الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
﴿بِسمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
مصدر بَسْمَلَ، أي قال : بسم الله، نحو : حَوْقَلَ وهيْلَلَ وحَمْدَلَ، أي : قال : لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والحمد لله. وهذا شَبيه بباب النحت في النسب، أي إنهم يأخذون اسمَيْن فَيَنْحِتون منهما لفظاً واحداً، فينسِبون إليه كقولهم : حَضْرَميّ وعَبْقَسيّ وعَبْشَميّ نسبةً إلى حَضْرَمَوْت وعبدِ القَيْس وعبدِ شمس. قال :
وتضحَكُ مني شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةكَأَنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً يَمانياً
وهو غيرُ مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في : بَسْمل وهَيْلل إنها لغة مُوَلَّدَة، [ قال الماوردي : يقال لمَنْ قال : بسم الله : مُبَسْمِل وهي ] لغةٌ مُوَلَّدة وقد جاءَتْ في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة :
لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لقِيتُهاألا حَبَّذا ذاكَ الحديثُ المُبَسْمِلُ
وغيرُه من أهلِ اللغةِ نَقَلها ولَم يقُلْ إنها مُوَلَّدَة ك ثعلب والمطرِّز.
وبِسْم : جارٌّ ومجرور، والباء هنا للاستعانة كعَمِلت وبالقَدُوم، لأنَّ المعنى : أقرأ مستعيناً بالله، ولها معانٍ أُخَرُ تقدَّم الوعدُ بذكرها، وهي : الإِلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو : مَسَحْتُ برأسي، مررْتُ بزيدٍ، والسببية :[ نحو ]
﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أي بسببِ ظلمهم، والمصاحبة نحو : خرج زيدٌ بثيابه، أي مصاحباً لها، والبدلُ كقوله عليه السلام :" ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَم " أي بدلها، وكقول الآخر :
فليتَ لي بِهِمُ قوماً إذا ركبواشَنُّوا الإِغارةَ فرساناً ورُكْبانا
أي : بَدَلَهم، والقسم : أحلفُ باللهِ لأفعلنَّ، والظرفية نحو : زيد بمكة أي فيها، والتعدية نحو :﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، والتبعيض كقول الشاعر :
شَرِبْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعَتْمتى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ
أي من مائه، والمقابلة :" اشتريتهُ بألف " أي : قابلتُه بهذا الثمنِ، والمجاوزة مثلُ قولِه تعالى :﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أي عن الغمام، ومنهم مَنْ قال : لا تكون كذلك إلا مع السؤال خاصة نحو :
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] أي عنه، وقول علقمة :
فإنْ تَسْأَلوني بالنساءِ فإننيخبيرٌ بأَدْواءِ النساء طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُهفليس له في وُدِّهِنَّ نَصيبُ
والاستعلاء كقوله تعالى :﴿مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]. والجمهورُ يأبَوْن جَعْلها إلا للإِلصاق أو التعديةِ، ويَرُدُّون جميعَ المواضعِ المذكورةِ إليهما، وليس هذا موضعَ استدلال وانفصال.
وقد تُزاد مطَّردةً وغيرَ مطَّردة، فالمطَّردةُ في فاعل " كفى " نحو :
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٦]/ أي : كفى اللهُ، بدليل سقوطِها في قول الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كفى الشيبُ والإِسلامُ للمرءِ ناهياً
وفي خبرِ ليس و " ما " أختِها غيرَ موجَبٍ ب إلاَّ، كقوله تعالى :﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ [ عَبْدَهُ ]﴾ [الزمر: ٣٦]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾ [الأنعام: ١٣٢] وفي : بحَسْبكِ زيدٌ. وغيرَ مطَّردةٍ في مفعولِ " كفَى "، كقوله :
فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا *** حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا أي : كَفانا، وفي البيت كلامٌ آخرُ، وفي المبتدأ غيرَ " حَسْب " ومنه في أحدِ القولين :﴿بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] وقيل : المفتون مصدر كالمَعْقول والمَيْسور، فعلى هذا ليست زائدةً، وفي خبر " لا " أختِ ليس، كقوله :
فكُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍبمُغْنٍ فتيلاً عن سَوادِ بنِ قاربِ
أي : مُغْنياً، وفى خبرِ كان مَنْفِيَّةً نحو :
وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكنْبِأعجلِهم، إذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ
أي : لم أكنْ أعجلَهم، وفي الحال وثاني مفعولَيْ ظنَّ منفيَّيْنِ أيضاً كقوله :
فما رَجَعَتْ بخَائِبَةٍ رِكابٌحكيمُ بنُ المُسَيَّب مُنْتَهاها
وقولِ الآخر :
دعاني أخي والخيلُ بيني وبينهفلمَّا دعاني لم يَجِدْني بقُعْدَدِ
أي : ما رَجَعَت رِكابُ خائبةً، ولم يَجِدْني قُعْدَداً، وفي خبر " إنَّ " كقول امرئ القيس :
فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِهافإنك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ
أي : فإنك المجرِّب، وفي :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ﴾ [الأحقاف: ٣٣] وشبهه.
والاسمُ لغةً : ما أبانَ عن مُسَمَّى، واصطلاحاً : ما دلَّ على معنىً في نفسه فقط غيرَ متعرِّضٍ بِبُنْيَتِهِ لزمان ولا دالٍّ جزءٌ من أجزائه على جزءٍ من أجزاء معناه، وبهذا القيدِ الأخيرِ خَرَجت الجملةُ الاسميةُ، والتسميةُ : جَعْلُ ذلك اللفظِ دالاًّ على ذلك المعنى.
واختلف الناسُ : هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه ؟ وهي مسألةٌ طويلةٌ، تكلَّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً واستشكلوا على كونه هو المُسَمَّى إضافَتَه إليه، فإنه يلزم منه إضافةُ الشيء إلى نفسِه، وأجاب أبو البقاء عن ذلك بثلاثة أجوبة، أجودُها : أنَّ الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسميةُ غيرُ الاسم، لأنَّ التسمية هي اللفظُ بالاسم، والاسمَ هو اللازمُ للمُسَمَّى فتغايرا. الثاني : أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه : باسم مُسَمَّى اللهِ. الثالث : أن لفظَ " اسم " زائدٌ كقولِه :
إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكماومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذَرْ
أي : السلام عليكما، وقول ذي الرمة :
لاَ يَرْفَعُ الطرفَ إلاَّ ما تَخَوَّنَهُداعٍ يُناديه باسمِ الماءِ مَبْغَومُ
وإليه ذهب أبو عبيدة والأخفش وقطرب.
واختلفوا في معنى الزيادة فقال الأخفش : ليخرجَ من حُكْمِ القسم إلى قَصْدِ التبرُّك ". وقال قطرب :" زيد للإِجلال والتعظيم "، وهذان الجوابان ضعيفان لأنَّ الزيادةَ والحذفَ لا يُصار إليهما إلاَّ إذا اضطُرَّ إليهما.
ومن هذا القَبيلِ - أعني ما يُوهِمُ إضافةَ الشيءِ إلى نفسِه - إضافةُ الاسمِ إلى اللقبِ والموصوفِ إلى صفتهِ، نحو : سعيدُ كُرزٍ وزيدُ قُفَّةٍ ومسجدُ الجامعِ وبَقْلَةُ الحمقاءِ، ولكن النحويين أوَّلوا النوع الأول بأنْ جعلوا الاسمَ بمعنى المُسَمَّى واللقبَ بمعنى اللفظِ، فتقديرُه : جاءني مسمَّى هذا اللفظِ، وفي الثاني جَعَلوه على حَذْفِ مضافٍ، فتقديرُ بقلةِ الحمقاءِ : بقلةُ الحبِّةِ الحمقاءِ، ومسجدُ الجامعِ : مسجدُ المكانِ الجامعِ.
واختلف النحويون في اشتقاقه : فذهب أهلُ البصرة إلى أنه مشتقٌ من السُّمُوِّ وهو الارتِفاعُ، لأنه يَدُلُّ على مُسَمَّاه فيرفعُه ويُظْهِرهُ، وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوَسْم وهو العلامةُ لأنه علامةٌ على مُسَمَّاه، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث المعنى لكنه فاسدٌ من حيث التصريفُ.
استدلَّ البصريون على مذهبهم بتكسيرِهم له على " أَسْماء " وتصغيرهم له على سُمَيّ، لأن التكسير والتصغير يَرُدَّان الأشياء إلى أصولها، وتقولُ العَربُ : فلانٌ سَمِيُّك، وسَمَّيْتُ فلاناً بكذا، وأَسْمَيْتُه بكذا، فهذا يَدُلُّ على اشتقاقه من السموّ، ولو كان من الوَسْم لقيل في التكسير : أَوْسام، وفي التصغير : وُسَيْم، ولقالوا :
وَسِيمُك فلانٌ ووَسَمْتُ وأَوْسَمْتُ فلاناً بكذا، فدلَّ عدمُ قولِهم ذلك أنه ليس كذلك. وأيضاً فَجَعْلُه من السموّ مُدْخِلٌ له في البابِ الأكثرِ، وجَعْلُه من الوَسْم مُدْخِلٌ له في الباب الأقلِّ ؛ وذلك أن حَذْفَ اللام كثيرٌ وحذفَ الفاءِ قليلٌ، وأيضاً فإنَّا عَهِدْناهم غالباً يُعَوِّضون في غير محلِّ الحَذْفَ فَجَعْلُ همزةِ الوصل عوضاً من اللام موافقٌ لهذا الأصل بخلافِ ادِّعاءِ كَوْنِها عوضاً من الفاء. فإن قيل : قولُهم " أسماء " في التكسير و " سُمَيّ " في التصغير لا دلالةَ فيه لجوازِ أن يكون الأصلُ : أَوْسَاماً ووُسَيْماً، ثم قُلِبَتِ الكلمةُ بأَنْ أُخِّرَتْ فاؤُها بعد لامها فصار لفظُ أَوْسام : أَسْماواً، ثم أُعِلَّ إعلالَ كساء، وصار وُسَيْم سُمَيْوَاً، ثم أُعِلَّ إعلالَ جُرَيّ تصغير جَرْو. فالجوابُ أنَّ ادِّعاء ذلك لا يفيدُ، لأنَّ القَلْبَ على خلافِ القياس فلا يُصارُ إليه ما لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ. وهل لهذا الخلافِ فائدةٌ أم لا ؟ والجوابُ أن له فائدةً، وهي أَنَّ مَنْ قال باشتقاقِه من العلوِّ يقول : إنه لم يَزَلْ موصوفاً قبل وجودِ الخلق وبعدَهم وعند فَنائِهم، لا تأثيرَ لهم في أسمائه ولا صفاتِه وهو قول أهل السُّنَّةِ. وَمنْ قال بأنه مشتقٌّ من الوَسْم يقول : كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفةٍ، فلما خَلَقَ الخلق جعلوا له أسماءً وصفاتٍ وهو قول المعتزلة، وهذا أشدُّ خطأً من قولِهم بخلق القرآن وعلى هذا الخلافِ وَقَعَ الخلافُ أيضاً في الاسم والمُسَمَّى.
وفي الاسم خمسُ لغاتٍ :" اسم " بضم الهمزة وكسرها، و " سُِم " بكسر السين وضمها. وقال أحمد بن يحيى :" سُمٌ بضم السين أَخَذَه من سَمَوْتُ أسْمُو، ومَنْ قاله بالكسر أخذه من سَمَيْتُ أَسْمي، وعلى اللغتين قوله :
وعامُنا أَعْجبنا مُقَدَّمُهْيُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرضابٌ سُِمُهْ
مُبْتَرِكاً لكلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ
يُنْشَدُ بالوجهين، وأنشدوا على الكسر :
باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ
[ فعلى هذا يكون في لام " اسم " وجهان، أحدُهما : أنها واو، والثاني : أنها ياء وهو غريبٌ، ولكنَّ ] أحمد بن يحيى جليلُ القدر ثقةٌ فيما ينقل. و " سُمَىً " مثل هُدَىً. واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر :
واللهُ أَسْماك سُمَىً مُبارَكاًآثرك اللهُ به إيثارَكَا
ولا دليلَ في ذلك لجوازِ أن يكونَ من لغةِ مَنْ يجعله منقوصاً مضمومَ السين وجاء به منصوباً، وإنما كان ينتهض دليلاً لو قيل : سُمَىً حالةَ رفعٍ أو جَرٍّ.
وهمزتُه همزةُ وصلٍ أي تُثْبَت ابتداءً وتُحْذَفُ دَرْجَاً، وقد تُثْبَتُ ضرورةً كقوله :
وما أنا بالمَخْسوسِ في جِذْمِ مالكٍولا مَنْ تسمَّى ثم يلتزِم الإِسْما
وهو أحدُ الأسماءِ العشرةِ التي ابتُدِئ في أوائِلها بهمزةِ الوصلِ/ وهي : اسم واست وابن وابنُم وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان وايمنُ في القسم. والأصل في هذه الهمزةِ أن تُثْبَتَ خَطَّاً كغيرِها من همزاتِ الوصل، وإنما حَذَفوها حين يُضاف الاسمُ إلى الجلالةِ خاصةً لكثرة الاستعمال. وقيل : ليوافقَ الخطُّ اللفظَ. وقيل لا حذفَ أصلاً، وذلك لأن الأصل :" سِمٌ " أو " سُم " بكسر السين أو ضمها فلمَّا دخلتِ الباءُ سَكَنَتِ العينُ تخفيفاً، لأنه وقع بعد الكسرة كسرةٌ أو ضمةٌ، [ وهذا حكاه النحاس وهو حسن ]، فلو أضيف إلى غير الجلالة ثَبَتَتْ، نحو : باسم الرحمن، هذا هو المشهور، وحُكِيَ عن الكسائي والأخفش جوازُ حََذْفِها إذا أُضيفت إلى غيرِ الجلالة من أسماء الباري تعالى نحو : بسمِ ربِّك، بسمِ الخالق.
واعْلم أنَّ كلَّ جار ومجرور لا بُدَّ له من شيءٍ يَتَعَلَّقُ به، فعلٍ أو ما في معنا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى