زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أي : يقبضون بالموت. وقرأ المفضل عن عاصم ﴿يتوفون﴾ بفتح الياء في الموضعين. قال ابن قتيبة : هو من استيفاء العدد، واستيفاء الشيء : أن نستقصيه كله، يقال : توفيته واستوفيته، كما يقاله : تيقنّت الخير واستيقنته، هذا الأصل، ثم قيل للموت : وفاة وتوفّ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ينتظرن وقال الفراء : وإنما قال :﴿وَعَشْرًا﴾ ولم يقل : عشرة، لأن العرب إذا أبهمت العدد من الليالي والأيام، غلبوا على الليالي، حتى أنهم ليقولون : صمنا عشرا من شهر رمضان، لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام، فإذا أظهروا مع العدد تفسيره، كانت الإناث بغير هاء، والذكور بالهاء كقوله تعالى :﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة: ٧]. فإن قيل : ما وجه الحكمة في زيادة هذه العشرة ؟ فالجواب : أنه يبين صحة الحمل بنفخ الروح فيه، قاله سعيد بن المسيب، وأبو العالية، ويشهد له الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ :( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح ).
فصل : وهذه الآية ناسخة للتي تشابهها، وهي تأتي بعد آيات، وهي قوله :﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوجًا وَصِيَّةً لأّزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] لأن تلك كانت تقتضي وجوب العدة سنة، وسنذكر ما يتعلق بها هنالك، إن شاء الله. فأما التي نحن في تفسيرها : فقد روي عن ابن عباس أنه قال : نسختها ﴿وَأُوْلاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والصحيح : أنها عامة دخلها التخصيص، لأن ظاهرها يقتضي وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشرا، وسواء كانت حاملا، أو غير حامل، غير أن قوله تعالى :﴿وَأُوْلاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ خص أولات الحمل، وهي خاصة أيضا في الحرائر، فإن الأمة عدتها شهران وخمسة أيام، فبان أنها من العام الذي دخله التخصيص.
قوله تعالى :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني : انقضاء العدة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى