قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ﴾ يعني: يُمارُون في آيات الله؛ لأن الدَّجّال آيةٌ مِن آيات الله عز وجل ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ يعني: بغير حجة أتتهم من الله -إضمار- بأنّ الدَّجّال كما يقولون، يقول الله عز وجل: ﴿إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ يقول: ما في قلوبهم إلا عَظَمة ﴿ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ إلى ذلك الكِبر، لقولهم: إن الدَّجّال يملك الأرض
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ بعمله الحسن ﴿حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ يقول: مَن كان من الأبرار يريد بعمله الحسن ثواب الآخرة ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ يعني: بلالًا وأصحابه، حتى يضاعف له في حرثه، يقول: في عمله، ﴿ومَن كانَ﴾ من الفُجّار ﴿يُرِيدُ﴾ بعمله ﴿حَرْثَ الدُّنْيا﴾ يعني: ثواب الدنيا ﴿نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ فِي الآخِرَةِ﴾ يعني: الجنة، لهؤلاء الثلاثة ﴿مِن نَصِيبٍ﴾ يعني: مِن حظّ...
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ يعني: ألَهُم سُلّمٌ إلى السماء يصعدون فيه، يعني: عليه، مثل قوله: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأَبْقى﴾ [طه:٧١]، يعني: على جذوع النخل، فيستمعون الوحي مِن الله تعالى إلى النبي ﷺ، ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ يعني: صاحبهم الذي يستمع الوحي ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ يعني: بحُجّةٍ بيّنة بأنّه يقدر على أن يسمع الوحي من الله تعالى
عن الحسن البصري -من طريق إبراهيم بن قرة- في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ قال: العدل: التوحيد، والإحسان: الصلاة، ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ قال: مالُك في أقاربك، ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ قال: الزنا، ﴿والمنكر﴾ قال: الشرك، ﴿والبغي﴾ قال: قطيعة الرَّحِم
انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/٨٢-٨٣) قولَ ابن عباس هذا، وما ماثله، مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «أمّا الفرائض والأحكام فإنّه قد اخْتُلِف فيها: هل كانت أُكْمِلَتْ ذلك اليوم أم لا؟ فرُوِي عن ابن عباس والسدي ما ذكرنا عنهما قبلُ. ورُوِي عن البَراء بن عازِب أنّ آخر آية نزلت من القرآن: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]، ولا يَدْفَع ذو عِلْم أنّ الوحي لم ينقطع عن رسول الله ﷺ إلى أن قُبِض، بل كان الوحي قبل وفاته أكْثَرَ ما كان تَتابُعًا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ آخرَها نُزُولًا، وكان ذلك من الأحكام والفرائض؛ كان معلومًا أنّ معنى قوله: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ على خلاف الوجه الذي تَأَوَّله مَن تَأَوَّلَه، أعني: كمال العبادات والأحكام والفرائض. فإن قال قائل: فما جَعْلُ قَوْلِ مَن قال:»قد نَزَل بعد ذلك فَرْضٌ«أوْلى مِن قَوْلِ مَن قال:»لم يَنزِلْ«؟ قِيل: لأنّ الذي قال:»لم يَنزِل«مُخْبِرٌ أنّه لا يَعْلَمُ نُزُول فَرْضٍ، والنَّفْيُ لا يكون شهادةً، والشَّهادَةُ قولُ مَن قالَ:»نَزَلَ«، وغيرُ جائزٍ دَفْعُ خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقًا»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾؛ فقيل: إن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدُهما أحقَّ بالمنزل من الآخر. وقيل: إنهما يستويان في تفضيله، وحرمته، وإقامة المناسك به. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٥٠٣) مستندًا إلى دلالة السياق القول الثاني، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن مجاهد، وعطاء، وعلَّل ذلك قائلًا: «لأنّ الله -تعالى ذِكْره- ذَكَر في أول الآية صدَّ مَن كَفَر به مَن أراد مِن المؤمنين قضاء نسكه في الحرم عن المسجد الحرام، فقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ثم ذَكَر -جلَّ ثناؤه- صفة المسجد الحرام، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾، فأخبر -جلَّ ثناؤه- أنه جعله للناس كلهم، والكافرون به يمنعون مَن أراده من المؤمنين به عنه، ثم قال: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾، فكان معلومًا أنّ خبره عن استواء العاكف فيه والباد إنما هو في المعنى الذي ابتدأ اللهُ الخبر عن الكفار أنهم صدوا عنه المؤمنين به، وذلك لا شك طوافهم، وقضاء مناسكهم به، والمقام، لا الخبر عن ملكهم إيّاه وغير ملكهم»
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- أنّ رجلًا من الأنصار قتل أخا مِقْيَس بن ضُبابة، فأعطاه النبي ﷺ الدِّيَة، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج: وقال غيره: ضرب النبي ﷺ ديته على بني النجار، ثم بعث مقيسًا، وبعث معه رجلًا من بني فهر في حاجة للنبي ﷺ، فاحتمل مقيسٌ الفهريَّ -وكان رجلًا أيِّدًا-، فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، ثم ألقى يتغنى: قتلت به فهرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَه سراة بني النجار أرباب فارع فأخبر به النبي ﷺ، فقال: «أظنُّه قد أحدث حَدَثًا، أما واللهِ لَئِن كان فَعَل لا أُومِنُه في حِلٍّ ولا حَرَم، ولا سِلْمٍ ولا حَرْب». فقُتِل يوم الفتح. قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ الآية
قال ابنُ عطية (٨/٣٢٦): «الطَّلاق على الجملة مكروه؛ لأنه تبديد شمْلٍ في الإسلام، وروى أبو موسى الأشعري أنّ النبي ﷺ قال: «لا تطلَّقوا النساء إلا من رِيبة؛ فإن الله لا يحب الذّواقين ولا الذّواقات». وروى أنس أنه عليه السلام قال: «ما حلف بالطَّلاق، ولا استحلف به إلا منافق»». وقال ابنُ عطية (٨/٣٢٧): «معنى هذه الآية: أن لا يُطلَّق أحدٌ امرأته إلا في طُهرٍ لم يَمسّها فيه، هذا على مذهب مالك وغيره ممن قال بأن الأقراء: الأطهار، فيُطلِّق عندهم المطلِّق في طُهرٍ لم يمسّ فيه وتعتد به المرأة، ثم تَحيض حيضتين تُعتدّ بالطُّهر الذي بينهما، ثم تقيم في الطُّهر الثالث معتدة به، فإذا رأتْ أول الحَيْضة الثالثة حلَّت، ومَن قال: بأن الأقراء: الحيض -وهم العراقيون- قال: ﴿لعدتهن﴾ معناه: أن تُطلَّق طاهرًا، فتستقبل ثلاث حِيض كوامل، فإذا رأت الطُّهر بعد الثالثة حلَّتْ، ويخفُّ عند هؤلاء مسّ في طُهر الطَّلاق أو لم يمسّ، وكذلك مالك يقول: إن طلَّق في طُهر قد مسّ فيه مضى الطَّلاق. ولا يجوز طلاق الحائض؛ لأنها تطول العِدّة عليها، وقيل: بل تعتدّ، ولو علل بالتطويل لا ينبغي أن يجوز ولو رضيته، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن عمر قال: «طلَّقت امرأتي وهي حائض...»»
عن عبد الله بن عباس، قال: جاء رجل إلى عمر يسأله، فجعل عمر ينظر إلى رأسه مرّة، وإلى رِجْلَيه أخرى، هل يرى عليه مِن البؤس! ثم قال له عمر: كم مالُك؟ قال: أربعون من الإبل. قال ابن عباس: قلتُ: صدق الله ورسوله: (لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن ذَهَبٍ لّابْتَغى الثّالِثَ، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللهُ عَلى مَن تابَ). فقال عمر: ما هذا؟ فقلتُ: هكذا أقرأني أُبَيّ. قال: فمُرّ بنا إليه. فجاء إلى أُبيّ، فقال: ما يقول هذا؟ قال أُبيّ: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ. قال: أفأثبتُها في المصحف. قال: نعم
اختُلِف في معنى قوله: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾؛ فقيل: هم المكاتَبون. وقيل: إنهم عبيد يُشترون بهذا السهم. ورجَّح ابنُ جرير (١١/٥٢٥) مستندًا إلى الإجماع، والدلالات العقلية القولَ الأول دون الثاني الذي قاله ابن عباس، والحسن، ومالك، وأبو عبيد، فقال: «لإجماع الحُجَّة على ذلك، فإنّ الله جعل الزكاة حقًّا واجِبًا على مَن أوجبها عليه في ماله يُخرِجها منه، لا يرجع إليه منها نفعٌ مِن عَرَض الدنيا ولا عِوَض، والمُعْتِقُ رقبةً منها راجعٌ إليه ولاءَ مَن أعتقه، وذلك نفعٌ يعود إليه منها». وذكر أنّه قولُ الجمهور الأعظم. وذكر ابنُ تيمية (٣/٣٨٨-٣٨٩) أنّه يدخل في الرقاب: إعانةُ المكاتَبين، وافتداء الأسرى، وعتق الرقاب، ثم قال: «وهذا أقوى الأقوال فيها». وذكر ابنُ كثير (٧/٢٢٢) أنّه على القول الثاني فالرِّقاب أعمُّ مِن أن يُعْطِي المكاتَب، أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا