سورة الأعراف — الآية ١٣٣

عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بكر-: أنّ موسى لَمّا عالج فرعون بالآيات الأربع: العصا، واليد، ونقص من الثمرات، والسنين، قال: يا ربِّ، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض، وعتا في الأرض، وبغى عَلَيَّ، وعلا عليك، وعادَّني بقومه؛ ربِّ، خُذْ عبدك بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، وتجعلها لقومي عِظَةً، ولمنبعدي آيةً في الأمم الباقية. فبعث الله عليهم الطوفان -وهو الماء- وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها في بعض، فامتلأت بيوتُ القِبْطِ ماءً، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، من حبس منهم غرق، ولم يدخل في بيوت بني إسرائيل قطرةٌ، فجَعَلَتِ القِبْطُ تُنادي: موسى، ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل. قال: فواثقوا موسى ميثاقًا أخَذَ عليهم به عهودَهم، وكان الماءُ أخذهم يوم السبت، فأقام عليهم سبعة أيام إلى السبت الآخر، فدعا موسى ربَّه، فرفع عنهم الماء، فأَعْشَبَتْ بلادُهم من ذلك الماء، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم جحدوا، وقالوا: ما كان هذا الماءُ إلا نعمة علينا، وخِصْبًا لبلادنا، ما نُحِبُّ أنه لم يكن، قال: وقد قال قائل لابن عباس: إني سألت ابن عمر عن الطوفان، فقال: ما أدري موتًا كان أو ماء؟ ، فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت، حين ذكر الله قوم نوح، فقال: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ [العنكبوت: ١٤]؟! أرأيتَ لو ماتوا؛ إلى مَن جاء موسى - عليه السلام - بالآيات الأربع بعد الطوفان؟!. قال [سعيد بن جبير]: فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ ربِّ، خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عِظَةً، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية. قال: فبعث الله عليهم الجرادَ، فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِر كلها أكَل الخشب، حتى أكل الأبواب، وسقوف البيوت، وابتُلِي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع، غير أنّه لا يدخل بيوت بني إسرائيل، فعَجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى، هذه المرَّةَ ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لك، ولَنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيل. فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا لهم ربه، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا ربِّ، عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا موعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فأرسل الله عليهم القُمَّل، قال أبو بكر: سمعت سعيد بن جبير، والحسن يقولان: كان إلى جنبهم كثيبٌ أعفرُ بقرية من قرى مصر، تُدْعى:عين شمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب، فضربه بعصاه ضربةً صار قملًا تدب إليهم -وهي دواب سود صغار-، فدب إليهم القمل، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم، كأنه الجُدَرِيُّ عليهم، فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنّا نتوب، ولا نعود، فادع لنا ربك. فدعا ربَّه فرفع عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا، وقالوا: ما كُنّا قطُّ أحقَّ أن نستيقن أنّه ساحرٌ مِنّا اليوم، جعل الرَّمْلَ دوابَّ، وعِزَّةِ فرعونَ، لا نصدقه أبدًا، ولا نتبعه. فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم، فدعا موسى عليهم، فقال: يا ربِّ، إنّ عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فأرسل الله عليهم الضفادع، فكان أحدهم يضطجع، فتركبه الضفادع، فتكون عليه رُكامًا، حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى الشق الآخر، ويفتح فاه لِأَكْلَتِه فيسبق الضفدعُ أكْلَتَه إلى فيه، ولا يعجن عجينًا إلا تسدَّحت فيه، ولا يطبخ قدرًا إلا امتلأت ضفادع، فعُذِّبوا بها أشد العذاب، فبكوا إلى موسى - عليه السلام -، وقالوا: هذه المرة نتوب، ولا نعود. فأخذ عهدهم وميثاقهم، ثم دعا ربه، فكشف الله عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعًا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم، وقالوا: قد تبين لكم سحره، ويجعل التراب دواب، ويجيء بالضفادع في غير ماء. فآذوا موسى - عليه السلام -، فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم عقوبة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فابتلاهم الله بالدم، فأفسد عليهم معايشهم، فكان الإسرائيليُّ والقبطيُّ يأتيان النيل فيستقيان، فيخرج للإسرائيلي ماءً، ويخرج للقبطي دمًا، ويقومان إلى الحُبِّ فيه الماء؛ فيخرج للإسرائيلي في إنائه ماء، وللقبطي دمًا

اختُلف في معنى ﴿ما﴾ على قولين: الأول: أنها بمعنى: أي شيء يُكذِّبك؟ الثاني: أنها بمعنى: مَن الذي يُكذِّبك؟ وفي المخاطب أيضًا بـ﴿يكذبك﴾ قولان: أحدهما: أنّ المخاطب بذلك رسول الله ﷺ. الآخر: أنّ المخاطب بذلك الإنسان الكافر. وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٩) أنّ مَن قال بأنّ ﴿ما﴾ بمعنى: أي شيء، تعيَّن على قوله أن يكون الخطاب للإنسان، والمعنى: فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مُكذِّبًا بالدين، وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق؟! ومَن جعلها بمعنى: فمن الذي يُكذِّبك، جعل الخطاب للنبي ﷺ. وبعد أن بيَّن ابنُ عطية (٨‏/‏٦٤٩) أنّ الدين بمعنى الجزاء، ذكر أنه على القول بأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون «الدين بمعنى: جميع دينه وشرعه». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٢٤) أنّ ﴿ما﴾ بمعنى: مَن، وأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول مَن قال: معنى ﴿ما﴾ معنى: مَن. ووجّه تأويل الكلام إلى: فمَن يُكذِّبك -يا محمد- بعد الذي جاءك من هذا البيان من الله بالدين؟! يعني: بطاعة الله، ومجازاته العباد على أعمالهم». ولم يذكر مستندًا. وذكر أنّ بعض أهل العربية تأوَّل أنّ المعنى: «فما الذي يُكذِّبك بأنّ الناس يدانون بأعمالهم؟ وكأنه قال: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له خَلْقنا الإنسان على ما وصفنا». وكذا رجح ابنُ تيمية (٧‏/‏٧٤- ٧٧) أنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، وأنّ الصواب ما ذكره ابنُ جرير عن بعض أهل العربية (الفراء والأخفش) مِن أنّ المعنى: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له أنّا خلقنا الإنسان على ما وصفنا. وانتقد أن يكون المُخاطَب: الإنسان الكافر مستندًا إلى النظائر، واللغة، والدلالة العقلية، وعلّل ذلك بـ«أنّ الإنسان في السورة إنما ذُكِرَ مُخبَرًا عنه لم يُخاطَب، والرسول ﷺ هو الذي أُنزِل عليه القرآن، والخطاب في هذه السور له كقوله: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى:٣]، وقوله: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح:١]... والإنسان إذا خوطب قيل له: ﴿يا أيها الإنسان﴾ [الانفطار:٦، الانشقاق:٦]. وأيضًا فبتقدير أن يكون خطابًا للإنسان يجب أن يكون خطابًا للجنس، كقوله: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [الانشقاق:٦]، وعلى قول هؤلاء إنما هو خطاب للكافر، خاصة المُكذِّب بالدين، وأيضًا فإنّ قوله: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ إمّا أن يكون معناها: فما يجعلك مُكذِّبًا بالدين، أو يكون معناها: فما يجعلك كاذبًا بالدين، والأول فاسد من جهة العربية، والثاني فاسد مِن جهة المعنى، فإنّ الدين هو الجزاء الذي كَذَّب به الكافر، والكافر كذَّب به لم يُكذَّب هو به. وأيضًا فلا يُعرَف في المُخبِر أن يقول: كذبت به، بل يقال: كذبته، وأيضًا: فالمعروف في كذَّبه أي: نسبه إلى الكذب، لا أنه جعل الكذب فيه، فهذا كلّه تكلُّف لا يُعرَف في اللغة». وقد أجاب ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٨-٣٣٩) عن الإشكال اللغوي الذي أورده ابن تيمية، فذكر أنّ قول القائل: «كذّب بكذا. معناه: كذّب المُخبِر به، ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي، وعدَّوا الفعل إلى المُخبِر به، فإذا قيل: مَن يُكذِّبك بكذا؟ فهو بمعنى: كذَّبوك بكذا سواء. أي: نسبوك إلى الكذب في الإخبار به». ثم ذكر إشكالًا على القول بأنّ المُخاطَب الإنسان، وأجاب عنه، فقال: «بل الإشكال في قول مجاهد والجمهور، فإنّ الخطاب إذا كان للإنسان وهو المُكذِّب -أي: فاعل التكذيب- فكيف يقال: له ما يُكذِّبك؟ أي: يجعلك مُكذِّبًا. والمعروف كذبه إذا جعله كاذبًا لا مُكذّبًا، ومثل فسَّقَهُ إذا جعله فاسقًا لا مُفسِّقًا لغيره. وجواب هذا الإشكال: أنّ صدّق وكذّب بالتشديد يراد به معنيان: أحدهما النسبة، وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم. والثاني: الداعي والحامل على ذلك، وهو يكون للفاعل. قال الكسائي: يقال: ما صدّقك بكذا أو ما كذّبك بكذا، أي: ما حملك على التصديق والتكذيب. قلتُ: وهو نظير ما أجرأك على هذا، أي: ما حملك على الاجتراء عليه، وما قدّمك وما أخّرك، أي: ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير، وهذا استعمال سائغ موافق للعربية». ورجّح ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٨-٣٣٩) أنّ الخطاب في الآية للإنسان، فقال: «وقوله سبحانه: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أصح القولين أنّ هذا خطاب للإنسان، أي: فما يُكذِّبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان، فتقول: إنك لا تُبعث ولا تُحاسب، ولو تفكّرتَ في مبدأ خَلْقك وصورتك لعلمتَ أنّ الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خَلْقًا جديدًا، وأنّ ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خَلْقك الأول»

سورة الشعراء — الآية ٣٢

عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: أقبل موسى إلى أهله، فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلًا، فتَضَيَّف على أُمِّه، وهو لا يعرفهم، في ليلةٍ كانوا يأكلون منها الطَفَيْشَلَ، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلمّا أبصر ضيفه سأل عنه أُمَّه، فأخبرته أنّه ضيفٌ، فدعاه، فأكل معه، فلمّا قعدا فتحدَّثا، فسأله هارون: مَن أنت؟ قال: أنا موسى. فقام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فاعتنقه، فلمّا أن تعارفا قال له موسى: يا هارون، انطلق معي إلى فرعون؛ فإن الله قد أرسلنا إليه. قال هارون: سمعًا وطاعةً. فقامت أمُّهما، فصاحت، وقالت: أنشدكما بالله ألا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما. فأبَيا، فانطلقا إليه ليلًا، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون، وفزع البوّاب، فقال فرعون: مَن هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البوابُ، فكلمهما، فقال له موسى: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾. ففزع البواب، فأتى فرعونَ، فأخبره، فقال: إنّ ههنا إنسانًا مجنونًا يزعم أنّه رسول رب العالمين. فقال: أدخِله. فدخل، فقال: إني رسول رب العالمين. قال فرعون: ﴿وما رب العالمين﴾. قال: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه:٥٠]. قال: ﴿إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف:١٠٦-١٠٧]. والثعبان: الذَّكَر مِن الحيّات، فاتحةً فمَها، واضِعةً لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها، ووثب، فأحدث، ولم يكن يُحْدِث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها، وأنا أومن بك، وأُرسِلُ معك بني إسرائيل. فأخذها موسى، فصارت عصًا، فقالت السَّحَرة في نجواهم: ﴿إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما﴾ [طه:٦٣]. فالتقى موسى وأميرُ السحرة، فقال له موسى: أرأيت إن غلبتُك غدًا أتُؤْمِنُ بي، وتشهد أنّ ما جئتُ به حقٌّ؟ قال الساحر: لآتين غدًا بسحرٍ لا يغلبه سِحرٌ، فواللهِ، لئن غلبتني لأؤمِنَنَّ لك، ولأشهدن أنّك حقٌّ. وفرعون ينظر إليهما

سورة الليل — الآية ١

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّ رجلًا كانت له نخلة، فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، فكان الرجل إذا جاء فدخل الدار فصعد إلى النخلة ليأخذ منها الثمرة، فربما تقع ثمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل مِن نخلته، فيأخذ الثمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يُخرج الثمرة مِن فيه، فشكا ذلك الرجلُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «اذهب». ولقي النبيّ ﷺ صاحب النخلة، فقال له: «أعطِني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة». فقال له الرجل: لقد أعطيت، وإنّ لي لَنخلًا كثيرًا، وما فيه نخل أعجب إليّ ثمرةً منها. ثم ذهب الرجل، ولقي رجلًا كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ لصاحب النخلة، فأتى رسول الله، فقال: أتُعطِني ما أعطيتَ الرجل إنْ أنا أخذتُها؟ قال: «نعم». فذهب الرجل، فلقي صاحب النخلة، ولكليهما نخل، فقال له صاحب النخلة: أشعرتَ أنّ محمدًا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلتُ له: لقد أعطيتَ، ولكن يعجبني ثمرها، ولي نخل كثير ما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها. فقال له الآخر: أتريد بيعها؟ فقال: لا، إلا أنْ أُعطى بها ما أريد، ولا أظنّ أُعطى. قال: فكم مُناك فيها؟ قال: أربعين نخلة. فقال له الرجل: لقد جئتَ بأمر عظيم، تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة! ثم سكت عنه، فقال: أنا أُعطيك أربعين نخلة. فقال له: أشْهِد إن كنتَ صادقًا. فأَشهَد له بأربعين نخلة بنخلته المائلة، فمكث عنه ساعة، ثم قال: ليس بيني وبينك بيعٌ، لم نفترق. فقال له الرجل: ولستُ بأحمق حين أعطيتُك أربعين نخلة بنخلتك المائلة! فقال له: أُعطيك على أن تُعطيني كما أريد؛ تُعطينها على ساق. فسكت عنه، ثم قال: هي لك على ساق. قال: إن كنتَ صادقًا فأشْهِد لي. فدعا قومه، فأشْهَد له، فعَدّ له أربعين نخلة على ساق، ثم ذهب إلى النبيِّ ﷺ، فقال له: يا رسول الله، إنّ النخلة قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى صاحب الدار، فقال: «النخلة لك ولعيالك». فأنزل الله: ﴿والليل إذا يغشى﴾ إلى آخر السورة

ذكر ابن جرير (٦‏/‏٣٣٠) اختلاف المفسرين فيمن نزلت فيه هذه الآية، ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة العموم قول مجاهد بعمومها في كل مَن آمَن مِن أهل الكتاب، فقال: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله مجاهد، وذلك أن الله -جَلَّ ثناؤه- عمَّ بقوله: ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ أهل الكتاب جميعًا، فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود، ولا اليهود دون النصارى، وإنما أخبر أن من أهل الكتاب من يؤمن بالله، وكلا الفريقين -أعني: اليهود والنصارى- من أهل الكتاب». وانتقد ابن جرير القول بكونها نازلة في النجاشي، مستندًا إلى ضعف الخبر المروي في ذلك، ثم بين أنه على فرض صحته داخل في عموم القول الأول، فقال عقب إيراده: «ذلك خبر في إسناده نظر، ولو كان صحيحًا لا شك فيه لم يكن لما قلنا في معنى الآية بخلاف، وذلك أنه قد تنزل الآية في الشيء ثم يعم بها كل من كان في معناه، فالآية وإن كانت نزلت في النجاشي، فإن الله تبارك وتعالى قد جعل الحكم الذي حكم به للنجاشي حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشي في اتباعهم رسول الله ﷺ». وانتقد ابن تيمية (٢‏/‏١٩٠) مستندًا إلى دلالة التاريخ والدلالات العقلية القول بنزولها في عبد الله بن سلام، وضعَّفه بأن ابن سلام وأمثاله من المؤمنين ظاهرًا وباطنًا لا يجوز أن يقال فيهم: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:١٩٩] الآية. أما أولًا: فإن ابن سلام أسلم في أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وسورة آل عمرن إنما نزل ذكر أهل الكتاب فيها لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر. وثانيًا: أن ابن سلام وأمثاله هو واحد من جملة الصحابة والمؤمنين، وهو من أفضلهم، فلا يقال فيه: إنه من أهل الكتاب. وهؤلاء لهم أجور مثل أجور سائر المؤمنين، بل يُؤْتَوْنَ أجرهم مرتين، وهم ملتزمون جميع شرائع الإسلام، فأجرهم أعظم من أن يقال فيه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. وأيضًا، فإن أمر هؤلاء كان ظاهرًا معروفًا، ولم يكن أحد يشك فيهم، فأي فائدة في الإخبار بهم؟ بخلاف أمر النجاشي وأصحابه ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى؛ فإن أمرهم قد يشتبه

اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال قوم: المراد: تشبيه واعظ الكافرين وداعيهم والكافرين الموعوظين بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفقه ما يقول. وقال آخرون: المعنى: ومَثَل الذين كفروا في اتِّباعهم آلهتَهم، وعبادتهم إياها؛ كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه شيئًا إلا دَوِيًّا غير مفيد، يعني بذلك: الصدى الذي يستجيب من الجبال. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٥٠بتصرف) مُسْتَنِدًا لأحوال النُّزول، والسياق القولَ الأول دون الثاني الذي قاله ابن زيد، فقال: «وإنما اخترنا هذا التأويل لأنّ هذه الآية نزلت في اليهود، وإيّاهم عنى الله -تعالى ذِكْرُه- بها، ولم تكن اليهودُ أهلَ أوثانٍ يعبدونها، ولا أهل أصنام يُعَظِّمُونها، ويَرْجُون نفعَها أو دفعَ ضُرِّها. فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلُنا على ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها، فإنّهم هم المَعْنِيُّون به، فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم أحقّ وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحة بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم». وكذا رَجَّحه ابنُ كثير (٢‏/‏١٤٧) مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الأصنام لا تسمع شيئًا، ولا تَعْقِلُه، ولا تُبْصِرُه، ولا بَطْشَ لها، ولا حياة فيها». ووجَّهه ابنُ جرير (٣‏/‏٤٧-٤٨ بتصرف)، فقال: ""ومعنى قائلي هذا القول في تأويلهم ما تأوّلوا: ومَثَلُ وعْظِ الذين كفروا وواعظِهم كمَثَل نَعْق النّاعق بغنمه ونعيقه به، فأضيف المَثَل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام على ذلك، كما يُقال: إذا لقيت فلانًا فعظِّمه تعظيمَ السلطان، يُراد به: كما تُعَظِّم السلطان، وقد يحتمل أن يكون المعنى على هذا التأويل الذي تأوّله هؤلاء: ومَثَلُ الذين كفروا في قلّة فهمهم عن الله وعن رسوله كمثل المنعوق به من البهائم الذي لا يفقه من الأمر والنهي غير الصوت، وذلك أنّه لو قيل له: اعْتَلِف أو رِدِ الماء. لم يدر ما يُقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله، فكذلك الكافر مَثَلُه في قِلَّة فهمه لِما يُؤْمَر به ويُنْهى عنه بسوء تدبره إياه وقِلَّة نظره وفكره فيه مَثَلُ هذا المنعوق به فيما أُمِر به ونُهِي عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلامُ خارجٌ على الناعق، كما قال نابغة بني ذبيان:وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي... على وعل في ذي المطارة عاقلوالمعنى: حتى ما تزيد مخافة الوعل على مخافتي"". وبنحوه قال ابنُ القيم (١‏/‏١٦٣)

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٢٧٦ بتصرف) في قوله تعالى: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ ثلاثه احتمالات لمرجع الضمير: الأول: «أن يعود على الاستهزاء أو الشرك ونحوه. وهو قول الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، ويكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على ذلك بعينه، وتكون باءُ السبب، أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويكون قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في موضع الحال». الثاني: «أن يعود على الذِّكْر المحفوظ المتقدم الذِّكر، وهو القرآن، أي: مكذَّبًا به مردودًا مُسْتَهْزَءًا به ندخله في قلوب المجرمين، ويكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ عائدًا عليه أيضًا، أي: لا يصدقون به». الثالث: «أن يعود على الاستهزاء والشرك، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على القرآن، فيختلف على هذا عَوْد الضميرين». ثم علَّق على هذه الاحتمالات بقوله: «والمعنى في ذلك كله ينظر بعضه إلى بعض». ونقل ابنُ القيم (٢‏/‏١٠٠-١٠١) قول أنس بن مالك، وقول الحسن، وابن جريج، وابن زيد، وزاد قولًا للربيع أنّ معنى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أي: الاستهزاء، ثم علَّق عليها بقوله: «وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد: التكذيب والاستهزاء والشرك، كل ذلك فعلهم حقيقة، وقد أخبر أنّه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم». ثم استدرك عليها مستندًا إلى السياق قائلًا: «وعندي في هذه الأقوال شيء، فإنّ الظاهر أنّ الضمير في قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ هو الضمير في قوله: ﴿سَلَكْناهُ﴾ فلا يصِحُّ أن يكون المعنى: لا يؤمنون بالشِّرك والتكذيب والاستهزاء، فلا تصِحُّ تلك الأقوال إلا باختلاف مفسر الضميرين، والظاهر اتحادُّه، فالذين لا يؤمنون به هو الذي سلكه في قلوبهم وهو القرآن. فإن قيل: فما معنى سلكه إيّاه في قلوبهم وهم ينكرونه؟ قيل: سلكه في قلوبهم بهذه الحال، أي: سلكناه غير مؤمنين به، فدخل في قلوبهم مكذبًا به، كما دخل في قلوب المؤمنين مصدقًا به. وهذا مراد مَن قال: إنّ الذي سلكه في قلوبهم هو التكذيب والضلال، ولكن فسَّر الآية بالمعنى، فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم. فإن قيل: فما معنى: إدخاله في قلوبهم وهم لا يؤمنون به؟ قيل: لتقوم عليهم بذلك حجة الله، فدخل في قلوبهم، وعلموا أنّه حق وكذبوا به، فلم يدخل في قلوبهم دخول مصدق به، مؤمن به، مَرْضِيٌّ به، وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرًا مِن تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم، فإنّ المكذب بالحق بعد معرفته له شر مِن المكذب به ولم يعرفه. فتأمَّله فإنّه من فقه التفسير»

اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على أقوال: الأول: لو أنا جئناهم بآية كما سألوا ما آمنوا، كما لم يؤمنوا بما قبلها أول مرة؛ لأنّ الله حال بينهم وبين ذلك. وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد، وابن زيد. الثاني: ونُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم لو رُدُّوا من الآخرة إلى الدنيا، فلا يؤمنون كما فعلنا بهم ذلك فلم يؤمنوا في الدنيا. قالوا: وذلك نظير قوله: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]. وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. الثالث: جاءهم محمد ﷺ بالبينات فلم يُؤمنوا به، فقلَّبْنا أبصارهم وأفئدتهم ولو جاءتهم كلُّ آية مثلَ ذلك لم يُؤْمنوا إلا أن يشاء الله. وهو قول عكرمة. ووجَّه ابنُ عطية (٣‏/‏٤٤١) القول الأول بقوله: «ومعنى الآية: أنّ هؤلاء الذين أقسموا أنهم يؤمنون إن جاءت آية نحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم أن لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لو يؤمنوا أول مرة بما دُعوا إليه من عبادة الله، فأخبر الله تعالى على هذا التأويل بصورة فِعْلِه بهم». وعلَّق ابنُ القيم (١‏/‏٣٦٣) على القول الثالث بقوله: «وهذا معنًى حسن، فإنّ كاف التشبيه تتضمن نوعًا من التعليل، كقوله: ﴿وأَحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]، وقوله: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتِنا ويُزَكِّيكُمْ ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُم﴾ [البقرة:١٥١-١٥٢]، والذي حسَّن اجتماعَ التعليلِ والتشبيهِ الإعلامُ بأنّ الجزاء من جنس العمل في الخير والشر». ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٤٩١) مستندًا إلى لغة العرب أنّ المعنى: ونُقَلِّبُ أفئدتهم فنُزيغُها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحُجَّة، وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، كما لم يؤمنوا بتقليبنا إيّاها قبل مجيئها مَرَّةً قبل ذلك. وذلك هو القول الأوّل، ثم قال: «إنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آيةٌ ليؤمنُنَّ بها، أنه يُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم ويُصَرِّفُها كيف شاء، وأنّ ذلك بيده، يُقِيمُه إذا شاء، ويُزِيغُه إذا أراد، وأن قوله: ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليلٌ على محذوفٍ من الكلام، وأنّ قوله: ﴿كَما﴾ تشبيهُ ما بعدَه بشيءٍ قبْلَه. وإذا كان ذلك تأويله كانت الهاء من قوله: ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ كنايةَ ذِكْرِ التَّقْلِيب». وزاد ابنُ عطية نقلًا عن فرقة أنّ المعنى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار وفي لهيبها في الآخرة لِما لم يؤمنوا في الدنيا، ثُمَّ استأنف على هذا: ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾»

سورة الإسراء — الآية ٨٥

في تفسير محمد بن السائب الكلبي: أنّ المشركين بعثوا رسلًا إلى المدينة، فقالوا لهم: سلوا اليهود عن محمد، وصِفُوا لهم نعته وقوله، ثم ائتونا فأخبرونا. فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوا بها علماء اليهود من كل أرض قد اجتمعوا فيها لعيدٍ لهم، فسألوهم عن محمد، ونعتوا لهم نعته، فقال لهم حَبر من أحبار اليهود: إنّ هذا لنعت النبي الذي نتحدث أنّ الله باعثه في هذه الأرض. فقالت لهم رسل قريش: إنّه فقير، عائل، يتيم، لم يتبعه من قومه مِن أهل الرأي أحدٌ، ولا من ذوي الأسنان. فضحك الحبر، وقال: كذلك نجده. قالت لهم رسل قريش: فإنّه يقول قولًا عظيمًا؛ يدعو إلى الرحمن، ويقول: إنّ الذي باليمامة الساحر الكذاب. يعنون: مسيلمة. فقالت لهم اليهود: اذهبوا، فسلوا صاحبكم عن خلال ثلاث، فإن الذي باليمامة قد عجز عنهن، فأما اثنتان من الثلاث فإنه لا يعلمهما إلا نبي، فإن أخبركم بهما فقد صدق، وأما الثالثة فلا يجترئ عليها أحد. فقالت لهم رسل قريش: أخبرونا بهِنَّ. فقالت لهم اليهود: سلوه عن أصحاب الكهف والرقيم -فقصوا عليهم قصتهم-، وسلوه عن ذي القرنين -وحدثوهم بأمره-، وسلوه عن الروح، فإن أخبركم فيه بشيء فهو كاذب. فرجعت رسل قريش إليهم، فأخبروهم بذلك، فأرسلوا إلى النبي، فلقيهم، فقالوا: يا ابن عبد المطلب، إنا سائلوك عن خلال ثلاث، فإن أخبرتنا بهن فأنت صادق، وإلا فلا تذكرن آلهتنا بشيء. فقال لهم رسول الله: «وما هن؟». قالوا: أخبِرنا عن أصحاب الكهف، فإنا قد أخبرنا عنهم بآية بينة، وأخبرنا عن ذي القرنين، فإنا قد أخبرنا عنه بأمر بين، وأخبرنا عن الروح. فقال لهم رسول الله ×: أنظروني حتى أنظر ماذا يُحْدِث إلَيَّ فيه ربي. قالوا: فإنّا ناظروك فيه ثلاثًا. فمكث نبيُّ الله ثلاثة أيام لا يأتيه جبريل، ثم أتاه، فاستبشر به النبي ×، وقال: «يا جبريل، قد رأيت ما سأل عنه قومي ثم لم تأتني!». قال له جبريل: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا﴾ [مريم:٦٤]، فإذا شاء ربك أرسلني إليك. ثم قال له جبريل: إن الله قال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. ثم قال له: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾ [الكهف:٩]، فذكر قصتهم. قال: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ [الكهف: ٣]، فذكر قصته. ثم لقي رسول الله قريشًا في آخر اليوم الثالث، فقالوا: ماذا أحدث إليك ربك في الذي سألناك عنه؟ فقصَّه عليهم. فعجبوا، وغلب عليهم الشيطان أن يصدقوه

اختُلف في معنى: ﴿فَهَدى﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والبهائم للمراتع. الثاني: جعل لكلّ دابة ما يُصلِحها وهداها إليه. الثالث: قدَّر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج. الرابع: هدى الذَّكَر لإتيان الأنثى. وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩٠) القول الأول، والرابع، وزاد عليهما قولين آخرين: أحدهما: عن الفراء أنّ المعنى: «هدى وأضلَّ، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى». والآخر: «هدى المولود عند وضْعه إلى مصِّ الثدي». ثم علَّق على هذه الأقوال بقوله: «وهذه الأقوال مثالات». ووافقه ابنُ تيمية (٦‏/‏٥٣٩). ووجَّه ابنُ القيم (٣‏/‏٢٩٢) القول الأول -وهو قول مجاهد-، والقول الرابع بقوله: «وما ذَكر مجاهد فهو تمثيل منه، لا تفسير مطابق للآية، فإنّ الآية شاملة لهداية الحيوان كلّه؛ ناطقه وبهيمه، طيره ودوابّه، فصيحه وأعجمه. وكذلك قول مَن قال: إنه هداية الذَّكَر لإتيان الأنثى. تمثيل أيضًا، وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله، وكذلك قول مَن قال: هداه للمرعى. فإنّ ذلك من الهداية؛ فإنّ الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه والهداية إلى معرفته أُمّه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبتْ، والهداية إلى قصْد ما ينفعه من المرعى دون ما يضرّه منه، وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان، كهداية النّحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عوْدها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣١٢) العموم، وذلك: «أنّ الله عمَّ بقوله: ﴿فَهَدى﴾ الخبر عن هدايته خَلْقَه، ولم يَخْصُصْ من ذلك معنًى دون معنًى، وقد هداهم لسبيل الخير والشر، وهدى الذكور لِمَأْتى الإناث، فالخبر على عمومه، حتى يأتي خبرٌ تقوم به الحجة دالٌّ على خصوصه». وكذا رجحه ابنُ عطية قائلًا: «والعموم في الآية أصوب في كلّ تقدير وفي كلّ هداية». ونحوه قال ابنُ القيم (٣‏/‏٢٩٢). وأشار ابنُ تيمية (٦‏/‏٥٣٩) إلى ضعف قول الفرّاء. وانتقده ابنُ القيم أيضًا -مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل- قائلًا: «وأضعف الأقوال فيها قول الفراء: إذ المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه، ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته، وهو نظير قوله: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه:٥٠]، فإعطاء الخَلْق إيجاده في الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه»