عن مريم بنت طارق، قالت: كنتُ في نسوةٍ مِن المهاجراتِ حجَجْنا، فَدخَلنا على عائشة، فجعَل نساءٌ يَسألْنَها عن الظُّروف، فقالت: إنّكم لَتَذكُرنَ ظروفًا ما كان كثيرٌ منها على عهد رسول الله ﷺ، فاتَّقِينَ اللهَ، واجْتَنِبْنَ ما يُسكِرُكُنَّ، فإنّ رسول الله ﷺ قال: «كلُّ مُسكِرٍ حرام». وإن أسْكَرَها ماءُ حُبِّها فلْتَجْتَنِبْه
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآية، قال: إنّ المسلمين أكثروا المسائلَ على رسول الله ﷺ حتى شقُّوا عليه، فأراد الله أن يُخَفِّف عن نبيّه ﷺ، فلما قال ذلك ضنّ كثيرٌ مِن الناس، وكفّوا عن المسألة؛ فأنزل الله بعد هذا: ﴿أأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية، فوسّع الله عليهم، ولم يُضيّق
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ فهو مَلَك الموت وحده، يَنزع روح الكافر حتى إذا بلَغ ترقوته غرقه في حَلْقه، فيعذّبه في حياته قبل أن يُميته، ثم يَنشطها مِن حَلْقه كما يُنشط السَّفُّود الكثير الشعث من الصوف، فينشط روح الكافر مِن قدمه إلى حَلْقه مثل الصوف المبلول، فذلك قوله: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾
انتَقَدَ ابنُ جرير (٢/٥٦٦)، وابنُ عطية (١/٣٥٠) أن يكونَ المراد بقوله: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ العربَ خاصةً، كما قالَ السُّدِّيُّ؛ لمخالفته ظاهر الكتاب، ودلالة الواقع، فقال ابنُ جرير: «هذا قول يَدُلُّ ظاهرُ الكتاب على خِلافه؛ لأن ظاهره يدل على أنَّهُما دَعَوا اللهَ أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته، والمستجيبين لأمره، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة من الفريقين، فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقًا من ولده بأعيانهم دون غيرهم، إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد». وقال ابنُ عطية: «وهو ضعيف؛ لأنه دَعْوَتُه ظَهَرَتْ في العرب، وفيمن آمن مِن غيرهم». واسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٢/٩٤) معتمدًا على السّياق على كلام ابن جرير قائلًا: «وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عَداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ الآية، والمراد بذلك محمد ﷺ، وقد بعث فيهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة:٢]، ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿قل يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وغير ذلك من الأدلة القاطعة»
اختُلِف في حكم قوله تعالى: ﴿وأُولاتُ الأَحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، على قولين: الأول: أنه عامّ في المُطلَّقات والمُتوفّى عنهنّ. وهو قول ابن مسعود، والجمهور. والثاني: أنه خاصّ في المطلَّقات، وأما المُتوفّى عنها فإنّ عِدّتها آخر الأَجَلَيْن. وهو قول عليّ، وابن عباس. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٣/٥٨) القولَ الأوّلَ استنادًا إلى العموم، فقال: «الصواب من القول في ذلك أنه عام في المطلَّقات والمُتوفّى عنهن؛ لأنّ الله -جلّ وعز- عمَّ القول بذلك، فقال: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ولم يخْصُص بذلك الخبر عن مطلَّقة دون مُتوفّى عنها، بل عمَّ الخبر به عن جميع أُولات الأحمال. فإنّ ظنّ ظانٌّ أنّ قوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ في سياق الخبر عن أحكام المطلَّقات دون المُتوفّى عنهنّ، فهو بالخبر عن حكم المطلَّقة أولى من الخبر عنهنّ، وعن المُتوفّى عنهنّ- فإنّ الأمر بخلاف ما ظنّ، وذلك أنّ ذلك وإن كان في سياق الخبر عن أحكام المُطلَّقات، فإنه منقطع عن الخبر عن أحكام المطلَّقات، بل هو خبر مبتدأ عن أحكام عِدد جميع أولات الأحمال المطلَّقات منهن وغير المطلَّقات، ولا دلالة على أنه مراد به بعض الحوامل دون بعض من خبر ولا عقل، فهو على عمومه لما بيَّنا». وهو ظاهر كلام ابن عطية (٨/٣٣٢)، وابن تيمية (٦/٣٣٠)، وابن القيم (٣/١٦٦)، وابن كثير (١٤/٣٥)
اختُلف في المراد بالطاغية على أقوال: الأول: أنها طغيانهم وكفرهم بالله. الثاني: الصّيحة الطّاغية. الثالث: أنها الفئة الطاغية. ذكره ابن عطية (٨/٣٨٥). ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/٢٠٩) -مستندًا إلى السياق، ودلالة العقل- القول الثاني الذي قاله ابن عباس، وقتادة، والكلبي، فقال: «لأنّ الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكها به، كما أخبر عن عادٍ بالذي أهلكها به، فقال: ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾، ولو كان الخبر عن ثمود بالسبب الذي أهلكها مِن أجله كان الخبر أيضًا عن عاد كذلك؛ إذ كان ذلك في سياق واحد، وفي إتباعه ذلك بخبره عن عاد بأنّ هلاكها كان بالريح- الدليل الواضح على أنّ إخباره عن ثمود إنما هو ما بَيّنتُ». ورجَّحه ابنُ عطية (٨/٣٨٥)، وانتقد ما عداه مستندًا إلى السياق، فقال: «وأولى الأقوال وأصوبها الأول؛ لأنه منتسب لما ذكر في عاد؛ إذ ذكر فيه الوجه الذي وقع به الهلاك، وعلى سائر الأقوال لا يتناسب الأمران؛ لأنّ طغيان ثمود سبب، والريح لا يناسب ذلك؛ لأنها ليست بسبب الإهلاك، بل آلته كما في الصيحة». وذكر ابنُ عطية أنّ الطّاغية على قول ابن زيد مصدر كالعاقبة. وعلَّق عليه بقوله: «فكأنه تعالى قال: بطغيانهم». وذكر أنّ قوله تعالى: ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ [الشمس:١٠] يقوّي هذا القول. وذكر ابنُ كثير (١٤/١١١) أنّ السُّدِّيّ قال بأن الطاغية: «عاقر الناقة»
بَيَّنَ ابنُ جرير (٦/٤٦٩)، وابنُ عطية (٢/٤٨٢)، وابنُ كثير (٣/٣٧٥) أنّ الدَّينَ مُقَدَّمٌ على الوصية بالإجماع. ووجَّه ابنُ عطية (٢/٤٨٤) تقديمَ الوصيّة في الآية بالذِّكرِ استنادًا إلى العقل، واللغة، فقال: «هذه الآية إنما قُصِد بها تقديمُ هذين الفعلين على الميراث، ولم يُقْصَد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدَّمت الوصِيَّةُ في اللفظ، والدَّين مُقَدَّم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا: إنّه قَدَّم الوصيةَ إذ هي أقلُّ لزومًا مِن الدَّين؛ اهتمامًا بها، وندبًا إليها، كما قال تعالى: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة﴾ [الكهف:٤٩]، وأيضًا قَدَّمها مِن جهة أنّها مُضَمَّنُها الوَصِيَّةُ التي هي كاللازم يكون لكل ميت؛ إذ قد حضَّ الشرعُ عليها، وأَخَّرَ الدَّين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بُدَّ منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحيانًا، ويُقَوِّي هذا كونُ العطف بـ﴿أو﴾، ولو كان الدَّيْنُ راتِبًا لكان العطف بالواو. وقُدِّمَتِ الوصية أيضًا إذ هي حَظُّ مساكينٍ وضِعاف، وأُخِّر الدَّينُ إذ هو حظ غريمٍ يطلبه بقوة، وهو صاحب حَقٍّ له فيه، كما قال عليه السلام: «إنّ لصاحبِ الحقِّ مقالًا»»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بالصلاح في قوله تعالى: ﴿صالحًا﴾ على قولين: أحدهما: أن يكون الحَمْلُ غلامًا. وهذا قول الحسن. والآخر: أن يكون المولود بشرًا سَوِيًّا، ولا يكون بهيمة. وهذا قول ابن عباس، وأبي البختريّ، وأبي صالح، وسعيد بن جبير، والسديّ. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٠/٦٢٢) أنّ الآية تشمل جميع معاني الصلاح استنادًا إلى عموم لفظها، وعدم المُخَصِّص، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله أخبر عن آدم وحواء أنّهُما دعَوا الله ربَّهما بحمل حواء، وأقسما لَئِن أعطاهما ما في بطن حواء صالحًا ليكونان لله من الشاكرين. والصلاح قد يشمل معاني كثيرة: منها الصلاح في استواء الخَلْق، ومنها الصلاح في الدِّين، والصلاح في العقل والتدبير. وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبر عن الرسول يُوجِب الحجةَ بأنّ ذلك على بعض معاني الصلاح دون بعض، ولا فيه من العقل دليلٌ؛ وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله، فيُقال: إنّهما قالا: ﴿لئن آتيتنا صالحًا﴾ بجميع معاني الصلاح». ومالَ ابنُ عطية (٤/١٠٩) إلى القول الثاني، حيث قال: «قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو الأظهر-: بشرًا سَوِيًّا سليمًا»
اختلف السلف في مشاركة إبليس بني آدم في الأولاد كيف هي على أقوال: الأول: أن ذلك بالزنا في أمهاتهم. الثاني: أن ذلك ما كان مِن وأدهم وقتلهم أبناءهم. الثالث: أن ذلك تسميتهم أولادهم: عبد الحارث، وعبد شمس. وقد ذكر ابنُ جرير (١٤/٦٦٥) هذه الأقوال، ورجّح العموم فيها، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: كل ولد ولدته أنثى عصي الله بتسميته ما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو قتله ووأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصي الله بها بفعله به أو فيه؛ فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك المولود له أو منه؛ لأن الله لم يخصص بقوله: ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكل ما عصي الله فيه أو به، وأطيع به الشيطان أو فيه؛ فهو مشاركة من عصي الله فيه أو به إبليس فيه». وبنحوه ابنُ عطية (٥/٥١٠). وكذا ابنُ كثير (٩/٤١)، وعلّق بقوله: «وكلٌّ من السلف -رحمهم الله- فسر بعض المشاركة». وذكر ابنُ عطية قولًا آخر عن النقاش، وانتقده، فقال: «وما أدخل النقاش من وطءِ الجن، وأنه يحبل المرأة من الإنس؛ فضعيف كله»
ذكر ابنُ جرير (١٩/٢١٠) عن عامة قراء الكوفة أنهم قرءوا ذلك ‹عَلّامِ›، ثم علّق عليها وعلى قراءة ﴿عالم﴾ بالرفع والجر، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أن كل هذه القراءات الثلاث قراءات مشهورات في قراء الأمصار متقاربات المعاني، فبأيتهن قرأ القارئ فمصيب». ورجّح مستندًا إلى اللغة هذه القراءة بقوله: «غير أن أعجب القراءات في ذلك إلي أن أقرأ بها: ‹عَلّامِ الغَيْبِ› على القراءة التي ذكرتها عن عامة قراء أهل الكوفة؛ فأما اختيار ‹عَلّامِ› على ﴿عالم﴾ فلأنها أبلغ في المدح، وأما الخفض فيها فلأنها من نعت الرب، وهو في موضع الجر، وعنى بقوله: ‹عَلّامِ الغَيْبِ›: علام ما يغيب عن أبصار الخلق، فلا يراه أحد، إما ما لم يكونه مما سيكونه، أو ما قد كونه فلم يطْلع عليه أحدًا غيره». وقال ابنُ عطية (٧/١٥٧): «وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بخلاف ﴿عالم﴾ بالخفض على البدل من رَبِّي، وقرأ نافع وابن عامر ‹عالِمُ› بالرفع على القطع، أي: هو عالم، ويصح أن يكون ‹عالِمُ› رفع بالابتداء، وخبره ﴿لا يَعْزُبُ﴾ وما بعده، ويكون الإخبار بأن العالِم لا يعزب عنه شيء إشارة إلى أنه قد قدَّر وقتها وعلِمَه، والوجه الأول أقرب»