اختُلِف في معنى الأواه على أقوال: الأول: الدَّعّاء. الثاني: الرحيم. الثالث: الموقن. الرابع: المؤمن، بلغة الحبشة. الخامس: المُسَبِّح. السادس: الذي يكثر تلاوة القرآن. السابع: المُتَأَوِّه. الثامن: الفقيه. التاسع: المُتَضَرِّع الخاشع. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٤٤) مستندًا إلى السياق القول الأول الذي قاله ابن مسعود، وعبيد بن عمير «لأنّ الله ذكر ذلك، ووصف به إبراهيمَ خليلَه ﷺ بعد وصفه إياه بالدعاء والاستغفار لأبيه، فقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدوٌّ لله تبرأ منه﴾، وتَرَك الدعاء والاستغفار له. ثم قال: إنّ إبراهيم لدعّاء لربه، شاكٍ له، حليمٌ عمَّن سبَّه وناله بالمكروه». ثم بَيَّن أنّ أصل الدعاء مِن التأوُّه، وهو التضرُّع والمسألة بالحزن والإشفاق. وبيّن (١٢/٤٦) اندراج أقوال المفسرين تحت هذا المعنى وتقارب بعضها من بعض، فقال: «ولأنّ معنى ذلك: توجَّع، وتحزّن، وتضرع. اختلف أهل التأويل فيه الاختلافَ الذي ذكرتُ. فقال مَن قال معناه: الرحمة مِن إبراهيم على وجه الرِّقة على أبيه، والرحمة له، ولغيره من الناس. وقال آخرون: إنما كان ذلك منه لصحة يقينه، وحسن معرفته بعظمة الله، وتواضعه له. وقال آخرون: كان لصحة إيمانه بربِّه. وقال آخرون: كان ذلك منه عند تلاوته تنزيل الله أحد الذي أنزله عليه. وقال آخرون: كان ذلك منه عند ذكر رَبِّه. وكلُّ ذلك عائد إلى ما قلتُ، وتقارب معنى بعض ذلك من بعض؛ لأن الحزين المتضرِّع إلى ربه، الخاشع له بقلبه، ينوبه ذلك عند مسألته ربَّه، ودعائه إياه في حاجاته، وتعتوره هذه الخلال التي وجَّه المفسرون إليها تأويل قول الله: ﴿إن إبراهيم لأوّاه حليمٌ﴾»
ذَهَبَ ابن جرير (٢/٥٢٣-٥٢٤)، وابن كثير (٢/١٩) إلى نَسْخِ هذه الآية بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... ﴾ [التوبة:٢٩] استنادًا إلى السياق، وآثار السلف، فقال ابن جرير: «يعني بقوله: ﴿فاعفوا﴾ فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم: ﴿واسمع غير مسمع وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين﴾ [النساء:٤٦]، ﴿واصفحوا﴾ عما كان منهم من جهل في ذلك، ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء. فقضى فيهم -تعالى ذكره- وأتى بأمره، فقال لنبيه وللمؤمنين به: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، فنسخ الله العفوَ عنهم والصفحَ بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارًا». وقال ابن كثير: «ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾». وذكر ابن عطية (١/٣٢١) قولًا أنها منسوخة بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، ثم قال مُضيفًا: «وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته». ثم علّق بقوله: «وهذا على من يجعل الأمر المنتظر أوامر الشرع، أو قتل قريظة وإجلاء النضير، وأمر من يجعله آجال بني آدم فيترتب النسخ في هذه الآية بعينها، لأنه لا يختلف أنّ آيات الموادعة المطلقة قد نسخت كلها»
اختُلِف هل كان الطعام الذي يأتيهما في اليقظة أم المنام؟ وأثَر ابن جريج مصرِّح بأنه في اليقظة، وهو ما علَّق عليه ابنُ جرير (١٣/١٦٢) بقوله: «وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج فقوله: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ في اليقظة، لا في النوم. وإنّما أعلمهما على هذا القول أنّ عنده علم ما يَؤُول إليه أمرُ الطعام الذي يأتيهما مِن عند الملك ومِن عند غيره؛ لأنّه قد علم النوع الذي إذا أتاهما كان علامةً لقتل مَن أتاه ذلك منهما، والنوع الذي إذا أتاه كان علامةً لغير ذلك، فأخبرهما أنّه عنده علم ذلك». وعلَّق عليه ابنُ عطية (٥/٨٨بتصرف) بقوله: «فعلى هذا إنّما أعْلَمَهم بأنّه يعلم مُغَيَّبات لا تعلق لها برؤيا. وقصد بذلك أحد وجهين: الأول: تَنسِيَتَهما أمرَ تعبيرِ ما سألا عنه؛ إذ في ذلك النذارة بقتل أحدهما. الثاني: الطماعية في إيمانهما. ليأخذ المقتول بحظِّه من الإيمان، وتسلم له آخرته. ثم قال:»وهذا على ما رُوِي مِن أنّه نُبِّئ في السجن، فإخباره كإخبار عيسى عليه السلام"". وانتقد ما جاء مِن أنّ إرسال الملك للطعام يؤذن بقتل المرسَل إليه مستندًا لدلالة اللفظ، وعدم الدليل النقليّ، فقال: «وهذا كله لا يقتضيه اللفظ، ولا ينهض به إسناد». وانتقده ابنُ كثير (٤/٣٩٠ دار طيبة) قولَ ابن جريج مستندًا للسياق، فقال: «وفي هذا الذي قاله نظر؛ لأنّه قد وعدهما أولًا بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وُصْلَةً وسببًا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما مِن قبول الخير، والإقبال عليه، والإنصات إليه، ولهذا لَمّا فرغ مِن دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما، مِن غير تكرار سؤال»
اختُلِف في المخاطَب بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ على قولين: الأول: المخاطب الكفار، والمعنى: فقد كذبوكم أيها الكافرون مَن زعمتم أنهم أضلوكم. الثاني: المخاطَب المؤمنون، والمعنى: قد كذبكم أيها المؤمنون الكفار فيما تقولون من التوحيد والشرع. وعلَّق ابنُ عطية (٦/٤٢٦) على القول الأول بقوله: «وفي هذا الإخبار خِزْيٌ وتوبيخ». ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٤٢٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، وهو قول مجاهد، فقال: «وهو أن يكون خبرًا عن الذين كذبوا الكافرين في زعمهم أنهم دعَوهم إلى الضلالة وأمروهم بها، على ما قاله مجاهد من القول الذي ذكرناه عنه أشبه وأولى؛ لأنه في سياق الخبر عنهم». ووجَّه قول ابن زيد -وهو القول الثاني- قائلًا: «فوجَّه ابن زيد تأويل قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ إلى: فقد كذبكم -أيها المؤمنون- المكذبون بما جاءهم به محمدٌ من عند الله بما تقولون من الحق». ثم ذكر (١٧/٤٢٢) قراءة ابن مسعود: (فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفًا)، وعلَّق صحة تأويل ابن زيد على صحة هذه القراءة، فقال بعد أن ذكر قراءة ابن مسعود: «فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة صحَّ التأويل الذي تأوَّله ابن زيد في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ﴾، ويصير قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خبرًا عن المشركين أنهم كذبوا المؤمنين». ثم بيَّن معنى: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ على هذه القراءة، فقال: «ويكون تأويل قوله حينئذٍ: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾: فما يستطيع -يا محمد- هؤلاء الكفار لك صرفًا عن الحق الذي هداك الله له، ولا نصرَ أنفسهم مما بهم من البلاء الذي هم فيه بتكذيبهم إياك»
أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ على أقوال: الأول: أن الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله. والإقتار: المنع من حقوق الله. الثاني: أن السرف: هو مجاوزة الحد في النفقة. والإقتار: التقصير عن الحدِّ الذي لا بُدَّ منه. الثالث: أنّ الإسراف هو أكل مال الغير بغير حق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٠١) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك قولُ مَن قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدَّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به. والقوام: بين ذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لأنّ المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصًا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذمومًا؛ لأنّ ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم». وانتقد ابنُ عطية (٦/٤٥٧-٤٥٨ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، وقول مَن قال: الإسراف: أن تنفق مال غيرك، فقال: «هذه الأقوال غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر. والوجه أن يُقال: إنّ النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليلَه وكثيرَه، وكذلك التعدِّي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون مُنَزَّهون عن ذلك». ثم رجّح أن «التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدبُ الشرع فيها أن لا يُفَرِّط الإنسان حتى يضيع حقًّا آخر أو عيالًا ونحو هذا، وأن لا يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشُّحّ، والحسن في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخِفَّة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها»
اختُلف هل هذه الآية من الصفات أم لا؟ ورجَّح ابنُ تيمية (٦/٣٨٢) -مستندًا إلى اللغة- أنها ليست من آيات الصفات، فقال: «لا ريب أنّ ظاهر القرآن لا يدلّ على أنّ هذه من الصفات؛ فإنه قال: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ نكرة في الإثبات، لم يُضفها إلى الله، ولم يَقلْ: عن ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل». وذكر (٦/٣٨٣) «أنّ أصل الخلاف راجع لعدم الإضافة، وأنّ مَن يجعلها من الصفات يقول فيها كقوله: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص:٧٥] ونحو ذلك، فإنه مع الصفات تُثبتُ، ويجب تنزيه الرّبّ تعالى عن التمثيل». وذكر ابنُ عطية (٨/٣٧٨) أنّ ما جاء من أمر الكشف عن الساق في الآية فإنما هو عبارة عن شِدّة الهول، ثم علَّق بقوله (٨/٣٧٨-٣٧٩): ""ومن هذا المعنى قول الشاعر في صفة الحرب:كَشَفَتْ لهم عن ساقها وبَدا عن الشّرّ البراحوأصل ذلك: أنه مّن أراد الجدّ في أمر يحاوله فإنه يَكشف عن ساقه تشميرًا وجِدًّا، وقد مدح الشعراء بهذا المعنى فمنه قول دريد:كَمِيشُ الإزار خارج نصف ساقه صبور على الضراء طلاّع أنجُدوعلى هذا من إرادة الجِدّ والتشمير في طاعة الله تعالى، قال ﷺ: «إزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف ساقيه»"". وبيّن أنّ قوله تعالى: ﴿ويُدعون﴾ ظاهره أنّ ثمّ دعاء إلى السجود، وانتقده بقوله: «وهذا يَردّه ما قد تقرّر في الشرع من أنّ الآخرة ليست بدار عمل، وأنها لا تكليف فيها». ثم علَّق بقوله: «فإذا كان هذا فإنما الداعي ما يَرونه من سجود المؤمنين فيريدون أن يسجدوا عند ذلك فلا يستطيعون». وذكر أنّ البعض ذهب إلى أنهم يُدعَون إلى السجود على جهة التوبيخ، وأنّ البعض خرج من قوله: ﴿فلا يستطيعون﴾ أنهم كانوا يستطيعونه قبل ذلك، وعلَّق عليه بقوله: «وذلك غير لازم»
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- قال: أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾: أنّ رجلين نصرانيين من أهل دارين -أحدهما تميمي، والآخر يماني- صاحبهما مولًى لقريش في تجارة، فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبَزٍّ ورِقَّة، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الدارِيَّيْنِ، فمات وقبض الدارِيّان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله، وأنكر القومُ قِلَّة المال، فقالوا للداريين: إنّ صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئًا أو اشترى شيئًا فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنتمانا. فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يحبسا من بعد الصلاة، أمر النبي - ﷺ - فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السموات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنًا قليلًا من الدنيا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، فلما حلفا خُلِّي سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت، فأخذ الدارِيّان، فقالا: اشتريناه منه في حياته. وكذبا، فكُلِّفا البينة، فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿فإن عثر﴾. يقول: فإن اطَّلع ﴿على أنهما استحقا إثما﴾ يعني: الداريين، إن كتما حقًّا ﴿فآخران﴾ من أولياء الميت ن ﴿يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان، فيقسمانبالله﴾ فيحلفان بالله: إنّ مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي يطلب قبل الداريين لحقٌّ، ﴿وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين﴾ هذا قول الشاهدين أولياء الميت، ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ يعني: الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك
اختلف السلف في معنى اللهو على أقوال: الأول: أنه الغناء. الثاني: أنه الطبل. الثالث: أنه الشرك. الرابع: أنه أخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨/٥٣٩) صحّةَ جميع ذلك؛ للعموم في معنى ذلك، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: عنى به كل ما كان من الحديث ملهيًا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله: ﴿لهو الحديث﴾ ولم يخصص بعضًا دون بعض، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك». وذكر ابنُ عطية (٧/٤٢) هذه الأقوال وبعض روايات النزول، ثم رجّح مستندًا إلى ظاهر سياق الآية بقوله: «والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث مضاف إلى كفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾، وبالتوعد بالعذاب المهين، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا، ولهو الحديث: كل ما يلهي من غناء وخنا ونحوه». وعلّق ابنُ القيم (٢/٣١٧-٣١٨) على القول الأول والرابع، فقال: «ولا تعارض بين تفسير ﴿لهو الحديث﴾ بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يُحَدِّث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: لهو الحديث: الباطل والغناء. فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما». ثم قال: «والغناء أشد لهوًا، وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم؛ فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان... إذا عرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإنّ الآيات تضمنت ذمَّ من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا»
اخْتَلَفَت القراءة في قوله تعالى: ﴿أمَرْنا﴾ على أربعة أوجه: الأول: بهمزة مفتوحة غير ممدودة، وبميم مخففة مفتوحة، هكذا ﴿أمَرْنا﴾، وتحتمل هذه القراءة أن يكون المعنى: أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا. أو جعلناهم أمراء ففسقوا فيها. أو أكثرنا مترفيها ففسقوا فيها. والثاني: بهمزة مفتوحة غير ممدودة، وبميم مشددة مفتوحة، هكذا (أمَّرْنا)، بمعنى: جعلناهم أمراء، وملَّكناهم على الناس. والثالث: بهمزة مفتوحة ممدودة، وبميم مخففة مفتوحة، هكذا ‹آمَرْنا›، بمعنى: أكثرنا فسقتها. والرابع: بهمزة مفتوحة غير ممدودة، وبميم مخففة مكسورة، هكذا (أمِرْنا)، بمعنى: أكثرنا. وعلَّقَ ابن عطية (٥/٤٥٤) على الوجه الثاني، فقال: «وأما (أمَّرْنا) من الإمارة فمتوجه على وجهين: أحدهما: أن لا يريد إمارة الملْكِ، بل كونهم يأمرون ويُؤْتمر لهم؛ فإن العرب تقول لمن يأمر الإنسان -وإن لم يكن ملكًا- هو أمير... وأيضًا فلو أراد إمارة الملك في الآية لحَسُنَ المعنى؛ لأن الأمة إذا مَلَّكَ الله عليها مترفًا ففسق، ثم ولّى مثله بعده، ثم كذلك عَظُمَ الفساد وتوالى الكفر، واستحقوا العذاب، فنزل بهم على رجل الأخير من ملوكهم». وعلَّقَ على الوجه الرابع، فقال: «لا أتحقّق وجهًا لهذه القراءة إلا إن كان»أمِرَ القومُ«يتعدّى بلفظه». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٥٣٢) الوجه الأول بمعناه الأول، فقال: «أولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة مَن قرأ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بقصر الألف مِن ﴿أمرنا﴾، وتخفيف الميم منها؛ لإجماع الحجة من القراء على تصويبها دون غيرها. وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة فأولى التأويلات به تأويل مَن تأوّله: أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها فحق عليهم القول؛ لأن الأغلب من معنى»أمرنا«الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معاني كلام الله -جل ثناؤه- إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى ما وجد إليه سبيل من غيره». و«الأمر» على اختيار ابن جرير دينيّ شرعيّ. ورَجَّحَ ابنُ القيم (٢/١٣٤-١٣٥) أنّ الأمر في الآية قدريٌّ كونيٌّ، فقال: «هذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني شرعي؛ فإن الله لا يأمر بالفحشاء، والمعنى: قضينا ذلك وقدرناه. وقالت طائفة: بل هو أمر ديني، والمعنى: أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا. والقول الأول أرجح؛ لوجوه: أحدها: أن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا إذا لم يكن تصحيح الكلام بدونه. الثاني: أن ذلك يستلزم إضمارين: أحدهما: أمرناهم بطاعتنا. الثاني: فخالفونا أو عصونا ونحو ذلك. الثالث: أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه، كقولك: أمرته ففعل، وأمرته فقام، وأمرته فركب. لا يفهم المخاطب غير هذا. الرابع: أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور، ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك، بل هو سبب للنجاة والفوز، فإن قيل: أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك. قيل: هذا يبطل بالوجه الخامس وهو: أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين، بل هو سبحانه يأمر بطاعته، واتّباع رسله المترفين وغيرهم، فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين، يوضحه الوجه السادس: أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم، ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال: أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها. فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال مَن عداهم: نحن لم يرسل إلينا. السابع: أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم، وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم؛ لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام:١٣١]، فإذا أرسل الرسل فكذبوهم أراد إهلاكها، فأمر رؤساءها ومترفيها أمرًا كونيًّا قدريًّا، لا شرعيًّا دينيًّا بالفسق في القرية، فاجتمع أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم، فحينئذ جاءها أمر الله، وحق عليها قوله بالإهلاك»
عن عبد الله بن أبي نَجِيح -من طريق ابن إسحاق- قال: كانت قريش -لا أدري قبل الفيل أم بعده- ابْتَدَعَتْ أمْرَ الحُمْس، رأيًا رَأَوْه بينهم، قالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرم، وولاة البيت، وقاطنو مكة، وساكنوها؛ فليس لأحد من العرب مثل حقِّنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا؛ فلا تُعَظِّموا شيئًا من الحِلِّ كما تُعَظِّمون الحرم؛ فإنّكم إن فعلتم ذلك اسْتَخَفَّت العرب بحرمكم. وقالوا: قد عظَّموا من الحل مثل ما عظَّموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يَعْرِفُون ويُقِرُّون أنّها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم؛ فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة، ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحُمْس -والحُمْس: أهل الحرم-. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحِلِّ مثل الذي لهم بولادتهم إيّاهم، فيَحِلُّ لهم ما يَحِلُّ لهم، ويَحْرُم عليهم ما يَحْرُم عليهم، وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتدعوا في ذلك أمورًا لم تكن، حتى قالوا: لا ينبغي للحُمْس أن يَأْتَقِطُوا الأَقِطّ، ولا يَسْلَؤُوا السَّمْنَ وهم حُرُم، ولا يدخلوا بيتًا من شَعَر، ولا يَسْتَظِلُّوا إن اسْتَظَلُّوا إلا في بيوت الأدَم ما كانوا حُرُمًا. ثم رفعوا في ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحِلِّ أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحِلِّ في الحرم، إذا جاؤوا حُجّاجًا أو عُمّارًا، ولا يطوفون بالبيت إذا قَدِموا أول طوافهم إلا في ثياب الحُمْس، فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا بالبيت عُراة. فحملوا على ذلك العرب، فدانَت به، وأخذوا بما شَرَعُوا لهم من ذلك، فكانوا على ذلك، حتى بعث الله محمدًا ﷺ، فأنزل الله حين أحكم له دينه، وشَرَع له حجه: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ يعني: قريشًا. و﴿الناس﴾: العرب. فرفعهم في سُنَّة الحج إلى عرفات، والوقوف عليها، والإفاضة منها. فوضع الله أمْرَ الحُمْسِ، وما كانت قريش ابْتَدَعَتْ منه عن الناس بالإسلام حين بعث الله رسوله