الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
في فضل التسمية :
حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا جعفر بن محمد بن صالح وحدثنا محمد بن القاسم الفارسي حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الشيباني أخبرنا أحمد بن كامل بن خلف حدثنا علي بن حماد بن السكن أخبرنا أحمد بن عبد الله الهروي حسام بن سليمان المخزومي عن أبي مليكة عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : سمعت النبي ﷺ يقول :( ( خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون ؛ فكلما خلق الدين جددوه. أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي : قل :( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال الصبي :( بسم الله الرحمن الرحيم ) كتب الله براءة للصبي وبراءة لأبويه وبراءة للمعلم من النار ) ).
وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل المولى أخبرنا أبو علي الاسفرائيني الحافظ حدثنا ابن الحسن البصري حدثنا محمد بن مروان أبو جعفر حدثنا أبي : حدثنا عمر بن ذر عن عطاء عن جابر قال :( لما نزلت( بسم الله الرحمن الرحيم )هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح وهاج البحر وأصغت البهائم بآذانها ورجمت الشياطين من السماء وحلف الله بعزته أن لا يسمى اسمه على شيء إلا شفاه، ولا يسمى اسمه على شيء إلا بارك عليه ومن قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) دخل الجنة ).
وأخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن محمد بن الحسن أخبرنا الحسن ابن علي بن نصر حدثنا عبد الله بن هاشم أخبرنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال :( من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فإنها تسعة عشر حرفا ليجعل الله له بكل حرف منها جنة من كل واحد ).
التفسير وبالله التوفيق :
قوله ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
اعلم أنّ هذه الباء زائدة، وهي تسمّى باء التضمين أو باء الإلصاق، كقولك : كتبت بالقلم، فالكتابة لاصقة بالقلم. وهي مكسورة أبداً ؛ والعلة في ذلك أن الباء حرف ناقص ممال. والإمالة من دلائل الكسر، قال سيبويه : لما لم يكن للباء عمل إلاّ الكسر كسرت.
وقال المبرّد : العلّة في كسرها ردّها إلى الأصل، ألا ترى أنك إذا أخبرت عن نفسك فإنك قلت : بَيْبَيْت، فرددتها إلى الياء والياء أُخت الكسرة كما أن الواو أُخت الضمة والألف أُخت الفتحة، وهي خافضة لما بعدها فلذلك كسرت ميم الاسم.
وطوّلت هاهنا وشبهت بالألف واللام ؛ لأنهم لم يريدوا أن يفتتحوا كتاب الله إلاّ بحرف مفخّم معظّم. قاله القيسي.
قال : وكان عمر بن عبد العزيز ( رحمه الله ) يقول لكتّابه :( طوّلوا الباء، وأظهروا السين، وفرّجوا بينهما، ودوّروا الميم تعظيماً لكلام الله تعالى ).
وقال أبو. . . . . . خالد بن يزيد المرادي : العلّة فيها إسقاط الألف من الاسم، فلما أسقطوا الألف ردّوا طول الألف الى الباء ليكون دالاًّ على سقوط الألف منها. ألا ترى أنهم لمّا كتبوا :
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] بالألف ردّوا الباء إلى صيغتها، فإنما حذفوا الألف من ( اسم ) هنا فالكثرة دورها على الألسن عملا بالخفّة، ولمّا لم يكثر أضرابها كثرتها أثبتوا الألف بها.
وفي الكلام إضمار واختصار تقديره : قل، أو ابدأ بسم الله.
وقال آدم : الاسم فيه صلة، مجازهُ : بالله الرَّحْمن الرحيم هو، واحتجوا بقول لبيد :
أي ثم السلام عليكما.
ومعناه : بالله تكوّنت الموجودات، وبه قامت المخلوقات. وأدخلوا الاسم فيه ليكون فرقاً بين المتيمِّن والمتيمَّن به. فأمّا معنى الاسم، فهو المسمى وحقيقة الموجود، وذات الشيء وعينه ونفسه واسمه، وكلها تفيد معنىً واحداً. والدليل على أن الاسم عين المسمّى قوله تعالى :
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧]، فأخبر أنّ اسمه يحيى، ثمّ نادى الاسم وخاطبه فقال :
﴿ييَحْيَى﴾ [مريم: ١٢]. فيحيى هو الاسم، والإسم هو يحيى.
وقوله تعالى :
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ﴾ [يوسف: ٤٠] وأراد الأشخاص المعبودة ؛ لأنهم كانوا يعبدون المسمّيات.
وقوله تعالى :
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرَّحمن: ٧٨].
وقوله ﷺ :" لَتَضْرِبَنَّ مُضَرُ عِبادَ اللهِ حتّى لا يُعبَد له إسمٌ " أي حتى لا يعبد هو.
ثم يقال : رأينا للتسمية اسم، واستعمالها في التسمية أشهر وأكثر من استعمالها في المسمّى، ولعل الاسم أشهر، وجمعه : أسماء، مثل قنو وأقناء، وحنو وأحناء، فحذفت الواو للاستثقال، ونقلت حركة الواو إلى الميم فأُعربت الميم، ونقل سكون الميم إلى السين فسكنت، ثم أُدخلت ألف مهموزة لسكون السين ؛ لأجل الابتداء يدلّك عليه التصغير والتصريف يقال : سُميّ وسميّة ؛ لأن كل ما سقط في التصغير والتصريف فهو غير أصلي.
واشتقاقه من ( سما ) ( يسمو )، فكأن المخبر عنه بأنه معدوم ما دام معدوماً فهو في درجة يرتفع عنها إذ وجد، ويعلو بدرجة وجوده على درجة عدمه. والإسم الذي هو العبارة والتسمية للمخبر والصفة للمنظر. وأصل الصفة ظهور الشيء وبروزه، والله أعلم.
فأمّا ما ورد في تفسيرها بتفصيلها فكثير، ذكرت جلّ أقاويلها في حديث وحكاية.
أخبرنا الأستاذ أبو القاسم بن محمد بن الحسن المفسّر، حدّثنا أبو الطيّب محمد بن أحمد ابن حمدون المذكر، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدّثنا أحمد بن هشام الأنطاكي، حدّثنا الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عبّاس عن إسماعيل عن يحيى عن أبي مليكة عن مسعود بن عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ﷺ :" إن عيسى بن مريم أسلمته أمّه إلى الكُتّاب ليتعلّم، فقال له المعلّم : قل باسم الله. قال عيسى : وما باسم الله ؟ فقال له المعلّم : ما أدري. قال : الباء : بهاء الله، والسين : سناء الله، والميم : مملكة الله ".
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول : سمعت أبا إسحاق بن ميثم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو يقول : سمعت أبا عبد الله ختن أبي بكر الوراق يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول في ﴿بسم الله﴾ : إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة :
فالباء على ستة أوجه :
بارىء خلقه من العَرش الى الثرى، ببيان قوله :
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
بصير بعباده من العرش الى الثرى، بيانه :
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩].
باسط الرزق من العرش الى الثرى، بيانه :
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦].
وباق بعد فناء خلقه من العرش إلى الثرى : بيانه :
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرَّحمن: ٢٦-٢٧].
باعث الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، بيانه :
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧].
بارّ بالمؤمنين من العرش إلى الثرى، بيانه قوله :
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
والسين على خمسة أوجه :
سميع لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله تعالى :
﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
سيّد قد بلغ سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢].
سريع الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢].
سلم خلقه من ظلمه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣].
غافر ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه قوله :
﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣].
والميم على اثني عشر وجهاً :
ملك الخلق من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].
مالك خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦].
منّان على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧].
مجيد على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥].
مؤمّن آمن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله :
﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش: ٤].
مهيمن اطّلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣].
مقتدر على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
مقيت على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ [النساء: ٨٥].
متكرّم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
منعم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله :
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠].
متفضّل على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
مصوّر خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].
وقال أهل الحقائق :. . . . . في ﴿بسم الله﴾ التيمّن والتبرّك وحثّ الناس على الابتداء في أقوالهم وأفعالهم ب ﴿بسم الله﴾ لمّا افتتح الله عزّ وجلّ كتابه به، والله أعلم.
﴿الله﴾، اعلم أن أصل هذه الكلمة ( إله ) في قول أهل الكوفة، فأُدخلت الألف واللام فيها تفخيماً وتعظيماً لما كان اسم الله عزّ وجلّ، فصار ( الإله )، فحذفت الهمزة استثقالا لكثرة جريانها على الألسن، وحوّلت هويتها إلى لام التعظيم فالتقى لامان، فأُدغمت الأولى في الثانية، فقالوا ( الله ).
وقال أهل البصرة : أصلها ( لاه )، فأُلحقت بها الألف واللام، فقالوا :( الله ). وأنشدوا :
فأخرجه على الأصل.
وقال بعضهم : أُدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة المحذوفة في ( إله )، فلزمتا الكلمة لزوم تلك الهمزة لو أُجريت على الأصل، ولهذا لم يدخل عليه في النداء ما يدخل على الأسماء المعرّفة من حروف التشبيه، فلم يقولوا : يا أيها الله.
دفع أقاويل أهل التأويل في هذا الاسم مبنيّة على هذين القولين. . . ثمة، واختلفوا فيه ؛ فقال الخليل بن أحمد وجماعة :( الله ) اسم علم موضوع غير مشتق بوجه، ولو كان مشتقّاً من صفة كما لو كان موصوفاً بتلك الصفة أو بعضها، قال الله :
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥].
( الله ) : اسم موضوع لله تعالى لا يشركه فيه أحد، قال الله تعالى :﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾، يعني : أن كل اسم مشترك بينه وبين غيره ؛ له على الحقيقة ولغيره على المجاز إلاّ هذا الاسم فإنه مختص به لأن فيه معنى الربوبيّة. والمعاني كلها تحته، ألا ترى أنك إذا أسقطت منه الألف بقي لله، وإذا أسقطت من لله اللام الأولى بقي ( له )،
حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا جعفر بن محمد بن صالح وحدثنا محمد بن القاسم الفارسي حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الشيباني أخبرنا أحمد بن كامل بن خلف حدثنا علي بن حماد بن السكن أخبرنا أحمد بن عبد الله الهروي حسام بن سليمان المخزومي عن أبي مليكة عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : سمعت النبي ﷺ يقول :( ( خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون ؛ فكلما خلق الدين جددوه. أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي : قل :( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال الصبي :( بسم الله الرحمن الرحيم ) كتب الله براءة للصبي وبراءة لأبويه وبراءة للمعلم من النار ) ).
وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل المولى أخبرنا أبو علي الاسفرائيني الحافظ حدثنا ابن الحسن البصري حدثنا محمد بن مروان أبو جعفر حدثنا أبي : حدثنا عمر بن ذر عن عطاء عن جابر قال :( لما نزلت( بسم الله الرحمن الرحيم )هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح وهاج البحر وأصغت البهائم بآذانها ورجمت الشياطين من السماء وحلف الله بعزته أن لا يسمى اسمه على شيء إلا شفاه، ولا يسمى اسمه على شيء إلا بارك عليه ومن قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) دخل الجنة ).
وأخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن محمد بن الحسن أخبرنا الحسن ابن علي بن نصر حدثنا عبد الله بن هاشم أخبرنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال :( من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فإنها تسعة عشر حرفا ليجعل الله له بكل حرف منها جنة من كل واحد ).
التفسير وبالله التوفيق :
قوله ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
اعلم أنّ هذه الباء زائدة، وهي تسمّى باء التضمين أو باء الإلصاق، كقولك : كتبت بالقلم، فالكتابة لاصقة بالقلم. وهي مكسورة أبداً ؛ والعلة في ذلك أن الباء حرف ناقص ممال. والإمالة من دلائل الكسر، قال سيبويه : لما لم يكن للباء عمل إلاّ الكسر كسرت.
وقال المبرّد : العلّة في كسرها ردّها إلى الأصل، ألا ترى أنك إذا أخبرت عن نفسك فإنك قلت : بَيْبَيْت، فرددتها إلى الياء والياء أُخت الكسرة كما أن الواو أُخت الضمة والألف أُخت الفتحة، وهي خافضة لما بعدها فلذلك كسرت ميم الاسم.
وطوّلت هاهنا وشبهت بالألف واللام ؛ لأنهم لم يريدوا أن يفتتحوا كتاب الله إلاّ بحرف مفخّم معظّم. قاله القيسي.
قال : وكان عمر بن عبد العزيز ( رحمه الله ) يقول لكتّابه :( طوّلوا الباء، وأظهروا السين، وفرّجوا بينهما، ودوّروا الميم تعظيماً لكلام الله تعالى ).
وقال أبو. . . . . . خالد بن يزيد المرادي : العلّة فيها إسقاط الألف من الاسم، فلما أسقطوا الألف ردّوا طول الألف الى الباء ليكون دالاًّ على سقوط الألف منها. ألا ترى أنهم لمّا كتبوا :
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] بالألف ردّوا الباء إلى صيغتها، فإنما حذفوا الألف من ( اسم ) هنا فالكثرة دورها على الألسن عملا بالخفّة، ولمّا لم يكثر أضرابها كثرتها أثبتوا الألف بها.
وفي الكلام إضمار واختصار تقديره : قل، أو ابدأ بسم الله.
وقال آدم : الاسم فيه صلة، مجازهُ : بالله الرَّحْمن الرحيم هو، واحتجوا بقول لبيد :
| تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما | وهل أنا إلاّ من ربيعةَ أو مضرْ |
| إلى الحول ثم اسم السلام عليكما | ومن يبكِ حولا كاملا فقد اعتذرْ |
ومعناه : بالله تكوّنت الموجودات، وبه قامت المخلوقات. وأدخلوا الاسم فيه ليكون فرقاً بين المتيمِّن والمتيمَّن به. فأمّا معنى الاسم، فهو المسمى وحقيقة الموجود، وذات الشيء وعينه ونفسه واسمه، وكلها تفيد معنىً واحداً. والدليل على أن الاسم عين المسمّى قوله تعالى :
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧]، فأخبر أنّ اسمه يحيى، ثمّ نادى الاسم وخاطبه فقال :
﴿ييَحْيَى﴾ [مريم: ١٢]. فيحيى هو الاسم، والإسم هو يحيى.
وقوله تعالى :
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ﴾ [يوسف: ٤٠] وأراد الأشخاص المعبودة ؛ لأنهم كانوا يعبدون المسمّيات.
وقوله تعالى :
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرَّحمن: ٧٨].
وقوله ﷺ :" لَتَضْرِبَنَّ مُضَرُ عِبادَ اللهِ حتّى لا يُعبَد له إسمٌ " أي حتى لا يعبد هو.
ثم يقال : رأينا للتسمية اسم، واستعمالها في التسمية أشهر وأكثر من استعمالها في المسمّى، ولعل الاسم أشهر، وجمعه : أسماء، مثل قنو وأقناء، وحنو وأحناء، فحذفت الواو للاستثقال، ونقلت حركة الواو إلى الميم فأُعربت الميم، ونقل سكون الميم إلى السين فسكنت، ثم أُدخلت ألف مهموزة لسكون السين ؛ لأجل الابتداء يدلّك عليه التصغير والتصريف يقال : سُميّ وسميّة ؛ لأن كل ما سقط في التصغير والتصريف فهو غير أصلي.
واشتقاقه من ( سما ) ( يسمو )، فكأن المخبر عنه بأنه معدوم ما دام معدوماً فهو في درجة يرتفع عنها إذ وجد، ويعلو بدرجة وجوده على درجة عدمه. والإسم الذي هو العبارة والتسمية للمخبر والصفة للمنظر. وأصل الصفة ظهور الشيء وبروزه، والله أعلم.
فأمّا ما ورد في تفسيرها بتفصيلها فكثير، ذكرت جلّ أقاويلها في حديث وحكاية.
أخبرنا الأستاذ أبو القاسم بن محمد بن الحسن المفسّر، حدّثنا أبو الطيّب محمد بن أحمد ابن حمدون المذكر، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدّثنا أحمد بن هشام الأنطاكي، حدّثنا الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عبّاس عن إسماعيل عن يحيى عن أبي مليكة عن مسعود بن عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ﷺ :" إن عيسى بن مريم أسلمته أمّه إلى الكُتّاب ليتعلّم، فقال له المعلّم : قل باسم الله. قال عيسى : وما باسم الله ؟ فقال له المعلّم : ما أدري. قال : الباء : بهاء الله، والسين : سناء الله، والميم : مملكة الله ".
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول : سمعت أبا إسحاق بن ميثم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو يقول : سمعت أبا عبد الله ختن أبي بكر الوراق يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول في ﴿بسم الله﴾ : إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة :
فالباء على ستة أوجه :
بارىء خلقه من العَرش الى الثرى، ببيان قوله :
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
بصير بعباده من العرش الى الثرى، بيانه :
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩].
باسط الرزق من العرش الى الثرى، بيانه :
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦].
وباق بعد فناء خلقه من العرش إلى الثرى : بيانه :
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرَّحمن: ٢٦-٢٧].
باعث الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، بيانه :
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧].
بارّ بالمؤمنين من العرش إلى الثرى، بيانه قوله :
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
والسين على خمسة أوجه :
سميع لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله تعالى :
﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
سيّد قد بلغ سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢].
سريع الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢].
سلم خلقه من ظلمه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣].
غافر ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه قوله :
﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣].
والميم على اثني عشر وجهاً :
ملك الخلق من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].
مالك خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦].
منّان على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧].
مجيد على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥].
مؤمّن آمن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله :
﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش: ٤].
مهيمن اطّلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣].
مقتدر على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
مقيت على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ [النساء: ٨٥].
متكرّم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
منعم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله :
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠].
متفضّل على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
مصوّر خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه :
﴿الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].
وقال أهل الحقائق :. . . . . في ﴿بسم الله﴾ التيمّن والتبرّك وحثّ الناس على الابتداء في أقوالهم وأفعالهم ب ﴿بسم الله﴾ لمّا افتتح الله عزّ وجلّ كتابه به، والله أعلم.
﴿الله﴾، اعلم أن أصل هذه الكلمة ( إله ) في قول أهل الكوفة، فأُدخلت الألف واللام فيها تفخيماً وتعظيماً لما كان اسم الله عزّ وجلّ، فصار ( الإله )، فحذفت الهمزة استثقالا لكثرة جريانها على الألسن، وحوّلت هويتها إلى لام التعظيم فالتقى لامان، فأُدغمت الأولى في الثانية، فقالوا ( الله ).
وقال أهل البصرة : أصلها ( لاه )، فأُلحقت بها الألف واللام، فقالوا :( الله ). وأنشدوا :
| كحلفة من أبي رباح | يسمعها الآهه الكبار |
وقال بعضهم : أُدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة المحذوفة في ( إله )، فلزمتا الكلمة لزوم تلك الهمزة لو أُجريت على الأصل، ولهذا لم يدخل عليه في النداء ما يدخل على الأسماء المعرّفة من حروف التشبيه، فلم يقولوا : يا أيها الله.
دفع أقاويل أهل التأويل في هذا الاسم مبنيّة على هذين القولين. . . ثمة، واختلفوا فيه ؛ فقال الخليل بن أحمد وجماعة :( الله ) اسم علم موضوع غير مشتق بوجه، ولو كان مشتقّاً من صفة كما لو كان موصوفاً بتلك الصفة أو بعضها، قال الله :
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥].
( الله ) : اسم موضوع لله تعالى لا يشركه فيه أحد، قال الله تعالى :﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾، يعني : أن كل اسم مشترك بينه وبين غيره ؛ له على الحقيقة ولغيره على المجاز إلاّ هذا الاسم فإنه مختص به لأن فيه معنى الربوبيّة. والمعاني كلها تحته، ألا ترى أنك إذا أسقطت منه الألف بقي لله، وإذا أسقطت من لله اللام الأولى بقي ( له )،