سورة هود — الآية ٤٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: كان لِلَمَكَ يومَ ولَدَ نوحًا اثنان وثمانون سنة، ولم يكن أحدٌ في ذلك الزمان ينتهي عن مُنكَر، فبعث الله نوحًا إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة، فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة، وغرِق مَن غرِق، ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة وخمسين سنة، فولد نوح سام وفي ولده بياض وأُدمة، وحام وفي ولده سواد وبياض قليل، ويافث وفيهم الشقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرق، والعرب تسميه: يام، وأم هؤلاء واحدة، وبجبل نَوْذَ نَجَرَ نوحٌ السفينةَ، ومِن ثَمَّ بدأ الطوفان، فركب نوح السفينة معه بنوه هؤلاء، وكنائنه؛ نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعون مِن بني شِيث مِمَّن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة، وحمل معه مِن كل زوجين اثنين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراعٍ بذراعِ جدِّ أبي نوح، وعرضُها خمسين ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعًا، وخرج منها من الماء ستُّ أذرع، وكانت مُطبَقَةً، وجعل لها ثلاثة أبواب بعضَها أسفلَ من بعض، فأرسل الله المطر أربعين ليلة وأربعين يومًا، فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح، وسُخِّرت له، فحمل فيها كما أمره الله مِن كل زوجين اثنين، وحمل معه جسدَ آدم، فجُعِل حاجزًا بين النساء والرجال، فركبوا فيها لعشر مضين مِن رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام مَن صام يوم عاشوراء، وخرج الماء مثل ذلك نصفين؛ نصف من السماء ونصف من الأرض، فذلك قول الله: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾ يقول: مُنصَبّ، ﴿وفجرنا الأرض عيونًا﴾ يقول: شَقَقْنا الأرض، ﴿فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ [القمر:١١-١٢]، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعًا، فسارت بهم السفينة، فطافَت بهم الأرضَ كلها في ستة أشهر لا تَسْتَقِرُّ على شيء، حتى أتت الحرم فلم تدخُله، ودارت بالحرم أسبوعًا، ورُفِع البيت الذي بناه آدم؛ رُفِعَ من الغرق -وهو البيت المعمور- والحجر الأسود على أبي قُبَيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجُودِيِّ، وهو جبل بالحِصنين من أرض الموصل، فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السنة، فقيل بعد الستة أشهر: ﴿بعدًا للقوم الظالمين﴾. فلمّا استوت على الجودي قيل: ﴿يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي﴾ يقول: احبسي ماءكِ، ﴿وغيض الماء﴾ نَشِفَتْه الأرضُ، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض، فآخرُ ماءٍ بقي في الأرض مِن الطوفان ماء بحِسْمى، بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان، ثم ذهب، فهبط نوح إلى قريةٍ، فبنى كلُّ رجل منهم بيتًا، فسُمِّيت: سوق الثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم مِن الآباء كانوا على الإسلام، ودعا نوح على الأسد أن يُلقى عليه الحُمّى، وللحمامة بالأنس، وللغراب بشقاء المعيشة، وتزوج نوح امرأةً من بني قابيل، فولدت له غلامًا فسمّاه: يوناطنَ، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها، وهي بين الفرات والصَّراةِ، فمكثوا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإسلام. ولَمّا خرج نوح من السفينة دُفِن آدم عليه السلام ببيت المقدس

سورة هود — الآية ٣٨

عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الوهاب بن مجاهد- قال: مَكَثَ نوحٌ يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، يُسِرُّه إليهم، ثم يجهر به لهم، ثم أعلن -قال مجاهد: الإعلان: الصِّياح-، فجعلوا يأخُذونه فيخنقونه حتى يُغشى عليه فيسقط الأرض مغشيًّا عليه، ثم يُفيق، فيقول: اللَّهُمَّ، اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فيقول الرجل منهم لأبيه: يا أبتِ، ما لهذا الشيخ يصيح كل يوم لا يَفْتُر؟ فيقول: أخبَرَني أبي عن جَدِّي أنه لم يزل على هذا منذ كان. فلمّا دعا على قومه أمره الله أن يصنع الفلك، فصنع السفينة، فعملها في ثلاث سنين، كلما مرَّ عليه مَلأٌ من قومه سخِروا منه، يَعجَبُون مِن نجارته السفينة، فلمّا فرغ منها جعل له ربُّه آية: إذا رأيت التنور قد فار فاجعل في السفينة مِن كل زوجين اثنين. وكان التَّنُّور -فيما بلغنا- في زاوية مِن مسجد الكوفة، فلمّا فار التنور جعل فيها كما أمره الله، قال: يا رب، كيف بالأسد والفيل؟ قال: سأُلقي عليهم الحُمّى، إنها ثقيلة. فحمل أهله وبنيه وبناته وكنائنه، ودعا ابنَه، فلمّا أبى عليه وفرغ مِن كل شيء يُدخله السفينة طبَّق السفينة الأخرى عليهم، ولولا ذلك لم يبق في السفينة شيءٌ إلا هلك؛ لِشِدَّة وقْعِ الماء حين يأتي من السماء، قال الله: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر﴾ [القمر:١١]. فكان قَدْرُ كُلِّ قطرةٍ مثلَ ما يجري من فَمِ القِرْبة، فلم يبق على ظهر الأرضِ شيءٌ إلّا هلك يومئذ، إلا ما في السفينة، ولم يدخل الحرم منه شيء

سورة الحجر — الآية ٩٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده-: أنّ الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نَفَرٌ مِن قريش، وكان ذا سِنٍّ فيهم، وقد حضَر الموسِم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنّه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستَقدَم عليكم فيه، وقد سمِعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيُكَذِّبَ بعضُكم بعضًا. فقالوا: أنتَ فقُلْ، وأقِمْ لنا به رأيًا نقول به. قال: لا، بل أنتم قولوا لِأَسْمَعَ. قالوا: نقول: كاهن. قال: ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهّانَ، فما هو بزَمْزَمةِ الكُهّانِ، ولا بسَجْعِهم. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرَفناه، فما هو بخَنقِه، ولا تَخالُجه، ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرَفنا الشِّعر كلَّه؛ رَجَزَه، وهَزَجَه، وقريضَه، ومقبوضَه، ومبسوطَه، فما هو بالشِّعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السُّحّارَ، وسِحرَهم، فما هو بنَفْثِه، ولا عَقْدِه. قالوا: فماذا نقول؟ قال: واللهِ، إنّ لِقولِه حلاوةً، وإنّ أصلَه لعَذِقٌ، وإن فرعَه لجَناةٌ، فما أنتم بقائلين مِن هذا شيئًا إلا عُرِف أنّه باطل، وإنّ أقرب القول أن تقولوا: ساحرٌ يُفَرِّق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرَّقوا عنه بذلك، فأنزل الله في الوليد، وذلك مِن قوله: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ إلى قوله: ﴿سأُصليه سقر﴾ [المدثر:١١-١٦]. وأنزل الله في أولئك النَّفَر الذين كانوا معه: ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ أي: أصنافًا، ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين* عما كانوا يعملون﴾

سورة الممتحنة — الآية ١٠

عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق محمد بن إسحاق- قال: لما نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات﴾ إلى قوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾؛ كان ممن طلّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته قُرَيبة ابنة أبي أُميّة بن المُغيرة، فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سُفيان، وهما على شِركهما بمكة، وأُمّ كُلثوم ابنة جَرول الخُزاعيّة أُمّ عبيد الله بن عمر، فتزوّجها أبو جهم بن حُذافة بن غانم؛ رجل من قومه، وهما على شرِكهما، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي كانت عنده أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المُطّلب، ففرَّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسُّك بعِصَم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها، ثم تزوّجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أُميّة بن عبد شمس، وكان ممن فَرَّ إلى رسول الله ﷺ من نساء الكفار ممن لم يكن بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فحبسها وزوّجها رجلًا من المسلمين أُميمة بنت بشر الأنصارية، ثم إحدى نساء بني أُميّة بن زيد من أوس الله، كانت عند ثابت بن الدّحداحة، ففَرّت منه -وهو يومئذ كافر- إلى رسول الله ﷺ، فزَوَّجها رسولُ الله ﷺ سهلَ بن حُنَيف أحد بني عمرو بن عوف، فولَدت عبد الله بن سهل

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ على أربعة أقوال: الأول: معناه: أعطى كل شيء زوجه مِن جنسه، ثم هداه لنكاحه. الثاني: أعطى كل شيء صورته، ثم هداه إلى معيشته ومطعمه ومشربه. الثالث: أعطى كلًّا ما يصلحه، ثم هداه له. الرابع: أنه هداهم إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٨١-٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وانتقد ما عداه، فقال: «لأنه -جلَّ ثناؤه- أخبر أنه أعطى كلَّ شيء خلقه، ولا يُعْطى المعطى نفسَه، بل إنما يعطى ما هو غيره؛ لأنّ العطية تقتضي المعطي والمعطى والعطية، ولا تكون العطية هي المُعْطى، وإذا لم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كل خلق بعض أجزائه؛ كان معلومًا أنه إذا قيل: أعطى الإنسان صورته إنما يعني: أنه أعطى بعض المعاني التي به مع غيره دعي إنسانًا، فكأن قائله قال: أعطى كل خلق نفسه. وليس ذلك إذا وُجِّه إليه الكلام بالمعروف من معاني العطية، وإن كان قد يحتمله الكلام. فإذا كان ذلك كذلك فالأصوب مِن معانيه أن يكون مُوَجَّهًا إلى أن كل شيء أعطاه ربه مثل خلقه، فزوجه به، ثم هداه لما بينا». ورجّح ابنُ عطية (٦‏/‏٩٩) القول الثاني مستندًا إلى العموم، ودلالة العقل بقوله: «وهذا القولُ أشرفُ معنًى، وأعمُّ في الموجودات». وأما ابنُ القيم فقد رجّح (٢‏/‏١٨١ بتصرف) القول الثالث مستندًا إلى النظائر، فقال: «وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه. وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين؛ فيكون نظير قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى:٣]»

لخَّصَ ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٠) الخلاف في قوله تعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فقال: «قال كثير من العلماء -منهم ابن عباس، وطائفة من السلف، وجماعات من الخلف-: هذه في البائن، إن كانت حاملًا أنفق عليها حتى تضع حملها، قالوا: بدليل أنّ الرّجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملًا أو حائلًا. وقال آخرون: بل السياق كلّه في الرّجعيات، وإنما نصّ على وجوب الإنفاق على الحامل، وإن كانت رجعية؛ لأنّ الحمْل تطول مدته غالبًا فاحتيج إلى النصّ على وجوب الإنفاق إلى الوضع؛ لئلا يُتوهّم أنه إنما تجب النّفقة بمقدار مدة العِدّة». وظاهر كلام ابن جرير (٢٣‏/‏٦٤) أنه رجَّحَ القولَ الأوَّلَ -استنادًا إلى السنة، والدلالة العقلية- حيث قال: «الصواب مِن القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملًا؛ لأنّ الله -جلّ ثناؤه- جعل النفقة بقوله: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾ للحوامل دون غيرهنّ من البائنات من أزواجهنّ، ولو كان البوائن من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهنّ من النّفقة على أزواجهنّ سواء، لم يكن لخصوص أُولات الأحمال بالذّكر في هذا الموضع وجه مفهوم؛ إذ هنّ وغيرهنّ في ذلك سواء، وفي خصوصهنّ بالذكر دون غيرهنّ أدل الدليل على أن لا نفقة لبائن إلا أن تكون حاملًا. وبالذي قلنا في ذلك صحَّ الخبرُ عن رسول الله ﷺ». وقال ابنُ عطية (٨‏/‏٣٣٣): «أما الحامل فلا خلاف في وجوب سُكناها ونفقتها؛ بُتَّت أو لم تُبَتّ؛ لأنها مُبيّنة في الآية، واختلفوا في نفقة الحامل المُتوفّى عنها زوجها على قولين لعلماء الأمة: فمَنعها قوم، وأوجبها في التركة قوم»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٦٦٢) «قوله تعالى: ﴿منفكين﴾ معناه: منفصلين متفرِّقين، تقول: انفك الشيء عن الشيء؛ إذا انفصل عنه، و»ما انفك«التي هي من أخوات» كان«لا مدخل لها في هذه الآية». وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٥٢). وقد أفادت الآثار أنّ المعنى: لم يكن الكفار من أهل التوراة والإنجيل والمشركون من عبدة الأوثان مُنتَهين عما هم فيه من الكفر والضلال حتى تأتيهم البينة. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٥١) هذا المعنى، ثم قال: «وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». ثم أورد الآثار الواردة هنا، ولم ينسب للسلف غيره. ووجَّه ابنُ عطية الفعل في ﴿تأتيهم البينة﴾ أنه من إيقاع المستقبل موقع الماضي «لأنّ باقي الشريعة وعظمها لم يرد بعد». وذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٥٢) قولًا ثانيًا، وأبهم قائليه، وهو أنّ المعنى: أنّ أهل الكتاب -وهم المشركون- لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه. ورجّحه مستندًا إلى السياق، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد حتى تأتيهم البينةُ، -وهي إرسال الله إياه رسولًا إلى خَلْقه- رسولٌ من الله... ، واسْتُؤْنِفَ قولُه: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وهي نَكِرَةٌ على البَيِّنَة، وهي معرفَةٌ، كما قيل: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ﴾ [البروج:١٦]، فقال: حتّى يَأْتيهم بَيانُ أمْر محمد أنّه رسول الله، بِبَعْثه اللهُ إيّاه إلَيهِم، ثُمَّ تَرْجَمَ عَنِ البَيِّنَةِ، فقال: تلك البَيِّنَة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٦٢-٦٦٣) القولين، ثم بيّن احتمال الآية قولًا ثالثًا، فقال: «ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد: لم يكن هؤلاء القوم مُنفكِّين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يَبعث إليهم رسولًا منذرًا تقوم عليهم به الحجة، وتتم على مَن آمن النعمة. فكأنه قال: ما كانوا ليُتركوا سُدًى. ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى». وذكر ابنُ تيمية (٧‏/‏١٥٠) الأقوال الثلاثة وأطال، فبيَّن أنّ القول الأول أشهر عند المفسرين، وأنه أفاد أنّ الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليؤمنوا حتى يتبين لهم الحق بمجيء البينة، وهذا يتضمّن مدْحهم والثناء عليهم بعد مجيء البينة: «ولهذا احتاج مَن قاله إلى أن يقول: هذا فيمن آمن من الفريقين في أنه بيان لنعمة الله عليهم. وجعلوا قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب﴾ [البينة:٤] فيمن لم يؤمن منهم بمحمد ﷺ». وانتقد ابنُ تيمية (٧‏/‏١٥٤-١٥٦) هذا القول -مستندًا إلى القرآن، والسنة، والواقع- «وذلك أنه معلوم بالتواتر أنّ أهل الكتاب اختلفوا وتفرقوا قبل إرسال محمد ﷺ، بل اليهود افترقوا قبل مجيء المسيح، ثم لما جاء المسيح اختلفوا فيه، ثم اختلف النصارى اختلافًا آخر، فكيف يقال: إنّ قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤] هو فيمن لم يؤمن بمحمد منهم؟!». وذكر كثيرًا من الآيات والأحاديث الدالة على تفرّق أهل الكتاب واختلافهم قبل مبعث النبي ﷺ من نحو قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ [الجاثية:١٦-١٨]، ومن نحو قوله ﷺ: «تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة...» الحديث. وذكر أيضًا أنّ الذين كفروا بمحمد ﷺ كفار، وأنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾، وهم تفرّقوا واختلفوا فيما جاءت به الأنبياء قبل محمد ﷺ، وكفَرَ مَن كَفَر منهم قبل إرسال محمد ﷺ، وكان منهم من لم يكفر بل كان مؤمنًا بالأنبياء كما قال تعالى: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ [الأعراف:١٥٩]، ﴿وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك﴾ [الأعراف:١٦٨]، وقال تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾ [آل عمران:١١٣-١١٤]. وانتقد (٧‏/‏١٥٣) كذلك القول الثاني -مستندًا إلى أحوال النزول، واللغة، والدلالة العقلية- وذلك أنه «معلوم أنّ المشركين لم يكونوا يعرفونه ﷺ ويذكرونه ويجدونه في كتبهم كما كان ذلك عند أهل الكتاب، ولا كانوا قبل مبْعثه على دين واحد متّفقين عليه فلما جاء تفرّقوا... ، ولا يستقيم هذا أيضًا في أهل الكتاب، فإنّ الله إنما ذكر الكفار منهم، فقال: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾، ومعلوم أنّ الذين كانوا يعرفون نبوته ويُقِرُّون به ويذكرونه قبل أن يُبعث لم يكونوا كلّهم كفارًا، بل كان الإيمان أغلب عليهم. يبيّن هذا أنه إذا ذكر تفرق الذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءتهم البينة فإنه يعمّهم، فيقول: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤]. وأنه لا يقول: كان الكفار من أهل الكتاب متّفقين على الحق حتى جاءتهم البينة. وأيضًا فتسمية الافتراق والاختلاف انفكاكًا لا يُعرَف في اللغة، وأيضًا فهو لم يذكر لـ﴿منفكين﴾ خبرًا كما يقال: ما انفكوا يذكرون محمدًا، وما زالوا يؤمنون به ونحو ذلك. وهذه التي هي من أخوات»كان«لا يقال فيها: ما كنت منفكًًّا. بل يقال: ما انفككت أفعل كذا. فهو يلي حرف»ما"". وأيضًا فليس في اللفظ ما يدل على أنّ الانفكاك عن أمر محمد ﷺ خاصة. وأيضًا فهذا المعنى مذكور في قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤]، فلو أريد بهذه لكان تكريرًا محضًا. ورجّح (٧‏/‏١٥٧-١٦٤) بعد ذلك -مستندًا إلى اللغة، والنظائر، والدلالة العقلية- القول الثالث الذي ذكره ابن عطية، وذكر أنه أصح الأقوال لفظًا ومعنًى، وأنّ معنى الآية عليه: أنّ الله ما يخلِّيهم ولا يتركهم، فهو لا يفكّهم حتى يبعث إليهم رسولًا. وهذا كقوله: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة:٣٦] لا يؤمر ولا ينهى. أي: أيظن أنّ هذا يكون؟! هذا ما لا يكون ألبتة؛ بل لابد أن يؤمر ويُنهى. وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين﴾ [الزخرف:٣-٥]، وهذا استفهام إنكار، أي: لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر ونُعرض عن إرسال الرسل؟! واستدل لترجيحه بعدة مرجِّحات، منها دلالة لفظ الانفكاك، فإنه مستعمل فيما يُلزَم به الإنسان ويُقهَر عليه إذا تخلّص منه، يقال: انفك منه كالأسير والرقيق المقهور بالرق والأسر... ويقال: فلان ما يفكّ فلانًا حتى يوقعه في كذا وكذا، والمتولي لا يفكّ هذا حتى يفعل كذا، يقال لمن لزم غيره واستولى عليه إما بقدرة وقهر، وإما بتحسين وتزيين وأسباب حتى يصير بها مطيعًا له. يقال للمستولى عليه: هو ما ينفكّ من هذا كما لا ينفكّ الأسير والرقيق من المستولى عليه. فقوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ أي: لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه، لا حَجْر عليهم، كما أنّ المنفكّ لا حَجْر عليه. وهو لم يقل «مفكوكين» بل قال: ﴿منفكين﴾، وهذا أحسن؛ فإنه نفي لفعلهم، ولو قال: «مفكوكين» كان التقدير: لم يكونوا مُسيَّبين مُخلّين فهو نفي لفعل غيرهم. والمقصود: أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل، بل يفعلون ما شاؤوا مما تهواه الأنفس. ومن المرجّحات أيضًا: أنّ «حتى» حرف غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة:٢٣٠] ونظائر ذلك، فلو أريد أنهم لم يكونوا مُنتَهين ويؤمنون حتى يتبيّن لهم الحق لزم أن يكونوا كلهم بعد مجيء البيّنة قد انتهوا وآمنوا؛ فإنّ اللفظ عام فيهم. وكذلك لو كان المراد أنهم كانوا متّفقين على تصديق الرسول حتى بُعث لزم أن يكونوا كلّهم كانوا يعرفونه قبل إرساله إليهم، وأنهم كلّهم بعد إرساله تفرّقوا واختلفوا. وكلاهما باطل؛ فكثير منهم أُمِّيُّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ولم يكونوا يعرفون ما في الكتب من بعْثه ومن أمور أُخَر، ولما بُعث فقد آمن به خَلْق كثير منهم، ولم يتفرقوا كلّهم عن الإيمان به، وحينئذ فالآية لم تتضمّن مدحهم مطلقًا كما ظن من ظن أن معناها: أنهم لم ينتهوا ولم يؤمنوا حتى يتبيّن لهم الحق. ولا تتضمّن ذمهم مطلقًا كما ظن من ظن أنهم لما جاءهم الرسول تفرّقوا واختلفوا بعد ما كانوا متّفقين على التصديق؛ بل تضمنّتْ مدح مَن آمن منهم بالرسول، وذم مَن لم يؤمن، والإخبار أنه لابد من إرسال الرسول إليهم فيؤمن به بعضهم، ويكفر بعض، قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة:٢٥٣]. ثم بيَّن أنّ الآية يمكن أن تتضمّن بعد ذلك القول الأول، فقال: «إذا قيل: إنّ الآية تتضمّن بعد ذلك المعنى الآخر، وهو أنهم لم يكونوا ليهتدوا ويعرفوا الحق ويؤمنوا حتى تأتيهم البيّنة، إذ لا طريق لهم إلى معرفة الحق إلا برسول يأتي من الله أيضًا؛ أولم يكونوا مُنتَهين مُتَّعظين وإنْ عرفوا الحق حتى يأتيهم من الله مَن يُذكرهم؛ فهذا المعنى لا يناقض ذاك»

أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ على أقوال: الأول: أن الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله. والإقتار: المنع من حقوق الله. الثاني: أن السرف: هو مجاوزة الحد في النفقة. والإقتار: التقصير عن الحدِّ الذي لا بُدَّ منه. الثالث: أنّ الإسراف هو أكل مال الغير بغير حق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٠١) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك قولُ مَن قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدَّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به. والقوام: بين ذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لأنّ المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصًا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذمومًا؛ لأنّ ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم». وانتقد ابنُ عطية (٦‏/‏٤٥٧-٤٥٨ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، وقول مَن قال: الإسراف: أن تنفق مال غيرك، فقال: «هذه الأقوال غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر. والوجه أن يُقال: إنّ النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليلَه وكثيرَه، وكذلك التعدِّي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون مُنَزَّهون عن ذلك». ثم رجّح أن «التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدبُ الشرع فيها أن لا يُفَرِّط الإنسان حتى يضيع حقًّا آخر أو عيالًا ونحو هذا، وأن لا يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشُّحّ، والحسن في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخِفَّة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها»

اختُلف في معنى: «المُقْوِين» في هذه الآية على أقوال: الأول: المسافرون. الثاني: المستمتعون بها. الثالث: الجائعون. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٣٥٨) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، وهو قول ابن عباس، والضَّحّاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قولُ مَن قال: عُنِيَ بذلك: للمسافر الذي لا زاد معه، ولا شيء له. وأصله من قولهم: أقْوَت الدار: إذا خَلَت من أهلها وسكانها». واستشهد ببيتٍ من الشعر. وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٣٨٧) على القول الثاني بقوله: «وهذا التفسير أعمُّ مِن غيره، فإنّ الحاضر والبادي مِن غني وفقير، الكلّ محتاجون للطبخ والاصطلاء والإضاءة وغير ذلك من المنافع. ثم مِن لطف الله تعالى أنْ أودعها في الأحجار، وخالص الحديد، بحيث يتمكّن المسافر مِن حمْل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا احتاج إلى ذلك في منزله أخرج زِنده وأورى، وأوقد ناره فاطبخ بها واصطلى، واشتوى واستأنس بها، وانتفع بها سائر الانتفاعات؛ فلهذا أفرد المسافرون، وإن كان ذلك عامًّا في حق الناس كلّهم». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢٠٧) أن معنى «المُقْوِين» في هذه الآية: «الكائنون في الأرض القواء، وهي الفيافي». ثم ذكر أنّ بعض الناس «عبر في تفسير»المُقْوِين«بأشياء ضعيفة، كقول ابن زيد: للجائعين ونحوه». ولم يذكر مستندًا، ثم علَّق على القول الأول بقوله: «ومَن قال: معناه: للمسافرين. فهو نحو ما قلناه، وهي عبارة ابن عباس رضي الله عنهما، تقول: أصبح الرجل: دخل في الصباح، وأَصْحَرَ: دخل في الصحراء، وأقوى: دخل في الأرض القَواء، ومنه: أقْوَت الدار، أقوى الطَّلَلُ، أي: صار قواءً...». وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏١١٤) أنّ «المُقْوين»: هم المسافرون. ثم علَّق بقوله: «وخصّ المُقْوين بالذكر، وإن كانت منفعتها عامةً للمسافرين والمقيمين تنبيهًا لعباده -والله أعلم بمراده مِن كلامه- على أنهم كلّهم مسافرون، وأنهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين، وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر»

اختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ على أقوال، بيَّنها ابنُ عطية (٣‏/‏١٨٠-١٨١ بتصرف) بقوله: «قوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ يحتمل ثلاثة معانٍ: أحدها: أن تكون»مَن«للمجروح، أو ولي القتيل، ويعود الضمير في قوله: ﴿له﴾ عليه أيضًا، ويكون المعنى: أنّ من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقِّه في ذلك فإنّ ذلك العفو كفّارة له عن ذنوبه، ويُعَظِّم الله أجره بذلك، ويُكَفِّر عنه. وقال بهذا التأويل عبد الله بن عمر، وجابر بن زيد، وأبو الدرداء، وقال به أيضًا قتادة، والحسن. والمعنى الثاني: أن تكون»مَن«للمجروح أو ولي القتيل، والضمير في ﴿له﴾ يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه، وصحَّ عنه، فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أنّ القصاص كفارة، فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى. وعاد الضمير على مَن لم يتقدم له ذِكرٌ؛ لأن المعنى يقتضيه. قال بهذا التأويل ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، ومجاهد، وإبراهيم، وعامر الشعبي، وزيد بن أسلم. والمعنى الثالث: أن تكون للجارح أو القاتل، والضمير في ﴿له﴾ يعود عليه أيضًا، والمعنى: إذا جنى جانٍ فجُهِل وخفي أمره، فتصدق هو بأن عرَّف بذلك، ومكَّن الحق من نفسه، فذلك الفعل كفارة لذنبه». وبيَّن أنّ مَن قالوا بالمعنى الثالث احتجوا بقول مجاهد من طريق عبد الله بن كثير، وعلَّق عليه، بقوله: «وانظر أن ﴿تَصَدَّقَ﴾ -على هذا التأويل- يحتمل أن يكون من الصدقة، ومن الصدق». ورجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏٤٧٩) قولَ مَن قال: عُني به: المجروح. وانتَقَدَ الأقوال الأخرى مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية قائلًا: «لأن تكون الهاء في قوله: ﴿له﴾ عائدةً على»مَن«أوْلى من أن تكون مِن ذِكْر مَن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ إلا بالمعنى دون التصريح، وأحرى؛ إذ الصدقة هي المكفِّرة ذنبَ صاحبها دون المتصدَّق عليه في سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيلُ هذه سبيلَ غيرها من الصدَّقات». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏١٨١) أن مكيَّ بن أبي طالب وغيره ذكروا أنّ قومًا تأولوا الآية أنّ المعنى: والجروح قصاص، فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت. وانتقده بقوله: «وهذا تأويل قلق»