قال ابنُ عطية (٣‏/‏٢٢٧) في تفسير الآية: «ومعنى الآية: لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم. فالمعنى: لا تتبعوا طرائقهم. والذي دعا إلى هذا التأويل أنّ النصارى في غُلُوِّهم ليسوا على هوى بني إسرائيل، هم بالضِّدِّ في الأقوال، وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عِوَج: هذه طريقة فلان. تُمَثِّله بآخر قد اعْوَجَّ نوعًا آخر من الاعوجاج، وإن اختلفت نوازله». وبيّن أن قوله تعالى: ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا﴾ وصف لليهود بأنهم قد ضلوا قديمًا، وأضلُّوا كثيرًا من أتباعهم، ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى: يا أهل الكتاب من النصارى، لا تتبعوا أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلُّوا من قبل، أي: ضل أسلافهم وهم قبل مجيء محمد، وأضلوا كثيرًا من المنافقين، وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق»

اختلف أهل التفسير في السبب الذي من أجله جعل الله مثله كمثل الكلب؛ فقال بعضهم: مثَّله به لتركه العمل بآيات الله سواء وُعِظ أم لم يوعظ. وقال آخرون: إنّما مَثَّله بالكلب لأنّه كان يلهث كما يلهث الكلب. ورجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٨٨) القولَ الأول مستندًا إلى ظاهر الآية، وانتقد الثاني الذي قاله السدي لمخالفته الواقع، فقال: «لدلالة قوله تعالى: ﴿ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾، فجعل ذلك مثل المكذبين بآياته. وقد علمنا أنّ اللِهاث ليس في خِلْقة كلِّ مكذب كُتِب عليه ترك الإنابة من تكذيب بآيات الله، وإن ذلك إنما هو مَثَلٌ ضربه الله لهم، فكان معلومًا بذلك أنّه لِلَّذي وصف اللهُ صفته في هذه الآية -كما هو لسائر المكذبين بآيات الله- مَثَلٌ»

نقل ابنُ كثير (٨‏/‏١٩٣) عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾، «أي: بسبب ما أشركتمون من قبل». ثم نقل عن ابن جرير أنّ المعنى: «إنِّي جحدت أن أكون شريكًا لله عز وجل». ثم رجَّح قولَ ابن جرير مستندًا إلى دلالة القرآن قائلًا: «وهذا الذي قاله هو الراجح، كما قال تعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ * وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥-٦]، وقال: ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨٢]». وما نقلَه ابن كثير عن قتادة هو خلاف المثبت عنه هنا، وما عزاه لابن جرير ليس في تفسيره (١٣‏/‏٦٣٢)

سورة النساء — الآية ١٢

قال مالك بن أنس: الأمرُ المُجْتَمَعُ عليه عندنا، الذي لا اختلاف فيه، والذي أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا: أنّ الكلالة على وجهين: فأمّا الآيةُ التي أُنزِلت في أوَّل سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾، فهذه الكَلالةُ التي لا يرث فيها الإخوةُ لِلْأُمِّ حتى لا يكون ولد ولا والد. وأمّا الآيةُ التي في آخر سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (١٧٦)﴾، قال مالك: فهذه الكلالة التي تكون فيها الإخوة عَصَبَةٌ إذا لم يكن ولد، فيرثون مَع الجد في الكلالة، فالجَدُّ يرِث مع الإخوة؛ لأنّه أولى بالميراث منهم، وذلك أنّه يَرِثُ مع ذكور ولد المتوفى السُّدُسَ، والإخوة لا يرثون مع ذكور ولد المُتَوَفّى شيئًا، وكيف لا يكون كأحدهم وهو يأخذ السدس مع ولد المُتَوَفّى؟! فكيف لا يأخذ الثلث مع الإخوة وبنو الأم يأخذون معهم الثلث؟! فالجد هو الذي حجب الإخوة للأم، ومنعهم مكانُه الميراثَ، فهو أولى بالذي كان لهم؛ لأنهم سَقَطُوا من أجله. ولو أنّ الجد لم يأخذ ذلك الثلث أخذه بنو الأم، فإنما أخذ ما لم يكن يرجع إلى الإخوة للأب، وكان الإخوة للأم هم أولى بذلك الثلث من الإخوة للأب، وكان الجدُّ هو أولى بذلك من الإخوة للأُمِّ

سورة النساء — الآية ١٧٦

قال مالك بن أنس: الأمرُ المجتمعُ عليه عندنا، الذي لا اختلاف فيه، والذي أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا: أنّ الكلالة على وجهين: فأمّا الآية التي أنزلت في أول سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة، أو امرأة، وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء:١٢] فهذه الكلالةُ التي لا يَرِثُ فيها الإخوة للأم حتى لا يكون ولدٌ ولا والِدٌ. وأمّا الآيةُ التي في آخر سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين، يبين الله لكم أن تضلوا، والله بكل شيء عليم﴾؛ قال مالك: فهذه الكلالةُ التي تكون فيها الإخوة عصبةٌ إذا لم يكن ولد، فيرثون مع الجد في الكلالة، فالجدُّ يرِث مع الإخوة، لأنّه أولى بالميراث منهم، وذلك أنّه يرِث مع ذكور ولد المُتَوَفّى السدسَ، والإخوة لا يَرِثُون مع ذكور ولد المُتَوَفّى شيئًا. وكيف لا يكون كأحدهم وهو يأخذ السدس مع ولد المتوفى؟! فكيف لا يأخذ الثلث مع الإخوة وبنو الأم يأخذون معهم الثلث؟! فالجدُّ هو الذي حجب الإخوة للأم، ومنعهم مكانُه الميراثَ، فهو أولى بالذي كان لهم؛ لأنهم سقطوا من أجله، ولو أنّ الجد لم يأخذ ذلك الثلثَ أخذه بنو الأم، فإنّما أخذ ما لم يكن يرجع إلى الإخوة للأب، وكان الإخوة للأم هم أولى بذلك الثلث من الإخوة للأب، وكان الجدُّ هو أولى بذلك من الإخوة للأم

سورة البقرة — الآية ٢٠١

عن جابر بن عبد الله: أنَّ فتًى من الأنصار يُقال له: ثَعْلَبَة بن عبد الرحمن، وكان يَحِفُّ للنبي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وإنّ رسول الله صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بعثه في حاجَةٍ، فَمَرَّ بباب رجل من الأنصار، فرأى امرأة الأنصاريِّ تَغْتَسِل، فكَرَّرَ النَّظَر، وخاف الوحي على النبي صلى الله علَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -في حديث طويل-، وفيه: أنّه انطلق هائِمًا على وجهه بين الجبال، فأرسل إليه الرسول ﷺ عمر وسلمان، فأَتَيا به، فقال له النبي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يا ثَعْلَبَةُ، ما غَيَّبَكَ عَنِّي؟». فقال: ذَنبِي، يا رسول الله. فقال: «أدُلُّكَ على آيةٍ تَمْحُو الذُّنوب والخطايا؟». قال: بلى. قال: «قُلْ: ﴿ربنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]». قال: ذَنبِي -يا رسول الله- أعْظَمُ. قال له النبي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بَلْ كلام الله أعظم». فأمره النبيُّ بالانصراف إلى منزله، ... إلخ، في قصة طويلة

سورة الواقعة — الآية ٧٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح-: أنّ عُلَيَّة بن الأسود أو نافع بن الحكم أتاه، فقال له: يا ابن عباس، إني أقرأ آيات من كتاب الله، أخشى أن يكون قد دخلني منها شيء. قال ابن عباس: ولِمَ ذلك؟ قال: لأني أسمع الله يقول: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر:١]، ويقول: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، ويقول في آية أخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقد نزل في الشهور كلّها شوال وغيره. قال ابن عباس: ويلك، إنّ جملة القرآن أُنزل من السماء في ليلة القدر إلى بدء موقع النجوم. يقول: إلى سماء الدنيا، فنزل به جبريل في ليلة منه، وهي ليلة القَدْر المباركة، وهي في رمضان، ثم نزل به على محمد ﷺ في عشرين سنة؛ الآية والآيتين والأكثر، فذلك قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ يقول: أقسم ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾

انتَقَدَ ابنُ عطية (٥‏/‏٤٢) قول ابن زيد، فقال: «وهذا يَرُدُّه القطعُ بعِصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتوافر في قتله». وانتقده ابنُ كثير (٨‏/‏١٦بتصرف) لعدم الدليل الصريح، فقال: «واعلم أنّه لم يقم دليلٌ على نُبُوَّة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق [يعني: قولهم: ﴿إذ قالوا ليوسف... ﴾] يدل على خلاف ذلك. ومِن الناس مَن يزعم أنّهم أُوحِي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مُدَّعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ [البقرة:١٣٦]، وهذا فيه احتمال؛ لأنّ بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب؛ يذكر تعالى أنّه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالًا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط مِن نسل رجل مِن إخوة يوسف، ولم يقم دليلٌ على أعيان هؤلاء أنّهم أُوحِي إليهم»

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤١٢) قولًا عن بعض الناس: بأنّ هذه الآية منسوخة بآية الاستئذان الذي أُمِر به الناس، وهي قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور:٢٧]، فقالوا: إذا كان الإذن محجورًا فالطعام أحرى. وذكر أيضًا عن فرقة نسخًا بيْن هذه الآية وبيْن قوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]. ثم انتقد (٦‏/‏٤١٣) كلا القولين بأن «النسخ لا يتصور في شيءٍ من هذه الآيات، بل هي كلها محكمة». وبيَّن ذلك بقوله: «أما قوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ﴾ ففي التعدِّي والخدع والغرر واللهو والقمار ونحوه، وأما هذه الآية ففي إباحة طعام هذه الأصناف التي يَسُرُّها استباحة طعامها على هذه الصفة، وأما آية الإذن فعِلَّة إيجاب الاستئذان خوف الكشف، فإذا استأذن الرجل خوف الكشفة، ودخل المنزل بالوجْه المباح صحَّ له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس يكون في الآيات نسخٌ، فتأمله»

رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٤٠-٤١) مستندًا إلى السياق قول الشعبي بأنّ المعنيِّين بقوله: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾: هم المتبوعون، الذين سنُّوا لأهل الشرك السُّنن الرديئة. وأن المعنيِّين بقوله: ﴿وأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾: هم أتباع من سَنَّ لهم هذه السُّنن من جهلة المشركين. ووافقه ابنُ عطية (٣‏/‏٢٧٨). ثم انتَقَدا استنادًا إلى مخالفة السياق، وقولِ قتادة قولَ محمد بن أبي موسى، فبيَّن ابنُ جرير بأن هذا القول لا معنى له، لأنّ: «النكير في ابتداء الآية من الله تعالى على مشركي العرب، فالختم بهم أولى من غيرهم، إذ لم يكن عرَض في الكلام ما يُصرَف من أجله عنهم إلى غيرهم». وانتقده ابنُ عطية بقوله: «وهذا تفسير مَن انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى، وعما تأخر أيضًا من قوله: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾»