عن أبي هريرة، قال: أنزل الله على نبيّه ﷺ بمكة قبل يوم بدر: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. قال عمر بن الخطاب: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ جمْعٍ يُهزَم؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرتُ إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مُصْلِتًا بالسيف، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. فكانت ليوم بدر، فأنزل الله فيهم: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ الآية [المؤمنون:٦٤]، وأنزل الله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآية [إبراهيم:٢٨]، ورماهم رسول الله ﷺ، فوَسِعتْهم الرّمْية، وملأتْ أعينهم وأفواههم، حتى إنّ الرجل ليُقتل وهو يُقذِّي عينيه وفاه؛ فأنزل الله: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال:١٧]
عن مقاتل بن حيّان، قال: أُنزِلَتْ هذه الآية: ﴿إذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾ يوم جُمعة، ورسول الله ﷺ يومئذ في الصُّفّة، وفي المكان ضِيق، وكان يُكرِم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، وقد سُبِقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ، فقالوا: السلام عليك، أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فردّ النبيُّ ﷺ عليهم، ثم سلّموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يُوسَّع لهم، فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام، فلم يُفْسَح لهم، فشقّ ذلك عليه، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار مِن غير أهل بدر: «قم، يا فلان، وأنت، يا فلان». فلم يزل يُقيمهم بعِدّة النّفر الذين هم قيام مِن أهل بدر، فشقّ ذلك على مَن أُقيم من مجلسه؛ فنَزَلَتْ هذه الآية
انتَقَد ابنُ جرير (١/٦٠٢-٦٠٣) ما ورد عن أبي العالية، بالسياق، وبيَّنَ أنه بعيدٌ من ظاهر ما تدلُّ عليه التلاوة، فقال: «ذلك أن الله -جَلَّ ثناؤه- أمر المخاطَبِين بهذه الآية في أولها بالإيمان بما أنزل على محمد ﷺ، فقال -جَلَّ ذِكْرُه-: ﴿وآمِنُوا بما أنزلتُ مصدقًا لما معكم﴾، ومعقول أن الذي أنزله الله في عصر محمد ﷺ هو القرآن لا محمد؛ لأن محمدًا صلوات الله عليه رسولٌ مرسل، لا تنزيلٌ مُنْزَل، والمنْزَل هو الكتاب، ثم نهاهم أن يكونوا أوَّل من يكفر بالذي أمرهم بالإيمان به في أول الآية، فذلك هو الظاهر المفهوم، ولم يَجْرِ لمحمد ﷺ في هذه الآية ذكرٌ ظاهرٌ فيعاد عليه بذكره مكنيًّا في قوله: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾، وإن كان غير محال في الكلام أن يُذْكر مكنيُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ ظاهرٌ في الكلام»
علَّقَ ابن تيمية (١/٢٩٤ بتصرف) على كلام عطاء هذا، فقال: «وقد ذكر عن السلف أن المعنى: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ﴾ وهو ما أنزلناه إليكم ولا نرفعه، ﴿أو ننسها﴾ أي: نؤخر تنزيله فلا ننزله، ونقل هذا بعضهم عن سعيد بن المسيب وعطاء، أما ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ﴾ فهو ما قد نزل من القرآن، جعلاه من النسخة، ﴿أوْ نَنسَأْها﴾ أي: نؤخرها فلا يكون وهو ما لم ينزل، وهذا فيه نظر؛ فإن ابن أبي حاتم روى بالإسناد الثابت عن عطاء ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ﴾ أما ما نسخ فهو ما ترك من القرآن. وكأنه تصحف على من ظنه نزل من النزول؛ فإن لفظ»ترك«فيه إبهام، ولذلك قال ابن أبي حاتم: يعني: ترك لم ينزل على محمد، وليس مراد عطاء هذا، وإنما مراده أنه ترك مكتوبًا متلوًّا ونسخ حكمه، وما أنسأه هو ما أخره لم ينزله. وسعيد وعطاء من أعلم التابعين لا يخفى عليهما هذا»
أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في تفسير قوله: ﴿وأنتم سكارى﴾ على قولين: الأول: سكر الخمر. والثاني: سكر النوم. ورجّح ابنُ جرير (٧/٤٩ بتصرف) الأول مستندًا إلى أقوال الصحابة، وسبب النزول، وقال: «وذلك للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله ﷺ بأنّ ذلك كذلك نهيٌ من الله، وأنّ هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه». وانتَقَدَ ابن عطية (٢/٥٦٠) قولَ الضحاك بأنه سكر النوم بقوله: «وهذا ضعيف». وعلَّق عليه ابنُ تيمية (٢/٢٥٣) بقوله: «وهذا إذا قيل: إنّ الآية دلت عليه بطريق الاعتبار، أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أنّ سبب نزول الآية كان السكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك، والمعنى الآخر صحيح أيضًا»
قال ابنُ عطية (٣/٢٢٧) في تفسير الآية: «ومعنى الآية: لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم. فالمعنى: لا تتبعوا طرائقهم. والذي دعا إلى هذا التأويل أنّ النصارى في غُلُوِّهم ليسوا على هوى بني إسرائيل، هم بالضِّدِّ في الأقوال، وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عِوَج: هذه طريقة فلان. تُمَثِّله بآخر قد اعْوَجَّ نوعًا آخر من الاعوجاج، وإن اختلفت نوازله». وبيّن أن قوله تعالى: ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا﴾ وصف لليهود بأنهم قد ضلوا قديمًا، وأضلُّوا كثيرًا من أتباعهم، ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى: يا أهل الكتاب من النصارى، لا تتبعوا أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلُّوا من قبل، أي: ضل أسلافهم وهم قبل مجيء محمد، وأضلوا كثيرًا من المنافقين، وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق»
على هذا القول فالنبي أُمِرَ أن يقول هذه المقالة للكفرة الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فتجيء الآية على هذا جوابًا لكلامهم. وهو ما انتَقَده ابنُ عطية (٣/٣٢٣-٣٢٤) مستندًا لمخالفته لظاهر الآية، فقال: «وهذا التأويل يحتاج إلى سند في أنّ هذا نزل جوابًا، وإلا فظاهر الآية لا يتضمنه». ورجَّح أنها لم تنزل جوابًا من جهة أنّه الأفصح، فقال: «والفصيح هو أنّه لَمّا قرر معهم أنّ الله تعالى: ﴿له ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ﴾، ﴿ولَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾، وأنّه سميع عليم؛ أمر أن يقول لهم على جهة التوبيخ والتوقيف: أغير هذا الذي هذه صفاته أتَّخِذُ ولِيًّا؟! بمعنى: أنّ هذا خطأ لو فعلته بَيِّن، وتعطي قوة الكلام أنّ مَن فعله مِن سائر الناس بَيِّن الخطأ»
وجَّه ابنُ عطية (٥/٢٤٨) قول ابن عباس: أنّ هذه الآية في جَبَلَة بن الأَيْهَم. بقوله: «ولم يُرِد ابنُ عباس أنها فيه نزلت؛ لأن نزول الآية قبل قصته، وإنما أراد أنها تخص مَن فَعَلَ فِعْلَ جَبَلَة إلى يوم القيامة». وذكر ابنُ كثير (٨/٢١٩) قول ابن عباس مِن طريق عطاء أنّ الذين بدَّلوا نعمة الله كفرًا هم كفار أهل مكة، وذكر قول ابن عباس من طريق العوفي أن المقصود بالآية جَبَلَة بن الأيْهم، ثم علَّق عليهما بقوله: «والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعمُّ جميع الكفار؛ فإنّ الله تعالى بعث محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمَن قَبِلَها وقام بشكرها دَخَل الجنة، ومَن ردَّها وكَفَرَها دخل النار»
ذكر ابنُ عطية (٥/٤٩٥-٤٩٦) في الآية قولين: الأول: أنّها أمر مِن الله تعالى المؤمنين فيما بينهم بحسن الأدب. الثاني: أنها فيما بين المؤمنين والمشركين يأمرهم فيها بإلانة القول للمشركين بمكة أيام المهادنة. ثم قوّى القول الثاني مستندًا للسياق، فقال: «وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الآية، هذه الآية تقوي أن التي قبلها هي ما بين العباد المؤمنين وكفار مكة، وذلك أن هذه المخاطبة في قوله: ﴿رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ هي لكفار مكة، بدليل قوله: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾، فكأن الله عز وجل أمر المؤمنين أن لا يخاشنوا الكفار في الدين، ثم قال للكفار إنه أعلم بهم، ورجاهم وخوفهم». وذكر قول من قال: إن معنى قوله: ﴿يرحمكم﴾ بالتوبة عليكم من الكفر، وبيّن أن هذا أيضًا يقوي أن هذه المخاطبة فيما بين المؤمنين والكفار
ذكر ابنُ عطية (٥/٥٣٢) أن «الإنسان» في هذه الآية لا يراد به العموم، وإنما يراد به بعضه، وهم الكفرة، وهذا كما تقول عند غضب: «لا خير في الأصدقاء، ولا أمانة في الناس». فأنت تعمم مبالغة، ومرادك البعض، وهذا بحسب ذكر الظالمين والخسارة في الآية، قيل: فاتصل ذكر الكفرة، ثم ساق احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون الإنسان في هذه الآية عامًّا للجنس، على معنى: إن هذا الخلق الذميم في سجيته، فالكافر يبالغ في الإعراض، والعاصي يأخذ بحظه منه، وقد قال رسول الله ﷺ في مؤمن: «فأعرض فأعرض الله عنه»». ثم مال إلى الأول، فذكر (٥/٥٣٣) أن قوله: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ يدل دلالة على أن الإنسان أولًا لم يُرِد به العموم، أي: إن الكفار بهذه الصفات، والمؤمنون بخلافها، وكل منهم يعمل على ما يليق به، والرب تعالى أعلم بالمهتدي