ذَكَرَ ابنُ جرير (٢٢/٥٥٩)، وابنُ عطية (٨/٢٧٦)، وابنُ تيمية (٦/٢٨٣)، وابنُ كثير (١٣/٥٠٦) أنّ سبب نزول هذه الآية: قصة حاطِب بن أبي بَلْتَعة. وقال ابنُ تيمية (٦/٢٨٤): «هذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحّتها، وهي متواترة عندهم، معروفة عند علماء التفسير، وعلماء الحديث، وعلماء المغازي والسِّير والتواريخ، وعلماء الفقه، وغير هؤلاء، وكان علي رضي الله عنهما يحدِّث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة، وروى ذلك عنه كاتبُه عبد الله بن أبي رافع ليُبيّن [لهم] أنّ السابقين مغفور لهم، ولو جرى منهم ما جرى»
وجَّه ابنُ القيم (٣/٢٨٩) قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقول عطية العَوفيّ بقوله: «والتحقيق أنّ هذا على وجه التمثيل، ورجْع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون مِن جهتها حالًا بعد حال، وعلى مرور الأزمان، ترجعه رجْعًا، أي: تُعطيه مرة بعد مرة، والخير كلّه مِن قِبل السماء يجيء. ولما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسّر الرَّجْع به، وحسن تفسيره به ومقابلته بصدْع الأرض عن النبات، وفسّر الصَّدْع بالنبات لأنه يصدَع الأرض، أي: يشقّها، فأَقسم سبحانه بالسماء ذات المطر، والأرض ذات النبات، وكلّ من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته»
عن أبي هريرة، أنّ النبي ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعَلّاتٍ، أُمَّهاتُهُم شتّى ودينهم واحد، وإنِّي أوْلى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنّه خليفتي على أُمَّتي، وإنّه نازِلٌ، فإذا رأيتموه فاعْرِفوه؛ رجل مربُوع، إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان مُمَصَّران، كأنّ رأسه يقطر وإن لم يُصِبه بلَلٌ، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويُهْلِك اللهُ في زمانه المللَ كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأَمَنَةُ على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنِّمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيّات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، ويدفنونه»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وذلك أنّ الله عز وجل خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس -وهُوَ آدم عليه السلام، فجعلهم سُكّانَ الأرض، وجعل الملائكة سكان السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا مِن أهل سماء الدنيا -يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزّان الجنة، رأسهم إبليس-، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفُوا من العبادة فِي الأرض ما كُلِّفُوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله عز وجل إليهم: ﴿إني جاعل فِي الأرض خليفة﴾ سواكم، ورافعكم إليَّ. فكرهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهونَ الملائكةِ أعمالًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٩٦-٩٧.]]
أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في تفسير قوله: ﴿وأنتم سكارى﴾ على قولين: الأول: سكر الخمر. والثاني: سكر النوم. ورجّح ابنُ جرير (٧/٤٩ بتصرف) الأول مستندًا إلى أقوال الصحابة، وسبب النزول، وقال: «وذلك للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله ﷺ بأنّ ذلك كذلك نهيٌ من الله، وأنّ هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه». وانتَقَدَ ابن عطية (٢/٥٦٠) قولَ الضحاك بأنه سكر النوم بقوله: «وهذا ضعيف». وعلَّق عليه ابنُ تيمية (٢/٢٥٣) بقوله: «وهذا إذا قيل: إنّ الآية دلت عليه بطريق الاعتبار، أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أنّ سبب نزول الآية كان السكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك، والمعنى الآخر صحيح أيضًا»
وجَّهَ ابن جرير (٨/١٥١-١٥٢) تأويل مجاهد هذا بقوله: «وجْهُ تأويلِه ذلك كذلك: أنّ الإيمان هو التصديق بالله، وبرسله، وما ابتعثهم به من دينه، والكفر جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان هو: جحود الله، وجحود توحيده. ففَسَّروا معنى الكلمة بما أُرِيد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة. فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟ قيل: تأويلها: ومن يَأْبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده، والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه؛ فقد حَبِط عمله. وذلك أن الكفر هو الجحود في كلام العرب، والإيمان التصديق والإقرار. ومَن أبى التَّصْدِيق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين. فذلك تأويل الكلام على وجهه»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في تفسير قوله: ﴿عيدا﴾ على قولين: أحدهما: أنّ معناه: نتخذ يوم نزولها عيدًا نعظمه نحن ومَن بعدنا. والآخر: أنّ معناه: نأكل منها جميعًا. وذكر ابنُ جرير قولًا ثالثًا ولم ينسبه: أنّ المعنى: عائدة من الله علينا وحجة وبرهانًا. ورجَّح ابنُ جرير (٩/١٢٤) القول الأول الذي قاله السدي، وقتادة، وابن جريج، وسفيان، وانتقد الثالث مستندًا إلى الأغلب في اللغة، فقال: «لأنّ المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في العيد ما ذكرنا، دون القول الذي قاله مَن قال معناه: عائدة من الله علينا، وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام مَن خوطب به أولى من توجيهه إلى المجهول منه ما وُجِد إليه السبيل»
للسلف في تفسير قوله: ﴿كمشكاة﴾ أقوال: الأول: كوة لا منفذ لها. الثاني: موضع الفتيلة من القنديل. الثالث: الحديد الذي به القنديل. الرابع: صدر المؤمن. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٣٠٧) وكذا ابنُ كثير (٦/٥٨ بتصرف) مستندًا إلى السياق القولَ الثاني، وقال ابنُ كثير: «قوله: ﴿كمشكاة﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل. هذا هو المشهور، وهو الأولى؛ ولهذا قال بعده: ﴿فيها مصباح﴾». ورجّح ابنُ عطية (٦/٣٨٧ بتصرف) القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «والمشكاة: الكوة في الحائط غير النافذة. قاله ابن جبير، وسعيد بن عياض، وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمِصْباحُ فيها أكثر إنارة من غيرها، فهذا أصح الأقوال»
قال ابنُ عطية (٧/١٣٠-١٣١): «ذهب ابن زيد والضحاك في تفسير قوله: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ إلى أن المعنى: أنّ الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، وأباح له كلَّ النساء بهذا الوجه، وأباح له ملك اليمين، وبنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجر معه، وخصص هؤلاء بالذكر تشريفًا وتنبيهًا؛ إذ قد تناولهن -على تأويل ابن زيد- قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ إنا أحللنا﴾، وأباح له الواهبات خاصة له، فهذا -على تأويل ابن زيد- إباحة مطلقة في جميع النساء حاشا ذوات المحارم، لا سيما -على ما ذكره الضحاك- أن في مصحف ابن مسعود: (وبَناتِ خالاتِكَ واللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ)»
اختُلف في معنى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: تتعجَّبون مما نزل بكم في زرعكم. الثاني: تتلاومون. الثالث: تندَّمون. الرابع: تفجَّعون. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٣٥١) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، وعلَّل ذلك بأن أصله: «من التفكُّه بالحديث: إذا حدَّث الرجلُ الرجلَ بالحديث يُعْجَب منه، ويَلْهى به، فكذلك ذلك، وكأن معنى الكلام: فأقمتم تتعجَّبون، يُعَجِّب بعضكم بعضًا مما نزل بكم». واستدرك ابنُ عطية (٨/٢٠٦) على هذه الأقوال الأربعة بقوله: «وهذا كلّه تفسير لا يخصُّ اللفظة، والذي يخصُّ اللفظة هو: تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي المَسَرَّة والجزل، ورجلٌ فَكِهٌ: إذا كان منبسط النفس غير مكترث بالشيء»