سورة الشعراء — الآية ٦٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق يوسف بن مهران- قال: كتب صاحبُ الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام ما هو؟ والثاني، والثالث، والرابع؟ وعن أكرم الخلق على الله، وأكرم الإماء على الله، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رَحِم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن المجرة، وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمسُ لم تطلع قبل ذلك ولا بعده. فلمّا قرأ معاوية الكتاب قال: أخزاه الله، وما علمي بما ههنا! فقيل له: اكتب إلى ابن عباس، فسَلْه. فكتب إليه يسأله، فكتب إليه ابن عباس: إنّ أفضل الكلام لا إله إلا الله؛ كلمة الإخلاص، لا يُقبَل عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده؛ أحب الكلام إلى الله، والتي تليها الحمد لله؛ كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر؛ فاتحة الصلوات والركوع والسجود، وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام، وأكرم إماء الله مريم، وأَمّا الأربعة الذين لم يركضوا في رحم فآدم، وحواء، والكبش الذي فدى به إسماعيل، وعصا موسى؛ حيث ألقاها فصار ثعبانًا مبينًا، وأَمّا القبر الذي سار بصاحبه فالحوت حين التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض مِن الغرق بعد قوم نوح، وأما المكان الذي طلعت فيه الشمسُ لم تطلع قبله ولا بعده فالمكان الذي انفرج مِن البحر لبني إسرائيل. فلما قرأ عليه الكتاب أرسل به إلى صاحب الروم، فقال: لقد علمتُ أنّ معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا رجل مِن أهل بيت النبوة

سورة يس — الآية ٣٨

عن أبى ذرٍّ الغفاري، قال: كنت آخذ بيد رسول الله ﷺ، ونحن نتماشى جميعًا نحو المغرب، وقد طَفَلَت الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت، قال: قلت: يا رسول الله، أين تغرب؟ قال: «تغرب في السماء ثم ترفع مِن سماء إلى سماء، حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش، فتخر ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكلون بها، ثم تقول: يا رب، مِن أين تأمرني أن أطلع؛ أمِن مغربي أم مِن مطلعي؟». قال: فذلك قوله عز وجل: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ حيث تحبس تحت العرش ﴿ذلك تقدير العزيز العليم﴾. قال: يعني: ذلك صنع الرب العزيز في ملكه العليم بخلقه. قال: فيأتيها جبرائيل عليه السلام بحلة ضوء مِن نور العرش، على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف أو قصره في الشتاء أو ما بين ذلك في الخريف والربيع. قال: فتلبس تلك الحُلَّة كما يلبس أحدكم ثيابه، ثم ينطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطالعها. قال النبي ﷺ: «فكأنها قد حُبست مقدار ثلاث ليال، ثم لا تُكسى ضوءًا، وتُؤمر أن تطلع من مغربها». فذلك قوله عز وجل: ﴿إذ الشمس كورت﴾ [التكوير:١]. قال: والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا، ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه، ولكن جبرائيل عليه السلام يأتيه بالحلة من نور الكرسي. قال: فذلك قوله عز وجل: ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس:٥]. قال أبو ذر: ثم عدلت مع رسول الله ﷺ، فصلَّيْنا المغرب

سورة الحجر — الآية ٢

عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أصحاب الكبائر مِن مُوَحِّدي الأُمَمِّ كلها، الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين، من دخل منهم جهنم؛ لا تَزْرَقُّ أعينُهم، ولا تَسْوَدُّ وجوهُهم، ولا يُقْرَنون بالشياطين، ولا يُغَلُّون بالسلاسل، ولا يَجَّرَّعون الحميم، ولا يلبسون القطِران، حرَّم الله أجسادَهم على الخلود مِن أجل التوحيد، وصُوَرَهم على النار مِن أجل السجود، فمنهم مَن تأخذه النارُ إلى قدميه، ومنهم مَن تأخذه النار إلى عَقِبَيْه، ومنهم مَن تأخذه النار إلى فَخِذَيْه، ومنهم مَن تأخذه النار إلى حُجْزَتِه، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قَدْرِ ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم مَن يمكث فيها شهرًا ثم يخرج منها، ومنهم مَن يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مُكْثًا بقدر الدنيا منذ يوم خُلِقَت إلى أن تَفْنى، فإذا أراد اللهُ أن يُخْرِجهم منها قالت اليهود والنصارى ومَن في النار مِن أهل الأديان والأوثان لِمَن في النار مِن أهل التوحيد: آمنتم بالله وكُتُبِه ورُسُلِه، فنحن وأنتم اليومَ في النار سواء. فيغضب الله لهم غضبًا لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيُخرجهم إلى عينٍ بين الجنة والصراط، فيَنبُتُون فيها نبات الطَّراثِيثِ في حَمِيل السَّيل، ثم يدخلون الجنة، مكتوب في جباههم: هؤلاء الجَهَنَّمِيُّون عُتَقاء الرحمن. فيمكثون في الجنة ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يسألون الله أن يمحوَ ذلك الاسم عنهم، فيبعث الله مَلَكًا فيمحوه، ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير مِن نار فيُطبِقُونها على مَن بَقِي فيها، يُسَمِّرُونها بتلك المسامير، فيَنساهم الله على عرشه، ويشتغل عنهم أهلُ الجنة بنعيمهم ولذاتهم، وذلك قوله: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾

سورة النجم — الآية ٢٠

عن يونس بن محمد بن فضالة الظفري، عن أبيه، وكثير بن زيد، عن المُطَّلِب بن عبد الله بن حَنطَب، قالا: رأى رسولُ الله ﷺ من قومه كفًّا عنه، فجلس خاليًا، فتمنّى، فقال: «ليتَه لا ينزل عليّ شيء ينفّرهم عَنِّي». وقارب رسول الله ﷺ قومه، ودنا منهم، ودَنَوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ مِن تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغَرانيق العُلا، وإنّ شفاعتهنّ لتُرتجى. فتكلم رسول الله ﷺ بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلّها، وسجد، وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته، فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، ويقال: إنّ أبا أُحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا، فسجد عليه، رفعه إلى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا، فبعض الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد. وبعضهم يقول: أبو أُحيحة. وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فعل ذلك. فرضُوا بما تكلّم به رسول الله ﷺ، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يُحيي ويُميت ويخلُق ويرزُق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك. فكبُر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم، حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتُك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله ﷺ: «قلتُ على الله ما لم يقل!». فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ [الإسراء:٧٣-٧٥]

اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾؛ فقال قوم: المعنى: فإذا أمنتم مِمَّن كنتم تخافونه على أنفسكم حال صلاتكم فصَلُّوا. وقال آخرون: المعنى: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏٣٩٦ بتصرف) القولَ الأول، وانتَقَدَ الثانيَ الذي قاله مجاهد مستندًا إلى الإجماع، والسياق، فقال: «هذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد قولُ غيرِه أوْلى بالصواب منه؛ لإجماع الجميع على أنّ الخوف متى زال فواجبٌ على المصلي المكتوبةَ -وإن كان في سفرٍ- أداؤُها بركوعها وسجودها وحدودها، وقائمًا بالأرض غيرَ ماشٍ ولا راكب، كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيمًا في مصره وبلده، إلا ما أبيح له مِن القصر فيها في سفره. ولم يجرِ في هذه الآية للسفر ذِكْرٌ، فيتوجه قوله: ﴿فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ إليه. فإن كان جرى للسفر ذِكْرٌ، ثم أراد الله -تعالى ذكره- تعريفَ خلقه صفةَ الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم لقال: فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. ولم يقل: ﴿فإذا أمنتم﴾». وعلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٦٠٥) فقال: «وفي هذا تحويم على المعنى كثير». وذكَر قولَيْن آخَرَيْن: الأول: أن المعنى: فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تَفُتْكم صلاة من الصلوات، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه». الثاني: فإذا كنتم آمنين قبل، أو بعد، كأنه قال: فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي: صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي: فصَلُّوا كما علَّمكم صلاةً تامةً، وذكر أن النقاش حكاه هو وغيره. ثم علَّق بقوله: «وقوله -على هذا التأويل- ﴿ما لم تكونوا﴾ بدل من»ما«التي في قوله: ﴿كما﴾، وإلا لم يتَّسِق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول ﴿ما﴾ مفعولة بـ﴿علمكم﴾»

سورة البقرة — الآية ٧٥

قال مقاتل بن سليمان: ﴿أفتطمعون﴾ أي: النبي ﷺ وحده ﴿أن يؤمنوا لكم﴾ أن يصدقوا قولك يا محمد، يعني: يهود المدينة، ﴿وقد كان فريق منهم﴾ على عهد موسى عليه السلام ﴿يسمعون كلام الله﴾ وذلك أنّ السبعين الذين اختارهم موسى حين قالوا: أرِنا الله جَهْرَة. فعاقبهم الله عز وجل، وأماتهم عقوبة، وبقي موسى وحده يبكي، فلما أحياهم الله سبحانه قالوا: قد علمنا الآن أنك لم ترَ ربك، ولكن سمعت صوته؛ فأَسْمِعْنا صوته. قال موسى: أمّا هذا فعسى. قال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك هؤلاء بني إسرائيل يحبون أن يسمعوا كلامك. فقال: مَن أحبَّ منهم أن يسمع كلامي فليعتزل النساء ثلاثة أيام، وليغتسل يوم الثالث، وليلبس ثيابًا جددًا، ثم ليأتي الجبل، فأُسْمِعُه كلامي. ففعلوا ذلك، ثم انطلقوا مع موسى إلى الجبل، فقال لهم موسى: إذا رأيتم السحابة قد غشيت، ورأيتم فيها نورًا، وسمعتم فيها صوتًا، فاسجدوا لربكم، وانظروا ما يأمركم به، فافعلوا. قالوا: نعم. فصعد موسى عليه السلام الجبل، فجاءت الغمامة، فحالت بينهم وبين موسى، ورأوا النورَ، وسمعوا صوتًا كصوت الصُّور -وهو البُوق-، فسجدوا، وسمعوه وهو يقول: إني أنّا ربكم، لا إله إلا أنا، الحي القيوم، وأنا الذي أخرجتكم من أرض مصر بيد رقيقة وذراع شديد؛ فلا تعبدوا إلهًا غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، ولا تجعلوا لي شبهًا، فإنكم لن تروني، ولكن تسمعون كلامي. فلَمّا أن سمعوا الكلام ذهبت أرواحُهم مِن هَوْل ما سمعوا، ثم أفاقوا وهم سجود. فقالوا لموسى عليه السلام: إنّا لا نُطيق أن نسمع كلام ربنا، فكن بيننا وبين ربنا، فليقل لك، وقل أنت لنا. قال موسى: يا ربِّ، إنّ بني إسرائيل لم يطيقوا أن يسمعوا كلامك؛ فقل لي، وأقل لهم. قال الله عز وجل: نِعْمَ ما رأوا. فجعل الله عز وجل يأمر موسى، ثم يخبرهم موسى، ويقولون: سمعنا ربَّنا، وأطعنا. فلما فرغ من أمره ونهيه ارتفعت السحابة، وذهب الصوت، فرفع القوم رءوسهم، ورجعوا إلى قومهم. قيل لهم: ماذا أمركم به ربكم ونهاكم عنه؟ فقال بعضهم: أمرنا بكذا وكذا، ونهانا عن كذا وكذا. وقال آخرون: وأَتْبَعَ في آخر قوله: إن لم تستطيعوا ترك ما نهاكم عنه فافعلوا ما تستطيعون. فذلك قوله سبحانه: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم﴾ يعني: طائفة من بني إسرائيل ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾

سورة الإسراء — الآية ٧٣

عن محمد بن عمر، قال: حدَّثني يونس بن محمد بن فُضالة الظفري، عن أبيه، قال: وحدَّثني كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قالا: رأى رسولُ الله ﷺ من قومه كفًّا عنه، فجلس خاليًا، فتمنّى، فقال: ليته لا ينزل على شيء ينفرهم عني! وقارب رسول الله ﷺ قومه، ودنا منهم، ودنوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ مِن تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [سورة النجم:١٩-٢٠]. ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغرانيق العُلا، وإنّ شفاعتهن لتُرتجى. فتكلم رسول الله ﷺ بهما، ثم مضى، فقرأ السورة كلها، وسجد، وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود. ويُقال: إنّ أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا فسجد عليه، رفعه إلى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا، فبعض الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد. وبعضهم يقول: أبو أُحيحة. وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فعل ذلك. فرضوا بما تكلَّم به رسول الله ﷺ، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يُحيي ويُميت، ويخلُق ويرزُق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك. فكبُر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم حتى جلس في البيت، فلمّا أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله ﷺ: قلت على الله ما لم يقل. فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾

قال ابنُ تيمية (٤‏/‏٢٠٤-٢٠٥) في معرض تعليقه على احتجاج الأشاعرة على المعتزلة في نفي الإيجاب والتحريم العقلي بقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾: «وهو حُجَّة عليهم أيضًا في نفي العذاب مطلقًا إلا بعد إرسال الرسل؛ وهم يجوزون التعذيب قبل إرسال الرسل. فأولئك يقولون: يعذِّب مَن لم يبعث إليه رسولًا؛ لأنه فَعَلَ القبائحَ العقلية. وهؤلاء يقولون: بل يعذب مَن لم يفعل قبيحًا قط كالأطفال. وهذا مخالف للكتاب والسُّنَّة، والعقل أيضًا، قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ [الملك:٨]، فقد أخبر سبحانه وتعالى بصيغة العموم أنه كلما ألقي فوج سألهم الخزنة: هل جاءهم نذير؟ فيعترفون بأنهم قد جاءهم نذير، فلم يبق فوج يدخل النار إلا وقد جاءهم نذير، فمن لم يأته نذير لم يدخل النار». وقال (٤‏/‏٢٠٦بتصرف): «لكن الله لا يعذّب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، كما قال: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولم يفرّق سبحانه بين نوعٍ ونوعٍ، وذكرنا أنّ هذه الآية يحتجّ بها الأشعريّ وأصحابه ومَن وافقهم كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وهم يُجَوِّزون أنّ الله يُعذّب في الآخرة بلا ذنب، حتى قالوا: يعذب أطفال الآخرة. فاحتجوا بها على المعتزلة، والآية حجّة على الطائفتين». وبنحوه قال ابن كثير (٨‏/‏٤٤٦-٤٤٧). وقال ابنُ عطية (٥‏/‏٤٥٢-٤٥٣بتصرف) مستندًا إلى السياق، والنظائر، ودلالة العقل: «مقصد الآية في هذا الموضع: الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ويؤيد هذا ما يجيء بعدُ مِن وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومِن إعلامه بكثرة ما أهلك من القرون، ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومِن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى﴾ [الملك:٨-٩]، وظاهر ﴿كلما﴾ الحصر، وكقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر:٢٤]، وأما مِن جهة النظر فإنّ بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد، وبث المعتقدات في نبيه، ونصب الأدلة الدالة على الصانع، مع سلامة [الفطر]؛ يوجب على كل أحد من العالم الإيمان، واتباع شريعة الله، ثم تجدَّد ذلك في مدة نوح عليه السلام بعد غرق الكفار، وهذه الآية أيضًا يُعطي احتمال ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة، ومنهم أهل الفترات الذين قد قدَّر وجودَهم بعضُ أهل العلم». ثم قال: «وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة، وإلى المجانين، والأطفال؛ فحديث لم يصحَّ، ولا يقتضيه ما تقضيه الشريعة مِن أن الآخرة ليست دار تكليف». وردَّ ابن كثير (٨‏/‏٤٥٥-٤٥٦) كلامًا لابن عبد البر يشبه كلام ابن عطية الأخير، فقال: «الجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نصَّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء. فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم:٤٢]. وقد ثبتت السُّنَّة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك، ويعود ظهره طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خرَّ لقفاه. وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم، ما أغدرك. ثم يأذن له في دخول الجنة»

اختُلِف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين: الأول: أنّه قَصْرُ أركانها إذا خاف مع استيفاء أعدادها؛ فهو قصر كيفية لا كمية. والثاني: أنه قَصْرُ أعدادها من أربع إلى ما دونها؛ وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين، فإن كان آمنًا مقيمًا لم يقصر. والثاني: أنه قَصْران، فقصر الأمَن من الأربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة. والثالث: أنه يقصر في سفر خائفًا وآمنًا من أربع إلى ركعتين لا غير. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٤٢٢-٤٢٣) القول الأول الذي قاله ابن عباس، والضحاك، وطاووس، والسدي، ومجاهد مستندًا إلى سياق الآية، وأقوال السلف، فقال: «لدلالة قول الله تعالى: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ [النساء:١٠٣] على أن ذلك كذلك؛ لأن إقامتها إتمام حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها، دون الزيادة في عددها التي لم تكن واجبة في حال الخوف». وبيّن ابنُ كثير (٤‏/‏٢٣٧-٢٤٥) أنّ قوله: ﴿إن خفتم﴾ قيدٌ لا معنى له؛ لخروجه مخرج الغالب، إذ كانت غالب أسفارهم مخوفة في مبدأ الإسلام قبل الهجرة. ورجَّح مستندًا إلى السنة والسياق ما رجَّحه ابنُ جرير، وذكر جملة من الأحاديث المفيدة أنّ القصر ليس من شرطه الخوف، وأنّ القصر لا يُطلَق على صلاة الركعتين في السفر لأنها تمام، فكيف يكون المراد قصر الكمية؟! كما أفاد -مع ذلك- قول الله بعدها: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ أنّ القصر في الكيفيّة. وانتَقَد ذلك ابنُ تيمية (٢‏/‏٣٢٧) مستندًا لمخالفته لظاهر الآية، فقال: «وهذا يرد عليه أنّ صلاة الخوف جائزة حضرًا وسفرًا، والآية أفادت القصر في السفر». ورجَّح ابنُ تيمية (٢‏/‏٣٢٧ بتصرف) مستندًا إلى الدلالات العقلية أنّ الآية أفادت قصر العدد وقصر العمل جميعًا، فقال: «وهو الأصح؛ ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف، فإذا اجتمع الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر الجامع لهذا ولهذا، وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد، وإذا انفرد الخوف فإنما يفيد قصر العمل»

نقل ابنُ عطية (٣‏/‏٤٠٨) عن الزجّاج: أن الضمير في ﴿ذُرَّيَتِهِ﴾ جائزٌ أن يعود على إبراهيم عليه السلام، ثم استدرك عليه قائلًا: «ويعترض هذا بذكر لوط عليه السلام، وهو ليس من ذرية إبراهيم عليه السلام، بل هو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، ويتخرج عند من يرى الخال أبًا». ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٣٨١-٣٨٢) مستندًا إلى دلالة السياق، والتاريخ، والعقل عود الضمير في قوله تعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ إلى نوح، وعلَّل ذلك قائلًا: «أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- ذَكَر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطًا، فقال: ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكِلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، ومعلومٌ أنّ لوطًا لم يكن من ذرية إبراهيم، فإذ كان ذلك كذلك، وكان معطوفًا على أسماء مَن سَمَّيْنا مِن ذريته؛ كان لا شك أنه لو أُرِيد بالذرية ذرية إبراهيم لما دخل يونس ولوطٌ فيهم، ولا شكَّ أن لوطًا ليس من ذرية إبراهيم، ولكنه من ذرية نوح، فلذلك وجب أن تكون الهاء في الذرية من ذكر نوح». ووافقه ابنُ عطية (٣‏/‏٤٠٩) قائلًا: «وهذا هو الجيِّد». وذكر ابنُ كثير (٦‏/‏١٠٧) أنّ هذا القول ظاهر لا إشكال فيه، ثم بيَّن أن القول بعود الضمير على إبراهيم عليه السلام حسن؛ لكون الكلام سيق من أجله، ووجَّهه من جهة النظائر بما يدفع الإشكال عنه من كون لوط عليه السلام ليس من ذرية إبراهيم عليه السلام، فقال: «اللهم إلا أن يقال: إنّه دخل في الذُرِّيَّة تغليبًا، كما في قوله تعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ [البقرة:١٣٣]، فإسماعيل عمُّه، ودخل في آبائه تغليبًا. وكما قال في قوله: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أجْمَعُونَ * إلا إبْلِيسَ﴾ [الحجر:٣٠-٣١]، فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذُمَّ على المخالفة؛ لأنه كان قد تشبه بهم، فعومل معاملتهم، ودخل معهم تغليبًا، وكان من الجن، وطبيعتهم النار، والملائكة من النور»