كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ؛ معناه : إنَّ الذين يَموتون منكم ويتركونَ نساءَهم من بعدهم ؛ ينتظرونَ في عدتِهن ؛ معنى ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ لا يتزوجنَ ولا يتزيَّنَّ في هذه المدةِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ؛ أي إذا انقضت عِدتُهن ؛ ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ أي لا حرجَ عليكم في تركهنَّ بعد انقضاء المدة ليتزيَّن زينةً لا يُنكر مثلها، ويتزوجنَ من الأكْفَاءِ ويفعلنَ كُلَّ معروفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ؛ أي بما تعملون من الخيرِ والشر عالِمٌ يجزيكم به.
فإن قيل :(الَّذِيْنَ) اسمٌ موصول و ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ ﴿وَيَذَرُونَ﴾ من صلته، وجملته مبتدأ ؛ و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ فعلُ الأزواجِ لا فعلُ ﴿الَّذِينَ﴾ ولا فيه ضميرٌ عائد إلى ﴿الَّذِينَ﴾ ؛ فيبقى المبتدأُ بلا خبرٍ، والمبتدأُ لا يخلو من خبر اسماً كان أو فعلاً ؛ وليس من ذلك ها هُنا شيءٌ ؟ قيل : قال أبو العباسِ السرَّاج :(فِي الآيَةِ ضَمِيْرٌ تَقْدِيْرُهُ : أزْوَاجُهُمْ يَتَرَّبَصْنَ) لأن الفعلَ يدلُّ على الفاعل. وقال الأخفشُ :(تَقْدِيْرُهُ : يَتَرَبَّصْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) حتى يكون الضميرُ عائداً إلى ﴿الَّذِينَ﴾. وذكرَ الزجَّاج : أنَّ النُّونَ فِي قَوْلِهِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ قَائِمٌ مَقَامَ الأَزْوَاجِ كِنَايَةٌ عَنْهَا لاَ مَحَالَةَ فَصَارَ كَالتَّصْرِيْحِ، وهذا كما يُقال : الذي يَموت ويخلف ابنتين ترثانِ الثلثين ؛ معناه يرثُ ابنتاهُ الثلثين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَشْراً﴾ ظاهرُ لفظِ العشر يتناول الليالي ؛ ألا تَرى أنه يقالُ للأيام : عشرةُ أيامٍ ؛ وإنَّما غلبَ لفظ التأنيث في الآية فقيل :(عَشْرًا) ؛ لأنَّ العرب تُقَدِّمُ الليلَ على النهار ويعدُّون أولَ كلِّ شهر من الليلة ؛ ألا تراهم يُصَلُّونَ التراويحَ إذا رأوا الهلالَ ويَدَعُونَها إذا رأوا هلال شوَّال. ومن عادتِهم أنَّهم إذا ذكروا أحدَ العددَين على سبيل الجمعِ أرادوا مثلهُ العدد الآخر ؛ كما قال تعالى في قصَّة زكريَّا عليه السلام :﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾[آل عمران: ٤١] وقالَ في موضعٍ آخر :﴿ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾[مريم: ١٠] والقصةُ واحدة، فعبَّر تارةً بالأيام عن الليالي، وتارةً بالليالي عن الأيام.
ويقال : الحكمةٌُ في تقديرِ عدَّة الوفاة بأربعةِ أشهر وعشرٍ ما روي عن عبدِالله بن مسعودٍ أنه قالَ :[يُجْمَعُ خَلْقُ أحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِيْنَ يَوْماً نُطْفَةً، وَأرْبَعِيْنَ يَوْماً عَلَقَةً، ثُمَّ أرْبَعِيْنَ يَوْماً مُضْغَةً، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيْهِ الرُّوحُ فِي عَشْرَةِ أيَّامٍ، فَيُكْتَبُ أجَلُهُ وَرزْقُهُ وَأنَّهُ شَقِيٌّ أوْ سَعِيْدٌ]. فيجوزُ أنَّ الله قدَّر هذه في عدَّة الوفاة ؛ ليظهر أنَّها حاملٌ أو حائل.
واختلفوا في عدَّة الحاملِ ؛ فقال عمرُ وابن مسعودٍ وعبدالله بن عمرَ وأبو هريرةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ :(أنَّ الْحَامِلَ تَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْعِدَّةِ إذَا وَضَعَتْ. وإنْ كَانَ زَوْجُهَا عَلَى السَّرِيْرِ) حتى قال ابنُ مسُعود :(مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ، إنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى :

تفسير هذه الآية من كتب أخرى