سورة النجم — الآية ١٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ أغصانها اللؤلؤ والياقوت والزَّبَرْجد، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة العليا... وإنما سُمّيت: المنتهى؛ لأنها ينتهي إليها عِلْمُ كلِّ مَلك مخلوق، ولا يعلم ما وراءها أحدٌ إلا الله عز وجل، كلّ ورقة منها تُظِلُّ أُمّةً مِن الأمم، على كلّ ورقة منها مَلَك يذكرُ الله عز وجل، ولو أنّ ورقة منها وُضِعَت في الأرض لأضاءت لأهل الأرض نورًا، تحمل لهم الحُلل والثمار من جميع الألوان، ولو أنّ رجلًا ركب حِقَّةً فطاف على ساقها ما بلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهَرَم، وهي طوبى التي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩]، ينبع مِن ساق السّدرة عينان؛ أحدهما السلسبيل، والأخرى الكوثر، فينفجر من الكوثر أربعة أنهار، التي ذكر الله تعالى في سورة محمد ﷺ؛ الماء، واللبن، والعسل، والخمر

سورة الممتحنة — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ[[c=٦٥٦٠]] أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ[[c=٦٥٦١]]﴾ يعني: الصّحيفة، ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ﴾ يعني: القرآن، ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ مِن مكة ﴿وإيّاكُمْ﴾ قد أُخرِجوا مِن دياركم، يعني: من مكة ﴿أنْ تُؤْمِنُوا﴾ يعني: بأنْ آمنتم ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي[[c=٦٥٦٢]]﴾ فلا تُلقُوا إليهم بالمودّة، ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ يعني: بالصّحيفة فيها النّصيحة، ﴿وأَنا أعْلَمُ[[c=٦٥٦٣]] بِما أخْفَيْتُمْ﴾ يعني: بما أسْررتم في أنفسكم مِن المودّة والولاية، ﴿وما أعْلَنْتُمْ﴾ لهم من الولاية، ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ يعني: ومَن يُسرّ بالمودّة إلى الكفار ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ يقول: فقد أخطا قَصْد طريق الهُدى[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٩.]]

سورة الزلزلة — الآية ٧

عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «الخيل ثلاثة: هي لرجل وِزْر، وهي لرجل سِتْر، وهي لرجل أجْر؛ فأمّا التي هي له وِزْر فرجل ربطها رياءً وفخرًا ونِواءً على أهل الإسلام، فهي له وِزْر، وأمّا التي هي له سِتْر فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينسَ حقّ الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له سِتْر، وأمّا التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام، في مَرْج وروضة، فما أكلتْ من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كُتب له عدد ما أكلتْ حسنات، وكُتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِوَلَها، فاسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفيْن إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مَرّ بها صاحبها على نهر فشربتْ منه ولا يريد أن يَسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربتْ حسنات». قيل: يا رسول الله، فالحُمُر؟ قال: «ما أنزل عليّ في الحُمُر شيء إلا هذه الآية الفاذّة الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾»

عن سعيد بن جُبَير -من طريق محمد- قال: أتى رهطٌ مِن اليهود النبيَّ ﷺ، فقالوا: يا محمد، هذا الله خَلَق الخَلْق، فمَن خَلَقه؟ فغضب النبيُّ ﷺ حتى انتُقع لونه؛ ثم ساورهم غضبًا لربّه، فجاءه جبريل عليه السلام، فسكّنه، وقال: اخفض عليك جناحك، يا محمد. وجاء مِن الله جواب ما سألوه عنه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، فلما تلاها عليهم قالوا: صِف لنا ربّك، كيف خَلْقه، وكيف عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبيُّ ﷺ أشدَّ مِن غضبه الأول، وساورهم غضبًا، فأتاه جبريل، فقال له مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]

انتَقَد ابنُ جرير (١‏/‏٤٠١) قولَ مجاهد وابنَ جريج، مُسْتَنِدًا إلى دلالة القرآن، والدلالة العقليّة، فقال: «أمّا ما قاله مجاهد وابن جريج فلا وجه له؛ لأن القوم كانوا على عهد رسول الله أصنافًا ثلاثة: أهل إيمان، وأهل كفر، وأهل نفاق بين ذلك. فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المُحال أن يَدَّعِي الكفار أن لهم شهداء من المؤمنين، فأمّا أهل النفاق والكفر فلا شَكَّ أنهم لو دُعُوا إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق لسارعوا إليه مع كفرهم، فمن أيِّ الفريقين كانت تكون شهداؤهم لو ادَّعَوْا أنهم قد أتوا بسورة من مثل القرآن؟ ولكن ذلك كما قال الله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]». وانتَقَد قولَ مجاهد أيضًا ابنُ عطية (١‏/‏١٤٧)، ولم يذكر لذلك مُسْتَنَدًا

اختلف أهل التأويل في معنى: الحكمة التي ذكرها الله في هذا الموضع على قولين: أحدهما: السُّنَّة. والآخر: المعرفة بالدين، والفقه فيه. وذَهَبَ ابنُ جرير (٢‏/‏٥٧٧) إلى الأوّل مُستندًا إلى اللغة، وأقوالِ السّلفِ، فقال: «الصواب من القول عندنا في الحكمة: أنّها العلم بأحكام الله التي لا يُدْرَك علمها إلا ببيان الرسول ﷺ، والمعرفة بها، وما دلَّ عليه ذلك من نظائره، وهو عندي مأخوذ من الحُكْم الذي بمعنى الفَصْل بين الحق والباطل، بمنزلة: الجِلسة والقِعدة، من: الجلوس والقعود، يُقال منه: إن فلانًا لَحَكيم بَيِّن الحكمة، يعني به: إنّه لبَيِّن الإصابة في القول والفعل، وإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم كتابَك الذي تنزله عليهم، وفَصْلِ قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها». ووافقَهَ ابن كثير (٢‏/‏٩٧)، وقال: «والحكمة، يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين. ولا منافاة»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏١٦٠-١٦١): «قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ الآية، الخطاب للمؤمنين المُصَدِّقين، جُدِّد عليهم الأمر بطاعة الله والرسول، ونُهُوا عن التولي عنه، وهذا قول الجمهور. ويكون هذا متناصرًا مع قول من يقول: إن الخطاب بقوله: ﴿وإن تنتهوا﴾ هو للمؤمنين. فيجيء الكلام من نمط واحد في معناه. وأما على قول مَن يقول: إن المخاطبة بـ﴿وإن تنتهوا﴾ هي للكفار. فيرى أن هذه الآية إنما نزلت بسبب اختلافهم في النَّفْل، ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج رسول الله ﷺ، وتفاخرهم بقتل الكفار والنكاية فيهم. وقالت فرقة: الخطاب بهذه الآية إنما هو للمنافقين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن كان محتملًا على بُعْد فهو ضعيف جدًّا؛ لأجل أن الله وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان، والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء. وقيل: إن الخطاب لبني إسرائيل. وهذا أجنبي من الآية»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٧٢) في قوله: ﴿بأعيننا﴾ احتمالين، فقال: «وقوله: ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ يمكن -فيما يتأول- أن يريد به: بمرأًى منا وتحت إدراك، فتكون عبارة عن الإدراك والرعاية والحفظ، ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير، كما قال تعالى:﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٣]، فرجع معنى الأعين في هذه وفي غيرها إلى معنى عين في قوله: ﴿لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وذلك كله عبارة عن الإدراك وإحاطته بالمدركات، وهو تعالى مُنَزَّه عن الحواس والتشبيه والتكييف لا رب غيره. ويحتمل قوله: ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ أي: بملائكتنا الذين جعلناهم عيونًا على مواضع حفظك ومعونتك، فيكون الجمع على هذا للتكثير». انتهى كلامه، وما قاله من نفي صفة العينين لله تعالى باطل، والحق إثباتهما له سبحانه على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ينظر: الإبانة الكبرى ٣‏/‏١١٣-١٢٧، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢‏/‏٤٥٧-٤٨١

عَلَّقَ ابنُ كثير (٩‏/‏٥٠) على هذا الأثر بقوله: «والأظهر أن هذا ليس بصحيح؛ فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ [التوبة:١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة:٢٩]، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه. ولو صحَّ هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام». قال الوليد: يعني: بيت المقدس. وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس»

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٣٩٢ بتصرف) في قوله: ﴿تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ قولين، فقال: «واختلف الناس في تقلب القلوب والأبصار، كيف هو؟ فقالت فرقة: يرى الناسُ الحقائقَ عيانًا، فتتقلب قلوب الشاكِّين ومعتقدي الضلال عن معتقداتها إلى اعتقاد الحق على وجهه، وكذلك الأبصار. وقالت فرقة: هو تقلُّبٌ على جمر جهنم». ثم علّق عليهما قائلًا: «ومقصد الآية هو وصف هول يوم القيامة، فأمّا القول الأول فليس يقتضي هولًا، وأما الثاني فليس التقلب في جمر جهنم في يوم القيامة، وإنما هو بعده». ثم رجّح مستندًا إلى لغة العرب أنّ ""معنى الآية: أنّ ذلك اليوم لشدة هوله ومطلعه القلوب والأبصار فيه مضطربة قلقة متقلبة مِن طمعٍ في النجاة إلى طمع، ومِن حذرِ هلاك إلى حذر، ومِن نظرٍ في هول إلى النظر في الآخر، والعربُ تستعمل هذا المعنى في الحروب ونحوها، ومنه قول الشاعر:بل كان قلبك في جناحي طائر""