تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
البسملة اسم لكلمة باسم الله، صيغ هذا الاسم على مادَّةٍ مؤلفة من حروف الكلمتين باسم والله على طريقة تسمى النَّحْت، وهو صوغ فعلِ مُضِيٍ على زنة فَعْلَل مؤلفةٍ مادِّتُه من حروف جملة أو حروفِ مركَّب إِضَافِيَ، مما ينطق به الناس اختصاراً عن ذكر الجملة كلها لقصد التخفيف لكثرة دوران ذلك على الألسنة. وقد استعمل العرب النحت في النَّسَب إلى الجملة أو المركب إذا كان في النسبِ إلى صدر ذلك أو إلى عَجزه التباس، كما قالوا في النسبة إلى عبد شمس عَبْشَمِيّ خشية الالتباس بالنسب إلى عبدٍ أو إلى شمس، وفي النسبة إلى عبد الدار عَبْدَرِيّ كذلك وإلى حضرموت حضرمي قال سيبويه في باب الإضافة ( أي النسَب ) إلى المضاف من الأسماء :« وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسماً بمنزلة جَعْفَري ويجعلون فيه من حروف الأول والآخر ولا يخرجونه من حروفهما ليُعْرَف » ا هـ، فجاء من خلفهم من مولدي العرب واستعملوا هذه الطريقة في حكاية الجمل التي يكثر دورانها في الألسنة لقصد الاختصار، وذلك من صدر الإسلام فصارت الطريقة عربية. قال الراعي :
قَومٌ على الإسلام لَمَّا يمنعواماعونَهم ويُضيِّعوا التَهْلِيلا
أي لم يتركوا قول : لا إله إلا الله. وقال عُمر بن أبي ربيعة :
لقد بسملت ليلَى غداةَ لقيتُهاألا حَبَّذا ذاك الحبيبُ المُبَسْمِلُ
أي قالت بسم الله فَرَقاً منه، فأصل بسمل قال بسم الله ثم أطلقه المولدون على قول بسم الله الرحمن الرحيم، اكتفاء واعتماداً على الشهرة وإن كان هذا المنحوتُ خِليَّاً من الحاء والراء اللذين هما من حروف الرحمان الرحيم، فشاع قولهم بسمل في معنى قال بسم الله الرحمن الرحيم، واشتق من فعل بسمل مصدر هو البسملة كما اشتق من هَلَّل مصدر هو الهيللة وهو مصدر قياسي لفعلل. واشتق منه اسم فاعل في بيت عمر بن أبي ربيعة ولم يسمع اشتقاق اسم مفعول.
ورأيت في « شرح ابن هارون التونسي على مختصر ابن الحاجب »(١) في باب الأذان عن المطرز في كتاب « اليواقيت » : الأفعالُ التي نحتت من أسمائها سبعة : بَسْمَلَ في بسم الله، وسَبْحَلَ في سبحان الله، وحَيْعَلَ في حي على الصلاة، وحَوْقَلَ في لا حول ولا قوة إلا بالله، وحَمْدَلَ في الحمدُ لله، وهَلَّل في لا إله إلا الله، وجَيْعَل إذا قال : جُعلت فِداك، وزاد الطَّيْقَلَة في أَطال الله بقاءك، والدَّمْعَزَةَ في أدام الله عزك.
ولَما كان كثير من أيمة الدين قائلاً بأنها آية من أوائل جميع السور غير براءة أو بعض السور تعين على المفسر أن يفسر معناها وحكمها وموقعها عند من عدوها آية من بعض السور. وينحصر الكلام عليها في ثلاثة مباحث. الأول : في بيان أهي آية من أوائل السور أم لا ؟.
الثاني : في حكم الابتداء بها عند القراءة. الثالث في تفسير معناها المختص بها.
فأما المبحث الأول فهو أن لا خلاف بين المسلمين في أن لفظ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ هو لفظ قرآني لأنه جزء آية من قوله تعالى :﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠] كما أنهم لم يختلفوا في أن الافتتاح بالتسمية في الأمور المهمة ذوات البال ورد في الإسلام، وروي فيه حديث : " كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " لم يروه أصحاب « السنن » ولا « المستدركات »، وقد وصف بأنه حسن، وقال الجمهور إن البسملة رسمها الذين كتبوا المصاحف في أوائل السور ما عدا سورة براءة، كما يؤخذ من محادثة ابن عباس مع عثمان، وقد مضت في المقدمة الثامنة، ولم يختلفوا في أنها كتبت في المصحف في أول سورة الفاتحة وذلك ليس موضع فصل السورة عما قبلها، وإنما اختلفوا في أن البسملة هل هي آية من سورة الفاتحة ومن أوائل السور غير براءة، بمعنى أن الاختلاف بينهم ليس في كونها قرآناً، ولكنه في تكرر قرآنيتها كما أشار إليه ابن رشد الحفيد في « البداية »، فذهب مالك والأوزاعي وفقهاء المدينة والشام والبصرة وقيل باستثناء عبد الله بن عمرو ابن شهاب من فقهاء المدينة إلى أنها ليست بآية من أوائل السور لكنها جزء آية من سورة النمل، وذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء مكة والكوفة غير أبي حنيفة، إلى أنها آية في أول سورة الفاتحة خاصة، وذهب عبد الله بن المبارك والشافعي في أحد قوليه وهو الأصح عنه إلى أنها آية من كل سورة. ولم ينقل عن أبي حنيفة من فقهاء الكوفة فيها شيء، وأخذ منه صاحب « الكشاف » أنها ليست من السور عنده فعَدَّه في الذين قالوا بعدم جزئيتها من السور وهو الصحيح عنه. قال عبد الحكيم لأنه قال بعدم الجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية وكره قراءتها في أوائل السور الموصولة بالفاتحة في الركعتين الأوليين. وأَزِيدُ فأقول إنه لم ير الاقتصار عليها في الصلاة مجزئاً عن القراءة.
أما حجة مذهب مالك ومن وافقه فلهم فيها مسالك : أحدها من طريق النظر، والثاني من طريق الأثر، والثالث من طريق الذوق العربي.
فأما المسلك الأول : فللمالكية فيه مقالة فائقة للقاضي أبي بكر الباقلاني وتابَعَه أبو بكر ابن العربي في « أحكام القرآن » والقاضي عبد الوهاب في كتاب « الإشراف »، قال الباقلاني :« لو كانت التسمية من القرآن لكان طريق إثباتها إما التواتر أو الآحاد، والأول : باطل لأنه لو ثبت بالتواتر كونها من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأُمَّة، والثاني : أيضاً باطل لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقاً إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنياً، ولو جاز ذلك لجاز ادعاء الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف » ا هـ وهو كلام وجيه والأقيسة الاستثنائية التي طواها في كلامه واضحة لمن له ممارسة للمنطق وشرطياتها لا تحتاج للاستدلال لأنها بديهية من الشريعة فلا حاجة إلى بسطها.
زاد أبو بكر بن العربي في « أحكام القرآن » فقال : يكفيك أنها ليست من القرآن الاختلافُ فيها، والقرآن لا يُختلف فه ا هـ. وزاد عبد الوهاب فقال :« إن رسول الله ﷺ بين القرآن بياناً واحداً متساوياً ولم تكن عادته في بيانه مختلفة بالظهور والخفاء حتى يختص به الواحد والاثنان ؛ ولذلك قطعنا بمنع أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينا وأبطلنا قول الرافضة إن القرآن حِمْل جَمَل عند الإمام المعصوم المنتظر فلو كانت البسملة من الحمد لبيّنها رسول الله بياناً شافياً » ا هـ.
وقال ابن العربي في « العارضة » : إن القاضي أبا بكر بن الطيب، لم يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة خاصة لأنها متعلقة بالأصول.
وقد عارض هذا الدليل أبو حامد الغزالي في « المستصفى » فقال :« نُفي كون البسملة من القرآن أيضاً إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف ( أي وهو ظاهر البطلان ) وإن ثبت بالآحاد يصير القرآن ظنياً، قال : ولا يقال : إن كون شيء ليس من القرآن عدم والعدم لا يحتاج إلى الإثبات لأنه الأصل بخلاف القول بأنها من القرآن، لأنّا نجيب بأن هذا وإن كان عدماً إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهن كونها ليست من القرآن فهاهنا لا يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بالدليل ويأتي الكلام في أن الدليل ما هو، فثبت أن الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه ا هـ، وتبعه على ذلك الفخر الرازي في « تفسيره » ولا يخفى أنه آل في استدلاله إلى المصادرة إذ قد صار مرجع استدلال الغزالي وفخر الدين إلى رسم البسملة في المصاحف، وسنتكلم عن تحقيق ذلك عند الكلام على مدرك الشافعي. وتعقب ابن رشد في « بداية المجتهد » كلام الباقلاني والغزالي بكلام غير محرر فلا نطيل به.
وأما المسلك الثاني : وهو الاستدلال من الأثر فلا نجد في صحيح السنة ما يشهد بأن البسملة آية من أوائل سور القرآن والأدلة ستة :
الدليل الأول : ما روى مالك في « الموطأ » عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال : " قال الله تعالى قسمت الصلاة نصفين بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد :﴿الحمد لله رب العالمين﴾، فأقول : حمدني عبدي " الخ، والمراد في الصلاة القراءة في الصلاة ووجه الدليل منه أنه لم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم.
الثاني : حديث أُبيّ بن كعب في « الموطأ » و« الصحيحين » أن رسول الله ﷺ قال له : " ألا أعلمك سورة لم يُنْزَل في التوراة ولا في الإنجيل مثُلها قبل أن تخرج من المسجد " ؟ قال : بلى، فلما قارب الخروج قال له : كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال أبيٌّ فقرأت ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ حتى أتيت على آخرها، فهذا دليل على أنه لم يقرأ منها البسملة.
الثالث : ما في « صحيح مسلم » و« سنن أبي داود » و« سنن النسائي » عن أنس بن مالك من طرق كثيرة أنه قال : صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون ( بسم الله الرحمن الرحيم )، لا في أول قراءة ولا في آخرها.
الرابع : حديث عائشة في « صحيح مسلم » و« سنن أبي داود » قالت : كان رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءةَ بالحمد الله رب العالمين.
الخامس : ما في « سنن الترمذي والنسائي » عن عبد الله بن مغفل قال : صليت مع النبيء وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقول :( بسم الله الرحمن الرحيم )، إذا أنت صليت فقل ﴿الحمد لله رب العالمين﴾.
السادس وهو الحاسم : عمل أهل المدينة، فإن المسجد النبوي من وقت نزول الوحي إلى زمن مالك صلى فيه رسول الله والخلفاء الراشدون والأمراء وصلى وراءهم الصحابة وأهل العلم ولم يسمع أحد قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في الصلاة الجهرية، وهل يقول عالم أن بعض السورة جهر وبعضها سر، فقد حصل التواتر بأن النبيء والخلفاء لم يجهروا بها في الجهرية، فدل على أنها ليست من السورة ولو جهروا بها لما اختلف الناس فيها.
وهناك دليل آخر لم يذكروه هنا وهو حديث عائشة في بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ وهو معتبر مرفوعاً إلى النبي، وذلك قوله :« ففَجِئَه الملَك فقال : اقرأ قال رسول الله فقلت ما أنا بقارىء إلى أن قال فغطني الثالثة ثم قال :﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١] الحديث. فلم يقل فقال لي بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقرأ بسم ربك﴾، وقد ذكروا هذا في تفسير سورة العلق وفي شرح حديث بدء الوحي.
وأما المسلك الثالث وهو الاستدلال من طريق الاستعمال العربي فيأتي القول فيه على مراعاة قول القائلين بأن البسملة آية من سورة الفاتحة خاصة، وذلك يوجب أن يتكرر لفظان وهما ﴿الرحمن الرحيم﴾ في كلام غير طويل ليس بينهما فصل كثير وذلك مما لا يحمد في باب البلاغة، وهذا الاستدلال نقله الإمام الرازي في « تفسيره » وأجاب عنه بقوله : إن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن وإن تأكيد كونه تعالى رحماناً رحيماً من أعظم المهمات.
وأَنَا أَدْفع جوابه بأن التكرار وإن كانت له مواقع محمودة في الكلام البليغ مثل التهويل، ومقام الرثاء أو التعديد أو التوكيد اللفظي، إلا أن الفاتحة لا مناسبة لها بأغراض التكرير ولا سيما التوكيد لأنه لا منكر لكونه تعالى رحماناً رحيماً، ولأن شأن التوكي
١ رقم ١٠٥٢٠ بالمكتبة الصادقية ( العبدلية) بتونس..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى