اختُلف في معنى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ على قولين: الأول: أنّ الأوّلين مَن كان قبل محمد ﷺ، والآخرين أمَّته. الثاني: أنّ الأوّلين من صدر هذه الأمة، والآخرين من هذه الأمة. ورجَّح ابنُ تيمية (٦/١٨٥) القول الأول قائلًا: «والأول أصح». وانتقد ابنُ كثير (١٣/٣٥٣) -مستندًا إلى دلالة القرآن، والعقل- القول الأول، ورجَّح القول الثاني قائلًا: «لأنّ هذه الأُمّة هي خير الأمم بنصّ القرآن، فيبعد أن يكون المُقرّبون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يُقابل مجموع الأمم بهذه الأُمّة، والظاهر أنّ المُقرّبين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم، والله أعلم. والقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ أي: من صدر هذه الأُمّة، ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أي: من هذه الأُمّة». ونقل ابنُ عطية (٨/١٩٢-١٩٣) رواية «عن عائشة أنها تأوَّلت أنّ الفريقين في أُمّة كلّ نبي هي في الصدر ثُلّة، وفي آخر الأمة قليل»
اختُلف في ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ على أقوال: الأول أنّ المعنى: سَنخطمه بالسيف، فنجعل ذلك علامة باقية، وسمة ثابتة فيه ما عاش. الثاني: سِيما على أنفه. الثالث: سَنسمه سمة أهل النار. أي: سنُسوّد وجهه. الرابع: سَنشينه شينًا باقيًا. وعلَّق ابنُ عطية (٨/٣٧٢) على القول الأخير الذي قاله قتادة من طريق سعيد، بقوله: «فيكون ذلك كالوسم على الأنف ثابتًا بيّنًا، وهذا المعنى كما تقول: سأطوقك طوق الحمامة، أي: أُثبت الأمر بَيّنًا فيك». ورجَّحه ابنُ جرير (٢٣/١٧٠-١٧١)، فقال: «وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك عندي قول مَن قال: معنى ذلك: سُنبين أمره بيانًا واضحًا حتى يعرفوه، فلا يخفى عليهم، كما لا تخفى السمة على الخرطوم». ولم يذكر مستندًا، ثم قال: «وقد يحتمل أيضًا أن يكون خطم بالسيف، فجمع له مع بيان عيوبه للناس الخطم بالسيف». وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٩٤) عليه بقوله: «وهو مُتَّجِه»
على هذا القول فالضمير في قوله: ﴿حبه﴾ عائد على الطعام، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٨/٤٩٠)، ثم ذكر احتمالًا آخر بعوْده على الله تعالى، أي: لوجهه وابتغاء مرضاته، ونسبه لأبي سليمان الدّاراني. ثم علَّق بقوله: «والأول أمدح لهم؛ لأنّ فيه الإيثار على النفس، وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر». وذكر ابنُ كثير (١٤/٢٠٩ بتصرف) أنّ من قال بعوْد الضمير على الله تعالى فذلك لدلالة السياق عليه. ثم رجَّح -مستندًا إلى النظائر- عوْده على الطعام، فقال: «والأظهر أنّ الضمير عائد على الطعام، كقوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه﴾ [البقرة:١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران:٩٢]». وذكر ابنُ عطية أنّ الحسين بن الفضل قال بعوْد الضمير على الإطعام، وعلَّق عليه (٥/٤١٠ ط: دار الكتب العلمية) بقوله: «أي: مُحبّين في فعلهم ذلك، لا رياء فيه ولا تكلف»
اختلف في حكم سهم رسول الله ﷺ وسهم ذي القربى بعده، على أقوال: الأول: يُصْرَفان في معونة الإسلام وأهله. والثاني: هما لولي الأمر. والثالث: الخمس كله لقرابة النبي ﷺ. والرابع: سهم رسول الله ﷺ مردود في الخمس، والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم: على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. ونسبه ابنُ جرير لطائفة من العراق. ورجَّح ابنُ جرير (١١/١٩٩-٢٠٠) مستندًا إلى الدلالات العقلية القولَ الأولَ الذي قاله ابن عباس من طريق علي، والضحاك بن مزاحم، والحسن البصري، والحسن بن محمد، وقتادة، وإبراهيم، فقال: «لأن الله أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس لآخرين، وقد أجمعوا أنّ حقّ الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم، كما غير جائز أن تخرج بعض السُّهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه إلى غير أهل السُّهمان الأُخَر». وعلَّق ابنُ كثير (٧/٨٦) على هذا القول بقوله: «وهذا قول طائفة كبيرة من العلماء»
ذكر ابنُ كثير (١٠/٤٦) هذا الأثر من رواية ابن أبي حاتم بسنده عن أبيه، عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، ثم علَّق عليه بقوله: «هذا إسناد صحيح إليه... ويعضد هذا القول والذي قبله -وهو أن الأيام المعلومات: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده- قوله تعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِن بَهِيمَةِ الأَنْعامِ﴾، يعني به: ذكر الله عند ذبحها». وذكر ابنُ عطية (٦/٢٤٠) بأنّ مِمَّن قال بهذا القول مالك وأصحابه، ثم وجَّهه بقوله: «وحمل هؤلاء على هذا التفصيل أنهم أخذوا»ذكر اسم الله«هنا على الذبح للأضاحي والهدي وغيره، فاليوم الرابع لا يُضَحّى فيه عند مالك وجماعة، وأخذوا التَّعجُّل والتأخر بالنَّفْر في الأيام المعدودات، فتأمل هذا يَبِنْ لك قصدهم». ثم ذهب مستندًا إلى الظاهر من الآية إلى «أن تكون المعلومات والمعدودات بمعنًى، أي: تلك الأيام الفاضلة كلها، ويبقى أمر الذبح وأمر الاستعجال لا يتعلق بمعدود ولا بمعلوم، وتكون فائدة قوله: ﴿مَعْلُوماتٍ﴾ و﴿مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] التحريض على هذه الأيام، وعلى اغتنام فضلها؛ إذ ليست كغيرها، فكأنه قال: هي مخصوصات فَلْتُغْتَنَم»
ذَهَبَ ابنُ جرير (١٩/٤٩٢)، وكذا ابنُ كثير (١٢/٦) إلى أنّ الصافات: نوع من الملائكة استنادًا إلى أقوال السلف، فقال ابنُ جرير: «أما الصافات: فإنها الملائكة الصافات لربها في السماء، وهي جمع صافة، فالصافات: جمع جمع، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل». وقال في موضع لاحق (١٩/٤٩٤): «الله -تعالى ذكره- ابتدأ القسم بنوع من الملائكة، وهم الصافون، بإجماع من أهل التأويل». وذَكَرَ ابنُ عطية (٧/٢٧٠) قولًا آخر، فقال: «قالت فرقة: أراد: كل من يصف من بني آدم في قتال في سبيل الله، أو في صلاة وطاعة، والتقدير: والجماعات الصافات». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل أن يعم جميع هذه المذكورات». وذَكَرَ ابنُ القيم (٢/٣٦٥) قولًا آخر استنادًا إلى النظائر، فقال: «الصافات: الطير، كما قال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ ويَقْبِضْن﴾ [الملك:١٩]، وقال تعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور:٤١]». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل ذلك كله، وإن كان أحق مَن دخل فيه وأولى الملائكة؛ فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد، وما ذكر مِن غير الملائكة فهو من آثار الملائكة، وبواسطتها كان»
اختلف أهل التأويل في الوجه الذي أُمِرُوا أن يتمنوا الموت به، على قولين: الأول: الدعاء على الفريق الكاذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة. الثاني: تشهي الموت وإرادته لا على وجه المباهلة. وجعل ابن جرير (٢/٢٦٧-٢٦٨) الأوّلَ للنّصارى، والثّاني لليهود، فقال: «وهذه الآية مما احتج الله بها لنبيه محمد ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهاجَرِه، وفضح بها أحْبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن الله -جَلَّ ثناؤُه- أمر نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره الله أن يدعوَ الفريقَ الآخر من النصارى -إذ خالفوه في عيسى صلوات الله عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة، وقال لفريق اليهود: إن كنتم مُحِقِّين فتَمَنَّوُا الموت، فإن ذلك غير ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله، بل إن أُعْطِيتُم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونَصَبها وكَدَر عيشها، والفوزِ بجِوار الله في جنانه إن كان الأمر كما تزعمون مِن أنّ الدار الآخرة لكم خالصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناسُ أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فامتنعت اليهود من إجابة النبي ﷺ إلى ذلك، لعلمها أنَّها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى -الذين جادلوا النبي ﷺ في عيسى؛ إذْ دُعُوا إلى المباهلة- من المباهلة». واسْتَدْرَك ابنُ كثير (١/٤٩٦-٤٩٧) على كلام ابن جرير، بقوله: «هذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره فيه نظر؛ وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل؛ إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت؛ فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: «خيركم من طال عمره، وحسن عمله». ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون -أيها المسلمون- أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحةِ الموتَ؛ فكيف تلزمونا بما لا نلزمكم؟ وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأمّا على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نَصَف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أنّ المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، وسُمِّيَت هذه المباهلة تمنّيًا لأنّ كل مُحِقٍّ يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيّما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت»
عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنّه قال ليونس بن حبيب النحوي: إنّ الحسن البصري كان يقرأ ‹آمَرْنا مُتْرَفِيها›، يريد: أكثرنا، فقال: هذا لا يكون. قال: ثم إنّ يونس قال: صدق عندي قول الحسن قول النبي ﷺ: «خير المال مُهْرَة مأمُورة». والمهرة المأمورة: الكثيرة النتاج
عن داود، عن محمد بن أبي موسى، قال: سُئِل عن هذه الآية: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾. فقال: قال: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾. قال: مَن عَمِيَ عن شكر هذه النعم في الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿وأَعْطى قَلِيلًا وأَكْدى﴾. قال: أعطى قليلًا من ماله، ومنع الكثير، ثم كدَّره بمنِّه. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: أعطى قليلًا ثم أكدى بمنِّه ومَن يَنشر المعروف في الناس يُحمد؟