ذكرَ ابنُ جرير (٥/٤٢) أنّ المذموم في قوله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ ليس أكل الربا فحسب، بل كلّ مَن أعانَ عليه؛ وذلك أنّ الذين نزلت فيهم هذه الآيات يوم نزلت كانت طعمتهم ومأكلهم من الربا فنزلت فيهم، فقال: «وفي قوله -جل ثناؤه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ الآيةَ ما يُنبِئُ عن صِحَّة ما قلنا في ذلك، وأنّ التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الربا، وأن سواء العمل به وأكله وأخذه وإعطاؤه، كالذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من قوله: «لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه إذا علموا به»»
أفادتِ الآثارُ الاختلافَ في الخلْف الذين ذكر اللهُ في هذه الآية أنّهم خَلَفوا مَن قبلهم. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٥٣٥) أنّهم اليهود، وهو قول مقاتل، وانتَقَدَ القول بأنّهم النصارى؛ لمخالفته السياق، فقال: «والصوابُ مِن القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إنّما وصف أنّه خَلَف القومَ -الذين قصَّ قصصهم في الآيات التي مضت- خَلْف سوءٍ رديء، ولم يذكر لنا أنهم نصارى في كتابه، وقصتهم بقصص اليهود أشبه منها بقصص النصارى. وبعدُ، فإنّ ما قبل ذلك خبرٌ عن بني إسرائيل، وما بعده كذلك؛ فما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم أشبه، إذ لم يكن في الآية دليلٌ على صَرْفِ الخبر عنهم إلى غيرهم، ولا جاء بذلك دليلٌ يُوجِبُ صِحَّة القول به»
علَّقَ ابنُ كثير (٦/٤٨٢) على آثار الحسن هذه -ما عدا الثاني منها- بقوله: «هذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنهما أنّه فسَّر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأَوْلى ما حُمِلَت عليه الآية». وبيَّنَ ابنُ جرير (١٠/٦٢٨) المعنى على قول الحسن -ومَن قال بقوله-، فقال: «قالوا: معنى الكلام: هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها -أيها الرجل الكافر- حملت حملًا خفيفًا، فلما أثقلَتْ دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مِمّا ابتُدِئ به الكلامُ على وجْه الخطاب، ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب، كما قيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢]»
ذكر ابنُ عطية (٥/٦٢٠-٦٢١) أن الضمير في قوله: ﴿ما أشهدتهم﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يعود على الكفار، وعلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف المنجمين وأهل الطبائع، والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من مُتَخَرِّص في هذه الأشياء. وثانيهما: أن يعود على ذرية إبليس، فتكون الآية متضمنة تحقيرهم. ثم قال معلِّقًا: «والقول الأول أعظم فائدة، وأقول: إن الغرض المقصود أولًا بالآية هم إبليس وذريته، وبهذا الوجه يتَّجه الرد على الطوائف المذكورة، وعلى الكُهّان والعرب المصدقين لهم والمعظمين للجن حين يقولون: أعوذ بعزيز هذا الوادي. إذ الجميع من هذه الفِرق متعلقون بإبليس وذريته، وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأول بالمضلِّين، وتندرج هذه الطوائف في معناهم»
اختُلِف في الجذع؛ فقال قوم: كانت نخلة مُطَعَّمة رُطَبًا. وقال آخرون: كانت يابسة. ورجّح ابنُ جرير (١٥/٥١٢) مستندًا لأقوال السلف القول الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، وأبو نهيك، ووهب بن منبه، والسدي، وقال: «ذُكِر أن الجذع كان جذعًا يابسًا، فأمرها أن تهزّه، وذلك في أيام الشتاء». ورجَّح مثلَه ابنُ عطية (٦/٢٣) مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «والظاهر من الآية: أنّ عيسى هو المُكَلِّم لها، وأنّ الجِذع كان يابسًا؛ وعلى هذا تكون آيةً تُسَلِّيها، وتسكن إليها». وبمثله قال ابنُ كثير (٩/٢٣٥-٢٣٦)، وذكر أنها كانت شجرة في غير إبّان ثمرها؛ ولذا امْتَنَّ الله عليها بذلك بأن جعل لها طعامًا وشرابًا. ونسبه لوهب
اختُلِف في المعنى الذي رفع فيه الجُناح بهذه الآية على قولين: أولهما: أنه وضع عنهن الجناح في رفع الجلباب وإبداء الزينة عندهم. وهو قول مجاهد. والثاني: أنه وضع عنهن الجناح في ترك الاحتجاب عندهم. وهو قول قتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩/١٧٢-١٧٣) القولَ الثانيَ استنادًا إلى السياق، وقال مُعَلِّلًا: «ذلك أن هذه الآية عقيب آية الحجاب، وبعد قول الله: ﴿وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْأَلُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ فلأن يكون قوله: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ﴾ استثناء من جملة الذين أُمروا بسؤالهنَّ المتاع من وراء الحجاب إذا سألوهن ذلك أولى وأشبه من أن يكون خبر مبتدأ عن غير ذلك المعنى». ثم بيَّنَ تأويل الكلام على هذا القول، فقال: «فتأويل الكلام إذن: لا إثم على نساء النبي ﷺ وأمهات المؤمنين في إذنهن لآبائهن وترك الحجاب منهن، ولا لأبنائهن ولا لإخوانهن ولا لأبناء إخوانهن»
عن الحسن البصري -من طريق الحسن بن دينار- قال: لم تنزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في شيء من القرآن إلا في هذه الآية: ﴿إنه من سليمان... ﴾ [النمل: ٣٠]، ويجعله مفتاح القراءة إذا قرأ
عن مجاهد، قال: هؤلاء الآيات الأربع في أول سورة البقرة إلى ﴿المفلحون﴾ نزلت في نعت المؤمنين، واثنتان من بعدها إلى ﴿عظيم﴾ نزلت في نعت الكافرين، وإلى العشرين نزلت في المنافقين
عن مجاهد -من طريق ابن جُرَيْج- في الآية، قال: لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم الموتة الحق، ثم يحييكم. وقوله: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر:١١] مثلُها
عن قتادة -من طريق سعيد- في الآية، قال: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله فأخرجهم، ثم أماتهم الموتة التي لابد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة؛ فهما حياتان ومَوْتتان