محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١ من سورة الفاتحة في ١٢٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٥٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١ من سورة الفاتحة

١٢٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ

القول في تأويل بِسْمِ.


قال أبو جعفر : إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، أدّب نبيه محمدا ﷺ بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنةً يستنون بها، وسبيلاً يتبعونه عليها، في افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل «بسم الله »، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف.
وذلك أن الباء من «بسم الله » مقتضيةٌ فعلاً يكون لها جالبا، ولا فعل معها ظاهر، فأغنت سامع القائل «بسم الله » معرفته بمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولاً، إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا قد أحضر منطقه به، إما معه وإما قبله بلا فصل، ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة على الذي من أجله افتتح قيله به. فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه، نظير استغنائه إذا سمع قائلاً قيل له : ما أكلت اليوم ؟ فقال : طعاما، عن أن يكرّر المسئول مع قوله «طعاما » أكلت لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذا أن قول القائل إذا قال :«بِسم الله الرحمن الرحيم » ثم افتتح تاليا سورة، أن إتباعه «بسم الله الرحمن الرحيم » تلاوةَ السورة، ينبئ عن معنى قوله :«بسم الله الرحمن الرحيم » ومفهوم به أنه مريد بذلك أقرأُ بسم الله الرحمن الرحيم.
وكذلك قوله :«بسم الله » عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله، ينبىء عن معنى مراده بقوله «بسم الله »، وأنه أراد بقيله «بسم الله » : أقوم بسم الله، وأقعد بسم الله وكذلك سائر الأفعال.
وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك، هو معنى قول ابن عباس، الذي :
حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، قال : حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال : إن أول ما نزل به جبريل على محمد، قال : يا محمد، قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال : قل بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قال : قال له جبريل : قل بسم الله يا محمد. يقول : اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله.
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإن كان تأويل قوله «بسم الله » ما وصفت، والجالب «الباء » في «بسم الله » ما ذكرت، فكيف قيل «بسم الله »، بمعنى «اقرأ بسم الله »، أو «أقوم أو أقعد بسم الله » ؟ وقد علمت أن كل قارىء كتاب الله، فبعون الله وتوفيقه قراءتُه، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعل فعلاً، فبالله قيامُه وقعوده وفعله ؟ وهلاّ إذا كان ذلك كذلك، قيل :«بسم الله الرحمن الرحيم »، ولم يقل «بسم الله » فإن قول القائل : أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم، أو أقرأ بالله، أوضح معنى لسامعه من قوله «بسم الله »، إذ كان قوله أقوم وأقعد بسم الله، يوهم سامعه أن قيامه وقعوده بمعنى غير الله.
قيل له : إن المقصود إليه من معنى ذلك، غير ما توهمته في نفسك. وإنما معنى قوله «بسم الله » : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، أو أقرأ بتسمية الله، أو أقوم وأقعد بتسمية الله وذكره لا أنه يعني بقيله «بسم الله » : أقوم بالله، أو أقرأ بالله فيكون قول القائل :«أقرأ بالله »، و«أقوم وأقعد بالله »، أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله «بسم الله ».
فإن قال : فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ، فكيف قيل «بسم الله » وقد علمت أن الاسم اسم، وأن التسمية مصدر من قولك سَمّيت ؟.
قيل : إن العرب قد تخرج المصادر مبهمةً على أسماء مختلفة، كقولهم : أكرمت فلانا كرامةً، وإنما بناء مصدر «أفعلتُ » إذا أُخرج على فعله :«الإفعالُ »، وكقولهم : أهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما. وبناء مصدر «فعّلت » التفعيل، ومن ذلك قول الشاعر :
أكُفْرا بَعْدَ رَدّ المَوْتِ عَنّيوبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرّتاعا
يريد : إعطائك. ومنه قول الآخر :
وَإنْ كانَ هَذا البُخْلُ مِنْكَ سَجِيّةًلَقَدْ كُنْتُ في طَوْلي رَجاءَكَ أشْعَبا
يريد : في إطالتي رجاءك. ومنه قول الاَخر :
أظَلُومُ إنّ مُصَابكُمْ رَجُلاأهْدَى السّلامَ تَحِيّةً ظُلْمُ
يريد إصابتكم، والشواهد في هذا المعنى تكثر، وفيما ذكرنا كفاية، لمن وفق لفهمه. فإذا كان الأمر على ما وصفنا من إخراج العرب مصادر الأفعال على غير بناء أفعالها كثيرا، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودا فاشيا، تبين بذلك صواب ما قلنا من التأويل في قول القائل :«بسم الله »، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول : أبدأ بتسمية الله، قبل فعلي، أو قبل قولي.
وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن :«بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ » إنما معناه : أقرأ مبتدئا بتسمية الله، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله فجعل الاسم مكان التسمية، كما جعل الكلام مكان التكليم، والعطاء مكان الإعطاء.
وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك، رُوي الخبر عن عبد الله بن عباس.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال : أول ما نزل جبريل على محمد ﷺ، قال : يا محمد، قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال : قل بسم الله الرحمن الرحيم.
قال ابن عباس :«بسم الله »، يقول له جبريل : يا محمد اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله.
وهذا التأويل من ابن عباس ينبىء عن صحة ما قلنا من أنه يراد بقول القائل مفتتحا قراءته :«بسم الله الرحمن الرحيم » : أقرأ بتسمية الله وذكره، وافتتح القراءة بتسمية الله، بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى وفسادِ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله : بالله الرحمن الرحيم في كل شيء، مع أن العباد إنما أمروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورهم بتسمية الله لا بالخبر عن عظمته وصفاته، كالذي أمروا به من التسمية على الذبائح والصيد، وعند المطعم والمشرب، وسائر أفعالهم، وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله وصدور رسائلهم وكتبهم.
ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة، أن قائلاً لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام :«بالله »، ولم يقل «بسم الله »، أنه مخالف بتركه قيل «بسم الله » ما سُنّ له عند التذكية من القول. وقد علم بذلك أنه لم يرد بقوله «بسم الله »، «بالله » كما قال الزاعم أن اسم الله في قول الله :«بسم الله الرحمن الرحيم »، هو الله لأن ذلك لو كان كما زعم، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحته «بالله » قائلاً ما سُنّ له منّ القول على الذبيحة. وفي إجماع الجميع على أن قائل ذلك تارك ما سُنّ له من القول على ذبيحته، إذْ لم يقل «بسم الله »، دليل واضح على فساد ما ادعى من التأويل في قول القائل «بسم الله » وأنه مراد به بالله، وأن اسم الله هو الله.
وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم، أهو المسمى أم غيره أم هو صفة له ؟ فنطيل الكتاب به، وإنما هو موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية ؟ فإن قال قائل : فما أنت قائل في بيت لبيد بن ربيعة :
إلى الحَوْلِ ثُمّ اسْمُ السّلامِ عَلَيْكُمَاوَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقَدِ اعْتَذَرْ
فقد تأوّله مقدم في العلم بلغة العرب، أنه معنيّ به : ثم السلام عليكما، وأن اسم السلام هو السلام.
قيل له : لو جاز ذلك وصحّ تأويله فيه على ما تأوّل، لجاز أن يقال : رأيت اسم زيد، وأكلت اسم الطعام، وشربت اسم الشراب. وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبىء عن فساد تأويل من تأوّل قول لبيد :«ثم اسم السلام عليكما »، أنه أراد : ثم السلام عليكما، وادعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافته إلى السلام إنما جاز، إذْ كان اسم المسمى هو المسمى بعينه.
ويُسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا، فيقال لهم : أتستجيزون في العربية أن يقال أكلت اسم العسل، يعني بذلك أكلت العسل، كما جاز عندكم اسم السلام عليك، وأنتم تريدون السلام عليك ؟ فإن قالوا : نعم خرجوا من لسان العرب، وأجازوا في لغتها ما تخطئه جميع العرب في لغتها. وإن قالوا لا سئلوا الفرق بينهما، فلن يقولوا في أحدهما قولاً إلاّ ألزموا في الاَخر مثله.
فإن قال لنا قائل : فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟ قيل له : يحتمل ذلك وجهين، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله. أحدهما : أن «السلام » اسم من أسماء الله فجائز أن يكون لبيد عنى بقوله :«ثم اسم السلام عليكما » : ثم الْزَمَا اسم الله وذكره بعد ذلك، ودعا ذكري والبكاء عليّ على وجه الإغراء. فرفع الاسم، إذْ أخّر الحرف الذي يأتي بمعنى الإغراء. وقد تفعل العرب ذلك إذا أخرت الإغراء وقدمت المُغْرَى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر. ومن ذلك قول الشاعر :
يا أيّها المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَاإني رأيْتُ النّاس يَحْمَدُونَكا
فأغرى ب«دونك »، وهي مؤخرة وإنما معناه : دونك دلوي. فذلك قول لبيد :
إلى الحَوْلِ ثُمّ اسْمُ السّلامِ عَلَيْكُمَا
يعني : عليكما اسم السلام، أي : الزما ما ذكر الله، ودعا ذكري والوجد بي لأن من بكى حولاً على امرئ ميت فقد اعتذر. فهذا أحد وجهيه.
والوجه الاَخر منهما : ثم تسميتي الله عليكما، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه :«اسم الله عليك » يعوّذه بذلك من السوء، فكأنه قال : ثم اسم الله عليكما من السوء. وكأن الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد.
ويقال لمن وجّه بيت لبيد هذا إلى أن معناه :«ثم السلام عليكما » : أترى ما قلنا من هذين الوجهين جائزا، أو أحدهما، أو غير ما قلت فيه ؟ فإن قال : لا أبان مقداره من العلم بتصاريف وجوه كلام العرب، وأغنى خصمه عن مناظرته. وإن قال : بلى قيل له : فما برهانك على صحة ما ادّعيت من التأويل أنه الصواب دون الذي ذكرت أنه محتمله من الوجه الذي يلزمنا تسليمه لك ؟ ولا سبيل إلى ذلك. وأما الخبر الذي :
حدثنا به إسماعيل بن الفضل، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية، عن أبي سعيد، قال : قال رسول الله ﷺ :«إن عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أسْلَمَتْهُ أُمّهُ إلى الكُتّابِ لِيُعَلّمَهُ، فَقالَ لَهُ المُعَلّمُ : اكْتُبْ بِسْمِ فَقَالَ له عِيسَى : وَما بِسْمِ ؟ فَقالَ لَهُ المُعَلّمُ : ما أدْرِي فَقالَ عِيسىَ : الباءُ : بَهاءُ اللّهِ، وَالسّينُ : سَناؤُهُ، وَالمِيمُ : مَمْلَكَتُهُ ».
فأخشى أن يكون غلطا من المحدث، وأن يكون أراد :«ب س م »، على سبيل ما يعلم المبتدئ من الصبيان في الكتاب حروفَ أبي جاد. فغلط بذلك، فوصله فقال :«بسم » لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلي «بسم الله الرحمن الرحيم » على ما يتلوه القارئ في كتاب الله، لاستحالة معناه على المفهوم
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل

(بسم الله الرحمن الرحيم)

القول في تأويل قوله: ﴿بِسْمِ﴾.


قال أبو جعفر: إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا ﷺ بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته (١)، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها (٢)، وسبيلا يتَّبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم (٣)، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: "بسم الله"، على من بطن من مراده الذي هو محذوف.
وذلك أن الباء من "بسم الله" مقتضية فعلا يكون لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغنت سامعَ القائل "بسم الله" معرفتُه بمراد قائله، عن إظهار قائل ذلك مُرادَه قولا إذْ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرًا، قد أحضرَ منطقُه به -إمّا معه، وإمّا قبله بلا فصْلٍ- ما قد أغنى سامِعَه عن دلالةٍ شاهدةٍ على الذي من أجله افتتح قِيلَه به (٤). فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه، نظيرَ استغنائه - إذا سمع قائلا قيل له: ما أكلت اليوم؟ فقال: "طعامًا" - عن أن يكرّر المسئُولُ مع قوله "طعامًا"، أكلت، لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه (٥)، بتقدُّم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذًا أنّ قول
(١) تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.
(٢) يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله "منه لجميع خلقه".
(٣) في المطبوعة: "في افتتاح... " والضمير في "فبه" عائد إلى "ما أدبه به".
(٤) في المطبوعة: "من إظهار"، "من دلالة شاهدة".
(٥) معناه: أي ما يعنيه ويقصده.
القائل إذا قال: "بسم الله الرحمن الرحيم" ثم افتتح تاليًا سورةً، أن إتباعه "بسم الله الرحمن الرحيم" تلاوةَ السورة، يُنبئ عن معنى قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم" ومفهومٌ به أنه مريد بذلك: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك قوله: "بسم الله" عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله، ينبئ عن معنى مراده بقوله "بسم الله"، وأنه أراد بقِيلِه "بسم الله"، أقوم باسم الله، وأقعد باسم الله. وكذلك سائر الأفعال.
وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك، هو معنى قول ابن عباس الذي:-
١٣٨ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشرُ بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن عبد الله بن عباس، قال: إنَّ أول ما نزل به جبريلُ على محمد، قال: "يا محمد، قُل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم" ثم قال: "قل بسم الله الرحمن الرحيم". قال: قال له جبريل: قل بسم الله يا محمد، يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله. (١)
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويلُ قوله "بسم الله" ما وصفتَ، والجالبُ الباءَ في "بسم الله" ما ذكرتَ، فكيف قيل "بسم الله"، بمعنى أقرأ باسم الله"، أو أقوم أو أقعد باسم الله؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ الله، فبعَوْن الله وتوفيقه قراءتُه، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعلٍ فعلا فبالله قيامُه وقعودُه وفعلُه. وهَلا - إذْ كان ذلك كذلك - قيل "بسم الله الرحمن الرحيم" ولم يَقُل "بسم الله"؟ فإن قول القائل: أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم، أو أقرأ بالله - أوضحُ معنى لسامعه من قوله "بسم الله"، إذ كان قوله أقوم "أقوم أو أقعد باسم الله"، يوهم سامعَه أن قيامه وقعوده بمعنى غيرِ الله.
قيل له، وبالله التوفيق: إن المقصودَ إليه من معنى ذلك غيرُ ما توهَّمته في نفسك. وإنما معنى قوله "بسم الله": أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء،
(١) الحديث ١٣٨- مضى مختصرًا، بهذا الإسناد ١٣٧. وفصلنا القول فيه هناك.
أو أقرأ بتسميتي اللهَ، أو أقوم وأقعد بتسميتي اللهَ وذكرِه - لا أنه يعني بقِيلِه "بسم الله": أقوم بالله، أو أقرأ بالله، فيكونَ قولُ القائل: أقرأ بالله، أو أقوم أو أقعد بالله - أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله "بسم الله".
فإن قال: فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ، فكيف قيل: "بسم الله" وقد علمتَ أنّ الاسم اسمٌ، وأن التسمية مصدرٌ من قولك سَمَّيت؟
قيل: إن العربَ قد تخرج المصادرَ مبهمةً على أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمتُ فلانًا كرامةً، وإنما بناءُ مصدر "أفعلتُ" - إذا أخرج على فعله - "الإفعالُ". وكقولهم: أهنت فلانًا هَوانًا، وكلّمته كلامًا. وبناء مصدر: "فعَّلت" التفعيل. ومن ذلك قول الشاعر:
أَكُفْرًا بعد رَدِّ المَوْتِ عَنِّيوبعد عَطَائِكَ المِئَةَ الرِّتَاعَا (١)
يريد: إعطائك. ومنه قول الآخر:
وَإن كانَ هذا البُخْلُ منْك سَجيةًلقد كُنْتُ في طَولِي رَجَاءكَ أَشْعَبَا (٢)
يريد: في إطالتي رجاءك. ومنه قول الآخر:
أَظُلَيْمُ إن مُصَابَكم رَجُلاأَهْدَى السّلامَ تحيَّةً ظُلْمُ (٣)
يريد: إصابتكم. والشواهد في هذا المعنى تكثُرُ، وفيما ذكرنا كفاية، لمن وُفِّق لفهمه.
(١) الشعر للقطامي ديوانه: ٤١، ويأتي في تفسير آية سورة يوسف: ١٢ (ج ١٢ ص ٩٤ بولاق). يقول لزفر بن الحارث الكلابي، وكان أسره في حرب، فمن عليه وأعطاه مئة من الإبل، ورد عليه ماله. يقول: أأكفر بما وليتني، وقد أعطيت ما أعطيت. والعطاء بمعنى الإعطاء، ولذلك نصب به "المئة". والرتاع جمع راتع: يعني الإبل ترتع في مرعى خصيب تذهب فيه وتجيء.
(٢) لم أجد البيت. وأشعب: الطماع الذي يضرب به المثل في الطمع المستعر.
(٣) الشعر للحارث بن خالد المخزومي، الأغاني ٩: ٢٢٥- ٢٢٦، وهذا البيت الذي من أجله أشخص الواثق إليه أبا عثمان المازني النحوي، وله قصة. انظر الأغاني ٩: ٢٣٤ وغيره، وفي المطبوعة: "أظلوم"، والصواب من المخطوطة، والأغاني وأمالي الشجري ١: ١٠٧ وغيرها. وهذه الشواهد السالفة استشهاد من الطبري على أن الأسماء تقوم مقام المصادر فتعمل عملها في النصب. وظليم: هي أم عمران، زوجة عبد الله بن مطيع، وكان الحارث ينسب بها، فلما مات زوجها تزوجها.
فإذْ كان الأمر - على ما وصفنا، من إخراج العرب مصادرَ الأفعال على غير بناء أفعالها - كثيرًا، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودًا فاشيًا (١)، فبيِّنٌ بذلك صوابُ ما قلنا من التأويل في قول القائل "بسم الله"، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول: أبدأ بتسمية الله، قبل فعلي، أو قبل قولي.
وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: "بسم الله الرحمن الرحيم"، إنما معناه: أقرأ مبتدئًا بتسمية الله، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله. فجُعِل "الاسمُ" مكان التسمية، كما جُعل الكلامُ مكان التكليم، والعطاءُ مكان الإعطاء.
وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك، رُوِي الخبر عن عبد الله بن عباس.
١٣٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: أوّل ما نزل جبريل على محمد ﷺ قال: "يا محمد، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم"، ثم قال: "قل: بسم الله الرحمن الرحيم".
قال ابن عباس: "بسم الله"، يقول له جبريلُ: يا محمد، اقرأ بذكر الله ربِّك، وقم واقعد بذكر الله. (٢)
وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا - من أنه يراد بقول القائل مفتتحًا قراءته: "بسم الله الرحمن الرحيم": أقرأ بتسمية الله وذكره، وأفتتح القراءة بتسمية الله، بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى - ويوضح فسادَ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله: بالله الرحمن الرحيم أوّلِ كلِّ شيء (٣)، مع أن العباد
(١) أراد بقوله: "تصديرها": أي جعلها مصادر تصدر عنها صوادر الأفعال، وذلك كقولك: ذهب ذهابًا، فذهب صدرت عن قولك "ذهاب"، ويعمل عندئذ عمل الفعل. وعنى أنهم يخرجون المصدر على وزن الاسم فيعمل عمله، كقولك "الكلام" هو اسم ما تتكلم به، ولكنهم قالوا: كلمته كلامًا، فوضعوه موضع التكليم، وأخرجوا من "كلم" مصدرًا على وزن اسم ما تتكلم به، وهو الكلام، فكان المصدر: "كلامًا".
(٢) الحديث ١٣٩- مضى هذا الخبر وتخريجه، برقم ١٣٧.
(٣) قوله: "يوضح" ساقطة من المطبوعة. وفيها مكان: "أول كل... "، "في كل.. ".
إنما أُمِروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورِهم بتسمية الله، لا بالخبر عن عظمته وصفاته، كالذي أمِروا به من التسمية على الذبائح والصَّيد، وعند المَطعم والمَشرب، وسائر أفعالهم. وكذلك الذي أمِروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله، وصدور رسائلهم وكتبهم.
ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام (١) "بالله"، ولم يقل "بسم الله"، أنه مخالف - بتركه قِيلَ: "بسم الله" ما سُنَّ له عند التذكية من القول. وقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقوله "بسم الله" "بالله"، كما قال الزاعم أن اسمَ الله في قول الله: "بسم الله الرحمن الرحيم" هو الله. لأن ذلك لو كان كما زعم، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحتَه "بالله"، قائلا ما سُنَّ له من القول على الذبيحة. وفي إجماع الجميع على أنّ قائلَ ذلك تارك ما سُنَّ له من القول على ذبيحته - إذْ لم يقل "بسم الله" - دليلٌ واضح على فساد ما ادَّعى من التأويل في قول القائل: "بسم الله"، أنه مراد به "بالله"، وأن اسم الله هو الله.
وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم: أهُوَ المسمى، أمْ غيرُه، أم هو صفة له؟ فنطيل الكتاب به، وإنما هذا موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله: أهو اسمٌ، أم مصدر بمعنى التسمية (٢) ؟
(١) التذكية: النحر والذبح. ذكيت الشاة تذكية: ذبحتها.
(٢) استجاد أبو جعفر رضي الله عنه خير الرأي لحجته. والذي كتبه قبل، وما يأتي بعد، من أقوم ما قيل في شرح هذا الموضع الذي لجت فيه العقول والأقلام. وبيان ما قال أبو جعفر: إن قولك "اسم" في "بسم الله"، إنما هو اسم مصدر (أو اسم حدث)، أي هو في الأصل اسم لما تفعل من تسميتك الشيء، مثل "الكلام" اسم حدث لما تفعل من التكليم، ومثل "العطاء" اسم حدث لما تفعل من الإعطاء، ومثل "الغسل"، اسم حدث لما تفعل من الاغتسال. وكأن أصله من قولك "سموت الشيء سموا"، فأماتوا فعله الثلاثي وبقي مصدره، "سمو"، فحذفوا واوه المتطرفة، فصار "سم" فأعاضوه منها ألفًا في أوله، فصار "اسم"، كما كان قولك: "كلام" من فعل ثلاثي هو "كلم كلامًا"، على مثال "ذهب ذهابًا"، فأماتوا الفعل الثلاثي وبقي مصدره "كلام"، فجعلوه اسم حدث لما تفعل من التكليم، ثم أخرجوا مصدر الرباعي على مخرج اسم هذا الحدث، فقالوا: "كلم يكلم كلامًا"، بمعنى "كلم يكلم تكليمًا".
فكذلك فعلوا في قولهم "سمى يسمى تسمية": أخرجوا لهذا الرباعي مصدرًا على مخرج اسم الحدث وهو "اسم"، فقالوا: "سمى يسمى اسمًا"؛ بمعنى "سمى يسمى تسمية". فقولك "كلام" بمعنى "تكليم" وقولك "اسم" بمعنى "تسمية" صُدِّرا على مخارج أسماء الأحداث. وإذن فالمضاف إلى اسمه تعالى في قولك "بسم الله" وأشباهها، إنما هو مصدر صدر على مخرج اسم الحدث، وهو اسم، من فعل رباعي هو "سمى يسمي"، فكان بمعنى مصدره وهو "تسمية". وهو في هذا المكان وأمثاله بمعنى المصدر "تسمية"، لا بمعنى اسم الحدث لما تفعل من التسمية. (انظر: ١٢٣- ١٢٤، كلام الطبري في "أله").
وهذا الذي قاله أبو جعفر رضي الله عنه أبرع ما قيل في شرح هذا الحرف من كلام العرب. وقد أحسن النظر وأدقه، حتى خفي على جلة العلماء الذين تكلموا في شرح معنى "اسم" في "بسم الله" وأشباهها، فأغفلوه إغفالا لخفائه ووعورة مأتاه، وإلفهم للكلام في الذي افتتحوه من القول في "الاسم"، أهو المسمى أم غيره، أم هو صفة له، وما رسمه وما حده؟ وهذا باب غير الذي نحن فيه، فخلطوا فيه خلطًا، فجاء الطبري فمحص الحق تمحيصًا، وهو أرجح الآراء عندنا وأولاها بالتقديم، لمن وفق لفهمه، كما يقول أبو جعفر غفر الله له. وسيذكر بعد من الحجة ما يزيد المعنى وضوحًا وبيانًا. ولولا خوف الإطالة، لأتيت بالشواهد على ترجيح قول الطبري الذي أغفلوه، على كل رأي سبقه أو أتى بعده.
فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ في بيت لبيد بن ربيعة:
إلَى الحَوْلِ، ثم اسْمُ السَّلام عليكُمَا،ومن يَبْكِ حَوْلا كاملا فَقَد اعتَذَرْ (١)
فقد تأوله مُقدَّم في العلم بلغة العرب، أنه معني به: ثم السلام عليكما، وأن اسمَ السلام هو السلام؟ (٢)
قيل له: لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأوّل، لجاز أن يقال: رأيتُ اسم زيد، وأكلتُ اسمَ الطعام، وشربتُ اسمَ الشراب؛ وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد: "ثمّ اسم السلام
(١) ديوانه، القصيدة رقم: ٢١، والخزانة ٢: ٢١٧، ثم يأتي في تفسير آية سورة التوبة: ٩٠ (١٠: ١٤٤ بولاق)، وآية سورة الرعد: ٣٥ (١٣: ١٠٩) والشعر يقوله لابنتيه، إذ قال:ثم أمرهما بأمره فقال قبل بيت الشاهد:وقولاَ:
تَمَنَّى ابنتَايَ أن يعيشَ أبُوهماوهَلْ أنا إلاَّ من ربيعة أو مُضَرْ!
فقُومَا فقولاَ بالذي قد علمتُماولا تَخْمِشا وجْهًا ولا تَحْلِقا شَعَرْ
هو المرءُ الّذي لا خليلَهأَضاعَ، ولا خانَ الصديقَ، ولا غَدَرْ
فقوله "إلى الحول.. " أي افعلا ذلك إلى أن يحول الحول. والحول: السنة كاملة بأسرها. وقوله "اعتذر" هنا بمعنى أعذر: أي بلغ أقصى الغاية في العذر.
(٢) هذا المقدم في العلم بلغة العرب، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى، في كتابه مجاز القرآن: ١٦. وقد وقع بين ماضغي أسد! وهذا الذي يأتي كله تقريع مرير من أبي جعفر لأبي عبيدة.
عليكما"، أنه أراد: ثم السلام عليكما، وادِّعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافتَه إلى السلام إنما جاز، إذْ كان اسم المسمَّى هو المسمَّى بعينه.
ويُسأل القائلون قولَ من حكينا قولَه هذا، فيقال لهم: أتستجيزون في العربية أن يقال: "أكلتُ اسمَ العسل"، يعني بذلك: أكلت العسل، كما جاز عندكم: اسم السلام عليك، وأنتم تريدون: السلامُ عليك؟
فإن قالوا: نعم! خرجوا من لسان العرب، وأجازوا في لغتها ما تخطِّئه جميع العرب في لغتها. وإن قالوا: لا سئلوا الفرقَ بينهما: فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا أُلزموا في الآخر مثله.
فإن قال لنا قائل: فما معنى قول لبيد هذا عندك؟
قيل له: يحتمل ذلك وجهين، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله.
أحدُهما: أن "السلام" اسمٌ من أسماء الله، فجائز أن يكون لبيد عنَى بقوله: "ثم اسم السلام عليكما"، ثم الزما اسمَ الله وذكرَه بعد ذلك، وَدَعَا ذكري والبكاءَ عليّ؛ على وجه الإغراء. فرفعَ الاسم، إذْ أخّر الحرفَ الذي يأتي بمعنى الإغراء. (١) وقد تفعَلُ العرب ذلك، إذا أخّرت الإغراء وقدمت المُغْرَى به، وإن كانت قد تنصبُ به وهو مؤخَّر. ومن ذلك قول الشاعر:
يَا أَيُّها المائحُ دَلوِي دُونَكا!إني رأيتُ النَّاس يَحْمدُونَكا! (٢)
فأغرَى ب "دونك"، وهي مؤخرة، وإنما معناه: دونَك دلوي. فذلك قول لبيد:
* إلى الحوْلِ، ثمَّ اسمُ السَّلامُ عَلَيْكُمَا *
يعني: عليكما اسمَ السلام، أي: الزما ذكر الله ودعا ذكري والوجدَ بي، لأن من بكى حَوْلا على امرئ ميّت فقد اعتذر. فهذا أحد وجهيه.
(١) في المطبوعة: "إذا وأخر". وقوله "فرفع الاسم"، يعني ما في قول لبيد "ثم اسم"، وكان حقه أن ينصب على الإغراء لو قال: "ثم عليكما اسم السلام" بتقديم الإغراء.
(٢) هذا رجز في خبر طويل، الخزانة ٣: ١٧ قيل هزءًا برجل ألقوه في بئر ثم رجزوا به. والمائح: هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها، فيلقي الدلاء فيملأها بيده ويميح لأصحابه.
والوجه الآخر منهما: ثم تسميتي اللهَ عليكما، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه: "اسم الله عليك" يعوِّذه بذلك من السوء، فكأنه قال: ثم اسمُ الله عليكما من السوء، وكأنّ الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد. (١)
ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أنّ معناه: ثم السلام عليكما، أترَى ما قلنا - من هذين الوجهين - جائزًا، أو أحدهما، أو غيرَ ما قلتَ فيه؟
فإن قال: لا! أبان مقدارَه من العلم بتصاريف وُجوه كلام العرب، وأغنى خصمه عن مناظرته.
وإن قال: بَلَى!
قيل له: فما برهانك على صحة ما ادَّعيت من التأويل أنه الصوابُ، دون الذي ذكرتَ أنه محتملُه - من الوجه الذي يلزمنا تسلميه لك؟ ولا سبيل إلى ذلك.
وأما الخبر الذي:-
١٤٠ - حدثنا به إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك [وهو يلقب بزبريق] قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مُليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود - ومِسْعَرِ بن كِدَام، عن عطية، عن أبي سعيد - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عيسى ابن مريم أسلمته أمُّه إلى الكتَّاب ليعلِّمه، فقال له المعلم: اكتب "بسم" فقال له عيسى: وما "بسم"؟ فقال له المعلم: ما أدري! فقال عيسى: الباء بهاءُ الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته. (٢)
(١) الأول بغير شك أولى الأقوال بالصواب. فإنه كان قد أمر ابنتيه - كما قدمنا في أبياته السالفة، أن تقوما لتنوحا عليه بما أمرهما من ندبه وتأبينه ورثائه، وأن تفعلا ذلك منذ يموت إلى أن يحول عليه الحول، فلا معنى بعد أن يلقي السلام عليهما، أي تحية المفارق، بعد الحول، فقد فارقهما منذ حول كامل. وأولى به أن يدعو لهما، أو يستكفهما عما أمرهما به، إذ قضتا ما أمرهما على الوجه الذي أحب، "ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر"، كأنه قال: كفا عندئذ عما أمرتكما، فإن من بكى حولا فقد بلغ أقصى ما يسعه العذر. فسياق الشعر يقطع بترجيح ما ذهب إليه الطبري عامة، وإلى الجزم بأن معنى "ثم اسم السلام عليكما" هو: الزما ذكر الله، ودعا ذكرى، والبكاء علي، والوجد بي.
(٢) الحديث ١٤٠- هذا حديث موضوع، لا أصل له. وهو أطول من هذا، وسيأتي بعضه برقمي ١٤٥، ١٤٧، فصل الطبري كل قسم منه في موضعه، وفيه زيادة أخرى، في تفسير كلمات "أبجد هوز". إلخ. رواه بطوله ابن حبان الحافظ، في كتاب المجروحين، في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبد الله التيمي، رقم: ٤٤ ص٨٥، وقال في إسماعيل هذا: "كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، وما لا أصل له عن الأثبات، لا تحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج به بحال". ثم ضرب مثلا من أكاذيبه، فروى الحديث بطوله، عن محمد بن يحيى بن رزين العطار عن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك، بالإسناد الثاني الذي هنا، من حديث أبي سعيد الخدري. وذكره ابن كثير في التفسير ١: ٣٥ نقلا عن ابن مردويه، من حديث أبي سعيد وحده، جمع فيه الأقسام الثلاثة التي فرقت هنا. ثم أشار إلى رواية الطبري إياه. ثم قال: "وهذا غريب جدا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات"! وما أدري كيف فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب، فتسقط روايته بمرة، ولا يحتاج إلى هذا التردد. وأما السيوطي، فقد ذكره في الدر المنثور ١: ٨، ونسبه لابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق والثعلبي، ولم يغفل عن علته؛ فذكر أنه "بسند ضعيف جدا". وترجم الذهبي في الميزان ١: ١١٧، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان ١: ٤٤١- ٤٤٢ لإسماعيل بن يحيى هذا، وفي ترجمته: "قال صالح بن محمد جزرة: كان يضع الحديث. وقال الأزدي: ركن من أركان الكذب، لا تحل الرواية عنه... وقال أبو علي النيسابوري الحافظ والدارقطني والحاكم: كذاب". وقال ابن حجر: "مجمع على تركه". وذكر هو والذهبي هذا الحديث مثالا من أكاذيبه.
ثم إن إسناده الأول، الذي رواه إسماعيل بن يحيى عن أبي مليكة، فيه أيضًا راو مجهول، وهو "من حدثه عن ابن مسعود". وإسناده الثاني، الذي رواه إسماعيل هذا عن مسعر بن كدام، فيه أيضًا "عطية بن سعد بن جنادة العوفي"، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وأبو حاتم وغيرهما.
والزيادة بين قوسين، في لقب إبراهيم بن العلاء من المخطوطة. و "زبريق": بكسر الزاي والراء بينهما ياء موحدة ساكنة. وهو لقب إبراهيم، فيما قيل. والصحيح أنه لقب أبيه، فقد قال البخاري في ترجمته في الكبير ١ / ١ / ٣٠٧: "زعم إبراهيم أن أباه كان يدعى زبريق". وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ١ / ١٢١: "إبراهيم بن العلاء... يعرف بابن الزبريق".
فأخشى أنْ يكون غلطًا من المحدِّث، وأن يكون أراد [ب س م]، على سبيل ما يعلَّم المبتدئ من الصبيان في الكتّاب حروف أبي جاد، فغلط بذلك، فوصَله، فقال: "بسم"، لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلي "بسم الله الرحمن الرحيم"، على ما يتلوه القارئ في كتاب الله، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها، إذا حُمِل تأويله على ذلك.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اللَّهِ﴾.


قال أبو جعفر: وأما تأويل قول الله تعالى ذكره "الله"، فإنه على معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عباس-: هو الذي يَألَهه كل شيء، ويعبده كل خلْقٍ.
١٤١ - وذلك أنّ أبا كريب حدثنا، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: "الله" ذو الألوهية والمَعْبودية على خلقه أجمعين. (١)
فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في "فعل ويفعل" أصل كان منه بناءُ هذا الاسم؟
قيل: أمّا سماعًا من العرب فلا ولكن استدلالا.
فإن قال: وما دلّ على أن الألوهية هي العبادة، وأنّ الإله هو المعبود، وأنّ له أصلا في "فعل ويفعل".
قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل (٢) - يصف رجلا بعبادة، وبطلب مما عند الله جل ذكره: "تألَّه فلان" - بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج:
للهِ دَرُّ الغانِيات المُدَّهِ (٣) سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي
يعني: من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي.
ولا شك أنّ "التألُّه"، التفعُّل من: "ألَه يأله"، وأن معنى "أله" - إذا نُطق به:- عَبَدَ اللهَ. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب "فعل يفعل" يغير زيادة.
١٤٢ - وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع، قال حدثنا أبي، عن نافع بن عُمر، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عباس: أنه قرأ (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) [سورة الأعراف: ١٢٧] قال: عبادتَك، ويقال: إنه كان يُعبَد ولا يَعبُد.
(١) الحديث ١٤١- إسناد هذا الخبر ضعيف، كما فصلنا القول فيه، في إسناد الخبر ١٣٧. وهذا الذي هنا نقله السيوطي في الدر المنثور ١: ٨ مع باقيه الآتي برقم ١٤٨ بالإسناد نفسه. ونسبه السيوطي لابن جرير (وكتب فيه: ابن جريج، خطأ مطبعيا)، وابن أبي حاتم.
(٢) قوله "لا تمانع"، أي لا اختلاف بينهم، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر. وسيأتي مثله في ص: ١٢٦.
(٣) ديوانه: ١٦٥. المده: جمع ماده. ومده فلانًا يمدهه مدهًا: نعت هيئته وجماله وأثنى عليه ومدحه. و "استرجعن": قلن" إنا لله وإنا إليه راجعون. يقلنها حسرة عليه كيف تنسك وهجر الدنيا، بعد الذي كان من شبابه وجماله وصبوته!
١٤٣ - حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن ابن عباس: (وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَك)، قال: إنما كان فرعونُ يُعبَد ولا يَعبُد (١)
وكذلك كان عبدُ الله يقرؤها ومجاهد.
١٤٤ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: أخبرني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: قوله "ويذرَكَ وإلاهتك" قال: وعبادتَك (٢) ولا شك أن الإلاهة - على ما فسره ابن عباس ومجاهد - مصدرٌ من قول القائل: ألَه اللهَ فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عَبَد الله فلانٌ عبادةً، وعَبَرَ الرؤيا عبارةً. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أنّ "أله" عَبد، وأن "الإلاهة" مصدرُه.
فإن قال: فإن كان جائزًا أن يقال لمن عبد الله: ألهه - على تأويل قول ابن عباس ومجاهد - فكيف الواجبُ في ذلك أن يقال، إذا أراد المخبر الخبرَ عن استيجاب الله ذلك على عَبْده؟
(١) الخبران ١٤٢، ١٤٣- إسنادهما ضعيفان، من أجل "سفيان بن وكيع بن الجراح"، شيخ الطبري فيهما، وسفيان هذا: ضعيف، كان أبوه إمامًا حجة، وكان هو رجلا صالحًا، ولكن وراقه أفسد عليه حديثه، وأدخل عليه ما ليس من روايته. ونصحه العلماء أن يدعه فلم يفعل، فمن أجل ذلك تركوه. قال ابن حبان في كتاب المجروحين، رقم ٤٧٠ ص٢٣٨- ٢٣٩: "فمن أجل إصراره على ما قيل له استحق الترك".
وهذان الخبران، سيذكرهما الطبري في تفسير آية سورة الأعراف: ١٢٧ (٩: ١٨ بولاق)، وهناك شيء من التحريف في أحدهما. ونقل معناهما السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٠٧.
والقراءة الصحيحة المعروفة: ﴿ويذرك وآلهتك﴾. وأما هذه القراءة "وإلاهتك"، فقد نقلها صاحب إتحاف البشر: ٢٢٩ عن ابن محيصن والحسن. ونقلها ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة: ٤٥ عن علي وابن مسعود وابن عباس. وذكرها أبو حيان في البحر ٤: ٣٦٧ عن هؤلاء الثلاثة "وأنس وجماعة غيرهم".
(٢) الخبر ١٤٤- الحسين بن داود: اسمه "الحسين" ولقبه "سنيد"، بضم السين المهملة وفتح النون. واشتهر بهذا اللقب، وترجم به في التهذيب ٤: ٢٤٤- ٢٤٥، وفي الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٢٦. وحجاج: هو ابن محمد المصيصي، من شيوخ الإمام أحمد. وهذا الأثر عن مجاهد، سيرويه الطبري في تفسير آية الأعراف (٩: ١٨ بولاق) - بإسناد آخر.
قيل: أما الروايةُ فلا رواية فيه عندنا، ولكن الواجب - على قياس ما جاء به الخبرُ عن رسول الله ﷺ الذي:-
١٤٥ - حدثنا به إسماعيل بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مُليكة، عمن حدثه عن ابن مسعود - ومِسْعَر بن كِدَام، عن عطية العَوْفي، عن أبي سعيد - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ عيسى أسلمَتْه أمه إلى الكتّاب ليعلّمه فقال له المعلم اكتب "الله" فقال له عيسى: "أتدري ما الله؟ الله إلهُ الآلهة (١) ".
- أن يقال (٢)، الله جل جلاله ألَهَ العبدَ، والعبدُ ألَهَه. وأنْ يكون قولُ القائل "الله" - من كلام العرب أصله "الإله".
فإن قال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، مع اختلاف لفظيهما؟
قيل: كما جاز أن يكون قوله: (لكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِّي) [سورة الكهف: ٣٨] أصله: لكن أنا، هو الله ربي، كما قال الشاعر:
وَتَرْمِينَنِي بالطَّرْف، أَيْ أَنتَ مُذْنبٌوتَقْلينَني، لكِنَّ إياكِ لا أَقْلِي (٣)
يريد: لكن أنا إياك لا أقلي، فحذَف الهمزة من "أنا" فالتقت نون "أنا" "ونون "لكنْ" وهي ساكنة، فأدغمت في نون "أنا" فصارتا نونًا مشددة. فكذلك "الله" أصله "الإله"، أسقطت الهمزةُ التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في
(١) الحديث ١٤٥- هو حديث لا أصل له. وهو جزء من الحديث الموضوع الذي روى الطبري بعضه فيما مضى ١٤٠، بهذا الإسناد. وفصلنا القول فيه هناك.
(٢) قوله: "أن يقال" من تمام قوله في السطر الثالث "ولكن الواجب-" خبر لكن.
(٣) الأضداد لابن الأنباري: ١٦٣، والخزانة ٤: ٤٩٠، وقال: "لم أقف على تتمته وقائله، مع أنه مشهور، قلما خلا منه كتاب نحوي، والله أعلم".
الأخرى التي هي عين الاسم، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة، كما وصفنا من قول الله (لكنَّ هوَ الله رَبي).

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.


قال أبو جعفر: وأما "الرحمن"، فهو فَعلان، من رَحم، و "الرحيم" فعيل منه. والعرب كثيرًا ما تبني الأسماء من "فَعِل يفْعَل" على "فعلان"، كقولهم من غَضِب: غَضبان، ومن سَكر: سكران، ومن عَطش: عطشان. فكذلك قولهم "رَحمن" من رَحِمَ، لأن "فعِلَ" منه: رَحم يرْحم. وقيل "رحيم"، وإن كانت عَين "فعِل" منها مكسورة، لأنه مدح. ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء - إذا كان فيها مدح أو ذم - على "فعيل"، وإن كانت عين "فعل" منها مكسورةً أو مفتوحةً، كما قالوا من "علم" عالم وعليم، ومن "قدَر" قادر وقدير. وليس ذلك منها بناء على أفعالها، لأن البناء من "فَعِل يفْعَل" و "فعَل يفعِل" فاعلٌ. فلو كان "الرحمن والرحيم" خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما "الراحم".
فإن قال قائل: فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة، فما وجهُ تكرير ذلك، وأحدهما مؤدٍّ عن معنى الآخر؟
قيل له: ليس الأمر في ذلك على ما ظننتَ، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنها.
فإن قال: وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأخرى؟
قيل: أما من جهة العربية، فلا تَمانُع (١) بين أهل المعرفة بلغات العرب، أنّ قول القائل: "الرحمن" - عن أبنية الأسماء
(١) لا تمانع: أي لا اختلاف بينهم، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر.
من "فَعِل يفعَل" - أشدُّ عدولا من قوله "الرّحيم". ولا خلاف مع ذلك بينهم، أنّ كل اسم كان له أصل في "فَعِلَ يفعَل" - ثم كان عن أصله من "فَعِل يفعَلُ" أشد عدولا - أنّ الموصوف به مفضَّل على الموصوف بالاسم المبني على أصله من "فَعِل يفعَل"، إذا كانت التسمية به مدحًا أو ذمًّا. فهذا ما في قول القائل "الرحمن"، من زيادة المعنى على قوله "الرحيم" في اللغة.
وأما من جهة الأثر والخبر، ففيه بين أهل التأويل اختلاف:-
١٤٦ - فحدثني السري بن يحيى التميمي، قال: حدثنا عثمان بن زفر، قال: سمعت العَرْزَمي يقول: "الرحمن الرحيم"، قال: الرحمن بجميع الخلق، الرّحيم، قال: بالمؤمنين. (١)
١٤٧ - حدثنا إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مُليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام، عن عطية العَوفي، عن أبي سعيد - يعني الخدريّ - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ عيسى ابن مريم قال: الرحمن رَحمنُ الآخرة والدنيا، والرحيم رحيمُ الآخرة". (٢)
فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو "رحمن"، وتسميته باسمه الذي هو "رحيم"، واختلاف معنى الكلمتين - وإن اختلفا في معنى ذلك الفرق، فدلّ أحدهما على أنّ ذلك في الدنيا، ودلّ الآخر على أنه في الآخرة.
فإن قال: فأي هذين التأويلين أولى عندك بالصحة؟
(١) الأثر ١٤٦- نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٠ عن هذا الموضع. و "السري بن يحيى ابن السري التميمي الكوفي"، شيخ الطبري، لم نجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٨٥، وقال: "لم يقض لنا السماع منه، وكتب إلينا بشيء من حديثه، وكان صدوقًا". و "العرزمي" المرويُّ عنه هذا الكلام هنا: ضعيف جدا، قال الإمام أحمد في المسند ٦٩٣٨: "لا يساوي حديثه شيئًا". وهو "محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي". وأما عمه "عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي"، فإنه تابعي ثقة، ولكنه قديم، مات سنة ١٤٥، فلم يدركه "عثمان بن زفر" المتوفى سنة ٢١٨. و "العرزمي" بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها زاي، نسبة إلى "عرزم". ووقع هنا في الطبري وابن كثير "العرزمي"، بتقديم الزاي على الراء، وهو تصحيف.
(٢) الحديث ١٤٧- هذا إسناد ضعيف، بل إسنادان ضعيفان، كما فصلنا فيما مضى: ١٤٠، ١٤٥.
قيل: لجميعهما عندنا في الصحة مخرج، فلا وجه لقول قائل: أيُّهما أولى بالصحة؟ وذلك أنّ المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن، دون الذي في تسميته بالرحيم: هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميعَ خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعضَ خلقه، إما في كل الأحوال، وإما في بعض الأحوال. فلا شك - إذا كان ذلك كذلك - أنّ ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة، أو فيهما جميعًا.
فإذا كان صحيحًا ما قلنا من ذلك - وكان الله جل ثناؤه قد خصّ عباده المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته، والإيمان به وبرسله، واتباع أمره واجتناب معاصيه، مما خُذِل عنه من أشرك به، وكفر وخالف ما أمره به، وركب معاصيَه؛ وكان مع ذلك قد جعلَ، جَلَّ ثناؤه، ما أعد في آجل الآخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين، لمن آمن به، وصدّق رسله، وعمل بطاعته، خالصًا، دون من أشرك وكفر به - (١) كان بيِّنًا إن الله قد خص المؤمنين من رحمته في الدنيا والآخرة، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ في الدنيا من الإفضال والإحسان إلى جميعهم، في البَسْط في الرزق، وتسخير السحاب بالغَيْثِ، وإخراج النبات من الأرض، وصحة الأجسام والعقول، وسائر النعم التي لا تُحصى، التي يشترك فيها المؤمنون والكافرون.
فربُّنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خلقه في الدنيا والآخرة، ورحيمُ المؤمنين خاصةً في الدنيا والآخرة. فأما الذي عمّ جميعَهم به في الدنيا من رحمته فكان رَحمانًا لهم به، فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه، كما قال جل ثناؤه: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوهَا) [سورة إبراهيم: ٣٤، وسورة النحل: ١٨].
وأما في الآخرة، فالذي عمّ جميعهم به فيها من رحمته، فكان لهم رحمانًا، تسويته
(١) جواب قوله "فإذ كان صحيحًا... " وما بينهما فصل.
بين جميعهم جل ذكرُه في عَدله وقضائه، فلا يظلم أحدًا منهم مِثْقال ذَرّة، وإن تَكُ حسنةً يُضاعفها ويُؤتِ من لَدُنْهُ أجرًا عظيما، وتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ. فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعَهم برحمته، الذي كان به رحمانًا في الآخرة.
وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته، الذي كان به رحيما لهم فيها، كما قال جل ذكره: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [سورة الأحزاب: ٤٣] فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم، فخصّهم به، دونَ من خذَله من أهل الكفر به.
وأمَّا ما خصّهم به في الآخرة، فكان به رحيما لهم دون الكافرين، فما وصفنا آنفًا مما أعدَّ لهم دون غيرهم من النعيم، والكرامة التي تقصرُ عنها الأمانيّ.
وأما القول الآخر في تأويله فهو ما:-
١٤٨ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: الرحمن، الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب. قال: الرّحمن الرحيم: الرقيقُ الرفيقُ بمن أحبَّ أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنُف عليه. (١) وكذلك أسماؤه كلها.
وهذا التأويل من ابن عباس، يدل على أن الذي به ربُّنا رحمن، هو الذي به رحيم، وإن كان لقوله "الرحمن" من المعنى، ما ليس لقوله "الرحيم". لأنه جعل معنى "الرحمن" بمعنى الرقيق على من رقَّ عليه، ومعنى "الرحيم" بمعنى الرفيق بمن رفق به.
والقول الذي رويناه في تأويل ذلك عن النبي ﷺ وذكرناه عن العرْزَمي (٢)، أشبه بتأويله من هذا القول الذي رويناه عن ابن عباس. وإن
(١) الحديث ١٤٨- نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤١ عن هذا الموضع، وقد مضى الكلام في هذا الإسناد، وبيان ضعفه: ١٣٧، ١٤١. والذي في الدر المنثور ١: ٨- ٩ "على من أحب أن يضعف عليه العذاب"، والظاهر أنه تصرف من ناسخ أو طابع.
(٢) إشارة إلى ما مضى: ١٤٦، ووقع في الأصول هنا "العرزمي" أيضًا، بتقديم الزاي، وهو خطأ، كما بينا من قبل.
كان هذا القول موافقًا معناه معنى ذلك، في أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم، وأن للرحيم تأويلا غيرَ تأويل الرحمن.
والقول الثالث في تأويل ذلك ما:-
١٤٩ - حدثني به عمران بن بَكَّار الكلاعي، قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللَّخمي من أهلِ فلَسْطين، قال: سمعت عطاء الخراساني يقول: كان الرحمن، فلما اختزلَ الرحمن من اسمه كان الرحمنَ الرحيمَ. (١)
والذي أراد، إن شاء الله، عطاءٌ بقوله هذا: أن الرحمن كان من أسماء الله التي لا يتسمَّى بها أحد من خَلْقِه، فلما تسمَّى به الكذابُ مسيلمة - وهو اختزاله إياه، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه "الرحمنُ الرحيمُ" ليفصِل بذلك لعباده اسمَهُ من اسم من قد تسمَّى بأسمائه، إذ كان لا يسمَّى أحد "الرحمن الرحيم"، فيجمع له هذان الاسمان، غيره جلّ ذكره. وإنما يتسمَّى بعضُ خَلْقه إما رحيما، أو يتسمَّى رَحمن. فأما "رحمن رحيم"، فلم يجتمعا قطّ لأحد سواهُ، ولا يجمعان لأحد غيره. فكأنّ معنى قول عطاء هذا: أن الله جل ثناؤه إنما فَصَل بتكرير الرحيم على الرحمن، بين اسمه واسم غيره من خلقِه، اختلف معناهما أو اتفقا.
والذي قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معًا مجتمعين، إبانةً لها من خلقه، ليعرف عبادُه بذكرهما مجموعينِ أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه، مع مَا في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما.
(١) الأثر ١٤٩- نقله السيوطي في الدر المنثور ١: ٩ ونسبه للطبري وحده. وعطاء الخراساني هو عطاء بن أبي مسلم، وهو ثقة، وضعفه بعض الأئمة. وهو كثير الرواية عن التابعين، وكثير الإرسال عن الصحابة، في سماعه منهم خلاف. وأما الراوي عنه "أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمي"، فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع، إلا قول الدولابي في الكنى والأسماء ١: ١١٠: "أبو الأزهر الفلسطيني نصر بن عمرو اللخمي، روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي".
وقد زعم بعضُ أهل الغَباء أنّ العرب كانت لا تعرف "الرحمن"، ولم يكن ذلك في لغتها (١) ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: (وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) [سورة الفرقان: ٦٠]، إنكارًا منهم لهذا الاسم، كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته، أوْ: لا وكأنه لم يتْلُ من كتاب الله قول الله (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ) - يعني محمدًا - (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [سورة البقرة: ١٤٦] وهم مع ذلك به مكذِّبون، ولنبوته جاحدون! فيَعلمَ بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقةَ ما قد ثبت عندهم صحتُه، واستحكمتْ لديهم معرفتُه. وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء:
أَلا ضربَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِينَهَاأَلا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا (٢)
وقال سلامة بن جَندلٍ السَّعْدي: (٣)
عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُوَمَا يَشَإ الرحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ (٤)
(١) لا يزال أهل الغباء في عصرنا يكتبونه، ويتبجحون بذكره في محاضراتهم وكتبهم، نقلا عن الذين يتتبعون ما سقط من الأقوال، وهم الأعاجم الذين يؤلفون فيما لا يحسنون باسم الاستشراق. ورد الطبري مفحم لمن كان له عن الجهل والخطأ رده تنهاه عن المكابرة.
(٢) لم أجد قائل البيت. واستشهد به ابن سيده في المخصص ١٧: ١٥٢، وعلق على البيت محمد محمود التركزي الشنقيطي، وادعى أن البيت مصنوع، وأن "بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم المجردة، صنعه ولفقه، وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس الضحى، وركاكته تنادي جهارًا بصحة وضعه وصنعته، والصواب وهو الحق المجمع عليه، أن الشاعر الجاهلي المشار إليه، هو الشنفرى الأزدي، وهذا البيت ليس في شعره"، وأنه ملفق من قول الشنفرى:
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي، والتَلهُّفُ ضَلَّةٌبما ضَرَبَتْ كَفُّ الفَتَاةِ هَجِينَهَا
والشنقيطي رحمه الله كان كثير الاستطالة، سريعًا إلى المباهاة بعلمه وروايته. والذي قاله من ادعاء الصنعة لا يقوم. وكفى بالبيت الذي يليه دليلا على فساد زعمه أن الدافع لصنعته: إيجاد الشواهد المعدومة، لدعاوى مجردة. وليس في البيت ركاكة ولا صنعة.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "الطهوي" مكان السعدي، وهو خطأ. ليس سلامة طهويا.
(٤) ديوانه: ١٩، وقد جاء في طبقات فحول الشعراء: ١٣١ في نسب الشاعر: سلامة بن جندل بن عبد الرحمن"، وهذه رواية ابن سلام، وغيره يقول: "ابن عبد"، فإن صحت رواية ابن سلام، فهي دليل آخر قوي على فساد دعوى الشنقيطي.
وقد زعم أيضًا بعضُ من ضعُفت معرفتُه بتأويل أهل التأويل، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير، أنّ "الرحمن" مجازه: ذو الرحمة، و "الرحيم" مجازه: الرّاحم (١)، ثم قال: قد يقدِّرون اللفظين من لفظٍ والمعنى واحد، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: ندمان ونَديم، ثم استشهد ببيتِ بُرْج بن مُسْهِر الطائي:
وَنَدْمَانٍ يزيدُ الكأسَ طِيبًا،سَقَيْتُ وَقَدْ تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ (٢)
واستشهد بأبياتٍ نظائره في النَّديم والنَّدمان، ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله: الرحمن ذو الرحمة، والرحيم الراحم، وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيَيْهما على صحته. ثم مثّل ذلك باللَّفظين يأتيان بمعنى واحد، فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع اختلاف الألفاظ.
ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثَبت أن له الرحمة، وصحَّ أنها له صفة؛ وأن الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم، أو قد رحم فانقضى ذلك منه، أو هو فيه.
ولا دلالة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة، كالدلالة على أنها له صفة، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمة. فأين معنى "الرحمن الرحيم" على تأويله، من معنى الكلمتين يأتيان مقدَّرتين من لفظ واحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني؟ ولكن القول إذا كان غير أصل معتمد عليه، كان واضحًا عوارُه.
وإن قال لنا قائل: ولم قدّم اسمَ الله الذي هو "الله"، على اسمه الذي هو "الرحمن"، واسمه الذي هو "الرحمن"، على اسمه الذي هو "الرحيم"؟
قيل: لأن من شأن العرب، إذا أرادوا الخبر عن مُخبَر عنه، أن يقدِّموا اسمه، ثم يتبعوه صفاتِه ونعوتَه. وهذا هو الواجب في الحُكم: أن يكون الاسم مقدَّمًا قبل نعته وصِفَته، ليعلم السامع الخبرَ، عمَّن الخبرُ. فإذا كان ذلك كذلك -
(١) الذي عناه الطبري، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه "مجاز القرآن": ٢١، وقد نقل أكثر كلامه الآتي بنصه.
(٢) حماسة أبي تمام ٣: ١٣٥، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ٦٢.
وكانَ لله جلَّ ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها، خَصَّ بها نفسه دونهم، وذلك مثلُ "الله" و "الرحمن" و "الخالق"؛ وأسماءٌ أباحَ لهم أن يُسمِّيَ بعضهم بعضًا بها، وذلك: كالرحيم والسميع والبصير والكريم، وما أشبه ذلك من الأسماء - كان الواجب أن تقدَّم أسماؤه التي هي له خاصة دون جميع خلقه، ليعرف السامعُ ذلك مَنْ تَوجَّه إليه الحمد والتمجيدُ، ثم يُتبع ذلك بأسمائه التي قد تسمى بها غيره، بعد علم المخاطب أو السامع من توجَّه إليه ما يتلو ذلك من المعاني. فبدأ الله جل ذكره باسمه الذي هو "الله"، لأن الألوهية ليست لغيره جلّ ثناؤه من وجهٍ من الوجوه، لا من جهة التسمِّي به، ولا من جهة المعنى. وذلك أنا قد بينَّا أن معنى "الله" تعالى ذكره المعبود (١)، ولا معبودَ غيرُه جل جلاله، وأن التسمِّي به قد حرّمه الله جل ثناؤه، وإن قصد المتسمِّي به ما يقصدُ المتسمِّي بسعيد وهو شقي، وبحسَنٍ وهو قبيح.
أوَلا تَرى أنّ الله جلّ جلاله قال في غير آية من كتابه: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ) فاستكبر ذلك من المقرِّ به، وقال تعالى في خُصوصه نَفسَه بالله وبالرحمن: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [سورة الإسراء: ١١٠]. ثم ثنَّى باسمه، الذي هو الرحمن، إذ كان قد مَنع أيضًا خلقه التسمي به، وإن كان من خلْقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه. وذلك أنه قد يجوز وصْف كثير ممّن هو دون الله من خلقه، ببعض صفات الرحمة. وغير جائز أن يستحق بعضَ الألوهية أحد دونه. فلذلك جاء الرحمن ثانيًا لاسمه الذي هو "الله".
وأما اسمه الذي هو"الرحيم" فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصْف غيره به. والرحمة من صفاته جل ذكره، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصفنا - واقعًا مواقع نعوت الأسماء اللواتي هنّ توابعُها، بعد تقدم الأسماء عليها. فهذا وجه تقديم اسم الله الذي هو "الله"، على اسمه الذي هو "الرحمن"، واسمه الذي هو "الرحمن" على اسمه الذي هو "الرحيم". (٢)
وقد كان الحسنُ البصريّ يقول في "الرحمن" مثل ما قلنا، أنه من أسماء الله التي مَنَعَ التسميَ بها العبادَ. (٣)
١٥٠ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الحسن، قال: "الرحمن" اسمٌ ممنوع. (٤)
مع أن في إجماع الأمة من منع التسمِّي به جميعَ الناس، ما يُغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره.
(١) في المطبوعة: "أن معنى الله هو المعبود".
(٢) هذا الاحتجاج من أجود ما قيل، ودقته تدل على حسن نظر أبي جعفر فيما يعرض له. وتفسيره كله شاهد على ذلك. رحمة الله عليه.
(٣) غيروه في المطبوعة: "لعباده".
(٤) الأثر ١٥٠- نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤١- ٤٢ عن هذا الموضع. والسيوطي في الدر المنثور ١: ٩، ونسبه للطبري وحده. و "عوف" الراوية عن الحسن: هو عوف بن أبي جميلة العبدي، المعروف بابن الأعرابي، وهو ثقة ثبت.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
افتتح بها الصحابةُ كتاب الله، واتّفق العلماء على أنها بعض آية من سورَة النمل، ثمّ اختلفوا : هل هي آية مستقلة في أوّل كل سورة، أو من أول كل سورة كتبت في أوّلها، أو أنها بعض آية من أوّل كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها [ إنما ](١) كتبت للفصل، لا أنها(٢) آية ؟ على أقوال للعلماء سلفًا وخلفًا، وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضًا(٣)، وروي مرسلا عن سعيد بن جُبَير. وفي صحيح ابن خزيمة، عن أم سلمة : أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدّها آية، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جُرَيْج، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عنها(٤). وروى له الدارقطني متابعًا، عن أبي هريرة مرفوعًا(٥). وروى مثله عن علي وابن عباس وغيرهما(٦). وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة : ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وعليّ. ومن التابعين : عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وبه يقول عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، في رواية عنه، وإسحاق بن رَاهوَيه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، رحمهم الله.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقال الشافعي في قول، في بعض طرق مذهبه : هي آية من الفاتحة وليست من غيرها، وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة، وهما غريبان.
وقال داود : هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها، وهذه رواية عن الإمام أحمد بن حنبل. وحكاه أبو بكر الرازي، عن أبي الحسن الكرخي، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة، رحمهم الله(٧). هذا ما يتعلق بكونها من الفاتحة أم لا. فأمَّا ما يتعلق بالجهر بها، فمفرّع على هذا ؛ فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها، وكذا من قال : إنها آية من(٨) أوّلها، وأمَّا من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا ؛ فذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفًا وخلفًا(٩)، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وحكاه ابن عبد البر، والبيهقي عن عمر وعليّ، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة، وهم : أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، وهو غريب. ومن التابعين عن سعيد بن جبير، وعِكْرِمة، وأبي قِلابة، والزهري، وعليّ بن الحسين، وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنْكَدِر، وعلي بن عبد الله بن عباس، وابنه محمد، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن أسلم، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، ومكحول، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن. زاد البيهقيّ : وعبد الله بن صفوان، ومحمد بن الحنفية. زاد ابن عبد البر : وعمرو بن دينار.
والحُجَّة في ذلك أنها بعض الفاتحة، فيجهر بها كسائر أبعاضها، وأيضًا فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ : إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ. وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم(١٠).
وروى أبو داود والترمذي، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال الترمذي : وليس إسناده بذاك(١١).
وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن ابن عباس قال : كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال : صحيح(١٢) وفي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال : كانت قراءته مدا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم(١٣).
وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم، عن أم سلمة، قالت(١٤) : كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته : بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. وقال الدارقطني : إسناده صحيح(١٥).
وروى الشافعي، رحمه الله، والحاكم في مستدركه، عن أنس : أن معاوية صلى بالمدينة، فترك البسملة، فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك، فلما صلى المرّة الثانية بسمل(١٦).
وفي هذه الأحاديث، والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها، فأما المعارضات والروايات الغريبة، وتطريقها، وتعليلها وتضعيفها، وتقريرها، فله موضع آخر.
وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل، وطوائف من سلف التابعين والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وأحمد بن حنبل.
وعند الإمام مالك : أنه لا يقرأ البسملة بالكلية، لا جهرًا ولا سرًّا، واحتجوا بما في صحيح مسلم، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين(١٧). وبما في الصحيحين، عن أنس بن مالك، قال : صلَّيْتُ خلف النبيّ ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين. ولمسلم : لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في آخرها(١٨). ونحوه في السنن عن عبد الله بن مُغَفَّل، رضي الله عنه(١٩).
فهذه مآخذ الأئمة، رحمهم الله، في هذه المسألة وهي قريبة ؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر، ولله الحمد والمنة(٢٠).

فصل في فضلها


قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله، في تفسيره :
حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني، حدثنا سلام بن وهب الجَنَديّ، حدثنا أبي، عن طاوس، عن ابن عباس ؛ أن عثمان بن عفان سأل رسول الله ﷺ عن بسم الله الرحمن الرحيم. فقال :" هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر، إلا كما بين سواد العينين وبياضهما(٢١) من القرب ".
وهكذا رواه أبو بكر بن مَرْدُويه، عن سليمان بن أحمد، عن عليّ بن المبارك، عن زيد بن المبارك، به(٢٢).
وقد روى الحافظ ابن مَرْدُويه من طريقين، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن مِسْعَر، عن عطية، عن أبي سعيد، قال : قال رسول الله ﷺ :" إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتَّاب ليعلمه، فقال المعلم : اكتب، قال(٢٣) ما أكتب ؟ قال : بسم الله، قال له عيسى : وما باسم الله ؟ قال المعلم : ما أدري(٢٤). قال له عيسى : الباء بَهاءُ الله، والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة ".
وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب : زِبْرِيق، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مُلَيْكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ، فذكره(٢٥). وهذا غريب جدًا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ، ويكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات، والله أعلم.
وقد روى جُوَيبر(٢٦)، عن الضحَّاك، نحوه من قبله.
وقد روى ابن مَرْدُويه، من حديث يزيد بن خالد، عن سليمان بن بريدة، وفي رواية عن عبد الكريم أبي(٢٧) أمية، عن ابن بريدة، عن أبيه ؛ أن رسول الله(٢٨) ﷺ قال :«أنزلت عليّ آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري، وهي بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »(٢٩).
وروي بإسناده عن عبد الكبير(٣٠) بن المعافى بن عمران، عن أبيه، عن عمر بن ذَرّ، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال : لما نزل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورُجِمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله(٣١) ألا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه(٣٢).
[ وقال وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال : من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم، ليجعل الله له من كل حرف منها جنة من كل واحد، ذكره ابن عطية والقرطبي(٣٣) ووجهه ابن عطية ونصره بحديث :" فقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها " (٣٤) لقول الرجل : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفا وغير ذلك ](٣٥).
وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، قال : سمعت أبا تميمة يحدث، عن رديف النبي ﷺ قال : عثر بالنبي ﷺ، فقلت : تَعِس الشيطان. فقال النبي ﷺ :«لا تقل تعس الشيطان. فإنك إذا قلت : تعس الشيطان تعاظم، وقال : بقوتي صرعته، وإذا قلت : باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب ».
هكذا وقع في رواية الإمام أحمد(٣٦) وقد روى(٣٧) النسائي في اليوم والليلة، وابن مَرْدُويه في تفسيره، من حديث خالد الحذاء، عن أبي تميمة هو الهجيمي، عن أبي المليح بن أسامة بن عمير، عن أبيه، قال : كنت رديف النبي ﷺ فذكره وقال :«لا تقل هكذا، فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت، ولكن قل : بسم الله، فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة »(٣٨). فهذا من تأثير بركة بسم الله ؛ ولهذا تستحب في أوّل كل عمل وقول. فتستحب في أوّل الخطبة لما جاء :" كل أمر(٣٩) لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم " (٤٠)، [ وتستحب البسملة عند دخول الخلاء ولما ورد من الحديث في ذلك(٤١) ](٤٢)، وتستحب في أوّل الوضوء لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن، من رواية أبي هريرة، وسعيد بن زيد، وأبي سعيد مرفوعًا :" لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " (٤٣)، وهو حديث حسن. ومن العلماء من أوجبها عند الذكر هاهنا، ومنهم من قال بوجوبها مطلقًا، وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر، ومطلقا في قول بعضهم، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وقد ذكر الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث منها : عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :" إذا أتيت أهلك فسم الله ؛ فإنه إن ولد لك ولد كتب لك بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات " وهذا لا أصل له، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها.
وهكذ
١ زيادة من جـ، ط، ب..
٢ في أ: "لأنها"..
٣ سنن أبي داود برقم (٧٨٨) والمستدرك(١/١٣١) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه..
٤ صحيح ابن خزيمة برقم(٤٩٣).
٥ سنن الدارقطني (١/٣١٠، ٣٠٩) من ثلاث طرق كلها معلولة..
٦ سنن الدارقطني (١/٣٠٢) عن علي ابن أبي طالب، وطرقه كلها ضعيفة، و(١/٣٠٣) عن ابن عباس من طريقين ضعيفين، وسيأتي كلام العلماء على الجهر بالبسملة وهذا مقرع عليه..
٧ ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل غي هذه المسألة، فراجعه في: الفتاوى(٢٢/٤٣٨-٤٤٣)..
٨ في جـ، ط، ب: "في"..
٩ في جـ، ط، ب، أ، و: "خلفا وسلفا"..
١٠ سنن النسائي (٢/١٣٤) وصحيح ابن خزيمة برقم (٤٩٩)وصحيح ابن حبان برقم (٤٥٠) :"موارد" والمستدرك(١/٢٣٢)..
١١ سنن الترمذي برقم (٢٤٥)..
١٢ المستدرك(١/٢٠٨) وفي إسناده عبد الله بن عمرو بن حسان، كذبه الدار قطني، وقال علي بن المدني : يضع الحديث، لذلك تعقب الذهبي الحاكم على تصحيحه فقال: " ابن حسان كذبه غير واحد، ومثل هذا لا يخفى على المصنف" –أي الحاكم..
١٣ صحيح البخاري برقم (٥٠٤٦)..
١٤ في جـ، ط، ب: "أنها قالت"..
١٥ المسند (٦/٣٠٢) وسنن أبي داود برقم(١٤٦٦) والمستدرك(٢/١٣١)..
١٦ المستدرك(١/٢٣٣)..
١٧ صحيح مسلم برقم (٤٩٨)..
١٨ صحيح البخاري برقم (٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٩٩)..
١٩ سنن الترمذي برقم (٢٤٤) وسنن النسائي(٢/١٣٥) وسنن ابن ماجه برقم(١٨٥)..
٢٠ لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام متين في هذه المسألة راجعه في: الفتاوى(٢٢/٤١٠-٤٣٧)، وانظر الكلام على أحاديث الباب موسعا في : نصب الراية للزيلعي(١/٣٢٣-٣٦٢)..
٢١ في جـ: "سواد العين وبياضها"..
٢٢ تفسير ابن أبي حاتم(١/١٢) ورواه الخطيب في تاريخه(٧/٣١٣)، والحاكم في المستدرك(١/٥٥٢)من طريق زيد بن المبارك به. وقال الذهبي في ترجمة سلام بن وهب في الميزان(٢/١٨٢): "أتى بخير منكر، بل كذب" ثم ساق هذا الخبر..
٢٣ في جـ: "فقال"..
٢٤ في جـ: "لا تدري"..
٢٥ تفسيرالطبري (١/١٢١) ورواه ابن عدي في الكامل(١/٣٠٣) بمثل طريق الطبري وقال: "هذا حديث باطل الإسناد لا يرويه غير إسماعيل". أ. ه. وانظر: حاشية الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري..
٢٦ في جـ: "جبير"..
٢٧ في جـ: "بن"..
٢٨ في جـ: "النبي"..
٢٩ ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق عبد الكريم ابن أبي أمية، عن ابن بريدة، عن أبيه به مرفوعا، ورواه الدارقطني في السنن (١/٣١٠) من طريق عبد الكريم بن أبي أمية به، قال الحافظ ابن كثير: "هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف" وسيأتي عند تفسير الآية: ٣٠ من سورة النمل..
٣٠ في هـ: "عبد الكريم"، والتصويب من جـ، ط، ب، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم..
٣١ في جـ: "وبجلاله"..
٣٢ وعزاه السيوطي في الدار المنثور(١/٢٦) للثعلبي في تفسيره..
٣٣ المحرر الوجيز لابن عطية (١/٥٤)..
٣٤ الحديث رواه البخاري في صحيحه برقم(٧٩٩) من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه..
٣٥ زيادة من ط، ب، أ، و..
٣٦ المسند (٥/٥٩)..
٣٧ في جـ، ط، ب،: "رواه"..
٣٨ سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٣٨٩) ورواه من طريق ابن المبارك عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النسائي :"وهو الصواب"..
٣٩ في و: "خطبة"..
٤٠ رواه بهذا اللفظ الخطيب في"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"(٢/١٢٨) من طريق مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، وللشيخ أحمد الغماري رسالة سماها: "الاستعاذة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة" بين فيها ضعف هذا الحديث، بعد أن جمع طرقه، وهي رسالة قيمة فلتراجع. .
٤١ جاء من حديث علي، وأنس رضي الله عنهما، أما حديث علي، فقد رواه الترمذي في السنن برقم (٦٠٦) من طريق خلاد الصفار عن الحكم عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن علي، رضي الله عنه، مرفوعا بلفظ: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول بسم الله". وأما حديث أنس، فيرويه العمري عن عبد العزيز بن المختار بن صهيب عن أنس مرفوعا بلفظ: "اذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث" والحديث في الصحيحين من دون هذه الزيادة..
٤٢ زيادة من جــ، ط، أ، و..
٤٣ أما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في المسند (٢/٤١٨) وأبو داود في السنن برقم (١٠١) وابن ماجة في السنن برقم (٣٩٩)، وأما حديث بن زيد، فرواه الترمذي في السنن برقم (٢٥)، وأما حديث أبي سعيد، فرواه أحمد في المسند (٣/٤١) وابن ماجة في السنن برقم (٣٩٧)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فَاتِحَةُ الْكِتَابِ
يُقَالُ لَهَا: الْفَاتِحَةُ، أَيْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَطًّا، وَبِهَا تُفْتَحُ (١) الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ (٢) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: أُمُّ الْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرِهَ أَنَسٌ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ كَرِهَا تَسْمِيَتَهَا بِذَلِكَ، قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: إِنَّمَا ذَلِكَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَلِذَا كَرِهَا (٣) -أَيْضًا -أَنْ يُقَالَ لَهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي [الْحَدِيثِ] (٤) الصَّحِيحِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ " وَيُقَالُ لَهَا: الْحَمْدُ، وَيُقَالُ لَهَا: الصَّلَاةُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (٥) عَنْ رَبِّهِ: " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي " الْحَدِيثَ. فَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ: صَلَاةً؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا. وَيُقَالُ لَهَا: الشِّفَاءُ؛ لِمَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُمٍّ (٦) ". وَيُقَالُ لَهَا: الرُّقْيَةُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ حِينَ رَقَى بِهَا الرَّجُلَ السَّلِيمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ". وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمَّاهَا: أَسَاسَ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَأَسَاسُهَا (٧) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَسَمَّاهَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْوَاقِيَةُ. وَسَمَّاهَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: الْكَافِيَةُ؛ لِأَنَّهَا تَكْفِي عَمَّا عَدَاهَا وَلَا يَكْفِي مَا سِوَاهَا عَنْهَا، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمُرْسَلَةِ: " أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا " (٨). وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الصَّلَاةِ وَالْكَنْزِ ذَكَرَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، قَالَهُ (٩) ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ، قَالَهُ (١٠) أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ. وَيُقَالُ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ، وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الْحِجْرِ: ٨٧]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١١). وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ نِصْفَهَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، نَقْلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْهُ. وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ بِلَا خِلَافٍ، [وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: ثَمَانٌ، وَقَالَ حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ: سِتَّةٌ (١٢) وَهَذَانَ شَاذَّانِ] (١٣). وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْبَسْمَلَةِ: هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَخَلْقٌ مِنَ الْخَلَفِ، أَوْ بَعْضُ آيَةٍ أَوْ لَا تُعَدُّ مِنْ أَوَّلِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ (١٤) فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثقة.
(١) في أ: "يفتتح".
(٢) في أ: "الصلوات".
(٣) في أ: "كذا".
(٤) زيادة من أ.
(٥) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(٦) في أ: "اسم".
(٧) في أ: "وأساسها".
(٨) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/١٦٥) من طريق مكحول عن عبادة به مرسلا، ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٣٨) من طريق الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة به مرفوعا بهذا اللفظ، وهذا غير محفوظ. وقد جاء من طريق أخرى موصولة ذكرها الفاضل محمد طرهوني فى كتابه "موسوعة فضائل القرآن" (١/٤٠-٤٣)
(٩) في أ: "قال".
(١٠) في أ: "قال".
(١١) في جـ: "والله تعالى أعلم".
(١٢) في أ: "ست".
(١٣) زيادة من جـ.
(١٤) في أ: "تقريرها".
قَالُوا: وَكَلِمَاتُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهَا مِائَةٌ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كتاب التفسير: وسميت أم الكتب، أنه يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ (١) وَقِيلَ: إِنَّمَا (٢) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ (٣) إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جَامِعِ أَمْرٍ (٤) أَوْ مُقَدَّمٍ لِأَمْرٍ -إِذَا كَانَتْ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ هُوَ لَهَا إِمَامٌ جَامِعٌ -أُمًّا، فَتَقُولُ (٥) لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ، أُمُّ الرَّأْسِ، وَيُسَمُّونَ لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا أُمًّا، وَاسْتَشْهَدَ (٦) بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَنَا نَقْتَدِي بِهَاجِمَاعُ أُمُورٍ لَيْسَ (٧) نَعْصِي لَهَا أَمْرَا (٨)
يَعْنِي: الرُّمْحُ. قَالَ: وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ: أُمَّ الْقُرَى لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ جَمِيعِهَا وَجَمْعِهَا مَا سِوَاهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْهَا.
وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْفَاتِحَةُ؛ لِأَنَّهَا تُفْتَتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ، وَافْتَتَحَتِ الصَّحَابَةُ بِهَا كِتَابَةَ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، وَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي، قَالُوا: لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَثَانِي مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ هَذَا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٩). قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ الْقُرْآنِ: " هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ (١٠) " (١١). ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي " (١٢). وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَارِثٍ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَوْصِلِيُّ، ثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سَبْعُ آيَاتٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَاهُنَّ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وهي أم الكتاب (١٣) " (١٤).
(١) صحيح البخاري (٨/١٥٥) "فتح".
(٢) في أ: "أنها".
(٣) في أ: "إليها".
(٤) في أ: "كل أمر جامع أمرا"، وفي و: "كل جامع أمرا".
(٥) في أ: "فيقول".
(٦) في أ: "واستشهدوا".
(٧) في أ، و: "لا".
(٨) تفسير الطبري (١/١٠٧).
(٩) في أ: "الله تعالى".
(١٠) في جـ: "العظيم الذي أوتيته".
(١١) المسند (٢/٤٤٨).
(١٢) تفسير الطبري (١/١٠٧).
(١٣) بعدها في أ، جـ: "وفاتحة الكتاب".
(١٤) ورواه الثعلبي في تفسيره (١/ق ١٨) من طريق محمد بن حسان عن المعافى بن عمران عن عبد الحميد به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٤٥) من طريق نوح بن أبي بلال عن المقبري به.
وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ (١) أَوْ مِثْلِهِ، وَقَالَ: كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ (٢). وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ (٣) وَابْنِ عَبَّاسٍ (٤) وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٥) أَنَّهُمْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الْحِجْرِ: ٨٧] بِالْفَاتِحَةِ، وَأَنَّ الْبَسْمَلَةَ هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا عِنْدَ الْبَسْمَلَةِ.
وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: لِمَ لَمْ تَكْتُبِ الْفَاتِحَةَ فِي مُصْحَفِكِ؟ قَالَ: لَوْ كَتَبْتُهَا لِكَتَبْتُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: يَعْنِي حَيْثُ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَاكْتَفَيْتُ بِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا عَنْ كِتَابَتِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ (٦) وَنَقْلَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ أَحَدَ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ هَذَا [أَحَدُهَا] (٧) وَقِيلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ (٨). وَقِيلَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الْعَلَقِ: ١] وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَاللَّهُ (٩) الْمُسْتَعَانُ. ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْفَاتِحَةِ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى صلَّيت وَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ: " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٤] ثُمَّ قَالَ: " لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ". قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ: " لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ". قَالَ: " نَعَمْ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، بِهِ (١٠). وَرَوَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ (١١). وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ لِلْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، مَا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ مالك عن العلاء بن عبد
(١) في أ: "نحوه".
(٢) سنن الدارقطني (١/٣١٢) من طريق أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح به مرفوعا، ثم قال أبو بكر الحنفي: "ثم لقيت نوحا فحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بمثله ولم يرفعه".
(٣) شعب الإيمان للبيهقي برقم (٢٣٥٣) من طريق الثوري عن السدي عن عبد خير عن علي بن أبي طالب.
(٤) شعب الإيمان برقم (٢٣٥٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٥) شعب الإيمان برقم (٢٣٥٤).
(٦) دلائل النبوة للبيهقي (٢/١٥٨) وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/١٠) بعد أن أورده من طريق البيهقي: "وهو مرسل، وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل".
(٧) زيادة من جـ.
(٨) صحيح البخاري برقم (٤٩٢٣، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤) وصحيح مسلم برقم (١٦١).
(٩) في أ، و: "وبالله".
(١٠) المسند (٣/٤٥٠) وصحيح البخاري برقم (٥٠٠٦) وبرقم (٤٤٧٤).
(١١) صحيح البخاري برقم (٤٦٤٧، ٤٧٠٣) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٨) وسنن النسائي (٢/١٣٩) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٨٥).
الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الحُرَقي: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ أَخْبَرَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ، قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى يَدِي، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أُنْزِلَ (١) فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ (٢) مِثْلُهَا ". قَالَ أُبَيٌّ: فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي؟ قَالَ: " كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ (٣) الصَّلَاةَ؟ قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى (٤) آخِرِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ " (٥). فَأَبُو سَعِيدٍ هَذَا لَيْسَ بِأَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى، كَمَا اعْتَقَدَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَمَنْ تَبِعَهُ (٦)، فَإِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَهَذَا تَابِعِيٌّ مِنْ مَوَالِي خُزَاعَةَ، وَذَاكَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ أَبُو سَعِيدٍ هَذَا مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عفَّان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ: " يَا أُبَيُّ "، فَالْتَفَتَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ قَالَ: أُبَيُّ، فَخَفِّفْ. ثُمَّ انصرف إلى رسول الل هـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أيْ رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ " [قَالَ] (٧) " مَا مَنَعَكَ أيْ أُبَيُّ إِذْ (٨) دَعَوْتُكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟ ". قَالَ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ، كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: " أَوَلَسْتَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ (٩) ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٤] ". قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَعُودُ، قَالَ: " أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ تُنَزَّلْ لَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ (١٠) مِثْلُهَا؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لِأَرْجُو أَلَّا أَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا " قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي يُحَدِّثُنِي، وَأَنَا أَتَبَطَّأُ (١١)، مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَدِيثَ، فَلِمَا دَنَوْنَا مِنَ الْبَابِ قُلْتُ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي (١٢) قَالَ: " مَا تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ ". قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْقُرْآنِ، قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا؛ إِنَّهَا السَّبْعُ المثاني ".
(١) في أ: "ما نزل".
(٢) في أ: "القرآن".
(٣) في جـ، ط: "فتحت".
(٤) في جـ: "إلى".
(٥) الموطأ (١/٨٣).
(٦) جامع الأصول (٨/٤٦٦).
(٧) زيادة من جـ، والمسند.
(٨) في جـ، ط: "أن".
(٩) في هـ، أ: "أوحي إلي" والمثبت من جـ، ط، و، والمسند.
(١٠) في أ: "القرآن".
(١١) في جـ، أ: "أتباطأ".
(١٢) في جـ: "وعدتني بها".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِي، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ (١) أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ (٢)، وَعِنْدَهُ: إِنَّهَا مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي الْبَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [الْإِمَامِ] (٣) أَحْمَدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي مَعْمَر، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَذَكَرَهُ مُطَوَّلًا بِنَحْوِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ (٤). وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَمَّارٍ حُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي "، هَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، يَعْنِي ابْنَ الْبَرِيدِ (٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وقد أَهَرَاقَ الْمَاءَ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ. قَالَ: فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي، وَأَنَا خَلْفَهُ حَتَّى دَخَلَ رَحْلَهُ، وَدَخَلْتُ أَنَا الْمَسْجِدَ، فَجَلَسْتُ كَئِيبًا حَزِينًا، فَخَرَجَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَطَهَّرَ، فَقَالَ: " عَلَيْكَ (٦) السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " ثُمَّ قَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَابِرٍ بأَخْير سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " اقْرَأِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَتَّى تَخْتِمَهَا " (٧). هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَابْنُ عَقِيلٍ تَحْتَجُّ (٨) بِهِ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ هَذَا هُوَ الصَّحَابِيُّ، ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ هُوَ الْعَبْدِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَيَاضِيُّ، فِيمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ (٩). وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ عَلَى تَفَاضُلِ بَعْضِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا هُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَابْنُ الْحِصَارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّهُ لَا تَفَاضُلَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَلَامُ اللَّهِ، وَلِئَلَّا يُوهِمَ التفضيل نقص
(١) بداية المخطوطة ب.
(٢) المسند (٢/٤١٢، ٤١٣) وسنن الترمذي برقم (٢٨٧٨).
(٣) زيادة من جـ، ط، أ.
(٤) زوائد المسند (٥/١١٤).
(٥) في أ: "اليزيد".
(٦) في جـ، ط: "وعليك".
(٧) المسند (٤/١٧٧).
(٨) في ط: "يحتج".
(٩) وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في كتابه "تعجيل المنفعة" (ص ١٤٥).
الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ فَاضِلًا نَقَلَهُ القُرطُبي عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَأَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانِ الْبَسْتِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ [أَيْضًا] (١).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدِ، بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّب، فَهَلْ مِنْكُمْ (٢) رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رجل ما كنا نَأبِنُه برقية، فرقاه، فبرأ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً، وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ (٣) قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً، أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ قَالَ: لَا مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ، قُلْنَا: لَا تُحَدِّثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ، أَوْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ (٤) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " وَمَا كَانَ يُدْريه أَنَّهَا رُقْيَةٌ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ ".
وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِهَذَا.
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، بِهِ (٥). وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ هُوَ الَّذِي رَقَى ذَلِكَ السَّلِيمَ، يَعْنِي: اللَّدِيغَ يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ، إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَوْقَهُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ، مَا فُتِحَ قَطُّ. قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُوتِيتَهُ. وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ.
وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الحُرَقي (٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا أُمَّ (٧) الْقُرْآنِ فَهِيَ خِداج -ثَلَاثًا-غَيْرُ تَمَامٍ ". فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٢]، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٢) في جـ، ط: "معكم".
(٣) في جـ: "رجعنا".
(٤) في طـ: "النبي".
(٥) صحيح البخاري برقم (٥٠٠٧) وصحيح مسلم برقم (٢٢٠١).
(٦) في "أ": الحرمي".
(٧) في جـ، ط، ب: "بأم".
[الْفَاتِحَةِ: ٣]، قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤]، قَالَ (١) مَجَّدَنِي عَبْدِي " -وَقَالَ مَرَّةً: " فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي -فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٦، ٧]، قَالَ (٢) هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ (٣). وَقَدْ رَوَيَاهُ -أَيْضًا-عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ (٤) وَفِي هَذَا السِّيَاقِ: " فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَلَاءِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْج، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ هَكَذَا (٥).
وَرَوَاهُ -أَيْضًا-مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي السَّائِبِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٦).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَة عَنْهُ فَقَالَ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ، مَنْ قَالَ: عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ (٧).
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مُطَوَّلًا (٨).
قَالَ (٩) ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا عَنْبسة بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُطَرَّف بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلَهُ مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. ثُمَّ قَالَ: هَذَا لِي وَلَهُ مَا بقي " (١٠)
وهذا غريب من هذا الوجه.
(١) في جـ، ط: "قال الله".
(٢) في جـ، ط، ب: "آمين قال".
(٣) صحيح مسلم برقم (٣٩٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠١٣).
(٤) صحيح مسلم برقم (٣٩٥) وسنن النسائي (٢/١٣٥).
(٥) صحيح مسلم برقم (٣٩٥).
(٦) صحيح مسلم برقم (٣٩٥).
(٧) سنن الترمذي برقم (٢٩٥٣).
(٨) لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (١/٢٣٠).
(٩) في جـ، ط، ب: "وقال".
(١٠) تفسير الطبري (١/٢٠١) ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/١٧) من طريق زيد بن الحباب به، وفي إسناده انقطاع، سعد بن إسحاق لم يسمع من جابر، وقد حاول الشيخ أحمد شاكر إثبات اتصاله في حاشيته على الطبري ولكن لا يسلم له بما قال، والله أعلم.
ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ (١) مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ أَطْلَقَ فِيهِ لَفْظَ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ الْقِرَاءَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠]، أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) وَهَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " ثُمَّ بَيَّنَ تَفْصِيلَ هَذِهِ الْقِسْمَةِ فِي قِرَاءَةِ الفاتحة فَدَلَّ عَلَى عِظَمِ (٣) الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ أَرْكَانِهَا، إِذْ أُطْلِقَتِ الْعِبَادَةُ وَأُرِيدَ بِهَا (٤) جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْهَا وَهُوَ الْقِرَاءَةُ؛ كَمَا أَطْلَقَ لَفْظَ الْقِرَاءَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٨]، وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْفَجْرِ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ أَنَّهُ يَشْهَدُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ، فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ اتِّفَاقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ نَذْكُرُهَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، أَمْ تُجْزِئُ هِيَ أَوْ غَيْرُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ، بَلْ مَهْمَا قَرَأَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠]، وَبِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ (٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ " (٦) قَالُوا: فَأَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْفَاتِحَةَ وَلَا غَيْرَهَا، فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، وَهُوَ قَوْلُ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُمْ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، حَيْثُ قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاج " وَالْخِدَاجُ هُوَ: النَّاقِصُ كَمَا فسَّر بِهِ فِي الْحَدِيثِ: " غَيْرُ تَمَامٍ ". وَاحْتَجُّوا -أَيْضًا-بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " (٧). وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ " (٨) وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَوَجْهُ الْمُنَاظَرَةِ هَاهُنَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى مَأْخَذِهِمْ فِي ذَلِكَ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
ثُمَّ إِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي مُعْظَمِ الرَّكَعَاتِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ: إِنَّمَا تجب قراءتها في ركعة واحدة من
(١) في جـ، ط، ب، أ، و: "مما يختص بحكم الفاتحة".
(٢) صحيح البخاري برقم (٧٤٩٠) وصحيح مسلم برقم (٤٤٦).
(٣) في جـ، ط، ب: "عظمة".
(٤) في جـ، ط، ب: "به".
(٥) في جـ، ط: "المسيء في صلاته".
(٦) صحيح البخاري برقم (٧٩٣) وصحيح مسلم برقم (٣٩٧).
(٧) صحيح البخاري برقم (٧٥٦) وصحيح مسلم برقم (٣٩٤).
(٨) صحيح ابن خزيمة برقم (٤٩٠) وصحيح ابن حبان برقم (٤٥٩) "موارد".
الصَّلَوَاتِ، أَخْذًا بِمُطْلَقِ الْحَدِيثِ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ".
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا تَتَعَيَّنُ (١) قِرَاءَتُهَا، بَلْ لَوْ قَرَأَ بِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠]، [كَمَا تَقَدَّمَ] (٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ السَّعْدِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا " (٣). وَفِي صِحَّةِ هَذَا نَظَرٌ، وَمُوَضِّحُ (٤) تَحْرِيرِ هَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هَلْ تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا، كَمَا تَجِبُ عَلَى إِمَامِهِ؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ قِرَاءَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ لَا الْفَاتِحَةُ وَلَا غَيْرُهَا، لَا فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَلَا السِّرِّيَّةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ " وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (٥). وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ وَهَبِ بْنِ كَيْسَان، عَنْ جَابِرٍ مِنْ كَلَامِهِ (٦). وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ، لِمَا (٧) تَقَدَّمَ، وَلَا تَجِبُ (٨) فِي الْجَهْرِيَّةِ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كبَّر فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ (٩).
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ؛ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " (١٠). وَقَدْ صَحَّحَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَيْضًا، فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإمام أحمد بن حنبل (١١).
(١) في جـ، ط: "لا يتعين".
(٢) زيادة من جـ، ط.
(٣) سنن ابن ماجة برقم (٨٣٩) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٩١) :"هذا إسناد ضعيف، أبو سفيان السعدي واسمه طريف بن شهاب، وقيل: ابن سعد، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه". وأبو سفيان قد توبع، تابعه قتادة، فرواه عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" أخرجه أبو داود في السنن برقم (٨١٨).
(٤) في جـ، ط: "وموضع".
(٥) راه أحمد في المسند (٣/٣٣٩) وقد أطنب الإمام الزيلعي في الكلام على طرق هذا الحديث في كتابه "نصب الراية" (٢/٦-١٤) مما أغنى عن ذكره هاهنا.
(٦) راه البيهقي في السنن الكبرى (٢/١٦٠) من طريق مالك، وقال: "هذا هو الصحيح عن جابر من قوله: غير مرفوع".
(٧) في جـ: "كما".
(٨) في جـ، ط، ب: "ولا تجب ذلك".
(٩) صحيح مسلم برقم (٤١٤).
(١٠) سنن أبي داود برقم (٦٠٤) وسنن النسائي (٢/١٤١، ١٤٢) وسنن ابن ماجة برقم (٨٤٦) قال أبو داود: "وهذه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد". وقد صحح هذه الزيادة مسلم في صحيحه، وتعقبه الدارقطني في التتبع (ص ٢٣٩). وانظر جواب أبي مسعود الدمشقي في: حاشية التتبع، وللشيخ ناصر الألباني بحث حول هذه الزيادة في الإرواء (٢/١٢١) وهو حسن.
(١١) في جـ: "أحمد".
وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هَاهُنَا بَيَانُ اخْتِصَاصِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ بِأَحْكَامٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ (١) الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا وَضَعْتَ جَنْبَكَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَقَرَأْتَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْمَوْتَ " (٢)
الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ الِاسْتِعَاذَةِ (٣) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٩٩، ٢٠٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٦ -٩٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤ -٣٦].
فَهَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ لَيْسَ لَهُنَّ رَابِعَةٌ فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِمُصَانَعَةِ الْعَدُوِّ الْإِنْسِيِّ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ عَنْهُ طبعُهُ الطَّيب الْأَصْلِ (٤) إِلَى الْمُوَادَّةِ (٥) وَالْمُصَافَاةِ، وَيَأْمُرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنَ الْعَدُوِّ الشَّيْطَانِيِّ لَا مَحَالَةَ؛ إِذْ لَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلَا إِحْسَانًا وَلَا يَبْتَغِي غَيْرَ هَلَاكِ ابْنِ آدَمَ، لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ آدَمَ مِنْ قَبْلُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٧] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فَاطِرٍ: ٦] وَقَالَ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠]، وَقَدْ أَقْسَمَ لِلْوَالِدِ إِنَّهُ لَمِنَ النَّاصِحِينَ، وَكَذَبَ، فَكَيْفَ مُعَامَلَتُهُ لَنَا وَقَدْ قَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وَقَالَ (٦) تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨، ٩٩]
قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ: نَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى ظَاهِرِ سِيَاقِ الْآيَةِ، وَلِدَفْعِ الْإِعْجَابِ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِبَادَةِ؛ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ حَمْزَةُ فِيمَا ذَكَرَهُ (٧) ابْنُ قَلُوقَا عَنْهُ، وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارة الْهُذَلِيُّ الْمَغْرِبِيُّ فِي كِتَابِ " الْكَامِلِ ".
وَرُوِي عَنْ أبي هريرة -أيضا-وهو غريب.
(١) في جـ: "سعد".
(٢) مسند البزار برقم (٣١٠٩) "كشف الأستار" وفيه غسان بن عبيد، قال ابن عدي: "الضعف على أحاديثه بين".
(٣) في ط، أ: "الكلام على تفسير أحكام الاستعاذة، وفي جـ: "الكلام على تفسيرها".
(٤) في جـ: "الأصيل".
(٥) في جـ، أ، ط: "الموالاة".
(٦) في جـ، ط: "وقال الله".
(٧) في جـ، ط: "فيما نقله".
[وَنَقْلَهُ فَخْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ (١) فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ الظَّاهِرِيِّ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ عَنِ الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ الْقَارِئَ يَتَعَوَّذُ بعد الفاتحة، واستغربه ابن العربي. وحكى قول ثالث وَهُوَ الِاسْتِعَاذَةُ أَوَّلًا وَآخِرًا جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ نَقَلَهُ فَخْرُ الدِّينِ (٢) ] (٣).
وَالْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ فِيهَا، إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُمْ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦] أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ آتَشَ (٤) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ الْيَشْكُرِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَفْتَحَ صَلَاتَهُ وكبَّر قَالَ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ". وَيَقُولُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا (٥) اللَّهُ " ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزه ونَفْخِه ونَفْثه ".
وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الرِّفَاعِيُّ (٦)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ فسَر الْهَمْزَ بِالْمَوْتَةِ وَهِيَ الْخَنْقُ، والنَّفخ بِالْكِبْرِ، وَالنَّفْثَ بِالشِّعْرِ. كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، عَنْ عَاصِمٍ العَنزيّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، ثَلَاثًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، ثَلَاثًا، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ثَلَاثًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنْ هَمْزه ونَفْخه ونفْثه ".
قَالَ عَمْرٌو: وَهَمْزُهُ الْمَوْتَةُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ (٧).
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضيل، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وهَمْزه وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ ".
قَالَ: هَمْزُهُ: الْمَوْتَةُ، ونَفْثُه: الشِّعْرُ، ونفخه: الكِبْر (٨).
(١) في و: "الدينوري".
(٢) تفسير القرطبي (١/٨٨).
(٣) زيادة من ط، أ، و.
(٤) في جميع النسخ والمسند: "أنس" والصواب ما أثبتناه.
(٥) في جـ، ب، و: "ويقول: الله أكبر".
(٦) المسند (٣/٥٠) وسنن أبي داود برقم (٧٧٥) وسنن الترمذي برقم (٢٤٢) وسنن النسائي (٢/١٣٢) وسنن ابن ماجة برقم (٨٠٤).
(٧) سنن أبي داود برقم (٧٦٤) وسنن ابن ماجه برقم (٨٠٧) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٤٣) من طريق شعبة به.
(٨) سنن ابن ماجة برقم (٨٠٨) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٤٧٢) من طريق محمد بن فضيل به، وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٨٥) :"هذا إسناد ضعيف، عطاء بن السائب اختلط بآخره، وسمع منه محمد بن الفضيل بعد الاختلاط".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كبَّر ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ "، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قَالَ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ (١). وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْبَرِيدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: تَلَاحَى رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَمزّع أَنْفُ أَحَدِهِمَا غَضَبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لِأَعْلَمُ شَيْئًا لَوْ قَالَهُ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ".
وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ (٢)، بِهِ (٣).
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ زَائِدَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ -أَيْضًا-مِنْ حَدِيثِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: استَب رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى خُيّل إِلَيَّ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَتَمزّع أَنْفُهُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ مِنَ الْغَضَبِ " قَالَ: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ". قَالَ: فَجَعَلَ مُعَاذٌ يَأْمُرُهُ، فَأَبَى [وَمَحَكَ] (٤)، وَجَعَلَ يَزْدَادُ غَضَبًا. وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ (٥). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُرْسَلٌ، يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَلْقَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ سَنَةِ عِشْرِينَ.
قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كَمَا تَقَدَّمَ وَبَلَّغَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ شَهِدَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَد: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، فَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مغضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لو قالها لذهب عنه ما يجد،
(١) المسند (٥/٢٥٣).
(٢) في أ: "الجعدية".
(٣) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢٣).
(٤) زيادة من جـ، ب، أوأبي داود، وفي أ: و "ومحل".
(٥) المسند (٥/٢٤٤) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٠) وسنن الترمذي برقم (٣٤٥٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢١، ١٠٢٢٢).
لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ (١) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ (٢).
وَقَدْ رَوَاهُ -أَيْضًا-مَعَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ (٣).
وَقَدْ جَاءَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا هَاهُنَا، وَمَوْطِنُهَا كِتَابُ الْأَذْكَارِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوَّلَ مَا نَزَلَ بِالْقُرْآنِ على رسول الله ﷺ أَمَرَهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اسْتَعِذْ. قَالَ: " أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " ثُمَّ قَالَ: قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَهِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِلِسَانِ جِبْرِيلَ (٤). وَهَذَا الْأَثَرُ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْرَفَ، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًا وَانْقِطَاعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ بِمُتَحَتِّمَةٍ يَأْثَمُ تَارِكُهَا، وَحَكَى فَخْرُ الدِّينِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وُجُوبَهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا كُلَّمَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا تَعَوَّذَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ فَقَدْ كَفَى فِي إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ، وَاحْتَجَّ فَخْرُ الدِّينِ لِعَطَاءٍ بِظَاهِرِ الْآيَةِ: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ وَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَبِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا تَدْرَأُ شَرَّ الشَّيْطَانِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ أَحْوَطُ وَهُوَ أَحَدُ مَسَالِكِ الْوُجُوبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ وَاجِبَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أُمَّتِهِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَوَّذُ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَيَتَعَوَّذُ لِقِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: وقال الشافعي في الإملاء، يجهر بالتعوذ، وَإِنْ أَسَرَّ فَلَا يَضُرُّ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ بِالتَّخْيِيرِ لِأَنَّهُ أَسَرَّ ابْنُ عُمَرَ وَجَهَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الرَّكْعَةِ الْأُولَى: هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ فِيهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَرَجَّحَ عَدَمَ الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِذَا قَالَ الْمُسْتَعِيذُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ كَفَى ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَزَادَ (٥) بَعْضُهُمْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ: أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِمُطَابَقَةِ أَمْرِ الْآيَةِ وَلِحَدِيثِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: ثُمَّ الِاسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا هِيَ لِلتِّلَاوَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وقال أبو يوسف:
(١) في جـ، ط: "النبي".
(٢) صحيح البخاري برقم (٦١١٥).
(٣) صحيح مسلم برقم (٢٦١٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢٤، ١٠٢٢٥).
(٤) تفسير الطبري (١/١١٣).
(٥) في أ: "وقرأ".
بَلْ لِلصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَوَّذُ الْمَأْمُومُ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ، وَيَتَعَوَّذُ فِي الْعِيدِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَالْجُمْهُورُ بَعْدَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
وَمِنْ لَطَائِفِ الِاسْتِعَاذَةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَتَطْيِيبٌ لَهُ وَتَهَيُّؤٌ لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَلِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَلَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً، وَلَا يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ فِي ثَلَاثٍ مِنَ الْمَثَانِي، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥]، وَقَدْ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ لِمُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ الْبَشَرِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَشَرِيُّ كَانَ شَهِيدًا، وَمِنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنِيُّ كَانَ طرِيدًا، وَمَنْ غَلَبَهُ الْعَدُوُّ الظَّاهِرُ كَانَ مَأْجُورًا، وَمَنْ قَهَرَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنُ كَانَ مَفْتُونًا أَوْ مَوْزُورًا، وَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ يَرَى الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ بِالَّذِي يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الشيطان.
فصل: والاستعاذة هِيَ الِالْتِجَاءُ إِلَى اللَّهِ وَالِالْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَالْعِيَاذَةُ تَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وَاللِّيَاذُ يَكُونُ لِطَلَبِ جَلْبِ الْخَيْرِ كَمَا قَالَ الْمُتَنَبِّي:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُوَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّنْ أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُوَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ (١)
فَصْلٌ مَعْنَى الِاسْتِعَاذَةِ
وَمَعْنَى أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَيْ: أَسْتَجِيرُ بِجَنَابِ اللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي أَوْ دُنْيَايَ، أَوْ يَصُدَّنِي عَنْ فِعْلِ مَا أُمِرْتُ بِهِ، أَوْ يَحُثَّنِي عَلَى فِعْلِ مَا نُهِيتُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يكفُّه عَنِ الْإِنْسَانِ إِلَّا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُصَانَعَةِ شَيْطَانِ الْإِنْسِ وَمُدَارَاتِهِ (٢) بِإِسْدَاءِ الْجَمِيلِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ طَبْعُهُ عمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَذَى، وَأَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ رَشْوَةً وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ جَمِيلٌ؛ لِأَنَّهُ شِرِّيرٌ بِالطَّبْعِ وَلَا يَكُفُّهُ عَنْكَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَا أَعْلَمُ لَهُنَّ رَابِعَةً، قَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٩٩]، فَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَامَلَةِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْبَشَرِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٠٠]، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ": ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٦ -٩٨]، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " حم السَّجْدَةِ ": ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤ -٣٦].
(١) ذكر البيتين الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١١/٢٧٥) وقال: "وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله- أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله -سبحانه وتعالى- وأخبرني العلامة شمس الدين ابن القيم -رحمه الله- أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع".
(٢) في جـ: "بمداراته".
والشيطان فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَن إِذَا بَعُدَ، فَهُوَ بَعِيدٌ بِطَبْعِهِ عَنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ، وَبَعِيدٌ بِفِسْقِهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ شَاطَ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْعَرَبِ؛ قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي ذِكْرِ مَا أُوتِيَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ (١) السَّلَامُ:
أَيُّمَا شاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُثُمَّ يُلْقى فِي السِّجْن وَالْأَغْلَالِ (٢)
فَقَالَ: أَيُّمَا شَاطِنٍ، وَلَمْ يَقُلْ: أَيُّمَا شَائِطٍ.
وَقَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ -وَهُوَ: زِيَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ ضَبَابِ بْنِ يَرْبُوعَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيان-:
نَأَتْ بِسُعَادٍ عَنْكَ نَوًى شَطُونُفَبَانَتْ والفؤادُ بِهَا رَهِينُ (٣)
يَقُولُ: بَعُدَتْ بِهَا طَرِيقٌ بَعِيدَةٌ.
[وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْعَرَبُ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فُلَانٌ إِذَا فَعَل فِعْل الشَّيْطَانِ وَلَوْ كَانَ مِنْ شَاطَ لَقَالُوا: تَشَيَّطَ] (٤). وَالشَّيْطَانُ (٥) مُشْتَقٌّ مِنَ الْبُعْدِ عَلَى (٦) الصَّحِيحِ؛ وَلِهَذَا يُسَمُّونَ كُلَّ مَا (٧) تَمَرَّدَ مِنْ جِنِّيٍّ وَإِنْسِيٍّ وَحَيَوَانٍ شَيْطَانًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٢]. وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ "، فقلت: أو للإنس شَيَاطِينُ؟ قَالَ: " نَعَمْ " (٨). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -أَيْضًا-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ (٩) فَقَالَ: " الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ " (١٠). وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَكِبَ برْذونًا، فَجَعَلَ يتبخْتر به، فجعل لا يَضْرِبُهُ فَلَا يَزْدَادُ إِلَّا تَبَخْتُرًا، فَنَزَلَ عَنْهُ، وَقَالَ: مَا حَمَلْتُمُونِي (١١) إِلَّا عَلَى شَيْطَانٍ، مَا نَزَلْتُ عَنْهُ حَتَّى أَنْكَرْتُ نَفْسِي. إِسْنَادُهُ (١٢) صَحِيحٌ (١٣).
(١) في جـ، ب: "عليه الصلاة والسلام".
(٢) البيت في تفسير الطبري (١/١١٢) واللسان، مادة "عكا" ومادة "شطن".
(٣) البيت في تفسير الطبري (١/١١٢).
(٤) زيادة من جـ، ط.
(٥) في جـ، ط، ب: "فالشيطان".
(٦) في جـ، ط: "وهو".
(٧) في جـ، ط، ب: "من".
(٨) المسند (٥/١٧٨).
(٩) في جـ، ط، ب، أ، و: "من الأصفر".
(١٠) رواه الطبري في تفسيره (١/١١١).
(١١) في ب: "ما حملتمون".
(١٢) في ط، ب، أ، و: "إسناد".
(١٣) رواه الطبري في تفسيره (١/١١١).
والرّجيم: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ: أَنَّهُ مَرْجُومٌ مَطْرُودٌ عَنِ الْخَيْرِ كُلِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الْمُلْكِ: ٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٦ -١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الْحِجْرِ: ١٦ -١٨]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
[وَقِيلَ: رَجِيمٌ بِمَعْنَى رَاجِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْجُمُ النَّاسَ بِالْوَسَاوِسِ وَالرَّبَائِثِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ] (١).
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾.
افْتَتَحَ بِهَا الصحابةُ كِتَابَ اللَّهِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سورَة النَّمْلِ، ثمّ اختلفوا: هل هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أَوْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِي أَوَّلِهَا، أَوْ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أَوْ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا، أَوْ أَنَّهَا [إِنَّمَا] (٢) كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ، لَا أَنَّهَا (٣) آيَةٌ؟ عَلَى أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَيْضًا (٤)، وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير. وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَّهَا آيَةً، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ هَارُونَ الْبَلْخِيِّ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة، عَنْهَا (٥). وَرَوَى لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُتَابِعًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (٦). وَرَوَى مِثْلَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا (٧). وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا بَرَاءَةٌ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَلِيٌّ. وَمِنَ التَّابِعِينَ: عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَبِهِ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهوَيه، وَأَبُو عُبَيْدٍ القاسم بن سلام، رحمهم الله.
(١) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٢) زيادة من جـ، ط، ب.
(٣) في أ: "لأنها".
(٤) سنن أبي داود برقم (٧٨٨) والمستدرك (١/١٣١) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه.
(٥) صحيح ابن خزيمة برقم (٤٩٣).
(٦) سنن الدارقطني (١/٣٠٩، ٣١٠) من ثلاث طرق كلها معلولة.
(٧) سنن الدارقطني (١/٣٠٢) عن علي بن أبي طالب، وطرق كلها ضعيفة، و (١/٣٠٣) عن ابن عباس من طريقين ضعيفين، وسيأتي كلام العلماء على الجهر بالبسملة وهذا مفرع عليه.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا: لَيْسَتْ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، فِي بَعْضِ طُرُقِ مَذْهَبِهِ: هِيَ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ غَيْرِهَا، وَعَنْهُ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وَهُمَا غَرِيبَانِ.
وَقَالَ دَاوُدُ: هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا مِنْهَا، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَهُمَا مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ (١). هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا. فأمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بالجهر بها، فَمُفَرَّعٌ عَلَى هَذَا؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَلَا يَجْهَرُ بِهَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ (٢) أَوَّلِهَا، وأمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ فَاخْتَلَفُوا؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَوَائِفٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ سَلَفًا وَخَلَفًا (٣)، فَجَهَرَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمة، وَأَبِي قِلابة، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَالِمٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ المنْكَدِر، وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبَدِ الْعَزِيزِ، وَالْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَمَكْحُولٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِل بْنِ مُقَرِّن. زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صفوان، ومحمد بن الْحَنَفِيَّةِ. زَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ.
والحُجَّة فِي ذَلِكَ أَنَّهَا بَعْضُ الْفَاتِحَةِ، فَيُجْهَرُ بِهَا كَسَائِرِ أَبْعَاضِهَا، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى فَجَهَرَ فِي قِرَاءَتِهِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَقَالَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ (٤).
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ (٥).
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ (٦) وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سئل عن قراءة
(١) ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل في هذه المسألة، فراجعه في: الفتاوى (٢٢/٤٣٨-٤٤٣).
(٢) في جـ، ط، ب: "في".
(٣) في جـ، ط، ب، أ، و: "خلفا وسلفا".
(٤) سنن النسائي (٢/١٣٤) وصحيح ابن خزيمة برقم (٤٩٩) وصحيح ابن حبان برقم (٤٥٠) "موارد" والمستدرك (١/٢٣٢).
(٥) سنن الترمذي برقم (٢٤٥).
(٦) المستدرك (١/٢٠٨) وفي إسناده عبد الله بن عمرو بن حسان، كذبه الدارقطني، وقال علي بن المديني: يضع الحديث؛ لذلك تعقب الذهبي الحاكم على تصحيحه فقال: "ابن كيسان كذبه غير واحد، ومثل هذا لا يخفى على المصنف" - أي الحاكم.
رسول الله ﷺ فقال: كَانَتْ قِرَاءَتُهُ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ الرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ الرَّحِيمِ (١).
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ (٢) : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقطع قراءته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (٣).
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ، فَتَرَكَ الْبَسْمَلَةَ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ بَسْمَلَ (٤).
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَالْآثَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ فِي الِاحْتِجَاجِ لِهَذَا الْقَوْلِ عَمَّا عَدَاهَا، فَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ وَالرِّوَايَاتُ الْغَرِيبَةُ، وَتَطْرِيقُهَا، وَتَعْلِيلُهَا وَتَضْعِيفُهَا، وَتَقْرِيرُهَا، فَلَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَطَوَائِفٍ مِنْ سَلَفِ التَّابِعِينَ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا جَهْرًا وَلَا سِرًّا، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، والقراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٥). وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَلِمُسْلِمٍ: لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا (٦). وَنَحْوَهُ فِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٧).
فَهَذِهِ مَآخِذُ الْأَئِمَّةِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ جَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ وَمَنْ أَسَرَّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ (٨).
فَصْلٌ فِي فَضْلِها
قَالَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْحَبْرُ الْعَابِدُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رحمه الله، في تفسيره:
(١) صحيح البخاري برقم (٥٠٤٦).
(٢) في جـ، ط، ب: "أنها قالت".
(٣) المسند (٦/٣٠٢) وسنن أبي داود برقم (١٤٦٦) والمستدرك (٢/١٣١).
(٤) المستدرك (١/٢٣٣).
(٥) صحيح مسلم برقم (٤٩٨).
(٦) صحيح البخاري برقم (٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٩٩).
(٧) سنن الترمذي برقم (٢٤٤) وسنن النسائي (٢/١٣٥) وسنن ابن ماجة برقم (١٨٥).
(٨) لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام متين في هذه المسألة راجعه في: الفتاوى (٢٢/٤١٠-٤٣٧) ؟ وانظر الكلام على أحاديث الباب موسعا في: نصب الراية للزيلعي (١/٣٢٣-٣٦٢).
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ وَهْبٍ الجَنَديّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ: "هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ، إِلَّا كَمَا بَيْنَ سَوَادِ الْعَيْنَيْنِ وَبَيَاضِهِمَا (١) مِنَ الْقُرْبِ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ (٢).
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مِسْعَر، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إِلَى الكتَّاب لِيُعَلِّمَهُ، فَقَالَ الْمُعَلِّمُ: اكتب، قال (٣) ما أكتب؟ قال: بسم اللَّهِ، قَالَ لَهُ عِيسَى: وَمَا بِاسْمِ اللَّهِ؟ قَالَ الْمُعَلِّمُ: مَا أَدْرِي (٤). قَالَ لَهُ عِيسَى: الْبَاءُ بَهاءُ اللَّهِ، وَالسِّينُ سَنَاؤُهُ، وَالْمِيمُ مَمْلَكَتُهُ، وَاللَّهُ إِلَهُ الْآلِهَةِ، وَالرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالرَّحِيمُ رَحِيمُ الْآخِرَةِ".
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الْمُلَقَّبِ: زِبْرِيق، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكة، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَهُ (٥). وَهَذَا غَرِيبٌ جَدًّا، وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا إِلَى مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ لَا مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى جُوَيبر (٦)، عَنِ الضحَّاك، نَحْوَهُ مِنْ قِبَلِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُويه، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي (٧) أُمَيَّةَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٨) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى نَبِيٍّ غَيْرِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَغَيْرِي، وَهِيَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٩).
وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْكَبِيرِ (١٠) بْنِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هَرَبَ الْغَيْمُ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَسَكَنَتِ الرِّيَاحُ، وَهَاجَ الْبَحْرُ، وَأَصْغَتِ الْبَهَائِمُ بِآذَانِهَا، ورُجِمت الشياطين من السماء،
(١) في جـ: "سواد العين وبياضها".
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١/١٢) ورواه الخطيب في تاريخه (٧/٣١٣)، والحاكم في المستدرك (١/٥٥٢) من طريق زيد بن المبارك به. وقال الذهبي في ترجمة سلام بن وهب في الميزان (٢/١٨٢) :"أتى بخبر منكر، بل كذب" ثم ساق هذا الخبر.
(٣) في جـ: "فقال".
(٤) في جـ: "لا أدري".
(٥) تفسير الطبري (١/١٢١) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٠٣) بمثل طريق الطبري وقال: "هذا حديث باطل الإسناد لا يرويه غير إسماعيل" أ. هـ. وانظر: حاشية الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري.
(٦) في جـ: "جبير".
(٧) في جـ: "بن".
(٨) في جـ: "النبي".
(٩) ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق عبد الكريم بن أبي أمية، عن ابن بريدة، عن أبيه به مرفوعا، ورواه الدارقطني في السنن (١/٣١٠) من طريق عبد الكريم بن أبي أمية به، قال الحافظ ابن كثير: "هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف" وسيأتي عند تفسير الآية: ٣٠ من سورة النمل.
(١٠) في هـ: "عبد الكريم" والتصويب من جـ، ط، ب، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
وَحَلَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ (١) أَلَّا يُسَمَّى اسْمُهُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بَارَكَ فِيهِ (٢).
[وَقَالَ وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنَ الزَّبَانِيَةِ التِّسْعَةَ عَشَرَ فَلْيَقْرَأْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لِيَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا جُنَّةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ (٣) وَوَجَّهَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَنَصَرَهُ بِحَدِيثِ: "فَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا" (٤) لِقَوْلِ الرَّجُلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا وَغَيْرُ ذَلِكَ] (٥).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَدِيفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عَثَرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: تَعِس الشَّيْطَانُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ. فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ تَعَاظَمَ، وَقَالَ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، وَإِذَا قُلْتَ: بِاسْمِ اللَّهِ، تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ".
هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (٦) وَقَدْ رَوَى (٧) النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ مَرْدُويه فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ هُوَ الْهُجَيْمِيُّ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ: "لَا تَقُلْ هَكَذَا، فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَكُونَ كَالْبَيْتِ، وَلَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَصْغُرُ حَتَّى يَكُونَ كَالذُّبَابَةِ" (٨). فَهَذَا مِنْ تَأْثِيرِ بَرَكَةِ بِسْمِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا تُسْتَحَبُّ فِي أوّل كل عمل وَقَوْلٍ. فَتُسْتَحَبُّ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ لِمَا جَاءَ: "كُلُّ أَمْرٍ (٩) لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَهُوَ أَجْذَمُ" (١٠)، [وَتُسْتَحَبُّ الْبَسْمَلَةُ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ وَلِمَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ (١١) ] (١٢)، وَتُسْتَحَبُّ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ لِمَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالسُّنَنِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ مرفوعًا: "لا وضوء لمن لم
(١) في جـ: "وبجلاله".
(٢) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/٢٦) للثعلبي في تفسيره.
(٣) المحرر الوجيز لابن عطية (١/٥٤).
(٤) الحديث رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٩٩) من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه.
(٥) زيادة من ط، ب، أ، و.
(٦) المسند (٥/٥٩).
(٧) في جـ، ط، ب،: "رواه".
(٨) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٣٨٩) ورواه من طريق ابن المبارك عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النسائي: "وهو الصواب".
(٩) في و.: "خطبة".
(١٠) رواه بهذا اللفظ الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/١٢٨) من طريق مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، وللشيخ أحمد الغماري رسالة سماها: "الاستعاذة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة" بيَّن فيها ضعف هذا الحديث، بعد أن جمع طرقه، وهي رسالة قيمة فلتراجع.
(١١) جاء من حديث علي، وأنس، رضي الله عنهما، أما حديث علي، فقد رواه الترمذي في السنن برقم (٦٠٦) من طريق خلاد الصفار عن الحكم، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن علي، رضي الله عنه، مرفوعا بلفظ: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله". وأما حديث أنس، فيرويه العمري عن عبد العزيز بن المختار بن صهيب عن أنس مرفوعا بلفظ: "إذا دخلتم الخلاء فقولوا:: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث" والحديث في الصحيحين من دون هذه الزيادة.
(١٢) زيادة من جـ، ط، أ، و.
يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ" (١)، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَهَا عِنْدَ الذِّكْرِ هَاهُنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا مُطْلَقًا، وَكَذَا تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَأَوْجَبَهَا آخَرُونَ عِنْدَ الذِّكْرِ، وَمُطْلَقًا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي فَضْلِ الْبَسْمَلَةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا أَتَيْتَ أَهْلَكَ فَسَمِّ اللَّهَ؛ فَإِنَّهُ إِنْ وُلِدَ لَكَ وَلَدٌ كُتِبَ لَكَ بِعَدَدِ أَنْفَاسِهِ وَأَنْفَاسِ ذُرِّيَّتِهِ حَسَنَاتٌ" وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا رَأَيْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا وَلَا غَيْرِهَا.
وَهَكَذَا تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْأَكْلِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَبِيبِهِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: "قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" (٢). وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَكَذَلِكَ تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجِمَاعِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا" (٣).
وَمِنْ هَاهُنَا يَنْكَشِفُ لَكَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ النُّحَاةِ فِي تَقْدِيرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِكَ: بِاسْمِ اللَّهِ، هَلْ هُوَ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ مُتَقَارِبَانِ وَكُلٌّ قَدْ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ؛ أَمَّا مَنْ قَدَّرَهُ بِاسْمٍ، تَقْدِيرُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ ابْتِدَائِي، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هُودٍ: ٤١]، وَمَنْ قَدَّرَهُ بِالْفِعْلِ [أَمْرًا وَخَبَرًا نَحْوَ: أبدَأ بِبِسْمِ اللَّهِ أَوِ ابْتَدَأْتُ بِبِسْمِ اللَّهِ] (٤)، فَلِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الْعَلَقِ: ١] وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْفِعْلَ لَا بُدّ لَهُ مِنْ مَصْدَرٍ، فَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَ الْفِعْلَ وَمَصْدَرَهُ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْفِعْلِ الَّذِي سَمَّيْتَ قَبْلَهُ، إِنْ كَانَ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا أَوْ قِرَاءَةً أَوْ وُضُوءًا أَوْ صَلَاةً، فَالْمَشْرُوعُ ذِكْرُ [اسْمِ] (٥) اللَّهِ فِي الشُّرُوعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا وَاسْتِعَانَةً عَلَى الْإِتْمَامِ وَالتَّقَبُّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ وَلِهَذَا رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ عُمَارة، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ (٦) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَا مُحَمَّدُ قُلْ: أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَالَ: قُلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، يَقُولُ: اقْرَأْ بِذِكْرِ اللَّهِ رَبِّكَ، وَقُمْ، وَاقْعُدْ بِذِكْرِ اللَّهِ. [هَذَا] (٧) لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ (٨).
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الِاسْمِ: هَلْ هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرُهُ؟ فَفِيهَا لِلنَّاسِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
[أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسِيبَوَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ وَابْنُ فُورَكٍ، وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ -وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ خَطِيبِ الرَّيِّ-فِي مُقَدِّمَاتِ تفسيره:
(١) أما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في المسند (٢/٤١٨) وأبو داود في السنن برقم (١٠١) وابن ماجة في السنن برقم (٣٩٩)، وأما حديث سعيد بن زيد، فرواه الترمذي في السنن برقم (٢٥)، وأما حديث أبي سعيد، فرواه أحمد في المسند (٣/٤١) وابن ماجة في السنن برقم (٣٩٧).
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٠٢٢) وهو في صحيح البخاري برقم (٥٣٧٦).
(٣) صحيح البخاري برقم (١٤١) وصحيح مسلم برقم (١٤٣٤).
(٤) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٥) زيادة من جـ، ط، ب.
(٦) في جـ: "على رسوله".
(٧) زيادة من جـ.
(٨) تفسير الطبري (١/١١٧) وفي إسناده ضعف وانقطاع تقدم بيانه.
قَالَتِ الْحَشَوِيَّةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ: الِاسْمُ نَفْسُ الْمُسَمَّى وَغَيْرُ التَّسْمِيَةِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى وَنَفْسُ التَّسْمِيَةِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا: أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى وَغَيْرُ التَّسْمِيَةِ، ثُمَّ نَقُولُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي هُوَ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ وَحُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، فَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ ذَاتُ الْمُسَمَّى، فَهَذَا يَكُونُ مِنْ بَابِ إِيضَاحِ الْوَاضِحَاتِ وَهُوَ عَبَثٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخَوْضَ فِي هَذَا الْبَحْثِ عَلَى جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ يَجْرِي مَجْرَى الْعَبَثِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَسْتَدِلُّ عَلَى مُغَايَرَةِ الِاسْمِ لِلْمُسَمَّى، بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الِاسْمُ مَوْجُودًا وَالْمُسَمَّى مَفْقُودًا كَلَفْظَةِ الْمَعْدُومِ، وَبِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلشَّيْءِ أَسْمَاءٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالْمُتَرَادِفَةِ وَقَدْ يَكُونُ الِاسْمُ وَاحِدًا وَالْمُسَمَّيَاتُ مُتَعَدِّدَةٌ كَالْمُشْتَرَكِ، وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى تَغَايُرِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، وَأَيْضًا فَالِاسْمُ لَفْظٌ وَهُوَ عَرَضٌ وَالْمُسَمَّى قَدْ يَكُونُ ذَاتًا مُمْكِنَةً أَوْ وَاجِبَةً بِذَاتِهَا، وَأَيْضًا فَلَفْظُ النَّارِ وَالثَّلْجِ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُسَمَّى لَوَجَدَ اللَّافِظُ بِذَلِكَ حَرَّ النَّارِ أَوْ بَرْدَ الثَّلْجِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وللهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٠]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا" (١)، فَهَذِهِ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وللهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أَضَافَهَا إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٧٤، ٩٦] وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَقَوْلُهُ: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أَيْ: فَادْعُوا اللَّهَ بِأَسْمَائِهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٧٨] وَالْمُتَبَارِكُ هُوَ اللَّهُ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاسْمَ مُعَظَّمٌ لِتَعْظِيمِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَيْضًا فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، يَعْنِي امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ، وَلَوْ كَانَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى لَمَا وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الذَّاتَ الْمُسَمَّاةَ بِهَذَا الِاسْمِ طَالِقٌ. قَالَ الرَّازِيُّ: وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَإِنَّهَا جَعْلُ الِاسْمِ مُعَيَّنًا لِهَذِهِ الذَّاتِ فَهِيَ غَيْرُ الِاسْمِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ] (٢).
﴿اللَّهِ﴾ عَلَمٌ عَلَى الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يُقَالُ: إِنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٢ -٢٤]، فَأَجْرَى الْأَسْمَاءَ الْبَاقِيَةَ كلها صفات لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وللهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٣)، وجاء تعدادها في رواية الترمذي، [وابن
(١) سيأتي تخريجه في التخريج التالي.
(٢) زيادة من ط، أ، و.
(٣) صحيح البخاري برقم (٧٣٩٢) وصحيح مسلم برقم (٢٦٧٧).
مَاجَهْ (١) وَبَيْنَ (٢) الرِّوَايَتَيْنِ اخْتِلَافُ زِيَادَاتٍ وَنُقْصَانٍ، وَقَدْ ذَكَرَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ لِلَّهِ خَمْسَةَ آلَافِ اسْمٍ: أَلْفٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَأَلْفٌ فِي التَّوْرَاةِ، وَأَلْفٌ فِي الْإِنْجِيلِ، وَأَلْفٌ فِي الزَّبُورِ، وَأَلْفٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ] (٣).
وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَهُ اشْتِقَاقٌ مِنْ فَعَلَ وَيَفْعَلُ، فَذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ النُّحَاةِ إِلَى أَنَّهُ اسْمٌ جَامِدٌ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ. وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِيهِ لَازِمَةٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: يَا اللَّهُ، وَلَا تَقُولُ: يَا الرَّحْمَنُ، فَلَوْلَا أَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْكَلِمَةِ لَمَا جَازَ إِدْخَالُ حَرْفِ النِّدَاءِ عَلَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ (٤). وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ رؤْبَة بْنِ العَجّاج:
لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ المُدّهسَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي (٥)
فَقَدْ صَرَّحَ الشَّاعِرُ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ التَّأَلُّهُ، مِنْ أَلِهَ يَأْلَهُ إِلَاهَةً وَتَأَلُّهًا، كَمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ: "وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَك" قَالَ: عِبَادَتَكَ، أَيْ: أَنَّهُ كَانَ يُعْبَد وَلَا يَعْبُد، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى كَوْنِهِ مُشْتَقًّا بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣] أَيْ: الْمَعْبُودُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٤]، وَنَقْلَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الْخَلِيلِ: أَنَّ أَصْلَهُ: إِلَاهٌ، مِثْلُ فِعَالٍ، فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلًا مِنَ الْهَمْزَةِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: مِثْلُ النَّاسِ، أَصْلُهُ: أُنَاسٌ، وَقِيلَ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ: لَاهَ، فَدَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْظِيمِ وَهَذَا اخْتِيَارُ سِيبَوَيْهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
لَاهِ ابْنِ عَمِّكَ لَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍعَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي (٦)
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: فَتَسُوسُنِي، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ: الْإِلَهُ حَذَفُوا الْهَمْزَةَ وَأَدْغَمُوا اللَّامَ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الْكَهْفِ: ٣٨] أَيْ: لَكِنَّ أَنَا، وَقَدْ قَرَأَهَا كَذَلِكَ الْحَسَنُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ وَلِهَ: إِذَا تَحَيَّرَ، وَالْوَلَهُ ذَهَابُ الْعَقْلِ؛ يُقَالُ: رَجُلٌ وَالِهٌ، وَامْرَأَةٌ وَلْهَى، وَمَاءٌ مُولَهٌ: إِذَا أُرْسِلَ فِي الصَّحَارِي، فَاللَّهُ تَعَالَى تَتَحَيَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ وَالْفِكْرِ فِي حَقَائِقِ صِفَاتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَصْلُهُ: وَلَّاهُ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، كَمَا قَالُوا فِي وِشَاحٍ: أَشَاحُ، وَوِسَادَةٍ: أَسَادَةٌ، وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلِهْتُ إِلَى فُلَانٍ، أَيْ: سَكَنْتُ إِلَيْهِ، فَالْعُقُولُ لَا تَسْكُنُ إِلَّا إِلَى ذِكْرِهِ، وَالْأَرْوَاحُ لَا تَفْرَحُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّهُ الْكَامِلُ عَلَى الإطلاق دون
(١) سنن الترمذي برقم (٣٥٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٦١) ورواية الترمذي متكلم فيها.
(٢) في و: "وفي".
(٣) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٤) تفسير القرطبي (١/١٠٣).
(٥) البيت في اللسان، مادة "مده" وفي تفسير الطبري (١/١٢٣).
(٦) البيت لذي الإصبع العدواني، وهو من شواهد ابن عقيل برقم (٢٠٨) على شرح الألفية، ولسان العرب مادة "لاه".
غَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] قَالَ: وَقِيلَ: مِنْ لَاهَ يَلُوهُ: إِذَا احْتَجَبَ. وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلِهَ الْفَصِيلُ، إِذْ وَلِعَ بِأُمِّهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعِبَادَ مَأْلُوهُونَ مُولَعُونَ بِالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، قَالَ: وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ أَلِهَ الرَّجُلُ يَأْلُهُ: إِذَا فَزِعَ مِنْ أَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَأَلَّهَهُ، أَيْ: أَجَارَهُ، فَالْمُجِيرُ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ مِنْ كُلِّ الْمَضَارِّ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٨٨]، وَهُوَ الْمُنْعِمُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ٥٣] وَهُوَ الْمُطْعِمُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤] وَهُوَ الْمُوجِدُ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨].
وَقَدِ اخْتَارَ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ غَيْرُ مُشْتَقٍّ الْبَتَّةَ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا لَاشْتَرَكَ فِي مَعْنَاهُ كَثِيرُونَ، وَمِنْهَا: أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَسْمَاءِ تُذْكَرُ صفات لَهُ، فَتَقُولُ: اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ، قَالَ: فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ﴾ [إِبْرَاهِيمِ: ١، ٢] عَلَى قِرَاءَةِ الْجَرِّ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْبَيَانِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٥]، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ عَلَى كَوْنِ هَذَا الِاسْمَ جَامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى فَخْرُ الدِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عِبْرَانِيٌّ لَا عَرَبِيٌّ، ثُمَّ ضَعَّفَهُ، وَهُوَ حَقِيقٌ بِالتَّضْعِيفِ كَمَا قَالَ، وَقَدْ حَكَى فَخْرُ الدِّينِ هَذَا الْقَوْلَ ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ قِسْمَانِ: وَاصِلُونَ إِلَى سَاحِلِ بَحْرِ الْمَعْرِفَةِ، وَمَحْرُومُونَ قَدْ بَقُوا فِي ظُلُمَاتِ الْحَيْرَةِ وَتِيهِ الْجَهَالَةِ؛ فَكَأَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا عُقُولَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ، وَأَمَّا الْوَاجِدُونَ فَقَدْ وَصَلُوا إِلَى عَرْصَةِ النُّورِ وَفُسْحَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ، فَتَاهُوا فِي مَيَادِينِ الصَّمَدِيَّةِ، وَبَادُوا فِي عَرْصَةِ الْفَرْدَانِيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهَمْ وَالِهُونَ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ الْخَلْقَ يَأْلَهُونَ إِلَيْهِ بِنَصْبِ اللَّامِ وَجَرِّهَا لُغَتَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِارْتِفَاعِ، فَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ: لَاهَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ: لَاهَتْ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ الْإِلَهُ، فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي هِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، فَالْتَقَتِ اللَّامُ الَّتِي هِيَ عَيْنُهَا مَعَ اللَّامِ الزَّائِدَةِ فِي أَوَّلِهَا لِلتَّعْرِيفِ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، فَصَارَتَا فِي اللَّفْظِ لَامًا وَاحِدَةً مُشَدَّدَةً، وَفُخِّمَتْ تَعْظِيمًا، فَقِيلَ: اللَّهُ.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ، وَرَحْمَنُ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ رَحِيمٍ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ مَا يُفْهِم حِكَايَةَ الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذَا، وَفِي تَفْسِيرِ بَعْضِ السَّلَفِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَثَرِ، عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: وَالرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالرَّحِيمُ رَحِيمُ الْآخِرَةِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاتَّصَلَ بِذِكْرِ الْمَرْحُومِ وَقَدْ قَالَ: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٣]، وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي الزَّاهِرِ عَنِ الْمُبَرِّدِ: أَنَّ الرَّحْمَنَ اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: الرَّحِيمُ عَرَبِيٌّ، وَالرَّحْمَنُ عِبْرَانِيٌّ، فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ (١). وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ" (٢). قَالَ: وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاشْتِقَاقِ فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ وَالشِّقَاقِ.
قَالَ: وَإِنْكَارُ الْعَرَبِ لِاسْمِ الرَّحْمَنِ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَبِمَا وَجَبَ لَهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَنَدْمَانَ وَنَدِيمٍ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِنَاءُ فَعْلَانَ كَفَعِيلٍ، فَإِنَّ فَعْلَانَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى مُبَالَغَةِ الْفِعْلِ نَحْوَ قَوْلِكَ: رَجُلٌ غَضْبَانُ، وَفَعِيلٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَالرَّحِيمُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٣]، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ، أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ، أَيْ أَكْثَرُ رَحْمَةً، ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمُ اسْتَشْكَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ، وَقَالُوا: لَعَلَّهُ أَرْفَقُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ وَإِنَّهُ يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ" (٣). وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الرَّحْمَنُ إِذَا سُئِلَ أَعْطَى، وَالرَّحِيمُ إِذَا لَمَّ يُسْأَلْ يَغْضَبُ، وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ الْفَارِسِيِّ الْخُوزِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ" (٤)، وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
لَا تَطْلُبَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةًوَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُغْلَقُ (٥)
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُوَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يسأل يغضب
(١) في أ: "فيه".
(٢) سنن الترمذي برقم (١٩٠٧) من طريق سفيان عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، وقال الترمذي: "حديث سفيان عن الزهري حديث ضعيف".
(٣) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٩٣) من حديث عائشة، رضي الله عنها، ورواه أبو داود في السنن برقم (٤٨٠٧) من حديث عبد الله بن مغفل، رضي الله عنه.
(٤) سنن الترمذي برقم (٣٣٧٣) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٢٧). وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/٩٥) :"وهذا الخوزي -أي أبو صالح- مختلف فيه، ضعفه ابن معين، وقواه ابن معين، وظن الحافظ ابن كثير أنه أبو صالح السمان فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه، وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزي في الأطراف بما قلته". قلت: قد رأيت أن الحافظ هنا بين أنه الخوزي الفارسي، فأظن أن ما وقع منه إنما هو وهم.
(٥) ذكره القرطبي في التفسير (١/١٠٦) غير منسوب.
قَالَ (١) ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زُفَر، سَمِعْتُ العَرْزَميّ يَقُولُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، قَالَ: الرَّحْمَنُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، الرَّحِيمُ، قَالَ: بِالْمُؤْمِنِينَ. قَالُوا: وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٥٩] وَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَذَكَرَ الِاسْتِوَاءَ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنِ لِيَعُمَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِرَحْمَتِهِ، وَقَالَ: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٣] فَخَصَّهُمْ بِاسْمِهِ الرَّحِيمِ، قَالُوا: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَنَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الرَّحْمَةِ لِعُمُومِهَا فِي الدَّارَيْنِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَالرَّحِيمُ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، لَكِنْ جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا.
وَاسْمُهُ تَعَالَى الرَّحْمَنُ خَاصٌّ بِهِ لَمْ يُسم بِهِ غَيْرُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وَلَمَّا تَجَهْرَمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ وَتَسَمَّى بِرَحْمَنِ الْيَمَامَةِ كَسَاهُ اللَّهُ جِلْبَابَ الْكَذِبِ وَشُهِرَ بِهِ؛ فَلَا يُقَالُ إِلَّا مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، فَصَارَ يُضرب بِهِ الْمَثَلُ فِي الْكَذِبِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَضَرِ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ، وَأَهْلِ الْوَبَرِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْأَعْرَابِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرَّحِيمَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنَ الرَّحْمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَكَّدَ بِهِ، وَالتَّأْكِيدُ (٢) لَا يَكُونُ إِلَّا أَقْوَى مِنَ المؤكَّد، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ (٣)، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ النَّعْتِ [بَعْدَ النَّعْتِ] (٤) وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ مَا ذَكَرُوهُ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ تَقْدِيرَ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَوَصْفَهُ أَوَّلًا بِالرَّحْمَنِ الَّذِي مَنَعَ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهِ لِغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠]. وَإِنَّمَا تَجَهْرَمَ مُسَيْلِمَةُ الْيَمَامَةِ فِي التَّسَمِّي بِهِ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الضَّلَالَةِ. وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَإِنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ بِهِ غَيْرَهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] كَمَا وَصَفَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٢].
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، كَاسْمِ اللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالْخَالِقِ وَالرَّزَّاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَلِهَذَا بَدَأَ بِاسْمِ اللَّهِ، وَوَصَفَهُ بِالرَّحْمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ وَأَعْرَفُ مِنَ الرَّحِيمِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ أَوَّلًا إِنَّمَا تَكُونُ بِأَشْرَفِ (٥) الْأَسْمَاءِ، فَلِهَذَا ابْتَدَأَ بِالْأَخَصِّ فَالْأَخَصِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الرَّحْمَنُ أَشَدُّ مُبَالَغَةً؛ فَهَلَّا اكْتُفِيَ بِهِ عَنِ الرَّحِيمِ؟ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَمَّا تَسَمَّى غَيْرُهُ تَعَالَى بِالرَّحْمَنِ، جِيءَ بِلَفْظِ الرَّحِيمِ لِيَقْطَعَ التَّوَهُّمَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ. وَوَجَّهَهُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، حَتَّى رَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَلي: "اكْتُبْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، فَقَالُوا: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ وَلَا الرَّحِيمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦)، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠].
(١) في جـ، ط، ب: "وقال".
(٢) في جـ، ط: "والمؤكد".
(٣) في جـ، ط، ب: "التأكيد".
(٤) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٥) في جـ، ط، ب: "بأشهر".
(٦) صحيح البخاري برقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
تفسير الفاتحة وهي مكية
{ ١ - ٧ } ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أي : أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ ﴿اسم﴾ مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء [ الحسنى ]. ﴿اللَّهِ﴾ هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم(١)  نصيب منها.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات.
فيؤمنون مثلا، بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم : إنه عليم ذو علم، يعلم [ به ] كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء.
١ - في ب: فله..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٧} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾.
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ ﴿اسم﴾ مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء [الحسنى]. ﴿اللَّهِ﴾ هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم (١) نصيب منها.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات.
فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم [به] كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [هو] الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب، هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى.
وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
فدل قوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على انفراده بالخلق والتدبير، والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأضاف الملك ليوم الدين، وهو يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها، لأن في ذلك اليوم، يظهر للخلق تمام الظهور، كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق. حتى [إنه] يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار.
كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، فلذلك خصه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.
وقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: نخصك وحدك بالعبادة
والاستعانة، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك، ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا نستعين بغيرك.
وقدم (٢) العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على الخاص، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده.
و ﴿العبادة﴾ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة. و ﴿الاستعانة﴾ هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.
والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة، إذا كانت مأخوذة عن رسول الله ﷺ مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة، وذكر ﴿الاستعانة﴾ بعد ﴿العبادة﴾ مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي.
ثم قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك.
وهذا الصراط المستقيم هو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ﴿غَيْرِ﴾ صراط ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. وغير صراط ﴿الضَّالِّينَ﴾ الذين تركوا الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم.
فهذه السورة على إيجازها، قد -[٤٠]- احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ: ﴿اللَّهِ﴾ ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ ﴿الْحَمْدُ﴾ كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة.
وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وأن الجزاء يكون بالعدل، لأن الدين معناه الجزاء بالعدل.
وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة، خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع [والضلال] في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع [وضال] فهو مخالف لذلك.
وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالحمد لله رب العالمين.
(١) في ب: فله.
(٢) في ب: وتقديم.
تفسير سورة البقرة
وهي مدنية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِسْمِ اللهِ
أَيْ: أَبْتَدِئُ قِرَاءَتِي مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللهِ.
الرَّحْمنِ
الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ.
الرَّحِيمِ
الَّذِي يَرْحَمُ المُؤمِنِينَ.

إعراب الآية ١ من سورة الفاتحة

من كتاب: إعراب القرآن

[١] شرح إعراب سورة أمّ القرآن
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحوي المعروف بالنحاس:
هذا كتاب أذكر فيه إن شاء الله إعراب القرآن، والقراءات التي تحتاج أن يبيّن إعرابها والعلل فيها ولا أخليه من اختلاف النحويين وما يحتاج إليه من المعاني وما أجازه بعضهم ومنعه بعضهم وزيادات في المعاني وشرح لها، ومن الجموع واللغات، وسوق كلّ لغة إلى أصحابها ولعلّه يمرّ الشيء غير مشبع فيتوهّم متصفّحه أنّ ذلك لإغفال وإنما هو لأنّ له موضعا غير ذلك. ومذهبنا الإيجاز والمجيء بالنكتة في موضعها من غير إطالة، وقصدنا في هذا الكتاب الإعراب وما شاكله بعون الله وحسن توفيقه. قال أبو جعفر: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدّمشقي «١» عن عبد الخالق عن أبي عبيد «٢» قال: حدّثنا عبّاد بن عبّاد المهلّبي عن واصل «٣» مولى أبي عيينة قال:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلّموا إعراب القرآن كما تتعلّمون حفظه. فمن ذلك:

[سورة الفاتحة (١) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)
(اسم) مخفوض بالباء الزائدة، وقال أبو إسحاق «٤» : وكسرت الباء ليفرّق بين ما
(١) أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي: نزل بغداد وحدّث بها عن هشام بن عمار وطبقته وكان مؤدّبا لعبد الله بن المعتز. روى عن إسماعيل بن محمد الصفّار (ت ٣٠٦ هـ) ترجمته في تاريخ بغداد ٤/ ١٧٢.
(٢) أبو إسحاق الزّجاج، إبراهيم بن السري، بصريّ المذهب من أصحاب سيبويه وشيخ النحاس، له من التصانيف: معاني القرآن، الاشتقاق، خلق الإنسان، مختصر النحو، شرح أبيات سيبويه، القوافي، العروض، النوادر، وتفسير جامع المنطق، (ت ٣١٦ هـ). ترجمته في: (بغية الوعاة ١/ ٤١١، وتاريخ بغداد ٦/ ٩١، وطبقات الزبيدي ٢١). والقول في إعراب القرآن ومعانيه ص ١٢.
(٣) الفرّاء: أبو زكريا يحيى بن زياد: أخذ علمه عن الكسائي، وكان أعلم الكوفيين بعد الكسائي، كان يميل إلى الاعتزال ويسلك ألفاظ الفلاسفة. وكان زائد العصبية على سيبويه. صنّف: معاني القرآن، البهاء فيما تلحن به العامة، اللغات، المصادر في القرآن، الجمع والتثنية في القرآن، آلة الكتاب، النوادر، المقصور والممدود، فعل وأفعل، المذكر والمؤنث، الحدود وغير ذلك. (ت ٢٠٧ هـ). ترجمته في (بغية الوعاة ٢/ ٣٣٣، وطبقات الزبيدي ١٤٣).
(٤) علي بن حمزة الكسائي: أحد القرّاء السبعة، وإمام الكوفيين في النحو، صنّف: معاني القرآن، القراءات، النوادر الكبير، الأوسط، الأصغر، العدد، المصادر، الحروف، أشعار المعاياة وغيرها، (ت ١٨٩ هـ). ترجمته في (غاية النهاية ١/ ٥٣٥، وبغية الوعاة ٢/ ١٦٤).
يخفض وهو حرف لا غير وبين ما يخفض وقد يكون اسما نحو الكاف، ويقال: لم صارت الباء تخفض؟ فالجواب عن هذا وعن جميع حروف الخفض أنّ هذه الحروف ليس لها معنى إلّا في الأسماء ولم تضارع الأفعال فتعمل عملها فأعطيت ما لا يكون إلّا في الأسماء وهو الخفض والبصريون القدماء يقولون: الجرّ، وموضع الباء وما بعدها عند الفرّاء «١» نصب بمعنى ابتدأت بسم الله الرّحمن الرّحيم أو أبدأ بسم الله الرّحمن الحريم، وعند البصريين رفع بمعنى ابتدائي بسم الله، وقال عليّ بن حمزة الكسائي «٢» :
الباء لا موضع لها من الإعراب والمرور واقع على مجهول إذا قلت: مررت بزيد.
والألف في «اسم» «٣» ألف وصل لأنّك تقول: سميّ فلهذا حذفت من اللفظ، وفي حذفها من الخط أربعة أقوال: قال الفراء «٤» : لكثرة الاستعمال، وحكي لأنّ الباء لا تنفصل، وقال الأخفش سعيد «٥» : حذفت لأنها ليست من اللفظ، والقول الرابع أن الأصل سم وسم أنشد أبو زيد «٦» :[الرجز]
١-
بسم الذي في كلّ سورة سمه «٧»
بالضمّ أيضا، فيكون الأصل سما ثم جئت بالباء فصار بسم ثم حذفت الكسرة فصار بسم، فعلى هذا القول لم يكن فيه ألف قطّ والأصل في اسم فعل لا يكون إلا ذلك لعلّة أوجبته وجمعه أسماء، وجمع أسماء أسامي. وأضفت اسما إلى الله جلّ
(١) أبو عبيد: القاسم بن سلّام الأنصار، أول من جمع القراءات في كتاب، أخذ عن ابن الأعرابي والكسائي والفرّاء وغيرهم. له من التصانيف:
الغريب المنصف، غريب القرآن، غريب الحديث، معاني القرآن، المقصور والممدود، القراءات، المذكر والمؤنثوغيرها. (ت ٢٢٤ هـ). ترجمته في (طبقات الزبيدي ٢١٧، وبغية الوعاة ٢/ ٢٥٢).
(٢) واصل مولى أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة البصري. روى عن الحسن ورجاء بن حيوة. ترجمته في تهذيب التهذيب ١١/ ١٠٥.
(٣) انظر الإنصاف لابن الأنباري المسألة (١).
(٤) انظر معاني الفرّاء: ١/ ٢.
(٥) الأخفش: أبو الحسن سعيد بن مسعدة، قرأ النحو على سيبويه في البصرة وكان معتزليا، صنّف:
الأوساط في النحو، معاني القرآن، المقاييس في النحو، الاشتقاق، المسائل، الكبير الصغير، العروض، القوافي، الأصوات وغيرها. (ت ٢١١ أو ٢١٥ هـ). ترجمته في: (بغية الوعاة ١/ ٥٩٠، وطبقات الزبيدي ٧٤، وإنباه الرواة ١/ ٣٦).
(٦) أبو زيد الأنصاري: سعيد بن أوس بن ثابت، روى القراءة عن أبي عمرو وأبي السمال (ت ٢١٥ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٠٥.
(٧) الشاهد في نوادر أبي زيد ١٦٦، ونوادر أبي مسحل: ١/ ٩٥، والإنصاف ١/ ١٠، وأسرار العربية ٨، واللسان (سا).
وعزّ، والألف في الله جلّ وعزّ ألف وصل على قول من قال: الأصل لاه. ومن العرب من يقطعها فيقول: بسم الله، للزومها كألف القطع. الرَّحْمنِ نعت لله تعالى ولا يثنّى ولا يجمع لأنه لا يكون إلّا لله جلّ وعزّ، وأدغمت اللّام في الراء لقربها منها وكثرة لام التعريف. الرَّحِيمِ نعت أيضا، وجمعه رحماء. وهذه لغة أهل الحجاز وبني أسد وقيس وربيعة، وبنو تميم يقولون: رحيم ورغيف وبعير، ولك أن تشمّ «١» الكسر في الوقف وأن تسكّن، والإسكان في المكسور أجود والإشمام في المضموم أكثر.
ويجوز النصب في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ على المدح، والرفع على إضمار مبتدأ، ويجوز خفض الأول ورفع الثاني، ورفع أحدهما ونصب الآخر.
(١) إشمام الحرف: أن تشمّه الضمّة أو الكسرة، وهو أقلّ من روم الحركة لأنه لا يسمع وإنما يتبيّن بحركة الشفة ولا يعتدّ بها حركة لضعفها، والحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن. (تاج العروس شمم).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١ من سورة الفاتحة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

القولُ في آية التسمية وبيان نزولها
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الجرجاني، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الجوهري، حدَّثنا محمد بن يحيى بن مَنْدَه، حدَّثنا أبو كُرَيْب، حدَّثنا عثمان بن سعيد، حدَّثنا بشر بن عمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك عن ابن عباس، أنه قال:
أول ما نزلَ به جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا محمد استعذ ثم قل: ﴿بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾.
أخبرنا أبو عبد الله بن [أبي] إسحاق، حدَّثنا إسماعيل بن أحمد الخلاَّلي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن زيد البجلي، حدَّثنا أبو كُرَيب. حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف ختم السورة حتى ينزل عليه ﴿بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾.
أخبرنا عبد القاهر بن طاهر البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا إبراهيم بن علي الذُّهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا عمرو بن الحجاج العبدي، عن عبد الله بن أبي حسين، ذكر عن عبد الله بن مسعود قال:
كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل ﴿بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾.
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمرو أحمد بن محمد الْحَرشِيّ، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا محمد بن عيسى بن أبي فُدَيْك، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال:
نزلت ﴿بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾. في كل سورة.
القول في سورة الفاتحة
اختلفوا فيها: فعند الأكثرين: هي مكية من أوائل ما نزل من القرآن.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمرو الحِيرِي؛ حدَّثنا إبراهيم بن الحارث وعلي بن سهل بن المغيرة قالا: حدَّثنا يحيى بن [أبي] بكير، حدَّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مَيْسَرَة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع منادياً يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك. قال: فلما برز سمع النداء: يا محمد، فقال: لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلاَّ الله أشهد وأن محمداً رسول الله، ثم قال: قل: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ حتى فرغ من فاتحة الكتاب.
وهذا قول علي بن أبي طالب.
أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد المفسر، أخبرنا الحسن بن جعفر المفسر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن محمد بن محمود المَرْوَزِيّ، حدَّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدَّثنا أبو يحيى القَصْرِي، حدَّثنا مروان بن معاوية عن العلاء بن المسيب، عن الفضيل بن عمرو، عن علي بن أبي طالب قال:
نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش.
وبهذا الإسناد عن السعدي: حدَّثنا عمرو بن صالح، حدثنا أبي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. فقالت قريش: دَقَّ الله فاك أو نحو هذا، قاله الحسن وقتادة.
وعند مجاهد: أن الفاتحة مدنية. قال الحسين بن الفضل: لكل عالم هفوة، وهذه بادرة من مجاهد؛ لأنه تفرد بهذا القول، والعلماء على خلافه. ومما يقطع به على أنها مكيه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ﴾ يعني الفاتحة.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن النحوي، أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الحيري، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدَّثنا يحيى بن أيوب، حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليه أبيّ بن كعب أُمَّ القرآن فقال: والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلَها، إنها لَهِيَ السبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.
وسورة "الحجر" مكية بلا اختلاف، ولم يكن الله ليمتن على رسوله بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة. ولا يسعنا القول: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب. هذا مما لا تقبله العقول.

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة الفاتحة، الآيةُ ١ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

١ المذاهبُ الستَّةُ جميعًا المرجِع

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

عند آخِرِها ﴿ الرحيم

يَعُدُّه رأسَ آية

المكِّيّ الكوفيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير البصريّ الدِمَشقيّ

﴿الرحيم﴾ آخِرُ هذه الآية: يَعُدُّه المكِّيّ والكوفيّ رأسَ آية، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والبصريّ والدِمَشقيّ؛ فيَجعَلُها مع ما بعدَها آيةً واحدة.

مصادرُ التوثيق "البيان في عدّ آي القرآن" (ص 139) "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 27) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 27)
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

آيات مشابهة للآية ١ من سورة الفاتحة

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١ من سورة الفاتحة

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٤ قولًا
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق قتادة- قال: كنا نكتب: باسمك اللهم. زمانًا؛ فلَمّا نزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] كتبنا: بسم الله الرحمن. فلَمّا نزلت ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] كتبنا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١١٧ -. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه أبو يعلى إسماعيل بن أمية متروك. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٢٥٤.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: أولَ ما نزل جبريلُ على محمد قال: يا محمد، استعذ؛ قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل، فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١١١، ١١٥، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥ - ٢٦ (١، ٤، ٦)، والواحدي في أسباب النزول ص ١٧. قال ابن كثير ١/ ١١٣: «وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليُعرف، فإنّ في إسناده ضعفًا وانقطاعًا». قال ابن حجر في العجاب ١/ ٢٢٣: «الراوي له عن أبي رَوْق ضعيف؛ فلا ينبغي أن يُحْتَجَّ به».
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: قامَ النبيُّ - ﷺ - بمكة، فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فقالت قريش: دَقَّ الله فاك١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ١/ ٩٠، والواحدي في أسباب النزول ص ١٩. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه محمد بن السائب الكلبي متهم بالكذب. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٥٥٦.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هَزَأ منه المشركون، وقالوا: محمد يذكر إلَهَ اليَمامة. وكان مسيلمةُ يَتَسَمّى: الرحمن، فلما نزلت هذه الآية أُمِرَ رسول الله - ﷺ - أن لا يجهر بها١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ٤٣٩ (١٢٢٤٥)، والأوسط ٥/ ٨٩ (٤٧٥٦). قال الطبراني في الأوسط: «لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن سالم بن الأفطس إلا شريكٌ، تفرد به عَبّاد بن العوام». وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٤٦: «ورد في الصحيح أن هذه الآية نزلت في قراءة القرآن جهرًا لا في البسملة، أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ ورسول الله مُخْتَفٍ بمكة، كان إذا صَلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإن سمعه المشركون سَبُّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾، أي: بقراءتك، فيسب المشركون، فيسبوا القرآن... وورد في الصحيح أيضًا أنها نزلت في الدعاء، أخرجه البخاري أيضًا عن زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة». وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٠٨ (٢٦٣٠): «رجاله مُوَثَّقُون».
٥
عن عامر الشعبي، قال: كان رسول الله - ﷺ - يكتب في بدء الأمر على رَسْم قريش: باسمك اللهم. حتى نزلت: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]، فكتب: بسم الله. حتى نزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فكتب: بسم الله الرحمن. حتى نزلت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، فكتب مثلها١
التخريج
  1. ١أورده البغوي في تفسيره ١/ ٥٢ دون إسناد.
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد النحوي- قالا: أولُ ما أنزل الله تعالى من القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ١٠٢.
٧
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنّ عيسى ابن مريم أسْلَمَتْهُ أُمُّه إلى الكُتّاب لِيُعَلِّمه، فقال له المعلم: اكتب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. قال له عيسى: وما ﴿بسم الله﴾؟ قال المعلم: لا أدري. فقال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمان الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١١٩، والثعلبي ١/ ٩٣ - ٩٤، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٥١. قال ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٠٤: «هذا حديث موضوع محال». وقال ابن كثير (١/ ١١٩): «وهذا غريب جدًا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله - ﷺ -، ويكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات». وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٤٩٧ (٧٥): «هو موضوع، كما قال ابن الجوزي، وفي إسناده: إسماعيل بن يحيى كذاب».
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ جرير (١/ ١١٩ - ١٢٠) هذا الأثر استنادًا إلى مخالفته لغة العرب، فقال: «فأخشى أنْ يكون غَلَطًا من المحدِّث، وأن يكون أراد (ب س م) على سبيل ما يعلَّم المبتدئ من الصبيان في الكتّاب حروفَ أبي جاد، فغلط بذلك، فوصَله، فقال: (بسم)؛ لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلي ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ على ما يتلوه القارئ في كتاب الله؛ لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها، إذا حُمِل تأويله على ذلك».
٨
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٥ (٢).
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: أولَ ما نزل جبريل على محمد قال له جبريل: قل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، يا محمد. يقول: اقرأبذكر الله، والله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١١٢، ١٢١، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥ (٤) وزاد: قال له جبريل: قل يا محمد: بسم الله. يقول: اقرأ بذكر ربك، وقم واقعد بذكره؛ بسم الله الرحمن. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٣: «هذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا».
تعليقات المحققين
  1. ٢بيَّن ابنُ جرير (١/ ١١٣، ١١٦) أن هذا الأثر يقوي ما رجَّحه من أنّ المراد بقول القارئ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾: «أقرأ بتسمية الله وذكره، وأفتتح القراءة بتسمية الله، بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، ويوضح فسادَ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله: بالله الرحمن الرحيم أوّلِ كلِّ شيء، مع أن العباد إنما أُمِروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورِهم بتسمية الله، لا بالخبر عن عظمته وصفاته، كالذي أمِروا به من التسمية على الذبائح والصَّيد، وعند المطعم والمشرب، وسائر أفعالهم، وكذلك الذي أمِروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله، وصدور رسائلهم وكتبهم».
١٠
عن عبد الله بن عباس، قال: اسم الله الأعظم هو الله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١١
عن جابر بن زيد -من طريق حَيّان الأعرج- قال: اسم الله الأعظم هو الله، ألا ترى أنه في جميع القرآن يبدأ به قبل كلِّ اسم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٧٣، والبخاري في تاريخه ١/ ٢٠٩، وابن الضُّرَيس في فضائل القرآن ص ١٥٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥ واللفظ له.
١٢
عن عامر الشعبي -من طريق مِسْعَر، عمَّن سمع الشعبي- قال: اسم الله الأعظم هو: يا الله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٧٣. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي الدنيا في الدعاء.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (١/ ١٢٢ - ١٢٣) في تأويل قوله تعالى: ﴿الله﴾ أن يكون على معنى ما رُوِي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: «والله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين»: هو الذي يَألَهه كل شيء، ويعبده كل خلْقٍ. مِن ألَهَ يَأْلَه إلاهَةً، مستندًا إلى الأثر المذكور، وإلى قراءة ابن عباس ومجاهد: (ويَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) [الأعراف: ١٢٧]، وتفسيرهما الإلاهة بالعبادة&quot؛ .
١٣
عن عائشة، قالت: قال لي أبي: ألا أُعَلِّمُكِ دعاء عَلَّمَنِيه رسول الله - ﷺ -؟ قال: وكان عيسى يعلمه الحواريين، لو كان عليك مثل أحد ذهبًا لقضاه الله عنكِ. قلت:بلى. قال: قولي: «اللهم فارجَ الهم، كاشفَ الغم، -وفي لفظ عند البزار: وكاشف الكرب- مجيبَ دعوة المضطرين، رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما، أنت ترحمني، فارحمني رحمة تُغْنِينِي بها عَمَّن سِواك»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١/ ٦٩٦ (١٨٩٨)، والبزار في البحر الزخار ١/ ١٣١ (٦٢). قال البزار: «الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن رسول الله - ﷺ - إلا أبو بكر، ولا نعلم له طريقًا عن أبي بكر إلا هذا الطريق، والحكم بن عبد الله ضعيف جدًّا، وإنما ذكرنا هذا الحديث إذ لم نحفظه عن رسول الله - ﷺ - إلا من هذا الوجه، وقد حَدَّث به على ما فيه أهل العلم، واحتملوه». وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٦ (١٧٤٤٤): «فيه الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو متروك». وقال السيوطي: «بسند ضعيف».
١٤
عن عبد الرحمن بن سابط، قال: كان رسول الله - ﷺ - يدعو بهؤلاء الكلمات، ويُعَلِّمُهُنَّ: «اللهم فارجَ الهم، وكاشفَ الكرب، ومجيبَ المضطرين، ورحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما، ارحمني اليوم رحمة تغنيني بها عن رحمة سِواك»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٤٠٨ (٣٠٤٨٦). إسناده ضعيف، ابن سابط لم يدرك النبي - ﷺ -؛ فالحديث مرسل. انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٤٦٤).
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾: وهو الرقيق. ﴿الرَّحِيمِ﴾: وهو العاطف على خلقه بالرزق. وهما اسمان رقيقان، أحدهما أرَقُّ من الآخر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ١/ ١٣٩ (٨٢).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن كثير (١/ ١٩٧) عن ابن عباس قوله: أحدهما أرق من الآخر. ثم ذكر أنّ بعض أهل العلم استشكلوا هذه الصفة، ووجّهوها بقولهم: «لعله أرفق»؛ مستدلين بالحديث: «إن الله رفيق».
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾: الفَعْلان من الرحمة. و﴿الرَّحِيمِ﴾: الرفيق الرقيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يضعِّف عليه العذاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٢٨ - ١٢٩، وابن أبي حاتم ١/ ٢٦ (٦) مختصرًا.
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: ليس أحد يُسمّى الرحمن غيره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٥.
١٨
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- قال: الرحمن لجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين خاصة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٨ (٢٠).
تعليقات المحققين
  1. ٢عَلَّقَ ابنُ جرير (١/ ١٢٨ - ١٢٩) على هذا الأثر بكونه يقتضي فرقًا بين اسم (الرحمن) واسم (الرحيم) في المعنى، مع كون الاسمين داخلين تحت صفة الرحمة. ورجَّح ابنُ جرير (١/ ١٢٩)، وابنُ عطية (١/ ٦٧ - ٦٨)، وابنُ كثير (١/ ١٩٦) أنّ (الرحمن) أشد مبالغة من (الرحيم)، فالرحمن رحمن الدنيا والآخرة، فرحمته عامة لجميع الخلق، والرحيم رحيم الآخرة، فرحمته خاصة بالمؤمنين. ووجَّه ابنُ جرير (١/ ١٢٦ - ١٢٨) الأقوالَ الواردة في بيان معنى ﴿الرحمن الرحيم﴾ بأنها صحيحة مع اختلافها في بيان الفرق بين الاسمين، مُبيِّنًا أن الله رحمن الدنيا والآخرة بجميع خلقه، ورحيم الدنيا والآخرة أيضًا، ولكن هذه الرحمة خاصة بالمؤمنين من عباده. وجمع ابنُ عطية (١/ ٦٧ - ٦٨) بين هذه الأقوال بقوله: «وهذه كلها أقوال تتعاضد».
١٩
عن الحسن البصري -من طريق عوف- قال: ﴿الرحمن﴾ اسم ممنوع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٣٤.
٢٠
عن الحسن البصري -من طريق أبي الأشهب- قال: ﴿الرحيم﴾ اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به تبارك وتعالى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٦.
٢١
عن الحسن البصري -من طريق أبي الأشهب- أنّه قال: هذان الاسمان من أسماء الله ممنوعان، لم يستطع أحد من الخلق أن ينتحلهما: الله، والرحمن١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلّام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١١٧ -.
٢٢
عن خالد بن صفوان -من طريق الحكم بن هشام-: في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال: هما رقيقان، أحدهما أرق من الآخر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٨.
٢٣
عن عطاء الخراساني -من طريق أبي الأَزْهَر نصر بن عمرو اللخمي- قال: كان الرحمن، فلما اختُزِل١ الرحمن من اسمه؛ كان الرحمن الرحيم٢٣
التخريج
  1. ١اختُزِل: الاختزال: الاقتطاع، يقال: اختزل المال؛ إذا اقتطعه. لسان العرب (خزل). والمراد أن اسم الرحمن اقتطع منه سبحانه كما يقتطع المال من صاحبه.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١/ ١٢٩. وينظر: الفتح ٨/ ١٥٥. أورد السيوطي ١/ ٤٤ - ٥٤ عقب تفسير البسملة آثارًا عديدة عن فضائل البسملة، وهل يجهر بها في الصلاة؟ وأحكامًا أخرى متعلقة بكتابتها وتعظيمها.
تعليقات المحققين
  1. ٣وجَّه ابنُ جرير (١/ ١٢٩ - ١٣٠)، وابنُ كثير (١/ ١٩٩) قولَ عطاء بأنه أراد بيان أن اسمي ﴿الرحمن الرحيم﴾ على اجتماعهما لم يَتَسَمَّ بهما غيرُ الله؛ لأن (الرحمن) على انفراده قد تسمّى به مسيلمة، و(الرحيم) على انفراده قد يوصف به المخلوق، فكرر ﴿الرحيم﴾ بعد ﴿الرحمن﴾؛ ليعلم الخلق ما انفرد به الله من اجتماعهما له، وما ادَّعاه بعض خلقه من أسمائه سبحانه. وانتقد ابنُ عطية (١/ ٦٨) قولَ عطاء مستندًا إلى دلالة التاريخ، فقال: «وهذا قول ضعيف؛ لأن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ كان قبل أن ينجم أمر مسيلمة، وأيضًا فتَسَمِّي مسيلمةَ بهذا لم يكن مما تأصَّل وثبت».
٢٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، ﴿الرحمن﴾ يعني: المترحم. ﴿الرحيم﴾ يعني: المتعطف بالرحمة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل ١/ ٣٦.

هل البسملة آية من الفاتحة

٩ أقوال
١
عن أم سلمة: أنّ النبي - ﷺ - كان يقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، قَطَّعَها آية آية، وعدَّها عَدَّ الأعراب، وعَدَّ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية، ولم يعُدَّ ﴿عليهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٤/ ٢٠٦ (٢٦٥٨٣)، وأبو داود ٦/ ١٢٤ (٤٠٠١)، والترمذي ٥/ ١٨٥ (٣١٥٠) وليس فيه محل الشاهد، وابن خزيمة ١/ ٥٤٧ (٤٩٣) باللفظ الآتي بعده، والحاكم ١/ ٣٥٦ (٨٤٧)، والدارقطني ٢/ ٧٦ (١١٧٥) واللفظ له. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة». وقال الدارقطني -كما في المجموع للنووي ٣/ ٣٤٥ -: «رجال إسناده كلهم ثقات». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرطهما». وقال ابن الملقن في البدر المنير ٣/ ٥٥٥: «هذا حديث سائر رواته ثقات».
٢
عن أم سلمة: أن رسول الله - ﷺ - قرأ في الصلاة: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فعَدَّها آية، ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ آيتين، ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثلاث آيات، ﴿مالك يوم الدين﴾ أربع آيات، وقال هكذا ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، وجَمَعَ خمسَ أصابعه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن خُزَيْمَة ١/ ٥٤٧ (٤٩٣)، والحاكم ١/ ٣٥٦ (٨٤٨). وفي إسناده عمر بن هارون، قال الحاكم: «عمر بن هارون أصل في السُّنَّة، ولم يخرجاه، وإنما أخرجته شاهدًا». فتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: «أجمعوا على ضعفه. وقال النسائي: متروك».
٣
عن بُرَيْدَة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية -أو سورة- لم تنزل على نبيٍّ بعد سليمان غيري». قال: فمشى، وتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد، فأخرج إحدى رجليه من أُسْكُفَّة١ المسجد، وبَقِيَت الأخرى في المسجد، فقلت بيني وبين نفسي: نسي ذاك. فأقْبَلَ عليَّ بوجهه، فقال: «بأي شيء تَفْتَتِح القرآن إذا افْتَتَحْتَ الصلاة؟». قلت: بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾٢. قال: «هي هي». ثم خرج٣
التخريج
  1. ١أُسْكُفَّة الباب: العتبة التي يوطأ عليها. لسان العرب (سكف).
  2. ٢لفظ ابن أبي حاتم: ثم التفت إلي فقال: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
  3. ٣أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٣ (١٦٣٠٦)، والطبراني في الأوسط ١/ ١٩٦ (٦٢٥)، والبيهقي ١٠/ ١٠٦ (٢٠٠٢٣). قال الطبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن ابن بريدة إلا عبدُ الكريم، ولا عن عبد الكريم إلا يزيدُ أبو خالد، تفرد به سلمة بن صالح». وقال البيهقي: «إسناده ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٠٩ (٢٦٣٨): «فيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف لسوء حفظه، وفيه من لم أعرفهم». وقال السيوطي: «بسند ضعيف».
٤
عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنّه كان يقول: «﴿الحمد لله رب العالمين﴾ سبع آيات، إحداهن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي أم القرآن، وفاتحة الكتاب...»١
التخريج
  1. ١تقدم ذكره وتخريجه برقم ١٠.
٥
عن أبي هريرة، قال: كنت مع النبي - ﷺ - في المسجد، إذ دخل رجلٌ يُصَلِّي، فافتتح الصلاة، وتَعَوَّذَ، ثم قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. فسمع النبيُّ - ﷺ -، فقال: «يا رجل، قَطَعْتَ على نفسك الصلاة، أما علمت أن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ من «الحمد»، فمن تركها فقد ترك آية، ومن ترك آية فقد قُطِعت عليه صلاته»١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ١/ ١٠٤. إسناده ضعيف؛ فيه مجاهيل.
٦
عن أنس، قال: صَلَّيْتُ مع رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ١/ ٢٩٩ (٣٩٩) واللفظ له، وأخرجه البخاري ١/ ١٤٩ (٧٤٣) بلفظ: كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾.
٧
عن عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرني أبي، عن سعيد بن جبير، أخبره قال: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧] أم القرآن، وقرأتها على سعيد كما قرأتها عليك، ثم قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ الآية السابعة. قال عبد الله بن عباس: قد أخرجها الله لكم فما أخرجها لأحد قبلكم.
٨
قال عبد الرزاق: قرأها علينا ابن جُرَيْج: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية، ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ آية، ﴿الرحمن الرحيم﴾ آية، ﴿مالك يوم الدين﴾ آية، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ آية، ﴿إهدنا الصراط المستقيم﴾ آية، ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ إلى آخرها١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٩٠ (٢٦٠٩)، ومن طريقه ابن جرير ١٤/ ١١٤، والمستغفري في فضائل القرآن ١/ ٤٥٥ (٥٩٥)، وقد تقدم برقم ٢٢ - ٢٤. إسناده ضعيف؛ عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك يُضَعَّف. انظر: تهذيب الكمال ١٨/ ١١٧.
٩
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي صَخْرٍ حميد بن زياد- قال: فاتحة الكتاب سبع آيات بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد ٢/ ١٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ عطية (١/ ٥٨ - ٦٠)، وابنُ تيمية (١/ ٦٨) أنّ البسملة ليست آية من الفاتحة، استنادًا إلى آثارِ النّبي - ﷺ -، والصّحابة - رضي الله عنهم -، والدّلالات العقلية، وذلك فيما يأتي: ١ - أنه لم يرد ذكر البسملة في الأحاديث التي بَيَّنَت آيات الفاتحة، كحديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين». وحديث أبي بن كعب في تعلمه الفاتحة من النبي - ﷺ -، فقد قال له - ﷺ -: «هل لك أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل الله في التوارة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها». ٢ - لو كانت منها لكان للرب ثلاث آيات ونصف، وللعبد ثلاث آيات ونصف. قاله ابنُ تيمية. ٣ - أنه لم يُحفظ عن النبي - ﷺ -، ولا أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان - رضي الله عنهم - الجهر بالبسملة في الصلاة. قاله ابنُ عطية. ٤ - البسملة مكتوبة في أول كل سورة، ولا فرق بين الفاتحة وبين غيرها من السور في مثل ذلك. قاله ابنُ تيمية. ٥ - لو كانت منها لتُلِيَت في الصلاة جهرًا كما تُتْلى سائر آيات السورة. قاله ابنُ تيمية. وقد وجَّه ابنُ عطية (١/ ٥٩) بعض الأحاديث التي قد يُفهم منها كون البسملة آية، بأنها كانت قراءة في غير صلاة على جهة التعلم، فأمر النبي - ﷺ - بقراءة البسملة لهذا، لا لأنها آية. وبيَّن ابنُ تيمية أنه رُوي ذكرها في حديث موضوع. ووجَّه ابن تيمية (١/ ٦٨ بتصرّف) عدَّ الفاتحة سبعًا على اختلاف القولين بقوله: «وكلا القولين حقٌّ، فمن وجْهٍ تكون البسملة منها فتكون آية، ومن وجْهٍ لا تكون منها فالآية السابعة ﴿أنعمت عليهم﴾؛ لأن البسملة أُنزِلَت تبعًا للسور».

هل البسملة آية من القرآن

١٥ قولًا
١
عن طلحة بن عُبَيْد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن ترك ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فقد ترك آيةً من كتاب الله»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن بشران في أماليه ١/ ٨١ (١٥١)، وابن الأعرابي في معجمه ١/ ٤٠٣ (٧٦٠)، والثعلبي ١/ ١٠٤. قال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٣٤٨: «يرويه سليم بن مسلم المكي، قال يحيى بن معين: ليس بثقة».
٢
عن ابن عمر، أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «كان جبريلُ إذا جاءني بالوحي أول ما يُلقي عليَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارقطني ٢/ ٧٢ (١١٦٧)، والطبراني في الأوسط ٤/ ١٠ (٣٤٨٠). قال الطبراني: «لم يروه عن موسى بن عقبة إلا داود بن عطاء». وقال السيوطي: «بسند ضعيف».
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: كان النبي - ﷺ - لا يعرف فصل السورة -وفي لفظ: خاتمة السورة - حتى ينزل عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. زاد البَزّار والطَّبَرانِيُّ: فإذا نزلت عرف أن السورة قد خُتِمَت، واستقبلت -أو ابتُدِئت- سورة أخرى١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٢/ ٩١ (٧٨٨)، والبزار ٣/ ٤٠ - كما في كشف الأستار (٢١٨٧) -، والطبراني ١٢/ ٨١ (١٢٥٤٤)، ١٢/ ٨٢ (١٢٥٤٥)، والحاكم ١/ ٣٥٥ (٨٤٤). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وعزاه ابن كثير ١/ ١١٦ إلى أبي داود، وقال: «بإسناد صحيح». وقال ابن حجر في العجاب ١/ ٢٢٤: «رواته ثقات، وأخرجه أبو داود، لكنه اختلف في وصله وإرساله، وأورد الواحدي له شاهِدَيْن بسندين ضعيفين».
٤
عن عبد الله بن مسعود -من طريق عبد الله بن أبي حسين- قال: كُنّا لا نعلم فَصْلَ ما بين السورتين حتى تنزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الشعب ٤/ ٢٢ (٢١٢٩)، والواحدي في أسباب النزول ١/ ١٧. وضَعَّفَه ابنُ حجر في العُجاب ١/ ٢٢٥.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: كان المسلمون لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإذا نزلت عرفوا أن السورة قد انقَضَتْ١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١/ ٣٥٦ (٨٤٦). وقال الحاكم: «حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه». وقال ابن المُلَقِّن في البدر المنير ٣/ ٥٦١ بعد ذكر كلام الحاكم: «وهو كما قال».
٦
عن ابن عباس: أنّ النبي - ﷺ - كان إذا جاءه جبريل، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؛ عَلِم أنها سورة١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١/ ٣٥٥ (٨٤٤). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه». وفي إسناده المثنى بن صباح، لذا تَعَقَّبَ الذهبيُّ الحاكمَ بقوله: «مثنى، قال النسائي: متروك». وقال ابن الملقن في البدر المنير ٣/ ٦١: «فيه نظر؛ فإن فيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف. قال أحمد: لا يساوي شيئًا، هو مضطرب. وقال النسائي: متروك الحديث. وضَعَّفَه يحيى والدارقطني».
٧
عن سعيد بن جبير -من طريق عمرو بن دينار- أنّه في عهد النبي - ﷺ - كانوا لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فإذا نزلت علموا أن قد انقَضَتْ سورةٌ ونَزَلَتْ أُخْرى١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد ٢/ ١٩. وروي عن سعيد، عن ابن عباس مرفوعًا.
٨
عن علي بن أبي طالب: أنّه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ: ﴿بسمالله الرحمن الرحيم﴾. وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص. وكان يقول: هي تمام السبع المثاني١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ١/ ١٠٣. وفي إسناده الحسين بن عبد الله، وهو الحسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة، متروك الحديث عند علماء الجرح والتعديل. ينظر: ميزان الاعتدال ١/ ٥٣٨.
٩
عن عبيد بن رِفاعَة: أنّ معاوية قَدِم المدينة، فصلّى بهم، ولم يقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ولم يُكَبِّر إذا خَفَضَ وإذا رفع، فناداه المهاجرون والأنصار حين سلَّم: يا معاوية، أسرقت صلاتك؟ أين ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فصَلّى بهم صلاة أخرى. فقال: ذلك فيها الذي عابوا عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه الشافعي في الأم ١/ ١٠٨، والدارقطني ١/ ٣١١، والحاكم ١/ ٢٣٣، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٥٠، وأورده السيوطي بمعناه.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير- قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية من كتاب الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الضُّرَيس ص ٢٨.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عمر بن ذَرٍّ، عن أبيه- قال: اسْتَرَقَ الشيطانُ من الناس أعظمَ آية من القرآن؛ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ٢/ ٥٠ وفيه بلفظ: من أهل القرآن، بدل: من الناس. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور في سننه، وابن خزيمة في كتاب البسملة. وذكر أنه في لفظ البيهقي: من أهل العراق.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: أغْفَلَ الناسُ آيةً من كتاب الله لم تنزل على أحد سِوى النبي - ﷺ -، إلا أن يكون سليمان بن داود؟: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ٢/ ١٩، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٣٢٨). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٣
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- قال: نزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في كل سورة١
التخريج
  1. ١أخرجه الواحدي في أسباب النزول ١/ ١١٥.
١٤
عن الحسن البصري -من طريق الحسن بن دينار- قال: لم تنزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في شيء من القرآن إلا في هذه الآية: ﴿إنه من سليمان... ﴾ [النمل: ٣٠]، ويجعله مفتاح القراءة إذا قرأ١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١١٧ -.
١٥
عن يحيى بن عتيق، قال: كان الحسن البصري يقول: اكتبوا في أول الإمام: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، واجعلوا بين كل سورتين خَطًّا١٢٣
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الضُّرَيس (٤٣).
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ تيمية (١/ ٦٦) مُستندًا إلى فعلِ الصّحابة القولَ بأن البسملة آية من كتاب الله حيث كُتبَت في المصاحف، وليست من السور، وذكر أنّ هذا القول هو أوسط الأقوال، وقال: «وبه تجتمع الأدلة، فإن كتابة الصحابة لها في المصاحف دليلٌ على أنها من كتاب الله، وكونهم فصلوها عن السورة التي بعدها دليلٌ على أنها ليست منها».
  2. ٣ذكر ابنُ تيمية (١/ ٧٠) في مسألة الفصل بين السورتين بالبسملة، أو عدم الفصل؛ جوازَ الأمرين. وبَيَّنَ أن القراء منهم مَن لم يَفْصِل بالبسملة؛ لكون القرآن كله كلام الله، ومنهم من فصَل بالبسملة، ومردُّ ذلك إلى إقراء النبي - ﷺ - تارةً بالفصل، وتارة بدونه. ورجَّح الفصلَ بالبسملة اتِّباعًا لخط المصحف، مُستندًا إلى فعلِ الصّحابة، ثم ذكر أن ترجيح أحد الوجهين لا يلزم منه كون الوجه الثاني منهيًّا عن قراءته، وأنه ليس من القرآن، بل هذا يدل على جواز الوجهين، كالحروف التي ثبتت في قراءة دون قراءة.

تفسير البسملة

قولانِ
١
عن ابن عباس: أنّ عثمان بن عفان سأل النبي - ﷺ - عن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. فقال: «هو اسم من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القُرْب»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١/ ٧٣٨ (٢٠٢٧)، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥ (٥). قال ابن أبي حاتم في العِلَل ٥/ ٣٤٢ (٢٠٢٩): «قال أبِي: هذا حديث منكر». وقال الذهبي في الميزان ٢/ ١٨٢ (٣٣٥٨) «خبر منكر، بل كذب».
٢
عن ابن عباس -من طريق الضحاك- عن النبي - ﷺ -، قال: «إنّ الله أنزَلَ عَلَيَّ سورة لم يُنزِلها على أحد من الأنبياء والرسل من قبلي». قال النبي - ﷺ -: «قال الله تعالى: قسمت هذه السورة بيني وبين عبادي؛ فاتحة الكتاب، جعلت نصفها لي ونصفها لهم، وآية بيني وبينهم، فإذا قال العبد: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال الله:عبدي دعاني باسمين رقيقين، أحدهما أرق من الآخر، فالرحيم أرق من الرحمن، وكلاهما رقيقان...»١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٣٧ (٢١٤٧). وقال: قوله: «رقيقان» قيل: هذا تصحيف وقع في الأصل، وإنما هو: رفيقان، والرفيق من أسماء الله تعالى. قال المتقي الهندي في كنز العمال ٢/ ٣٠٠ (٤٠٥٥): «وفي سنده ضعف وانقطاع، ويظهر لي أن فيه ألفاظًا مدرجة من قول ابن عباس».
التفسير بالمأثور لسورة الفاتحة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة الفاتحة

٢٧ وقفةً في هذه الآية

  • الله أول اسم في أول آية من كتاب الله .. " بسم الله الرحمن الرحيم "

    — نايف الفيصل

  • 3- ﻟﻮ أحسن العبد ﺍﻟﺘﺪﺍﻭﻱ ﺑـ اﻟﻔﺎﺗﺤﺔ ؛ ﻟﺮﺃﻯ ﻟﻬﺎ تأثيراً ﻋﺠﻴﺒﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻔﺎﺀ!!

    — حمد الحريقي

  • كلما أحسست بشيء في داخلك ينهاك عن معروف ويأمرك بمنكر فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

    — روائع القرآن

  • من أعظم النعم أن الله ملك الملوك أذن لك أن تستعين به.. وكم من البشر عندما ترأس تأفف ممن طلب العون منه.. فاحمد الله.. واستعن بالله.

    — محاسن التاويل

  • استفتح الله بها كتابه وبها نزل الوحي ليعلمنا أدب رباني أن نبدأ كل أعمالنا وأقوالنا بـ"بسم الله" طلبا لعونه وبراءة من حولنا وقوتنا..

    — محاسن التاويل

  • "أعوذ بالله.." "بسم الله.." في الأول تهيئة المكان وتخليته من العدو.. وفي الثاني طلب العون والمدد من الله بعد نظافة المحل..

    — محاسن التاويل

  • "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" نستجير ونتحصن ونستغيث ونلوذ ونلتجئ بالقوي المتين الجبار المقتدر من أعظم وأشد خطر عدو لنا الشيطان الرجيم

    — محاسن التاويل

  • فاتحة الكتاب الشفاء التام والدواء النافع والرقية التامة ومفتاح الغنى والفلاح وحافظة القوة ودافعة الهم والحزن لمن عرف مقدارها ابن القيم

    — محاسن التاويل

  • "الحمد لله" ما أجملها من كلمة حين تسمعها بأصوات المرضى الخافتة وعلى شفاه النفوس المتعبة يقولون : يارب لك الحمد في غمرات الألم.

    — عبدالله بلقاسم

  • افتتح السور بالبسملة والطاعات تبدأ بالبسملة ، والمعاصي لا تبدأ بالبسملة

    — محمد متولي الشعراوي

  • تطبيقات تدبرية سورة الفاتحة أية 1

    — محمد بن عبدالعزيز الخضيري

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية رقم (1) سورة الفاتحة

    — خالد السبت

و١٥ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١ من سورة الفاتحة

٥ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١ من سورة الفاتحة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(1) In the name of Allāh,[2] the Entirely Merciful, the Especially Merciful.[3]
[2]- Allāh is a proper name belonging only to the one Almighty God, Creator and Sustainer of the heavens and the earth and all that is within them, the Eternal and Absolute, to whom alone all worship is due.
[3]- Ar-Raḥmān and ar-Raḥeem are two names of Allāh derived from the word "raḥmah" (mercy). In Arabic grammar both are intensive forms of "merciful" (i.e., extremely merciful). A complimentary and comprehensive meaning is intended by using both together. Raḥmān is used only to describe Allāh, while raḥeem might be used to describe a person as well. The Prophet (ﷺ) was described in the Qur’ān as raḥeem. Raḥmān is above the human level (i.e., intensely merciful). Since one usually understands intensity to be something of short duration, Allāh describes Himself also as raḥeem (i.e., continually merciful). Raḥmān also carries a wider meaning - merciful to all creation. Justice is a part of this mercy. Raḥeem includes the concept of speciality - especially and specifically merciful to the believers. Forgiveness is a part of this mercy. In addition, Raḥmān is adjectival, referring to an attribute of Allāh and is part of His essence. Raḥeem is verbal, indicating what He does: i.e., bestowing and implementing mercy.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال