سورة الرحمن — الآية ٣٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ قد جاء آجالكم، فهذا وعيد من الله تعالى، يقول: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ويُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذا﴾ [الأنعام:١٣٠] لأنّ الشياطين أضلُّوهما، فبعث فيهم رسلًا منهم ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ﴾ يعني: من قُطْرَيِ ﴿السَّماواتِ والأَرْضِ﴾ يقول: أن تَنفُذوا من أطراف السموات والأرض هربًا من الموت ﴿فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ﴾ يعني: لا تنفذوا ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾ يعني: إلا بملكي، حيثما توجّهتم فثَمّ ملكي، فأنا آخذكم بالموت، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ يعني: نعماء ربكما ﴿تُكَذِّبانِ﴾ أنّ أحدًا يقدر على هذا غير الله تعالى

سورة المزمل — الآية ٤

عن بُرَيْدة بن الحُصَيب الأسلميّ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «إنّ القرآن يَلقى صاحبه يوم القيامة حين يَنشقّ عنه قبرُه كالرجل الشّاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول له: أنا صاحبك القرآن الذي أظْمأتُك في الهواجر، وأَسهرتُ ليلك، وإنّ كلّ تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كلّ تجارة. قال: فيُعطى المُلْك بيمينه، والخُلْد بشماله، ويُوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حُلَّتَيْن لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بِمَ كُسِينا هذا؟ فيقال لهما: بأَخْذ ولدكما القرآن. ثم يقال له: اقرأ، واصعد دَرَج الجنة وغُرفها. فهو في صُعود ما دام يقرأ؛ هَذًّا كان أو ترتيلًا»

علَّقَ ابن كثير (١‏/‏٥١٩) على أثر الحسن بقوله: «وقول الحسن البصري رحمه الله: قد كان السحر قبل زمان سليمان بن داود. صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام، وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة:٢٤٦]، ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾، وقال قوم صالح -وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام لنبيهم صالح: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء:١٥٣]، أي: من المسحورين. على المشهور»

اختُلِف في الروح الذي تمثل لمريم؛ فقال قوم: هو جبريل. وقال غيرهم: عيسى. ورجَّح ابنُ كثير (٩‏/‏٢٢٦) مستندًا إلى دلالة القرآن القولَ الأولَ الذي قاله قتادة، والضحاك، ومجاهد، والسدي، وابن جريج، ووهب بن منبه، فقال: «وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن؛ فإنّه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤]». وانتقد (٩‏/‏٢٢٦) القولَ الثاني الذي قاله أبي، فقال: «وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏١٦-١٧) أنّ مَن قال بالقول الأول قَدَّر الكلام: فتمثل هو لها. ومن قال بالثاني قدَّر الكلام: فتمثل المَلَك لها

سورة البقرة — الآية ٥٦

قال مقاتل بن سليمان:... قال السبعون لموسى: نحن أصحابك، جئنا معك، ولم نخالفك في أمر، ولنا عليك حق؛ فأرنا الله جهرة -يعني: مُعايَنة- كما رأيته. فقال موسى: واللهِ، ما رأيتُه، ولقد أردتُه على ذلك، فأبى، وتجلى للجبل فجعله دكًّا -يعني: فصار دَكًّا-، وكان أشدَّ مني وأقوى. فقالوا: إنّا لا نؤمن بك ولا نقبل ما جئت به حتى تُرِيَناهُ مُعايَنَةً. فلما قالوا ذلك أخذتهم الصاعقة، يعني: الموت عقوبة... ثم أنعم الله عليهم، فبعثهم، وذلك أنهم لما صعقوا قام موسى يبكي، وظن أنهم إنما صعقوا بخطيئة أصحاب العجل، فقال عز وجل في سورة الأعراف [١٥٥]: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾. وقال: يا ربِّ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعتُ إليهم وقد أهلكتَ أحبارهم؟! فبعثهم الله عز وجل لما وجد موسى من أمرهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾، يقول: لكي تشكروا ربكم في هذه النعمة، فبعثوا يوم ماتوا، ثم انصرفوا مع موسى راجعين

سورة سبأ — الآية ٥١

عن حذيفة بن اليمان، قال: ذَكَرَ رسولُ الله ﷺ فتنةً تكون بين أهل المشرق والمغرب، قال: «فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفيانِيُّ مِن الوادي اليابس، في فورة ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين؛ جيشًا إلى المشرق، وجيشًا إلى المدينة، حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقُرون بها أكثر مِن مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيُخرّبون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج رايةُ هدًى مِن الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم، لا يُفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم مِن السبي والغنائم، ويُخَلِّي جيشه الثاني بالمدينة، فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريلَ، فيقول: يا جبريل، اذهب فأَبِدهم. فيضربها برجله ضربةً يخسف الله بهم، فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ الآية. فلا ينفلت منهم إلا رجلان؛ أحدهما بشير، والأخر نذير، وهما من جهينة». فلذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين

سورة الزخرف — الآية ٤٤

عن عديّ بن حاتم، قال: كُنتُ قاعدًا عند رسول الله ﷺ، فقال: «ألا إنّ الله عَلِم ما في قلبي مِن حُبّي لقومي، فسرَّني فيهم، فقال: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ فجعل الذِّكْرَ والشرف لقومي في كتابه، ثم قال: ﴿وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤-٢١٥] يعني: قومي، فالحمد لله الذي جعل الصّدِّيق من قومي، والشهيد من قومي، والأئمة مِن قومي، إنّ الله قلّب العباد ظهرًا وبطنًا، فكان خير العرب قريش، وهي الشجرة المباركة التي قال الله في كتابه: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بها: قريشًا، ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ يقول: أصلها كَرم، ﴿وفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ [إبراهيم:٢٤] يقول: الشرف الذي شرَّفهم الله بالإسلام الذي هداهم له، وجعلهم أهله، ثم أنزل فيهم سورة من كتاب الله مُحكمة: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾» إلى آخرها. قال عَديّ بن حاتم: ما رأيتُ رسول الله ﷺ ذُكرتْ عنده قريش بخير قطّ إلا سرّه، حتى يتبيّن ذلك السرور للناس كلّهم في وجهه، وكان كثيرًا ما يتلو هذه الآية: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُون﴾

عن عروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود-، ومحمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق موسى بن عقبة- قالا: أقبل رسول الله ﷺ من الحُدَيبية راجعًا، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: واللهِ، ما هذا بفتح؛ لقد صُدِدنا عن البيت، وصُدّ هَدْيُنا. وعكف رسول الله ﷺ بالحُدَيبية، وردّ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح. فقال رسول الله ﷺ: «بئس الكلام، هذا أعظم الفتح؛ لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالرّاحِ عن بلادهم، ويسألوكم القَضِيَّةَ، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد كرهوا منكم ما رأَوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردّكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح، أنسيتم يوم أُحد إذ تُصعِدون ولا تَلْوُون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟! أنسيتم يوم الأحزاب ﴿إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب:١٠]؟!». قال المسلمون: صدق اللهُ ورسولُه، هو أعظم الفتوح، واللهِ، يا نبي الله، ما فكّرنا فيما فكّرتَ فيه، ولأنت أعلم بالله وبالأمور مِنّا. فأنزل الله سورة الفتح

عن أبي الأسود -من طريق ابن لَهيعة- عن عروة: أنّ أوْس بن أقرم، وهو رجل من بني الحارث بن الخَزْرَج، هو الذي سمع قول عبد الله بن أُبيّ، فأَخبَر بذلك عمر بن الخطاب، وذَكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ، وبعَث رسول الله ﷺ إلى ابن أُبيّ، فسأله عما تَكلّم به، فحَلف بالله ما قال من ذلك شيئًا، فقال له رسول الله ﷺ: «إن كان سَبق منك قول فتُبْ». فجَحد وحَلف، فوقع رجال بأَوْس بن أقرم، وقالوا: أسأتَ بابن عمّك وظَلمتَه، ولم يُصدّقك رسول الله ﷺ. فبينما هم يسيرون إذ رَأوا رسول الله ﷺ يُوحى إليه، فلما قضى الله قضاءَه في موطنه ذلك، وسُرِّي عنه؛ نظر رسول الله ﷺ، فإذا هو بأَوْس بن أقرم، فأَخذ بأُذُنه، فعصَرها، حتى استشرف القوم؛ فقام رسول الله ﷺ، فقال: «أبْشِر، فقد صدق الله حديثك». ثم قرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أُبيّ: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ حتى بلغ: ﴿ولكن المنافقين لا يعلمون﴾

سورة العلق — الآية ١

عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب: أنّ أول ما رأى النبي ﷺ أنّ الله عز وجل أراه رؤيا في المنام، فشقّ ذلك عليه، فذكرها رسول الله ﷺ لامرأته خديجة بنت خُوَيْلد بن أسد، فعصمها الله عز وجل من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشِر، فإنّ الله عز وجل لن يصنع بك إلا خيرًا. ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها، فأخبرها أنه رأى بطنه شُقّ، ثم طُهِّر وغُسِل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا -والله- خيرٌ، فأبشِر. ثم استعلن له جبريل عليه السلام وهو بأعلى مكة، فأجلسه على مجلس كريم مُعجب كان النبي ﷺ يقول: «أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ». فبشّره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن النبي ﷺ، فقال له جبريل عليه السلام: اقرأ. فقال: «كيف أقرأ؟». قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق:١-٥]، ويزعم ناس أنّ ﴿يا أيها المدثر﴾ أول سورة أُنزِلَتْ عليه، والله أعلم