الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
تفسير بسم الله الرحمن الرحيم روي أن رجلا قال بحضرة النبي ﷺ : تعس الشيطان، فقال رسول الله ﷺ :" لا تقل ذلك، فإنه يتعاظم عنده، ولكن قل : بسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يصغر حتى يصير أقل من الذباب "، والبسملة تسعة عشر حرفا، قال بعض الناس إن رواية بلغتهم أن ملائكة النار الذين قال الله فيهم عليها تسعة عشر، إنما ترتب عددهم على حروف بسم الله الرحمن الرحيم، لكل حرف ملك، وهم يقولون في كل أفعالهم بسم الله الرحمن الرحيم، فمن هنالك هي قوتهم، وباسم الله استضلعوا.
قال ( ع ) : وهذا من ملح التفسير، وليس من متين العلم، ( ت ) ولا يخفى عليك لين ما بلغ هؤلاء. ولقد أغنى الله تعالى بصحيح الأحاديث، وحسنها، عن موضوعات الوراقين. فجزى الله نقاد الأمة عنا خيرا. وما جاء من الأثر عن جابر وأبي هريرة مما يقتضي بظاهره أن البسملة آية من الفاتحة يرده صحيح الأحاديث، كحديث أنس، وأبي بن كعب، وحديث ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ) ونحوها، ولم يحفظ قط عن النبي ﷺ ولا عن الخلفاء بعده أنهم يبسملون في الصلاة.
( ع )، والباء له في بسم الله متعلقة عند نحاة البصرة باسم، تقديره ابتدائي مستقر أو ثابت بسم الله، وعند نحاة الكوفة بفعل تقديره ابتدأت بسم الله، واسم أصله سمو بكسر السين، أو سمو بضمها وهو عند البصريين مشتق من السمو. ( ت ) وهو العلو والارتفاع.
قال ( ص ) : والاسم هو الدال بالوضع على موجود في العيان، إن كان محسوسا، وفي الأذهان إن كان معقولا، من غير تعرض ببنيته للزمان. ومدلوله هو المسمى، والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلا على المعنى. فهي أمور ثلاثة متباينة، فإذا أسندت حكما إلى لفظ اسم، فتارة يكون حقيقة نحو زيد اسم ابنك، وتارة يكون مجازا، وهو حيث يطلق الاسم، ويراد به المسمى، كقوله تعالى :﴿تبارك اسم ربك﴾ [الرحمن: ٧٨] ﴿وسبح اسم ربك﴾ [الأعلى: ١] وتأول السهيلي ( سبح اسم ربك ) على إقحام الاسم أي سبح ربك وإنما ذكر الاسم حتى لا يخلو التسبيح من اللفظ باللسان، لأن الذكر بالقلب متعلقه المسمى، والذكر باللسان متعلقه اللفظ، وتأول قوله تعالى :﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء﴾ [يوسف: ٤٠] بأنها أسماء كاذبة غير واقعة على الحقيقة، فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها. انتهى.
وقال الكوفيون : أصل اسم وسم من السمة، وهي العلامة لأن الاسم علامة لمن وضع له، والمكتوبة التي لفظها الله أبهر أسمائه تعالى، وأكثرها استعمالا، وهو المتقدم لسائرها في الأغلب، وإنما تجئ الأخر أوصافا، وحذفت الألف الأخيرة من الله لئلا يشكل بخط اللات، وقيل طرحت تخفيفا، والرحمن صفة مبالغة من الرحمة. معناها أنه انتهى إلى غاية الرحمة. وهي صفة تختص بالله تعالى، ولا تطلق على البشر. وهي أبلغ من فعيل. وفعيل أبلغ من فاعل، لأن راحما يقال لمن رحم ولو مرة واحدة، ورحيما يقال لمن كثر منه ذلك، والرحمن النهاية في الرحمة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى