِب خِطْبَة وخَطْبا، قال : وقول الله تعالى ذكره : قالَ فَمَا خَطْبُكَ يا سامِرِيّ يقال إنه من هذا. قال : وأما الخُطبة، فهو المخطوب من قولهم : خطب على المنبر واختطب.
قال أبو جعفر : والخطبة عندي هي «الفِعْلة » من قول القائل : خطبت فلانة، كالجلسة من قوله : جلس، أو القعدة من قوله : قعد.
ومعنى قولهم : خطب فلان فلانة سألها خَطْبَهُ إليها في نفسها، وذلك حاجته، من قولهم : ما خطبك ؟ بمعنى : ما حاجتك وما أمرك ؟.
وأما التعريض فهو ما كان من لحن الكلام الذي يفهم به السامع الفَهِمُ ما يفهم بصريحه.

القول في تأويل قوله تعالى : أوْ أكْنَنْتُمْ فِي أنْفُسِكُمْ.


يعني تعالى ذكره بقوله : أوْ أكْنَنْتُمْ فِي أنْفُسِكُمْ أو أخفيتم في أنفسكم، فأسررتموه من خطبتهن وعزم نكاحهن وهن في عددهن، فلا جناح عليكم أيضا في ذلك إذا لم تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله. يقال منه : أكنّ فلان هذا الأمر في نفسه، فهو يُكِنّه إكنانا وَكَنّه : إذا ستره، يَكُنّهُ كَنّا وكُنونا، وجلس في الكِ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى