اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وفصل الخطاب﴾ على أقوال: الأول: أنه عِلم القضاء والفهم به. الثاني: أن فصل الخطاب بتكليف المدعي البينة، واليمين على المدعى عليه. الثالث: أن فصل الخطاب هو قول: أما بعد. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٢) هذه الأقوال، ثم رجّح مستندًا إلى اللغة، والعموم جوازَ جميعها، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله أخبر أنه آتى داود -صلوات الله عليه- فصل الخطاب، والفصل: هو القطع، والخطاب: هو المخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم، ومَن قطع مخاطبته أيضًا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدعيًا فإقامة البينة على دعواه، وإن كان مدعًى عليه فتكليفه اليمين؛ إن طلب ذلك خصمه. ومن قطع الخطاب أيضًا الذي هو خطبه عند انقضاء قصة وابتداء في أخرى الفصل بينهما بأما بعد؛ فإذ كان ذلك كله محتملًا ظاهر الخبر، ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد به خبرٌ عن الرسول ﷺ ثابتٌ، فالصواب أن يعم الخبر كما عمه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء، والمحاورة، والخطب». ووافقه ابنُ كثير (١٢‏/‏٨١) بقوله: «وقال مجاهد أيضًا: هو الفصل في الكلام، وفي الحكم. وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٣٣٢) هذه الأقوال، ثم قال: «والذي يعطيه لفظُ الآية: أنّ الله تعالى آتاه أنّه كان إذا خاطب في نازلة فَصَل المعنى وأوضحه وبيَّنه، لا يأخذه في ذلك حَصْرٌ ولا ضَعْف، وهذه صفةٌ قليلٌ مَن يدركها، فكان كلامه عليه السلام فصلًا، وقد قال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:١٣]، ويزيد محمد ﷺ على هذه الدرجة بالإيجاز في العبارة، وجمع المعاني الكثيرة في اللفظ اليسير، وهذا هو الذي تخصص عليه السلام به في قوله: «وأعطيت جوامع الكلم». فإنها في الخلال التي لم يُؤتَها أحدٌ قبلَه»

سورة آل عمران — الآية ١٥٢

عن عبد الله بن مسعود -من طريق الشعبي- قال: إنّ النساء كُنَّ يوم أحد خَلْفَ المسلمين، يُجْهِزْنَ على جرحى المشركين، فلو حلفتُ يومئذٍ رجوتُ أن أبَرَّ: إنّه ليس أحدٌ مِنّا يُرِيد الدنيا، حتى أنزل الله: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾. فلَمّا خالف أصحابُ النبي ﷺ، وعَصَوْا ما أُمِرُوا به؛ أُفْرِدَ رسولُ الله ﷺ في تسعةٍ؛ سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشر، فلمّا رَهَقُوهُ قال: «رحم اللهُ رجلًا ردَّهم عنّا». فقام رجلٌ مِن الأنصار فقاتل ساعةً حتى قُتِل، فلمّا رَهَقُوهُ أيضًا قال: «رحم الله رجلًا ردَّهم عنّا». فلم يَزَلْ يقول ذا حتى قُتِل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: «ما أنصَفْنا أصحابَنا». فجاء أبو سفيان، فقال: اعلُ، هُبَل. فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: اللهُ أعلى وأجلُّ» فقالوا: الله أعلى وأجلُّ. فقال أبو سفيان: لنا العُزّى، ولا عُزّى لكم. فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: اللهُ مولانا، والكافرون لا مولى لهم». ثُمَّ قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، يومٌ لنا ويومٌ علينا، ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرُّ، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ: «لا سواء؛ أمّا قتلانا فأحياءٌ يُرْزَقُون، وقتلاكم في النار يُعَذَّبون». قال أبو سفيان: قد كان في القوم مُثْلَةٌ، وإن كانت لَعَنْ غيرِ مَلَأٍ مِنّا؛ ما أمرتُ ولا نَهَيْتُ، ولا أحببتُ ولا كرِهْتُ، ولا ساءني ولا سرَّني. قال: فنظروا، فإذا حمزةُ قد بُقِرَ بطنُه، وأَخَذَتْ هندُ كَبِدَه فلاكَتْها، فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ: «أكَلَتْ شيئًا؟». قالوا: لا. قال: «ما كان اللهُ لِيُدْخِلَ شيئًا مِن حمزةَ النارَ». فوضع رسول الله ﷺ حمزةَ، فصلّى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوُضِع إلى جنبه، فصلّى عليه، فرُفع الأنصاري وتُرك حمزة، ثُمَّ جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رُفع وتُرك حمزة، حتى صلّى عليه يومئذ سبعين صلاةً

في المراد بالبحرين أقوال: الأول: عني بهما: بحر السماء، وبحر الأرض. الثاني: عني بهما: بحر فارس، وبحر الروم. الثالث: عني بهما: فاطمة، وعلي. ولم يذكر ابن جرير (٢٢‏/‏٢٠١) غير القولين الأولين، ثم رجّح الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وذلك أنّ الله قال ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قَطر ماء السماء، فمعلوم أنّ ذلك بحر الأرض وبحر السماء». وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٣١٨) ترجيح ابن جرير، وانتقده مستندًا إلى لفظ الآية، فقال: «قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولّد من ماء السماء، وأصداف بحر الأرض. وهذا وإن كان هكذا ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ؛ فإنه تعالى قد قال: ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ أي: وجعل بينهما برزخًا، وهو: الحاجز من الأرض؛ لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيُفسد كل واحد منهما الآخر، ويُزيله عن صفته التي هي مقصودة منه. وما بين السماء والأرض لا يُسمى برزخًا وحِجرًا محجورًا». وقد ساق ابنُ تيمية (٦‏/‏١٧٠-١٧٢بتصرف) القول الثالث عن سفيان الثوري، من طريق الثعلبي، وذكر أنّ الثعلبي ذكره بإسنادٍ رواته مجهولون لا يُعرفون عن سفيان الثوري، ثم ساق إسناد الثعلبي، وانتقده -مستندًا لضعف إسناده- بقوله: «وهذا الإسناد ظُلمات بعضها فوق بعض، لا يثبت بمثله شيء». ثم انتقدالقول جملةً -مستندًا إلى أحوال النزول، واللغة، والنظائر، والدلالة العقلية، وإجماع المفسرين- من وجوهٍ:أحدها: أنّ سورة الرحمن مكّيّة بإجماع المسلمين، والحسن والحُسين إنما وُلدا بالمدينة. الثاني: أنّ تسمية هذين بحرين، وهذا لؤلؤًا، وهذا مرجانًا، وجعل النكاح مَرجًا؛ أمر لا تحتمله لغة العرب بوجه، لا حقيقة ولا مجازًا، بل كما أنه كذبٌ على الله وعلى القرآن، فهو كذبٌ على اللغة. الثالث: أنّ الله ذكر أنه مَرج البحرين في آية أخرى، فقال في الفرقان: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ [الفرقان:٥٣] فلو أُريد بذلك علي وفاطمة لكان ذلك ذمًّا لأحدهما، وهذا باطل بإجماع أهل السنة والشيعة. الرابع: أنه قال: ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ فلو أُريد بذلك عليّ وفاطمة؛ لكان البرزخ الذي هو النبي ﷺ بزعمهم أو غيره هو المانع لأحدهما أن يبغي على الآخر. وهذا بالذّم أشبه منه بالمدح. الخامس: أنّ أئمة التفسير مُتّفقون على خلاف هذا، كما ذكره ابن جرير وغيره. فقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كلّ عام. وقال الحسن: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يعني: بحر فارس والروم، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾: هو الجزائر. وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏١٦٦) قولين آخرين، أحدهما: عني بهما: بحر القلزم واليمن، وبحر الشام. ثانيهما: أنهما مطر السماء، وبحر الأرض. ثم رجّح أنّ المراد بالبحرين نوعي الماء: المالح والعَذب، فقال: «والظاهر عندي أنّ قوله تعالى: ﴿البحرين﴾ يريد بهما نوعي الماء: العَذب والأجاج». ولم يذكر مستندًا، وعلَّق عليه بقوله: «والعبرة في هذا التأويل منيرة». ثم وجّه ابن عطية قوله: ﴿يلتقيان﴾ حسب هذه الأقوال، فوجّهه على قول مَن قال: المراد بهما: بحر فارس والروم. وقول مَن قال: المراد بهما: بحر القلزم واليمن وبحر الشام. فقال: «أما قوله: ﴿يلتقيان﴾ فعلى التأويلين الأولين معناه: هما مُعدّان للالتقاء، وحقّهما أن يلتقيا لولا البرزخ». ووجّهه على قول مَن قال: عني بهما بحر السماء وبحر الأرض. فقال: «وعلى القول الثالث أنهما يلتقيان كل سنة مرة». وانتقد قول مَن قال: إنه بحر يجتمع في السماء. قائلًا: «فمَن ذهب إلى أنه بحر يجتمع في السماء فهو قول ضعيف». غير أنه ذكر له وجْهًا ينتظم به مع قول مَن قال: إنهما مطر السماء وبحر الأرض، فقال: «وإنما يتوجه اللقاء فيه وفي القول الرابع بنزول المطر». ووجَّهه على القول بأنّ المراد بهما نوعي الماء: المالح والعذب بقوله: «وفي القول الخامس بالأنهار في البحر، وبالعيون قرب البحر»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى ﴿أماني﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: الأكاذيب. الثاني: التشهي، وتمني ما ليس لهم. الثالث: التلاوة. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢‏/‏١٥٧-١٦٠) مستندًا إلى اللغة، والسّياق القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق الضحاك، وقول مجاهد من طريق بن أبي نَجِيح، وانتَقَدَ القول الثاني والثالث، وعلَّل ذلك بأن قوله تعالى: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ أفاد أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنًّا منهم لا يقينًا، وذلك يدل على ضعف تفسير الأماني بالتشهي أو التلاوة؛ لأنه لو كان معنى ذلك: أنهم يتلونه، لم يكونوا ظانين؛ لأنه لا يقال لمن تلا كتابًا: هو ظان لما يتلو، إلا أن يكون شاكًّا في نفس ما يتلوه، لا يدري أحق هو أم باطل، ولم يقع من اليهود التالين للتوراة شك في كون التوراة من عند الله، وكذلك لو كان معناه: يشتهونه، لم يكونوا ظانين؛ لأن المتشهي يتمنى ما حصل له العلم به، وما قد وجدت عينه، فغيرُ جائز أن يقال: هو شاكٌّ فيما هو به عالم؛ لأنّ العلم والشكَّ معنيان متنافيان لا يجتمعان، وكذلك فالمتشهي في حال تمنيه موجود تمنيه، فغير جائز أن يقال: هو يظن تمنيه. ثم وجّه ابن جرير الاستثناء في قوله تعالى: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ بأنه استثناء منقطع؛ لكون الأماني من غير نوع الكتاب، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ [النساء:١٥٧]، والظن من العلم بمعزل، وبيَّن أن معنى الآية -بناءً على كون الاستثناء منقطعًا- هو: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب، لكن أماني، يعني: لكنهم يتمنون. ورجَّح ابنُ تيمية (١‏/‏٢٥٢-٢٥٤) القول بأنها التلاوة، وانتَقَدَ القولين الآخرين مستندًا إلى اللغة، والسّياق، فقال: «وقوله: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ أي: تِلاوة، فهم لا يعلمون فِقْهَ الكتاب، إنما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم، والأمانيُّ: جمع أمْنِيَّة، وهي: التلاوة، ومنه: قوله تعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢]». ثم حكى القولين الآخرين، ثم قال: «كلا القولين ضعيف، والصواب الأول؛ لأنه سبحانه قال: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾، وهذا الاستثناء إما أن يكون متصلًا أو منقطعًا، فإن كان متصلًا لم يجز استثناء الكذب ولا أماني القلب من الكتاب، وإن كان منقطعًا فالاستثناء المنقطع إنما يكون فيما كان نظير المذكور، وشبيهًا له من بعض الوجوه، فهو من جنسه الذي لم يذكر في اللفظ، ليس من جنس المذكور؛ ولهذا لا يصلح المنقطع حيث يصلح الاستثناء المفرغ، وذلك كقوله: ﴿لا يذوقون فيها الموت﴾ ثم قال: ﴿إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان:٥٦]، فهذا منقطع؛ لأنه يحسن أن يقال: لا يذوقون إلا الموتة الأولى، ... وقوله: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا﴾ [النساء:١٥٧] يصلح أن يقال: وما لهم إلا اتباع الظن، فهنا لَمّا قال: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ يحسن أن يقال: لا يعلمونه إلا أماني، فإنهم يعلمونه تلاوة يقرءونها ويسمعونها، ولا يحسن أن يقال: لا يعلمون إلا ما تتمناه قلوبهم، أو لا يعلمون إلا الكذب، فإنهم قد كانوا يعلمون ما هو صدق أيضًا، فليس كل ما علموه من علمائهم كان كذبًا، بخلاف الذي لا يعقل معنى الكتاب، فإنه لا يعلم إلا تلاوة. وأيضًا فهذه الأماني الباطلة التي تمنوها بقلوبهم وقالوها بألسنتهم -كقوله تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾- قد اشتركوا فيها كلهم، فلا يخص بالذم الأميون منهم، وليس لكونهم أميين مدخل في الذم بهذه، ولا لنفي العلم بالكتاب مدخل في الذم بهذه، بل الذم بهذه مما يعلم أنها باطل أعظم من ذم من لا يعلم أنها باطل؛ ولهذا لما ذم الله بها عَمَّم ولم يَخُصّ، فقال تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم﴾ الآية [البقرة:١١١]، وأيضًا فإنه قال: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ فدل على أنه ذمهم على نفي العلم، وعلى أنه ليس معهم إلا الظن، وهذا حال الجاهل بمعاني الكتاب، لا حال من يعلم أنه يكذب، فظهر أن هذا الصنف ليس هم الذين يقولون بأفواههم الكذب والباطل، ولو أريد ذلك لقيل: لا يقولون إلا أماني، لم يقل: لا يعلمون الكتاب إلا أماني، بل ذلك الصنف هم الذين يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه، ويلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمنًا قليلًا، فهم يحرفون معاني الكتاب، وهم يحرفون لفظه لمن لم يعرفه، ويكذبون في لفظهم وخطهم»

سورة المائدة — الآية ٤٤

عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: كنا عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فذَكَر رجلٌ عنده: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾. فقال عبيد الله: أما واللهِ إنّ كثيرًا من الناس يتأولون هؤلاء الآيات على ما لم يَنزِلْن عليه، وما أُنزِلْن إلا في حَيَّيْن من يهود. ثم قال: هي قريظة والنضير، وذلك أنّ إحدى الطائفتين كانت قد غَزَتِ الأخرى وقهرتها قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فَدِيَتُه خمسون وسْقًا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فَدِيَتُه مئة وسْق. فأعطوهم فَرَقًا وضَيْمًا، فقدم النبي ﷺ وهم على ذلك، فذلَّت الطائفتان بمقدم النبي ﷺ، والنبي ﷺ لم يظهر عليهما، فبينما هما على ذلك أصابت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فقالت العزيزة: أعطونا مائة وسْق. فقالت الذليلة: وهل كان هذا قطُّ في حَيَّيْنِ دينُهما واحد وبلدُهما واحد؛ دِيَةُ بعضهم ضعفُ دِيَة بعض؟! إنما أعطيناكم هذا فَرَقًا منكم وضَيْمًا، فاجعلوا بيننا وبينكم محمدًا ﷺ. فتراضيا على أن يجعلوا النبي ﷺ بينهم، ثم إن العزيزة تذاكرت بينها، فخشيت أن لا يعطيها النبي ﷺ من أصحابها ضعف ما تُعْطى أصحابها منها، فدَسُّوا إلى النبي ﷺ إخوانهم من المنافقين، فقالوا لهم: أخبروا لنا رأيَ محمد ﷺ، فإن أعطانا ما نريد حَكَّمناه، وإن لم يعطنا حَذِرناه ولم نُحَكِّمه. فذهب المنافق إلى النبي ﷺ، فأعلم الله -تعالى ذِكْرُه- النبي ﷺ ما أرادوا من ذلك الأمر كله. قال عبيد الله: فأنزل الله -تعالى ذِكْرُه- فيهم: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ هؤلاء الآيات كلهن، حتى بلغ: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ إلى ﴿الفاسقون﴾، قرأ عبيد الله ذلك آيةً آيةً، وفسرها على ما أنزل، حتى فرغ من تفسير ذلك لهم في الآيات، ثم قال: إنما عنى بذلك: يهود، وفيهم أنزلت هذه الصفة

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ على أقوال: الأول: أنّ طمس الوجوه هو محو آثارها، حتى تصير كالأقفاء، ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى. الثاني: أنّ معناه: طمس أعينهم عن الحق، وردها إلى الكفر والضلال. الثالث: أنّ معناه: محو آثارهم من وجوههم ونواحيهم التي هم بها، وردهم إلى الشام كما كانوا. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏١١٥-١١٦) القول الأول مستندًا إلى السياق، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي وقتادة وعطية العوفي، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤُه- خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة﴾، ثُمَّ حذَّرهم -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ الآية بأسَه، وسطوته، وتعجيلَ عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شكَّ أنهم كانوا لَمّا أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا». ثُمَّ انتَقَدَ (٧‏/‏١١٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ مَن قال: إنّ معنى الآية: نُعميهم عن الحق فنردهم إلى الضلال والكفر. فقال: «وإذ كان ذلك كذلك فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: تأويلُ ذلك: أن نعميها عن الحق فنردها في الضلالة. فما وجه ردِّ مَن هو في الضلالة فيها؟! وإنما يُرَدُّ في الشيء مَن كان خارجًا منه، فأمّا مَن هو فيه فلا وجه لأن يُقال: يَرُدُّهُ فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدد الذين ذكرهم في هذه الآية بردِّه وجوههم على أدبارهم؛ كان بيِّنًا فسادُ تأويل مَن قال: معنى ذلك: يهددهم بردهم في ضلالتهم». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٥٧٤) قولًا آخر: أنّ ذلك معناه: «أن تعفى أثر الحواس فيها، وتزال الخلقة منه، فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس». وعَلَّق عليه بقوله: «فيكون الرد على الأدبار في هذا الموضع بالمعنى، أي: خُلُوِّه من الحواسِّ دبرًا لكونه عامرًا بها»

اختلف في المراد بتغيير خلق الله على أقوال: الأول: هو تغيير دين الله. والثاني: إخصاء البهائم. والثالث: الوشم. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٥٠٢) القول الأول مستندًا إلى القرآن، فقال: «وذلك لدلالة الآية الأخرى على أنّ ذلك معناه، وهي قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ [الروم:٣٠]». وجعل القول بالخصاء والوشم مندرجًا فيه، فقال: «وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فِعْلُ كُلِّ ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووشره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كل ما أمر الله -جلَّ ثناؤه- به؛ لأن الشيطان لا شكَّ أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمرِه نصيبَه المفروضَ من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه». وانتَقَد (٧‏/‏٥٠٢) تخصيص التغيير بالخصاء والوشم مستندًا إلى اللغة، ودلالة العقل، فقال: «فلا معنى لتوجيه مَن وجَّه قوله: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ إلى أنه وعد الآمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإن كان الذي وجَّه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره إنّما فعل ذلك لأن معناه كان عنده أنه عنى تغيير الأجسام؛ فإنّ في قوله -جلَّ ثناؤه- إخبارًا عن قيل الشيطان: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ ما يُنبِئُ أنّ معنى ذلك غير ما ذهب إليه؛ لأنّ تبتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله، الذي هو أجسام، وقد مضى الخبر عنه أنه وعْد الآمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسرًا، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملًا، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجَم عن المجمل من الكلام بالمفسر، وبالخاص عن العام، دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعام عن الخاص، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام أولى من توجيهه إلى غيره ما وجد إليه السبيل». ورجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏٢٦-٢٧) العموم، فقال: «ومَلاك تفسير هذه الآية: أنّ كل تغيير ضارٌّ فهو في الآية، وكلَّ تغيير نافعٌ فهو مباح»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في تفسير قوله: ﴿الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ على أقوال: أحدها: أنّ الحسنى: الجنة. والزيادة: النَّظَر إلى وجه الله تعالى. والثاني: أنّ الحسنى: واحدة من الحسنات. والزيادة: مضاعفتها إلى عشر أمثالها. الثالث: أنّ الحسنى: حسنة مثل حسنة. والزيادة: مغفرة ورضوان. والرابع: أنّ الحسنى: الجزاء في الآخرة. والزيادة: ما أُعْطُوا في الدنيا. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏١٦٤-١٦٥) جميعَ تلك المعاني استنادًا إلى العموم، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تبارك وتعالى- وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إيّاه الجنةَ، وأن تبْيَضَّ وجوهُهم، ووعدهم مع الحسنى الزيادةَ عليها، ومِن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرَفًا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانًا ورضوانًا؛ كل ذلك مِن زيادات عطاءِ الله إيّاهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمَّ ربُّنا -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿وزيادة﴾ الزيادات على الحسنى، فلم يُخَصِّص منها شيئًا دون شيء، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم -إن شاء الله-. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُعمّ كما عَمَّه -عزَّ ذِكْرُه-». وبنحوه قال ابنُ كثير (٧‏/‏٣٥٤). وعلَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٤٧٤) على ترجيح ابن جرير للعموم بقوله: «ويُؤَيِّد ذلك أيضًا قولُه: ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾». ورجَّح ابنُ عطية (٤‏/‏٤٧٣) القول الأول استنادًا إلى أقوال السلف. وكذا رجَّحه ابنُ القيم (٢‏/‏٣٥) استنادًا إلى السُّنَّة، وأقوال السلف، وذكر أنّ مَن فَسَّر الزيادة بالمغفرة والرضوان فهو من لوازم رؤيته -تبارك وتعالى-. وأورد ابنُ عطية (٤‏/‏٤٧٤) إشكالًا على القول الأول؛ بأنّه لو كان معنى الحسنى: الجُنَّة، لكان في القول تكرير بالمعنى، وأجاب عنه بقوله: «على أنّ هذا ينفصل عنه بأنّه وصف المحسنين بأنّ لهم الجنة، وأنّهم لا يرهق وجوهَهم قترٌ ولا ذِلَّة، ثم قال: ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ على جهة المدح لهم، أي: أولئك مُسْتَحِقُّوها وأصحابها حقًّا وباستيجاب»

اختُلِف في الروح المسئول عنه على أقوال: الأول: أرواح بني آدم. الثاني: ملك له عشرة الآف جناح. الثالث: طائفة من الملائكة على صور بني آدم. الرابع: أنه جبريل ﷺ. الخامس: ملك له سبعون ألف وجه. السادس: أنه القرآن. السابع: طائفة مع الملائكة ولا تراهم الملائكة. الثامن:عيسى بن مريم. ذكره ابن عطية (٥‏/‏٥٣٥). وذكر أن الجمهور على القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي [الوارد في نزول الآية]، وبيّن أن الرُّوح على هذا القول اسم جنس، ورجَّحه، وانتقد البقية مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا هو الصواب، وهو المشْكل الذي لا تفسير له... وهذه كلها أقوال مفسِّرة، والأول أظهرها وأصوبها». وذكر ابنُ تيمية (٥‏/‏٢٤٥) أنه على القول بأن المراد بالروح: أرواح بني آدم؛ فإن النص لم يخبر بكيفيتها؛ لأن الإخبار بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله، وليست الروح من جنس ما نشهده من الأعيان، فلا يمكن تعريفها بكيفيتها، وإن كانت لها كيفية في نفسها. وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏١٥٣) أن أكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسئول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم، بل الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم، وساق حديث ابن مسعود [الوارد في نزول الآية]، ثم رجَّح (٢‏/‏١٥٣-١٥٤بتصرف) القول بأنه مَلَك، وانتقد القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، والقرآن، فقال: «ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي، وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس، أما أرواح بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلم فيها طوائف من الناس مِن أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة... ولم تقع تسميتها في القرآن إلا بالنفس، قال تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر:٢٧]، ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة:٢]، ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران:١٨٥]، وأما السنة فجاءت بلفظ النفس والروح»

اختُلف في الذين عُنوا بقوله: ﴿وآخرين منهم﴾ على أقوال: الأول: فارس. الثاني: الرّوم والعَجَم. الثالث: التابعين من أبناء العرب. الرابع: أنهم جميع طوائف الناس. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٦٣١) -مستندًا إلى دلالة العموم- القول الأخير الذي قاله مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن زيد، والضَّحّاك، فقال: «لأن الله عز وجل عمّ بقوله: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ كلّ لاحقٍ بهم من»آخرين«، ولم يخصّص منهم نوعًا دون نوع، فكلّ لاحقٍ بهم فهو من الآخرين الذي لم يكونوا في عداد الأولين الذين كان رسول الله ﷺ يتلو عليهم آيات الله». وكذا رجَّحه ابن تيمية (٦‏/‏٣٠٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية، والنظائر، فقال: «فإنّ قوله: ﴿وآخرين منهم﴾ أي: في الدّين دون النّسب؛ إذ لو كانوا منهم في النّسب لكانوا من الأُمّيين. وهذا كقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ [الأنفال:٧٥]». وساق ابنُ كثير (١٣‏/‏٥٥٥ بتصرف) الحديث الوارد عن أبي هريرة في تفسير قوله: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾، ثم بيّن دلالته على العموم، فقال: «ففي هذا الحديث دليل... على عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس؛ لأنه فسّر قوله: ﴿وآخرين منهم﴾ بفارس، ولهذا كتب كُتبه إلى فارس والرّوم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله عز وجل، وإلى اتّباع ما جاء به». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٠١) أن قوله تعالى: ﴿منهم﴾ على هذا القول إنما يريد: في البشرية والإيمان، كأنه قال: وفي آخرين من الناس. ثم قال: «وذلك أنّا نجد بَعْثه ﷺ إلى جميع الخلائق». وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏١٥٤) أنه اختُلف في هذا اللحاق المنفي، فقيل: هو اللحاق في الزمان، أي: يتأخر زمانهم عنهم. وقيل: هو اللحاق في الفضل والسّبق. ثم علَّق بقوله: «وعلى التقديرين فامتنّ عليهم سبحانه بأنْ علّمهم بعد الجهل، وهَداهم بعد الضلالة، ويا لَها مِن مِنّة عظيمة فاقَت المِنن وجَلّت أن يقدر العباد لها على ثمن»