غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
في البسملة مسائل :
الأولى : الجار والمجرور لابد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدراً وأنه يكون فعلاً أو اسماً فيه رائحة الفعل. وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدماً أو مؤخراً نحو : أبدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدئ، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر ههنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال : بسم الله متبركاً، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح. ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس : بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله تعالى ﴿بسم الله مجريها ومرساها﴾ [هود: ٤١] لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون : ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله تعالى قبله. ولأنهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم فيقول : باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في ﴿إياك نعبد﴾ صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص. قال في الكشاف : وإنما قدم الفعل في ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم. وقال صاحب المفتاح : الصواب أن يقال : معنى إقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقاً باقرأ الثاني. وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان : إما تعلق القلم بالكتبة في قولك " كتبت بالقلم " كان فعله لا يجيء معتداً به شرعاً إلا بعد تصديره بذكر الله قال ﷺ :" كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر " وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله تعالى ﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي متبركاً باسم الله أقرأ كما في قوله " بالرفاء والبنين " أي أعرست متلبساً بالرفاء وهذا أعرب وأحسن. أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل. وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله تعالى عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليماً لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره.
الثانية : أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ " الله " بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة : أحبب ربك بكل قلبك. وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدوا الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل دقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال.
الثالثة : طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم. وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه : طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيماً لكتاب الله. وقال أهل الإشارة : الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ " الله " ارتفعت واستعلت. فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه.
الرابعة : إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة. قال أهل الإشارة : الأصل في قولنا " الله " الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ : ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل : النهاية رجوع إلى البداية. وأما حذف الألف قبل النون من لفظ " الرحمان " فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن.
الخامسة : الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سميّ وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره. وقيل : لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عالٍ عليه حذفوا عجزه كما في " يد " و " دم " فبقي حرفان أولهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذراً من اللكنة والبشاعة. ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول : سم كما قال : باسم الذي في كل سورة سمه. وقد يضم السين فيقال :" سم " كأن الأصل عنده " سمو ". وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة. وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيماً وحجمه أوساماً.
السادسة : قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري : إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجوداً والمسمى معدوماً كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحداً كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسماً للمسمى وكونه المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة. ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالماً بنفسه لأنهما متغايران اعتباراً، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقياً بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة. وقال المعتزلة : الاسم نفس المسمى لقوله تعالى ﴿تبارك اسم ربك﴾ [الرحمان: ٧٨] مكان " تبارك ربك " : والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله تعالى من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي. وأيضاً قد يزاد لفظ الاسم مجازاً كقوله : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. قالوا : إذا قال الرجل : زينب طالق. وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعاً. قلنا : المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضاً مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا.
السابعة : وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما. والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعاً فيكون سابقاً عليه وضعاً. وأيضاً الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل. وأيضاً الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر.
الثامنة : أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة : أولها : لاسم الواقع على الذات. ثانيها : الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كاليحوان على الإنسان. ثالثها : الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ. رابعها : الوقع عليه بحسب صفة إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك. خامسها : الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير. سادسها : الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة. سابعها : صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً. ثامنها : صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق. تاسعها : صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسماً خارجاً عنها، سواء كان لله تعالى أو لمخلوقاته.
التاسعة : هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا ؟ ذكر بعضهم أن حقيقته تعالى لما كانت غير مدركة للبشر فكيف يوضع له اسم مخصوص بذاته ؟ وما الفائدة في ذلك ؟ أقول : لا ريب أن الإدراك التام عبارة عن الإحاطة التامة، والمحاط لا يمكن أن يحيط بمحيطه أبداً، وأنه تعالى بكل شيء محيط فلا يدركه شيء مما دونه كما ينبغي، إلا أن وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ينبغي، وإنما ينافي عدم إدراكه مطلقاً. فيجوز أن يقال الشيء الذي تدرك منه هذه الآثار واللوازم مسمى بهذا اللفظ، وأيضاً إذا كان الواضع هو الله تعالى وأنه يدرك ذاته لا محالة على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسماً مخصوصاً لا يشاركه فيه غيره حقيقة، وإذا كان وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكناً فينبغي أن يكون ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار، لأن شرف العلم والذكر بشرف المعلوم والمذكور. فلو اتفق لعبد من عبيده المقربين الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه، لم يبعد أن تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات. ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه. منهم من قال : هو ذو الجلال والإكرام ولهذا قال ﷺ :" ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " ورد بأن الجلال من الصفات السلبية والإكرام من الإضافية، ومن البين أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات. ومنهم من يقول : إنه الحي القيوم لقوله ﷺ لأبيّ بن كعب حين قال له : ما أعظم آية في كتاب الله ؟ فقال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقال ﷺ :" ليهنك العلم يا أبا المنذر ". وزيف بأن الحي هو الدرّاك الفعال وهذا ليس فيه عظمة ولأنه صفة، وأما القيوم فمعناه كونه قائماً بنفسه مقوّماً لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثا
القراءات :﴿مالك﴾ : بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك :﴿الرحيم مالك﴾ مدغماً : أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل ﴿قال لهم﴾ [البقرة: ٢٤٩] أو مخرج واحد مثل ﴿ولتأت طائفة﴾ [النساء: ١٠٢] أو قريبي المخرج مثل ﴿خلقكم﴾ [لقمان: ٢٨] و﴿لقد جاءكم﴾ [البقرة: ٩٢] سواء كان الحرف المدغم ساكناً مثل ﴿أنبتت سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركاً فأسكن للإدغام مثل ﴿قيل لهم﴾ [البقرة: ١١] و﴿لذهب بسمعهم﴾ [البقرة: ٢٠] ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفاً نحو ﴿أحل لكم﴾
[البقرة: ١٨٧] و﴿مس سقر﴾ [القمر: ٤٨] أو منقوصاً مثل ﴿وما كنت ترجو﴾ [القصص: ٨٦] و﴿كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠] ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل ﴿البحر لتأكلوا﴾ [النحل: ١٤] و﴿الحمير لتركبوها﴾ [النحل: ٨] إلا في مواضع أربعة ﴿كاد تزيغ﴾ [التوبة: ١١٧] و﴿قال رب﴾ [المؤمنون: ٢٦] في كل القرآن و﴿الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤] و﴿بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١] أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو ﴿أفأنت تهدي﴾ [يونس: ٤٣] ﴿أفأنت تسمع﴾ [الزخرف: ٤٠] وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين. " الصراط " بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن : حمزة. وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد. " عليهم " : وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن : حمزة وسهل ويعقوب. ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو ﴿أأنذرتهم أم﴾ [يس: ١٠].
الوقوف : العالمين ( لا ) لاتصال الصفة بالموصوف. الرحيم ( لا ) لذلك. الدين ( ط ) للعدول عن الغائب إلى المخاطب. نستعين ( ط ) لابتداء الدعاء. المستقيم ( لا ) لاتصال البدل بالمبدل. أنعمت عليهم ( لا ) لاتصال البدل أو الصفة. الضالين ( ٥ ).
فلنشتغل بتفسير الفاتحة فنقول : في البسملة مسائل :
الأولى : الجار والمجرور لابد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدراً وأنه يكون فعلاً أو اسماً فيه رائحة الفعل. وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدماً أو مؤخراً نحو : أبدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدئ، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر ههنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال : بسم الله متبركاً، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح. ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس : بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله تعالى ﴿بسم الله مجريها ومرساها﴾ [هود: ٤١] لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون : ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله تعالى قبله. ولأنهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم فيقول : باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في ﴿إياك نعبد﴾ صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص. قال في الكشاف : وإنما قدم الفعل في ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم. وقال صاحب المفتاح : الصواب أن يقال : معنى إقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقاً باقرأ الثاني. وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان : إما تعلق القلم بالكتبة في قولك " كتبت بالقلم " كان فعله لا يجيء معتداً به شرعاً إلا بعد تصديره بذكر الله قال ﷺ :" كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر " وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله تعالى ﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي متبركاً باسم الله أقرأ كما في قوله " بالرفاء والبنين " أي أعرست متلبساً بالرفاء وهذا أعرب وأحسن. أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل. وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله تعالى عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليماً لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره.
الثانية : أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ " الله " بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة : أحبب ربك بكل قلبك. وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدوا الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل دقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال.
الثالثة : طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم. وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه : طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيماً لكتاب الله. وقال أهل الإشارة : الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ " الله " ارتفعت واستعلت. فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه.
الرابعة : إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة. قال أهل الإشارة : الأصل في قولنا " الله " الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ : ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل : النهاية رجوع إلى البداية. وأما حذف الألف قبل النون من لفظ " الرحمان " فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن.
الخامسة : الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سميّ وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره. وقيل : لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عالٍ عليه حذفوا عجزه كما في " يد " و " دم " فبقي حرفان أولهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذراً من اللكنة والبشاعة. ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول : سم كما قال : باسم الذي في كل سورة سمه. وقد يضم السين فيقال :" سم " كأن الأصل عنده " سمو ". وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة. وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيماً وحجمه أوساماً.
السادسة : قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري : إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجوداً والمسمى معدوماً كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحداً كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسماً للمسمى وكونه المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة. ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالماً بنفسه لأنهما متغايران اعتباراً، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقياً بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة. وقال المعتزلة : الاسم نفس المسمى لقوله تعالى ﴿تبارك اسم ربك﴾ [الرحمان: ٧٨] مكان " تبارك ربك " : والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله تعالى من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي. وأيضاً قد يزاد لفظ الاسم مجازاً كقوله : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. قالوا : إذا قال الرجل : زينب طالق. وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعاً. قلنا : المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضاً مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا.
السابعة : وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما. والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعاً فيكون سابقاً عليه وضعاً. وأيضاً الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل. وأيضاً الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر.
الثامنة : أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة : أولها : لاسم الواقع على الذات. ثانيها : الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كاليحوان على الإنسان. ثالثها : الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ. رابعها : الوقع عليه بحسب صفة إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك. خامسها : الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير. سادسها : الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة. سابعها : صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً. ثامنها : صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق. تاسعها : صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسماً خارجاً عنها، سواء كان لله تعالى أو لمخلوقاته.
التاسعة : هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أ
الأولى : الجار والمجرور لابد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدراً وأنه يكون فعلاً أو اسماً فيه رائحة الفعل. وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدماً أو مؤخراً نحو : أبدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدئ، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر ههنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال : بسم الله متبركاً، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح. ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس : بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله تعالى ﴿بسم الله مجريها ومرساها﴾ [هود: ٤١] لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون : ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله تعالى قبله. ولأنهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم فيقول : باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في ﴿إياك نعبد﴾ صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص. قال في الكشاف : وإنما قدم الفعل في ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم. وقال صاحب المفتاح : الصواب أن يقال : معنى إقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقاً باقرأ الثاني. وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان : إما تعلق القلم بالكتبة في قولك " كتبت بالقلم " كان فعله لا يجيء معتداً به شرعاً إلا بعد تصديره بذكر الله قال ﷺ :" كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر " وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله تعالى ﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي متبركاً باسم الله أقرأ كما في قوله " بالرفاء والبنين " أي أعرست متلبساً بالرفاء وهذا أعرب وأحسن. أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل. وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله تعالى عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليماً لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره.
الثانية : أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ " الله " بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة : أحبب ربك بكل قلبك. وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدوا الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل دقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال.
الثالثة : طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم. وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه : طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيماً لكتاب الله. وقال أهل الإشارة : الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ " الله " ارتفعت واستعلت. فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه.
الرابعة : إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة. قال أهل الإشارة : الأصل في قولنا " الله " الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ : ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل : النهاية رجوع إلى البداية. وأما حذف الألف قبل النون من لفظ " الرحمان " فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن.
الخامسة : الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سميّ وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره. وقيل : لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عالٍ عليه حذفوا عجزه كما في " يد " و " دم " فبقي حرفان أولهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذراً من اللكنة والبشاعة. ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول : سم كما قال : باسم الذي في كل سورة سمه. وقد يضم السين فيقال :" سم " كأن الأصل عنده " سمو ". وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة. وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيماً وحجمه أوساماً.
السادسة : قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري : إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجوداً والمسمى معدوماً كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحداً كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسماً للمسمى وكونه المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة. ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالماً بنفسه لأنهما متغايران اعتباراً، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقياً بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة. وقال المعتزلة : الاسم نفس المسمى لقوله تعالى ﴿تبارك اسم ربك﴾ [الرحمان: ٧٨] مكان " تبارك ربك " : والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله تعالى من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي. وأيضاً قد يزاد لفظ الاسم مجازاً كقوله : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. قالوا : إذا قال الرجل : زينب طالق. وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعاً. قلنا : المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضاً مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا.
السابعة : وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما. والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعاً فيكون سابقاً عليه وضعاً. وأيضاً الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل. وأيضاً الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر.
الثامنة : أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة : أولها : لاسم الواقع على الذات. ثانيها : الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كاليحوان على الإنسان. ثالثها : الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ. رابعها : الوقع عليه بحسب صفة إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك. خامسها : الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير. سادسها : الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة. سابعها : صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً. ثامنها : صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق. تاسعها : صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسماً خارجاً عنها، سواء كان لله تعالى أو لمخلوقاته.
التاسعة : هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا ؟ ذكر بعضهم أن حقيقته تعالى لما كانت غير مدركة للبشر فكيف يوضع له اسم مخصوص بذاته ؟ وما الفائدة في ذلك ؟ أقول : لا ريب أن الإدراك التام عبارة عن الإحاطة التامة، والمحاط لا يمكن أن يحيط بمحيطه أبداً، وأنه تعالى بكل شيء محيط فلا يدركه شيء مما دونه كما ينبغي، إلا أن وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ينبغي، وإنما ينافي عدم إدراكه مطلقاً. فيجوز أن يقال الشيء الذي تدرك منه هذه الآثار واللوازم مسمى بهذا اللفظ، وأيضاً إذا كان الواضع هو الله تعالى وأنه يدرك ذاته لا محالة على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسماً مخصوصاً لا يشاركه فيه غيره حقيقة، وإذا كان وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكناً فينبغي أن يكون ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار، لأن شرف العلم والذكر بشرف المعلوم والمذكور. فلو اتفق لعبد من عبيده المقربين الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه، لم يبعد أن تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات. ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه. منهم من قال : هو ذو الجلال والإكرام ولهذا قال ﷺ :" ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " ورد بأن الجلال من الصفات السلبية والإكرام من الإضافية، ومن البين أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات. ومنهم من يقول : إنه الحي القيوم لقوله ﷺ لأبيّ بن كعب حين قال له : ما أعظم آية في كتاب الله ؟ فقال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقال ﷺ :" ليهنك العلم يا أبا المنذر ". وزيف بأن الحي هو الدرّاك الفعال وهذا ليس فيه عظمة ولأنه صفة، وأما القيوم فمعناه كونه قائماً بنفسه مقوّماً لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثا
القراءات :﴿مالك﴾ : بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك :﴿الرحيم مالك﴾ مدغماً : أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل ﴿قال لهم﴾ [البقرة: ٢٤٩] أو مخرج واحد مثل ﴿ولتأت طائفة﴾ [النساء: ١٠٢] أو قريبي المخرج مثل ﴿خلقكم﴾ [لقمان: ٢٨] و﴿لقد جاءكم﴾ [البقرة: ٩٢] سواء كان الحرف المدغم ساكناً مثل ﴿أنبتت سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركاً فأسكن للإدغام مثل ﴿قيل لهم﴾ [البقرة: ١١] و﴿لذهب بسمعهم﴾ [البقرة: ٢٠] ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفاً نحو ﴿أحل لكم﴾
[البقرة: ١٨٧] و﴿مس سقر﴾ [القمر: ٤٨] أو منقوصاً مثل ﴿وما كنت ترجو﴾ [القصص: ٨٦] و﴿كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠] ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل ﴿البحر لتأكلوا﴾ [النحل: ١٤] و﴿الحمير لتركبوها﴾ [النحل: ٨] إلا في مواضع أربعة ﴿كاد تزيغ﴾ [التوبة: ١١٧] و﴿قال رب﴾ [المؤمنون: ٢٦] في كل القرآن و﴿الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤] و﴿بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١] أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو ﴿أفأنت تهدي﴾ [يونس: ٤٣] ﴿أفأنت تسمع﴾ [الزخرف: ٤٠] وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين. " الصراط " بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن : حمزة. وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد. " عليهم " : وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن : حمزة وسهل ويعقوب. ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو ﴿أأنذرتهم أم﴾ [يس: ١٠].
الوقوف : العالمين ( لا ) لاتصال الصفة بالموصوف. الرحيم ( لا ) لذلك. الدين ( ط ) للعدول عن الغائب إلى المخاطب. نستعين ( ط ) لابتداء الدعاء. المستقيم ( لا ) لاتصال البدل بالمبدل. أنعمت عليهم ( لا ) لاتصال البدل أو الصفة. الضالين ( ٥ ).
فلنشتغل بتفسير الفاتحة فنقول : في البسملة مسائل :
الأولى : الجار والمجرور لابد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدراً وأنه يكون فعلاً أو اسماً فيه رائحة الفعل. وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدماً أو مؤخراً نحو : أبدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدئ، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر ههنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال : بسم الله متبركاً، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح. ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس : بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله تعالى ﴿بسم الله مجريها ومرساها﴾ [هود: ٤١] لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون : ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله تعالى قبله. ولأنهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم فيقول : باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في ﴿إياك نعبد﴾ صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص. قال في الكشاف : وإنما قدم الفعل في ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم. وقال صاحب المفتاح : الصواب أن يقال : معنى إقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقاً باقرأ الثاني. وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان : إما تعلق القلم بالكتبة في قولك " كتبت بالقلم " كان فعله لا يجيء معتداً به شرعاً إلا بعد تصديره بذكر الله قال ﷺ :" كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر " وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله تعالى ﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي متبركاً باسم الله أقرأ كما في قوله " بالرفاء والبنين " أي أعرست متلبساً بالرفاء وهذا أعرب وأحسن. أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل. وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله تعالى عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليماً لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره.
الثانية : أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ " الله " بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة : أحبب ربك بكل قلبك. وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدوا الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل دقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال.
الثالثة : طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم. وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه : طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيماً لكتاب الله. وقال أهل الإشارة : الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ " الله " ارتفعت واستعلت. فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه.
الرابعة : إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة. قال أهل الإشارة : الأصل في قولنا " الله " الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ : ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل : النهاية رجوع إلى البداية. وأما حذف الألف قبل النون من لفظ " الرحمان " فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن.
الخامسة : الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سميّ وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره. وقيل : لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عالٍ عليه حذفوا عجزه كما في " يد " و " دم " فبقي حرفان أولهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذراً من اللكنة والبشاعة. ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول : سم كما قال : باسم الذي في كل سورة سمه. وقد يضم السين فيقال :" سم " كأن الأصل عنده " سمو ". وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة. وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيماً وحجمه أوساماً.
السادسة : قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري : إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجوداً والمسمى معدوماً كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحداً كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسماً للمسمى وكونه المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة. ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالماً بنفسه لأنهما متغايران اعتباراً، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقياً بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة. وقال المعتزلة : الاسم نفس المسمى لقوله تعالى ﴿تبارك اسم ربك﴾ [الرحمان: ٧٨] مكان " تبارك ربك " : والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله تعالى من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي. وأيضاً قد يزاد لفظ الاسم مجازاً كقوله : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. قالوا : إذا قال الرجل : زينب طالق. وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعاً. قلنا : المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضاً مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا.
السابعة : وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما. والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعاً فيكون سابقاً عليه وضعاً. وأيضاً الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل. وأيضاً الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر.
الثامنة : أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة : أولها : لاسم الواقع على الذات. ثانيها : الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كاليحوان على الإنسان. ثالثها : الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ. رابعها : الوقع عليه بحسب صفة إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك. خامسها : الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير. سادسها : الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة. سابعها : صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً. ثامنها : صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق. تاسعها : صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسماً خارجاً عنها، سواء كان لله تعالى أو لمخلوقاته.
التاسعة : هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أ