لم يذكر ابنُ جرير (٢/٦٨٥) غير هذا القول في المراد من قوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا﴾. وذكر أنّ معنى الحجة على هذا القول: خصومةُ قريش وجدالُهم، فقال: «الحجة في هذا الموضع: الخصومةُ والجدالُ، ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطل غير مشركي قريش، فإنّ لهم عليكم دعوى باطل، وخصومة بغير حق بقيلهم لكم: رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. فذلك من قولهم، وأمانيهم الباطلة هي الحجة التي كانت لقريش على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ ومن أجل ذلك استثنى الله -تعالى ذِكْرُه- الذين ظلموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجة». وقد ذَهَبَ ابنُ عطية (١/٣٨٢) إلى أنّ قوله: ﴿إلا الذين ظلموا﴾ يدخل فيه اليهود وغيرهم ممن استهزأ بتولّي النبي وصحابته عن بيت المقدس إذا كان الاستثناء متصلًا، وأمّا إذا كان الاستثناء منقطعًا فيكون المعنيُّ بقوله: ﴿الذين ظلموا﴾: كفارَ قريش، حيث قال: «قالت فرقة: ﴿إلّا الَّذِينَ﴾ استثناء متصل، وهذا مع عموم لفظة الناس، والمعنى: أنّه لا حُجَّة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني: اليهود وغيرهم مِن كُلِّ مَن تكلم في النازلة في قولهم: ﴿ما ولّاهُمْ﴾ استهزاء، وفي قولهم: تحير محمد في دينه. وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن، أو من يهودي، أو من منافق، وسمّاها تعالى حجّةً، وحكم بفسادها حين كانت من ظَلَمَة. وقالت طائفة: ﴿إلّا الَّذِينَ﴾ استثناء منقطع، وهذا مع كون الناس اليهودَ فقط، وقد ذكرنا ضعف هذا القول، والمعنى: لكن الذين ظلموا، يعني: كفار قريش في قولهم: رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا كله. ويدخل في ذلك كلُّ من تكلم في النازلة من غير اليهود»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ على قولين: الأول: كما بدأكم أشقياء وسعداء كذلك تبعثون يوم القيامة. وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وجابر، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب، والسدي. الثاني: كما خلقكم ولم تكونوا شيئًا تعودون بعد الفناء. وهو قول الحسن، وقتادة، وابن عباس من طريق عطية العوفي، ومجاهد، وابن زيد. ووجَّه ابنُ عطية (٣/٥٤٨) القول الأول بقوله: «فالوَقْف في هذا التأويل على قوله: ﴿تَعُودُونَ﴾ غير حسن، و﴿فَرِيقًا﴾ على هذا التأويل نصبٌ على الحال، والثاني عطف على الأول». ووجَّه (٣/٥٤٧) القول الثاني بقوله: «أي: كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت، فالوقف على هذا التأويل على ﴿تَعُودُونَ﴾، و﴿فَرِيقًا﴾ نصب على ﴿هَدى﴾، والثاني منصوب بفعل تقديره: وعذَّب فريقًا أو أضل فريقًا حق عليهم». ورجَّح ابنُ جرير (١٠/١٤٦-١٤٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الثاني، وعلَّل ذلك بأنّ الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يُعْلِم بما في هذه الآية قومًا مشركين أهل جاهلية، لا يؤمنون بالمعاد، ولا يصدقون بالقيامة، فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بالبعث، والثواب والعقاب، «وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لأن يُؤْمَر بدعاء مَن كان جاحدًا النشور بعد الممات إلى الإقرار بالصفة التي عليها يُنشَر مَن نُشِر، وإنّما يؤمر بالدعاء إلى ذلك مَن كان بالبعث مُصَدِّقًا، فأمّا مَن كان له جاحدًا فإنّما يُدعى إلى الإقرار به، ثم يُعَرَّف كيف شرائط البعث». ووافقه ابنُ القيم (١/٣٨٥)، وانتَقَد القول الأول، فقال: «وهذا المعنى صحيحٌ في نفسه، دلَّ عليه القرآن، والسنة، والآثار السلفية، وإجماع أهل السنة، وأمّا كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه»
ذكر ابنُ كثير (١٠/٧٣) أنّ البعض اسْتَدَلَّ بهذه الآية على مدنية السورة. وذكر ابنُ القيم (٢/٢١٦) أنّ هناك من قال بمكية السورة؛ لأن الإذن بالقتال كان بمكة. وانتقده (٢/٢١٦-٢١٧) مستندًا إلى الواقع، والسياق، وأحوال النزول، فقال: «وهذا غلط لوجوه: أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يَتَمَكَّنون بها من القتال بمكة. الثاني: أنّ سياق الآية يدُلُّ على أنّ الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾، وهؤلاء هم المهاجرون. الثالث: قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج:١٩] نزلت في الذين تَبارزوا يوم بدر من الفريقين. الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب بـ﴿يا أيها الناس﴾ فمشترك. الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أنّ الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: ﴿فلا تطع الكافرين وجاهدهم به﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: بالقرآن جهادًا كبيرًا، فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف. السادس: أن الحاكم روى في مستدركه من حديث الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن. فأنزل الله عز وجل: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾. وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط الصحيحين. وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني؛ فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية»
اختُلِف في المراد بـ«الذين ظلموا» في قوله تعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، وهل الآية ثابتة، أم منسوخة؟ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المراد بهم: الذين لم يؤدُّوا الجزية مِن أهل الكتاب، وحاربوا المسلمين، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب مِن اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن، إلا المحاربين الذين لم يؤدُّوا الجزية، فأولئك ينبغي جدالهم بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية. وهذا قول مجاهد. والثاني: أنّ المراد بهم: المقيمون على كفرهم مِن أهل الكتاب، والمعنى: ولا تجادلوا مَن آمن مِن أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن ذلك مَن بقي على كفره مِن أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليهم. والآية على هذا محكمة غير منسوخة. وهذا قول ابن زيد. والثالث: أنّ المراد بهم: مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن المجادلة بالحسنى مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، ثم نُسِخَ ذلك بآية القتال والجزية. وهذا قول قتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨/٤٢٠-٤٢١) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، وقال: «إنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أذِن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن بقوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، فمعلوم -إذ كان قد أذن لهم في جدالهم- أنّ الذين لم يُؤذَن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن غيرُ الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمنين؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحقّ؛ لأنه إذا جاء بغير الحق فقد صار في معنى الظَلَمة في الذي خالف فيه الحقّ، فإذ كان ذلك كذلك تبيَّن أن لا معنى لقول مَن قال: عنى بقوله: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ أهل الإيمان منهم». ورجَّحَ ابنُ عطية (٦/٦٥١) القولَ الثالثَ استنادًا إلى أحوال النُّزول، فقال: «الذي يَتَوَجَّه في معنى الآية إنما يتضح في معرفة الحال في وقت نزول الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك، وكانت اليهود بمكة وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجّة إلا بالحسنى، دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم استثنى مَن ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، وإما بقول، وإما بإذاية محمد ﷺ، وإما بإعلان كُفْر فاحش كقول بعضهم: عزير ابن الله، ونحو هذا، فإن هذه الصفة استثني لأهل الإسلام معارضتها بالخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بَعْدُ بآية القتال والجزية». وانتَقَدَ ابنُ جرير (١٨/٤٢١) القول بالنسخ؛ لعدم ورود دليل به، فقال: «لا معنى لقول مَن قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال. وزعم أنها منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل». ونحا ابنُ تيمية (٥/١١٠-١١٢) منحى ابن جرير في اختياره قول مجاهد، وانتقاده القولَ بالنسخ
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ على قولين: أولهما: أن الذي أخفاه في نفسه ميله إليها، وحبه لفراق زيد لها؛ ليتزوجها إن طلقها. وهذا قول قتادة، وابن زيد، ومقاتل، وغيرهم. والثاني: أن الذي أخفاه في نفسه أنّ الله أعلمه أنها ستكون مِن أزواجه ﷺ. وهذا قول عليّ بن الحسين، والسّدّيّ. واختار ابنُ جرير (١٩/١١٥) القول الأول مستندًا إلى سبب النزول، وأقوال أهل التأويل. ويظهر من كلام ابن كثير (١١/١٧١-١٧٢) ميله إلى القول الثاني. ورجَّحَ ابن القيم (٢/٣٣٠-٣٣١) القولَ الثانيَ، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، مستندًا إلى الدلالات العقلية، والسياق، فقال: «أما ما زعمه بعض مَن لم يقدر رسول الله ﷺ حقَّ قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش، وأنه رآها، فقال: «سبحان مقلب القلوب». وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: «أمسكها». حتى أنزل الله عليه: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾، فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق، وصنَّف بعضهم كتابًا في العشق، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة، وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله ﷺ إلى ما برأه الله منه؛ فإن زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ قد تبنّاه، وكان يُدْعى: زيد بن محمد، وكانت زينب فيها شمم وترفُّع عليه، فشاور رسول الله ﷺ في طلاقها، فقال له رسول الله ﷺ: «أمسك عليك زوجك واتق الله». وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها زيد، وكان يخشى مِن قالة الناس أنه تزوَّج امرأة ابنه؛ لأن زيدًا كان يُدْعى ابنه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له، ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يُعَدِّد فيها نعمَه عليه، لا يعاتبه فيها، وأعلمه أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له، وأن الله أحق أن يخشاه، فلا يتحرَّج ما أحلَّه له لأجل قول الناس، ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد قضاء زيد وطره منها؛ لتقتدي أمته به في ذلك، ويتزوج الرجل بامرأة ابنه من التبني، لا امرأة ابنه لصلبه، ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء:٢٣]، وقال في هذه السورة: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال في أولها: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ [الأحزاب:٤]. فتأمل هذا الذب عن رسول الله ﷺ، ودفع طعن الطاعنين عنه، وبالله التوفيق. نعم كان رسول الله ﷺ يحب نساءه، وكان أحبهن إليه عائشة رضي الله عنها، ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لأحد سوى ربه نهاية الحب، بل صحَّ أنه قال: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا». وفي لفظ: «وإنّ صاحبكم خليل الرحمن»»
نقل ابن جرير (٩/٣٦١) أثر ابن عباس المقتضي لكون هذا وقع من إبراهيم عليه السلام في مقام نظر لا في مقام مناظرة، وبيَّن أن قومًا من غير أهل الرواية أنكروا القول الذي روي عن ابن عباس، مستندين إلى أنّه غير جائز أن يبعث الله نبيًّا بالرسالة أتى عليه وقت من الأوقات وهو بالغ إلا وهو لله مُوَحِّد، وبه عارف، ومِن كل ما يُعبَد من دونه بريء، ولو جاز أن يأتي عليه وقت وهو به كافر لم يَجُز أن يختصه بالرسالة، ونقل عنهم وجوهًا في معناها: أحدها: أنّ ذلك على وجهِ الإنكارِ والمعارضةِ. والثاني: أنّ ذلك كان منه في حال طفولته، وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان. والثالث: أنّ معنى الكلام: أهذا ربي؟! على وجه التوبيخ والنفي؛ أهذا ربّي؟! أي: ليس هذا ربي. ثُمَّ رَجَّح أثر ابن عباس مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، وسياقها، وأقوال السلف، وأخبار بني إسرائيل، وانتَقَد القولَين الآخرَين بذلك، فقال: «وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾، الدليل على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصواب من القول في ذلك الإقرار بخبر الله -تعالى ذِكْره- الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه». ثم قال في الآية بعد هذه القصة: «﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله -تعالى ذِكْرُه- عن خليله إبراهيم عليه السلام أنّه لما تبيّن له الحق وعرَفه شهد شهادةَ الحقّ، وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم». ورجَّح ابنُ كثير (٦/٩٧، ٩٨، ٩٩) مستندًا إلى السياق اللاحق أنّ إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، وقال: «ومِمّا يؤيد أنّه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرًا؛ قولُه تعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وقَدْ هَدانِ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ الآيات». وانتقد مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، فقال: «وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ * إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ الآيات [الأنبياء:٥١-٥٢]، وقال تعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآيات [النحل:١٢٠-١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأَنعام:١٦١]، وقد ورد في الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة». وفي الحديث الآخر: «قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء». وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم:٣٠]. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله ﴿أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ناظرًا في هذا المقام؟! بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب». وذكر ابنُ عطية (٣/٤٠٢-٤٠٣) أنّ في هذا المقام ثلاثة تأويلات: الأول: أنّه يحتمل أن يكون هذا وقع له في الغار في حال الصبوة وعدم التكليف «فذلك ينقسم على وجهين: إمّا أن يُجعَل قوله: ﴿هَذا رَبِّي﴾ تصميمًا واعتقادًا، وهذا باطل؛ لأن التصميم لم يقع من الأنبياء -صلوات الله عليهم-، وإما أن يجعله تعريضًا للنظر والاستدلال، كأنه قال: هذا المنير البهي ربي إن عضدت ذلك الدلائل. ويجيء إبراهيم عليه السلام كما قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى:٦]، أي: مهمل المعتقد». الثاني: أنّه يحتمل أن يكون هذا وقع له في حال كفره، وهو مكلَّف «فلا يجوز أن يقول ﴿هَذا رَبِّي﴾ مصمِّمًا ولا مُعرضًا للنظر؛ لأنها رتبة جهل أو شك، وهو عليه السلام مُنزَّه معصوم من ذلك كله». الثالث: أنه قالها لقومه على جهة التقرير، والتوبيخ، وإقامة الحجة عليهم في عبادة الأصنام، كأنه قال لهم: أهذا المنير ربي؟! أو ﴿هَذا رَبِّي﴾ وهو يريد: على زعمكم. وعضَّد هذا التأويل بالسياق، فقال: «ويعضد عندي هذا التأويل قوله: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾»
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: أقبل موسى إلى أهله، فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلًا، فتَضَيَّف على أُمِّه، وهو لا يعرفهم، في ليلةٍ كانوا يأكلون منها الطَفَيْشَلَ، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلمّا أبصر ضيفه سأل عنه أُمَّه، فأخبرته أنّه ضيفٌ، فدعاه، فأكل معه، فلمّا قعدا فتحدَّثا، فسأله هارون: مَن أنت؟ قال: أنا موسى. فقام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فاعتنقه، فلمّا أن تعارفا قال له موسى: يا هارون، انطلق معي إلى فرعون؛ فإن الله قد أرسلنا إليه. قال هارون: سمعًا وطاعةً. فقامت أمُّهما، فصاحت، وقالت: أنشدكما بالله ألا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما. فأبَيا، فانطلقا إليه ليلًا، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون، وفزع البوّاب، فقال فرعون: مَن هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البوابُ، فكلمهما، فقال له موسى: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾. ففزع البواب، فأتى فرعونَ، فأخبره، فقال: إنّ ههنا إنسانًا مجنونًا يزعم أنّه رسول رب العالمين. فقال: أدخِله. فدخل، فقال: إني رسول رب العالمين. قال فرعون: ﴿وما رب العالمين﴾. قال: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه:٥٠]. قال: ﴿إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف:١٠٦-١٠٧]. والثعبان: الذَّكَر مِن الحيّات، فاتحةً فمَها، واضِعةً لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها، ووثب، فأحدث، ولم يكن يُحْدِث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها، وأنا أومن بك، وأُرسِلُ معك بني إسرائيل. فأخذها موسى، فصارت عصًا، فقالت السَّحَرة في نجواهم: ﴿إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما﴾ [طه:٦٣]. فالتقى موسى وأميرُ السحرة، فقال له موسى: أرأيت إن غلبتُك غدًا أتُؤْمِنُ بي، وتشهد أنّ ما جئتُ به حقٌّ؟ قال الساحر: لآتين غدًا بسحرٍ لا يغلبه سِحرٌ، فواللهِ، لئن غلبتني لأؤمِنَنَّ لك، ولأشهدن أنّك حقٌّ. وفرعون ينظر إليهما
عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرةَ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: بينما النبيُّ ﷺ بالرَّوْحاء إذ هبط عليه أعرابيٌّ مِن سَرِفٍ، فقال: مَن القومُ؟ وأين تُريدون؟ قيل: بدرًا مع النبيِّ ﷺ. قال: ما لي أراكم بذَّةً هيئتُكم، قليلًا سلاحُكم؟ قالوا: ننتظرُ إحدى الحسنيين؛ إما أن نُقتل فالجنةُ، وإما أن نَغْلِب فيجمعهما الله لنا؛ الظَّفَر، والجنة. قال: أين نبيُّكم؟ قالوا: ها هو ذا. فقال له: يا نبيَّ اللهِ، ليست لي مَصْلحةٌ، آخُذُ مَصْلَحتي ثم ألحق. قال: «اذهبْ إلى أهلك، فخذ مَصْلَحَتَك». فخرج رسول الله ﷺ يوم بدرٍ، وخرج الرجلُ إلى أهله، حتى فرغ من حاجته، ثم لحق بهم ببدرٍ، فدخل في الصفِّ معهم، فاقتتل الناسُ، فكان في مَن استُشهد، فقام رسولُ الله ﷺ بعد أن انتصر، فمرَّ بين ظهراني الشهداء ومعه عمرُ، فقال: «ها يا عمر، إنّك تُحِبُّ الحديثَ، وإنّ للشهداء سادةً وأشرافًا وملوكًا، وإنّ هذا -يا عمرُ- منهم»
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: لَمّا بعث اللهُ الملائكةَ لِتُهلِك قومَ لوط أقبلتْ تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم، فتضيَّفوه، فلمّا رآهم أجلَّهم، فراغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين، فذبحه، ثم شواه في الرَّضْفِ، فهو الحنيذ حين شُوِي، وأتاهم، فقعد معهم، وقامت سارةُ تخدمهم، فذلك حين يقول: (وامْرَأَتُه قَآئِمَةٌ وهُوَ جالِسٌ) في قراءة ابن مسعود. فلمّا قرَّبه إليهم قال: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم، إنّا لا نأكل طعامًا إلا بثَمَن. قال: فإنّ لِهذا ثَمَنًا. قالوا: وما ثَمَنُه؟ قال: تذكرون اسمَ الله على أوَّلِه، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ميكائيل، فقال: حُقَّ لهذا أن يَتَّخِذَه ربُّه خليلًا. ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه﴾ يقول: لا يأكلون؛ فزِع منهم ﴿وأوجس منهم خيفة﴾، فلمّا نظرت إليهم سارةُ أنّه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحِكت، وقالتْ: عجبًا لأضيافِنا هؤلاء، إنّا نخدمُهم بأنفسنا تَكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا!
عن سعيد -من طريق محمد- قال: أتى رهطٌ مِن اليهود نبيَّ الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، هذا اللهُ خلَق الخلق، فمَن خلَقه؟ فغضب النبي ﷺ حتى انتَقَع لونه، ثم ساورهم غضبًا لربه، فجاءه جبريل، فسكّنه، وقال: اخفض عليك جناحك، يا محمد. وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه، قال: يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص]. قال: فلما تلاها عليهم النبي ﷺ قالوا: صِف لنا ربَّك، كيف خَلْقه؟ وكيف عَضُده؟ وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول، ثم ساورهم، فأتاه جبريل، فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه، قال: يقول الله: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾