تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ. . .﴾(١).
قال ابن عرفة : وتقدم لنا فيه سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في زيادة ( منكم ) ولو أسقط لكان اللَّفظ أعم فائدة ؟ كما تقدم لنا الجواب عنه بقول بعضهم : إن العام إذا قيد بشيء غالب أمره أنه يتخصص به، وقد يكون تقييده موجبا لتأكيد عمومه كهذه الآية، فإن توهّم وقوع المخالفة ممن لم يدرك النبي ﷺ ( من المؤمنين )(٢) أشد من توهّم وقوع المخالفة ممن أدركه منهم فإذا خوطب بذلك من أدركه فأحرى من سواهم، ف ( منكم ) تأكيد لا تخصيص. وأجيب أيضا بأنّ ( منكم ) تخصيص لا تأكيد.
والمراد من المسلمين الحاضرين والغائبين وغلب فيها ضمير المخاطبين على غيرهم ويكون في الآية على هذا دليل على أنّ الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة.
فإن قلت : ما فائدة قوله :« بِأَنْفُسِهِنَّ » ؟
قلت : فائدته التنبيه على مجاهدة النفس بمنعها شهواتها وتحملها الصبر على النكاح حتى تنقضي العدة.
فإن قلت : ظاهر الآية أن يكون التربص مقصودا لها. والمذهب على أنها إذا لم تعلم بوفاة زوجها إلاّ بعد مضي العدة فإنّها تجزيها تلك ولا تستأنف عدة أخرى بوجه ؟
قلنا : الأغلب في النساء معرفة - وكذلك المذهب - في الأربعة أشهر وعشرا أنها تكفي بشرط أن تحيض فيها حيضة وهو الأعم الأغلب في النساء فإن لم تحض ( واسترابت )(٣) رفعت إلى تسعة أشهر فإن زالت عنها/ الرّيبة فقد انقضت عدتها وإن ( استرابت )(٤) بحس بطن فإنّها تمكث أقصى أمد الحمل، ولهذا قال في المدونة : والعدة في الطلاق بعد الرّيبة وفي الوفاة قبل الريبة(٥).
قوله تعالى :﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. . .﴾.
قيل : أراد عشر ليال بأيامها وغلب اللّيالي لأنها أسبق.
الزمخشري : ولا تراهم فقط يستعملون التّذكير فيه ذاهبين إلى الأيام تقول : صمت عشرا، ولو ذُكرت خرجت من كلامهم(٦).
قال المبرّد : وعشر مدد كل مدة منها يوم وليلة.
وتعقبه أبو حيان بأنه لا حاجة إلى ذكر اللّيالي والعدد لأنهم مضوا على أن المعدود إذا كان مذكرا أو حذفته فلك في العدد وجهان إما التذكير الفصيح أو التأنيث(٧).
قال ابن عرفة : كان الشيوخ يحكون عن شيوخهم خلافا فيمن يشتري سلعة بعشرة دراهم وفي تونس القديم والجديد فكان سيدي الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله الزواوي(٨) يفتي بأن له أن يعطيه عنها ثمانية دراهم جديدة لأن غالب حال الناس التعامل بالجديد وهو الأكثر.
وكان الشيخ الفقيه القاضي أبو القاسم بن زيتون(٩) يقول أسماء العدد نصوص فما يعطيه إلا عشرة دراهم قديمة كما وقع العقد بينهما.
قلت : وذكرت هذا بعينه في سورة العنكبوت(١٠).
١ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى:
﴿والذين يتوفون﴾: مخصوص بذوات الأحمال ولا يقال قوله: ﴿يتربصن﴾ يقتضي القصد للتربص فيلزم إذا مات الزوج ولم يعلم أن لا يلزمها العدة إلا من حسن العلم لأنه خرج مخرج الغالب.
﴿فيما فعلن﴾: أي من الرضى بالنكاح والتوكيل على العقد لا أنها تعقد على نفسها، لأن الخطاب للأولياء والحكام.
﴿بالمعروف﴾: بالوجه الصحيح فتخرج جميع الوجوه الفاسدة..

٢ - أ: نقص..
٣ - أ ب ج د: استبرأت..
٤ - أ ب ج د: استبرأت..
٥ - انظر المدونة الكبرى ٢/٤٢٩..
٦ - الكشاف ١/٣٧٢..
٧ - البحر المحيط ٢/٢٢٣..
٨ - الزواوي: أبو محمد عبد الله الزواوي – انظر ابن فرحون: الديباج. ٢٣٣، ٢٣٤.
القرافي: توشيح الديباج رقم ٢٧٥ ص ٢٨١..

٩ - تقي الدين أبو القاسم بن أبي بكر بن مسافر اليمني التونسي ويقال أبو أحمد المعروف بابن زيتون قاضي الجماعة بتونس أخذ عن أبي عبد الله السوسي الرعيني. ارتحل إلى الشرق وأخذ عن العز بن عبد السلام كان مولده ٦٢١هـ ووفاته ٦٩١هـ. كشف الظنون ص ١٩٣..
١٠ - لا وجود لتفسير هذه السورة في النسخ المعتمدة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى