عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يُحْمَد بما لم يفعل معذبًا؛ لنُعَذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟! إنما أُنزلت هذه في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس﴾ الآية. وتلا: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ الآية. قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك﴾ الآية، قال: ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ كان يقول: «بادِروا بالأعمال سِتًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدَّجّال، والدُّخان، ودابة الأرض، وخُوَيْصَّةَ أحدِكم، وأمرَ العامة؛ القيامة». ذُكِر لنا: أنّ قائلًا قال: يا نبي الله، ما آيةُ طلوع الشمس من مغربها؟ قال: «تطولُ تلك الليلة حتى تكون قدْرَ ليلتين، فيقوم المتهَجِّدون لحينِهم الذي كانوا يُصَلُّون فيه، فيُصَلُّون حتى يقضوا صلاتَهم والنجومُ مكانها لا تَسْرِى، ثم يأتون فُرُشَهم، فيرقُدون حتى تَكِلَّ جُنوبُهم، ثم يقومون فيُصَلُّون حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزَعُ الناس، ثم يُصْبِحون، ولا يُصْبِحون إلا عصرًا عصرًا، فبينما هم ينتظِرونها من مشرقها إذ فجِئَتْهم من مغربها»
بيَّن ابنُ جرير (٤/٥٢٣) عمومَ معنى الإنفاق، واستدلَّ عليه بقولِ ابن جُرَيْج، ولم يذكر سواه. وعَلَّق ابنُ عطية (٢/٢١) على أثر ابنِ جُرَيْجٍ بقوله: «وهذا كلام صحيح؛ فالزكاة واجبة، والتَّطَوُّعُ مندوبٌ إليه». غير أنه رَجَّح مستندًا إلى السياق: أنّ هذا الندب في الإنفاق إنما هو في الجهاد، فقال: «وظاهر هذه الآية أنّها مرادٌ بها جميعُ وجوه البِرِّ من سبيلِ خيرٍ، وصِلَةِ رَحِمٍ، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال، وأَنَّ الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين؛ يترجح منه أنّ هذا الندب إنّما هو في سبيل الله، ويُقَوِّي ذلك قولُه في آخر الآية: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، أي: فكافحوهم بالقتال بالأنفس، وإنفاق الأموال»
وجَّه ابنُ جرير (٤/٥٦٥- ٥٦٦) قول مجاهد وعبدة بن أبي لبابة مستندًا إلى اللغة بأنّه يَدُلُّ على أنّ الآية معناها الخصوص، وأنّها نزلت فيمن كفر من النصارى بمحمد ﷺ، وفيمن آمن بمحمد ﷺ من عَبَدَة الأوثان الذين لم يكونوا مُقِرِّين بنبوة عيسى عليه السلام، ومِن سائر الملل التي كان أهلها يكذب بعيسى. ولم يَمْنَع من حملها على غيرهم، غير أنه جعل هذا التخصيص أشبه بتأويل الآية. ووجَّه ابنُ عطية كلامهما بقوله (٢/٣٣): «فكأنّ هذا القول أحْرَزَ نُورًا في المعتَقِد خرج منه إلى ظلمات». ثم اسْتَدْرَكَ قائلًا: «ولفظُ الآية مُسْتَغْنٍ عن هذا التخصيص، بل هو مُتَرَتِّبٌ في كُلٍّ أمة كافرة آمن بعضها، كالعرب، ومُتَرَتِّبٌ في الناس جميعًا»
قال ابنُ عطية (٢/٢٨٠-٢٨١): ""وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم بأعيانهم من المرتدين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاءً لجريمتهم ونكايتهم في الدين، وهم الذين أشار إليهم بقوله: ﴿كيف يهدي الله قوما﴾ فأخبر عنهم أنهم لا تكون لهم توبة فيتصور قبولها، فتجيء الآية بمنزلة قول الشاعر:على لاحبٍ لا يُهتدى بمنارهأي: قد جعلهم الله من سخطه في حيز من لا تقبل له توبة إذ ليست لهم، فهم لا محالة يموتون على الكفر، ولذلك بيَّن حكم الذين يموتون كفارًا بعقب الآية، فبانت منزلة هؤلاء، فكأنّه أخبر عن هؤلاء المعينين أنهم يموتون كفارًا، ثم أخبر الناس عن حكم من يموت كافرًا""
انتَقَد ابنُ كثير (٣/١٦٦) هذا الأثر في نزول الآية مستندًا إلى زمن النزول، فقال: «وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة». ونقل ابنُ عطية (٣/٢٣٣-٢٣٤) عن «سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن عباس: أنّ هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله ﷺ ليروه، ويعرفوا حاله، فقرأ النبي ﷺ عليهم القرآن، وآمنوا، ورجعوا إلى النجاشي فآمَن، ولم يزل مؤمنًا حتى مات، فصلى عليه النبي ﷺ... وروي: أنّ نعش النجاشي كشف للنبي ﷺ، فكان يراه من موضعه بالمدينة، وجاء الخبر بعد مُدَّةٍ أنّ النجاشي دفن في اليوم الذي صلى فيه النبي ﷺ عليه»
رجَّح ابنُ القيم (٢/٢١٨) قول الحسن مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، فقال: «وهذا ظاهر اللفظ، ولا إشكال فيه بوجه، فإنّ الآية دلت على الواقع، لم تدل على كون هذه الأمكنة -غير المساجد- محبوبة مَرْضِيَّة له، لكنه أخبر أنه لولا دفعه الناس بعضهم ببعض لهدمت هذه الأمكنة التي كانت محبوبة له قبل الإسلام، وأقرَّ منها ما أقر بعده، وإن كانت مسخوطة له كما أقر أهل الذمة، وإن كان يبغضهم ويمقتهم ويدفع عنهم بالمسلمين مع بغضه لهم. وهكذا يدفع عن مواضع متعبداتهم بالمسلمين، وإن كان يبغضها، وهو سبحانه يدفع عن متعبداتهم التي أُقِرُّوا عليها شرعًا وقدرًا، فهو يحب الدفع عنها، وإن كان يبغضها، كما يحب الدفع عن أربابها، وإن كان يبغضهم. وهذا القول هو الراجح -إن شاء الله تعالى-، وهو مذهب ابن عباس في الآية»
بيَّن ابنُ عطية (٧/١١٩) أن اتصال هذه الآية بالتي قبلها يعطي أن ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ نساؤه، وأنها على قول الجمهور ابتداء مخاطبة لأزواج النبي ﷺ، وذكر أن لفظ «الذكر» هنا يحتمل مقصدين كلاهما موعظة وتعديد نعمة: الأول: أن يريد: ﴿واذكرن﴾ أي: تذكّرْنه واقدرنه قدْره وفكّرْن في أن من هذه حاله ينبغي أن يحسّن أفعاله. الثاني: أن يريد: ﴿واذْكُرْنَ﴾ بمعنى: احفظن واقرأن وأَلزِمْنه الألسنة، فكأنه يقول: واحفظن أوامر الله ونواهيه، وذلك هو الذي يتلى في بيوتكن من آيات الله، وذلك مؤديكن إلى الاستقامة. وبيَّن أن الحكمة: هي سنة الله على لسان نبيه ﷺ دون أن تكون في قرآن متلوٍّ. ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن تكون وصفًا للآيات»
اختلف السلف في قوله: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ على قولين: الأول: أنّ الجنّ قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذا لم يذكر الزوج الله تعالى. الثاني: أنّ الجنّ لهم قاصرات الطرف من الجنّ نوعهم. ووجَّه ابنُ عطية (٨/١٧٩) القول الأول بقوله: «فتكون الآية على هذا نافية لجميع المجامعات». ووجَّه القول الثاني بقوله: «فنفى في هذه الآية الافتضاض عن البشريّات والجنِّيّات». ثم بيّن احتمال الآية وجهًا آخر، فقال: «ويحتمل اللفظ أن يكون مبالغة وتأكيدًا، كأنه قال: لم يطمثهنّ شيء. أراد العموم التام، لكنه صرح من ذلك بالذي يعقل منه أن يَطمث». ولم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٢٤٧-٢٤٨) في معناه غير ما ورد في قول أرطاة وما في معناه
اختُلِف فيمن عُنِي بهذه الآية؛ فقال قوم: المهاجرون والأنصار. وقال آخرون: رجال من المهاجرين بأعيانهم. وقال غيرهم: بل عني بذلك كلّ شارٍ نفسَه في طاعة الله، أو أمر بمعروف. ورجَّح ابنُ جرير (٣/٥٩٤) القول الأخير الذي قاله عمر، وعلي، وابن عباس الذي أخرجه الحاكم، وأبو هريرة، والحسن، مستندًا إلى دلالة العقل في ظاهر الآية، فقال: «وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- وصف صفة فريقين: أحدهما: منافق يقول بلسانه خلاف ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رامها، وإذا نُهِي أخذته العزة بالإثم بما هو به آثم. والآخر منهما: بائعٌ نفسَه، طالِبٌ من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويل أنّ الفريق الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه إنّما شراها للوثوب بالفريق الفاجر طلب رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية. وأمّا ما رُوِي من نزول الآية في أمر صهيب فإنّ ذلك غيرُ مستنكر، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نزول آية من عند الله على رسوله ﷺ بسبب من الأسباب والمعنيُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٥٠٢)، وكذا ابنُ تيمية (١/٤٨٦). وذكر ابنُ عطية (١/٥٠٢-٥٠٣) أنّ من قال بنزول الآيات السابقة في الأخنس جعل هذه في المهاجرين والأنصار، ومن جعلها عامَّة جعل هذه كذلك. وبيَّن أن ﴿يشري﴾ معناه: يبيع، ومنه قوله:﴿وشروه بثمن بخس﴾ [يوسف:٢٠]، ثم نقل عن قوم أنهم قالوا: شرى بمعنى: اشترى، ثم عَلَّق، بقوله: «ويحتاج إلى هذا من تأوَّل الآية في صُهيب، لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال: إن عزْم صُهيب على قتالهم بيْعٌ لنفسه من الله تعالى فتستقيم اللفظة على معنى باع»