تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ( البقرة : ٢٣٤ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن﴾ ؛ ﴿الذين﴾ اسم موصول مبتدأ في محل رفع ؛ وجملة :﴿يتوفون﴾ صلة الموصول ؛ وجملة ﴿يتربصن﴾ خبر ﴿الذين﴾ ؛ وفيها أشكال، حيث لم يوجد رابط يربطها بالمبتدأ ؛ لأن قوله تعالى :﴿يتربصن بأنفسهن﴾ ليس فيها ضمير يعود على ﴿الذين﴾ ؛ فاختلف الناس في كيفية الربط بين المبتدأ، والخبر ؛ فقال بعضهم التقدير : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم ؛ وعلى هذا يكون الضمير : في «بعدهم » هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ، والخبر ؛ وقال بعضهم : التقدير : وأزواج الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن ؛ فقدر المبتدأ ؛ هذان وجهان ؛ ولكن الأول أيسر من الثاني، وأقرب.
وقوله تعالى :﴿يتوفون﴾ بضم الياء - أي يتوفاهم الله - ؛ وذلك بقبض أرواحهم عند الموت ؛ وقد أضاف الله التوفي إليه تارة، كما في قوله تعالى :﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢] ؛ وإلى ملك الموت تارة، كما في قوله تعالى :﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١] ؛ وإلى رسله - وهم الملائكة - تارة، كما في قوله تعالى :﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ [ الأنعام : ٦١فإضافتها إلى الله ؛ لأنها بأمره ؛ وإلى ملك الموت ؛ لأنه الذي يقبض الروح ؛ وإلى الرسل ؛ لأنهم يقبضونها من ملك الموت يصعدون بها إلى السماء ؛ ولذلك بني الفعل في الآية لما لم يسم فاعله ؛ ليشمل كل ذلك.
وقوله تعالى :﴿منكم﴾ : الخطاب للناس جميعاً ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول :﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً﴾ [النساء: ١٧٤] ؛ فالخطابات بصيغة الجمع لجميع من نزل إليهم القرآن.
وقوله تعالى :﴿ويذرون أزواجاً﴾ أي يتركون أزواجاً بعدهم ؛ و ﴿أزواجاً﴾ جمع زوج - وهو من عقد له النكاح من رجل، أو امرأة - ؛ إلا أن الفرضيين - رحمهم الله - اصطلحوا على أن الرجل يقال له : زوج ؛ والمرأة يقال لها زوجة من أجل التمييز بينهما في قسمة الميراث.
وقوله تعالى :﴿يتربصن بأنفسهن﴾ أي ينتظرن، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج ؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح ؛ فقيل لها : تربصي بنفسك ؛ انتظري، مثلما أقول : ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك - ؛ وما أشبهها ؛ وأما قول من قال : إن «أنفسهن » توكيد للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية : يتربصن أنفسُهن ؛ فهذا ليس بصحيح ؛ لأن الأصل عدم الزيادة ؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية ؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح : أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن.
قوله تعالى :﴿أربعة أشهر وعشراً﴾ ؛ ﴿أربعة﴾ نائبة مناب الظرف ؛ لأنها مضافة إليه ؛ وهي متعلقة ب ﴿يتربصن﴾.
قوله تعالى :﴿وعشراً﴾ أي وعشر ليال ؛ والمراد : عشرة أيام لكن يعبر عن الأيام بالليالي، كقوله تعالى :﴿إن لبثتم إلا عشراً * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً﴾ [ طه ١٠٣، ١٠٤ ] فتبين أن المراد ب «العشر » هنا الأيام ؛ وهنا قوله تعالى :﴿وعشراً﴾ يعني عشرة أيام ؛ ولكن قال أهل اللغة : إن العرب يعبرون بالليالي عن الأيام ؛ لأنها قبلها.
قوله تعالى :﴿فإذا بلغن﴾ : الضمير يعود على الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن ؛ و ﴿أجلهن﴾ أي مدة العدة ؛ وأجل كل شيء : غايته ؛ أي الغاية التي تنتهي بها العدة ؛ وهي هنا أربعة أشهر وعشراً.
قوله تعالى :﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ : الخطاب لأولياء النساء ؛ فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئاً محرماً عليها في هذه العدة لزم وليها أن يمنعها ؛ وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء - لكن بالمعروف -.
قوله تعالى :﴿والله بما تعملون خبير﴾، أي عليم ببواطن الأمور ؛ فالخبير أخص من العليم.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها ؛ لقوله تعالى :﴿يتربصن بأنفسهن﴾ ؛ لأنها خبر بمعنى الأمر.
٢ - ومنها : وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء كانت صغيرة، أم كبيرة ؛ لقوله تعالى :﴿أزواجاً﴾، وأطلق ؛ فأما الكبيرة فتقوم بما يلزمها من الإحداد ؛ وأما الصغيرة فالمخاطب بذلك وليها يجنبها ما تتجنبه المحادة الكبيرة.
٣ - ومنها : وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء دخل بها، أم لم يدخل ؛ لقوله تعالى :﴿أزواجاً﴾ ؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق ؛ فإن الطلاق قبل الدخول، والخلوة لا عدة فيه ؛ لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩].
٤ - ومنها : وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج، ولا تتعرض للزواج ؛ لقوله تعالى :﴿يتربصن بأنفسهن﴾، كما تقول : تربص بكذا، وكذا - يعني لا تتعجل.
٥ - ومنها : أن السرية لا تلزمها عدة الوفاة ؛ لأنها ليست بزوجة.
٦ - ومنها : أنه لو تبين عند الوفاة أن النكاح باطل لم تعتد بالوفاة، مثل أن يتبين عند وفاته أنها أخته من الرضاع ؛ لأنه تبين أن النكاح باطل - وجوده كالعدم -.
٧ - ومنها : أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام سواء كانت تحيض، أو لا تحيض ؛ ويستثنى من ذلك الحامل ؛ فعدتها إلى وضع الحمل ؛ لقوله تعالى :﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] ؛ ولا عدة للمتوفى عنها زوجها سوى هاتين.
٨ - ومنها : حكمة الله بتقدير عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر ؛ وعلق الحكم بهذا العدد، ولم يعلقه بالأقراء - كما في المطلقات - ؛ لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر ؛ وزيدت العشرة للاستثبات ؛ هكذا قال بعض أهل العلم ؛ ولكن عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل ؛ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد لا يدخل بها ؛ وقد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل ؛ وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل ؛ ثم الاحتياط بأربعة أشهر وعشر : يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة ؛ فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر ؛ وعندي - والله أعلم - أن الحكمة أنهم لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولاً كاملاً في العدة بعد موت زوجها، وتبقى في بيت صغير، كالخباء لها، ولا تمس الماء أبداً ؛ تأكل، وتشرب حتى لا تموت ؛ وتبقى بعرقها، ورائحتها، وحيضها، ونتنها لمدة سنة كاملة ؛ فإذا تمت السنة أتوا لها بفأرة، أو عصفور، فقالوا لها :«امحشي به فرجك » ؛ فقلّ ما تتمسح بشيء إلا مات من الرائحة الكريهة ؛ مدة سنة ربما يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان ؛ ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة ؛ فأخذت البعرة، ورمت بها، كأنها تقول : كل ما مر عليّ فهو أهون من رمي هذه البعرة ؛ فجاء الإسلام، وأبدل الحول بأربعة أشهر ؛ لأن أربعة أشهر : ثلث حول ؛ وعشرة أيام : ثلث شهر ؛ والثلث كثير ؛ فأُتي من الحول بثلثه، ومن الشهر بثلثه ؛ فإن تبينت هذه الحكمة، وكانت هي مراد الله فهذا من فضل الله ؛ وإن لم تتبين فإننا نقول : الله أعلم بما أراد ؛ وهذا كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم ما الحكمة فيها.
٩ - ومن فوائد الآية : أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفاً من تجمل، وخروج من البيت، وغير ذلك ؛ لقوله تعالى :﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم﴾.
١٠ - ومنها : أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم ؛ لقوله تعالى :﴿فلا جناح عليكم﴾ إشارة إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء ؛ فيكونون مسؤولين عنهن.
١١ - ومنها : اعتبار العرف ؛ لقوله تعالى :﴿بالمعروف﴾ ؛ والعرف معتبر إذا لم يخالف الشرع ؛ فإن خالف الشرع فلا يعتبر.
١٢ - ومنها : إثبات علم الله عزّ وجلّ بالظاهر، والخفي ؛ لقوله تعالى :﴿والله بما تعملون خبير﴾ ؛ والخبير هو العليم ببواطن الأمور ؛ ومن كان عليماً ببواطن الأمور كان عليماً بظواهرها من باب أولى.
١٣ - ومنها : التحذير من مخالفة هذا الحكم ؛ لقوله تعالى :﴿والله بما تعملون خبير﴾ أي احذروا من مخالفته ؛ فإن الله بما تعملون خبير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى