علَّقَ ابن كثير (٣/٤٦٣-٤٦٤) على هذا الأثر بقوله: «هذا إسناد صحيح، والغرض أنّه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديمًا أو تأخيرًا، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية، فإذا تعاطاه أحدٌ بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبًا كبيرة، فما ظنك بمن ترك الصلاة بالكلية؟ ولهذا روى مسلم في صحيحه، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة». وفي السنن عنه عليه السلام أنّه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وقال: «من ترك صلاة العصر فقد حَبِط عمله». وقال: «مَن فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»»
علَّقَ ابن كثير (٥/٧٩) على قول مكحول بقوله: «وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر؛ فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحةُ أكل ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وهم مُتَعَبَّدون بذلك، ولهذا لم يُبِح ذبائحَ مَن عداهم من أهل الشرك ومَن شابههم؛ لأنهم لم يذكروا اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة، بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن تَمَسّك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تَغْلِب وتَنُوخ وبَهْراء وجُذام ولَخْم وعاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور»
انتقد ابن كثير (١١/٣٣٨) هذا الحديث قائلًا: «والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة، فإن موسى عليه السلام أجلُّ مِن أن يُجَوِّز على الله سبحانه وتعالى النوم، وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز بأنه: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّمَواتِ وما فِي الأرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجْهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»»
اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال قوم: المراد: تشبيه واعظ الكافرين وداعيهم والكافرين الموعوظين بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفقه ما يقول. وقال آخرون: المعنى: ومَثَل الذين كفروا في اتِّباعهم آلهتَهم، وعبادتهم إياها؛ كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه شيئًا إلا دَوِيًّا غير مفيد، يعني بذلك: الصدى الذي يستجيب من الجبال. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣/٥٠بتصرف) مُسْتَنِدًا لأحوال النُّزول، والسياق القولَ الأول دون الثاني الذي قاله ابن زيد، فقال: «وإنما اخترنا هذا التأويل لأنّ هذه الآية نزلت في اليهود، وإيّاهم عنى الله -تعالى ذِكْرُه- بها، ولم تكن اليهودُ أهلَ أوثانٍ يعبدونها، ولا أهل أصنام يُعَظِّمُونها، ويَرْجُون نفعَها أو دفعَ ضُرِّها. فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلُنا على ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها، فإنّهم هم المَعْنِيُّون به، فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم أحقّ وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحة بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم». وكذا رَجَّحه ابنُ كثير (٢/١٤٧) مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الأصنام لا تسمع شيئًا، ولا تَعْقِلُه، ولا تُبْصِرُه، ولا بَطْشَ لها، ولا حياة فيها». ووجَّهه ابنُ جرير (٣/٤٧-٤٨ بتصرف)، فقال: ""ومعنى قائلي هذا القول في تأويلهم ما تأوّلوا: ومَثَلُ وعْظِ الذين كفروا وواعظِهم كمَثَل نَعْق النّاعق بغنمه ونعيقه به، فأضيف المَثَل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام على ذلك، كما يُقال: إذا لقيت فلانًا فعظِّمه تعظيمَ السلطان، يُراد به: كما تُعَظِّم السلطان، وقد يحتمل أن يكون المعنى على هذا التأويل الذي تأوّله هؤلاء: ومَثَلُ الذين كفروا في قلّة فهمهم عن الله وعن رسوله كمثل المنعوق به من البهائم الذي لا يفقه من الأمر والنهي غير الصوت، وذلك أنّه لو قيل له: اعْتَلِف أو رِدِ الماء. لم يدر ما يُقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله، فكذلك الكافر مَثَلُه في قِلَّة فهمه لِما يُؤْمَر به ويُنْهى عنه بسوء تدبره إياه وقِلَّة نظره وفكره فيه مَثَلُ هذا المنعوق به فيما أُمِر به ونُهِي عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلامُ خارجٌ على الناعق، كما قال نابغة بني ذبيان:وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي... على وعل في ذي المطارة عاقلوالمعنى: حتى ما تزيد مخافة الوعل على مخافتي"". وبنحوه قال ابنُ القيم (١/١٦٣)
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقولوا حطة﴾، وذلك أنّ بني إسرائيل خرجوا مع يُوشَع بن نُون بن اليشامع بن عميهوذ بن غيران بن شونالخ بن إفْرايِيم بن يوسف عليه السلام من أرض التيه إلى العُمْران حِيال أرِيحا، وكانوا أصابوا خطيئة، فأراد الله عز وجل أن يغفر لهم، وكانت الخطيئة أنّ موسى عليه السلام كان أمرهم أن يدخلوا أرض أريحا التي فيها الجبارون، فلهذا قال لهم: ﴿قولوا حطة﴾، يعني: بحطة حُطَّ عنا خطايانا[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/١١٠.]]
اختلف في تفسير ﴿ما﴾؛ فقال قوم: استفهام، والمعنى: أيُّ شيء صبّرهم على النار؟!. وقال آخرون: هو تعجب، بمعنى: فما أشدّ جراءتهم على النار لعملهم أعمال أهل النار. ورَجَّح ابن جرير (٣/٧١) مُسْتَنِدًا إلى اللغة القولَ الثانيَ الذي قاله قتادة، والحسن، والربيع، وابن جبير، ومجاهد، فقال: «وذلك أنه مسموع من العرب: ما أصبر فلانًا على الله، بمعنى: ما أجْرَأ فلانًا على الله، وإنما يُعجِّب اللهُ -جل ثناؤه- خلقَه بإظهار الخبر عن القوم الذين يكتمون ما أنزل الله -تبارك وتعالى- من أمر محمد ﷺ ونبوته، باشترائهم بكتمان ذلك ثمنًا قليلًا من السُّحْت والرُّشا التي أُعْطُوها، على وجه التَّعَجُّب من تَقَدُّمِهِم على ذلك، مع علمهم بأنّ ذلك موجبٌ لهم سخطَ الله وأليمَ عقابه. وإنما معنى ذلك: فما أجرأهم على عذاب النار. ولكن اجْتُزِئ بذكر النار من ذكر عذابها، كما يُقال: ما أشبه سخاءك بحاتم، بمعنى: ما أشبه سخاءك بسخاء حاتم، وما أشبه شجاعتك بعنترة». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (١/٤١٨). ووجَّهه ابنُ جرير (٣/٧٠) فقال: «فمَن قال: هو تعجُّبٌ. وجّه تأويل الكلام إلى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أشد جرأتهم بفعلهم ما فعلوا من ذلك على ما يوجب لهم النار، كما قال -تعالى ذكره-: ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ [عبس:١٧] تعجبًا من كفره بالذي خلقه وسوّى خلقه». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٤١٨)
أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى الفاحشة في هذا الموضع على أقوال: أولها: أنّها الزِّنا. وهذا قول السدي، والحسن، وعطاء، وأبي قلابة. وثانيها: أنها النشوز. وهذا قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. وزاد ابنُ عطية (٢/٥٠١) قولًا ثالثًا: أنها البذاءة والأذى. وقال: «هذا في معنى النشوز»، ولم ينسبه لأحد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥٣٥) العمومَ في معنى الفاحشة مستندًا إلى ظاهر الآية، وما ورد في السُّنَّة، فقال: «أوْلى ما قيل في تأويل قوله: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ أنه معنِيٌّ به كُلَّ فاحشة؛ من بَذاءٍ باللسان على زوجها، وأذى له، وزنًا بفرجها. وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- عمَّ بقوله: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ كُلَّ فاحشة مبيّنةٍ ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنًا أو نشوز فله عضْلُها على ما بَيَّن الله في كتابه، والتضييقُ عليها حتى تفتدي منه، بأيِّ معاني الفواحش أتت، بعد أن تكون ظاهرة مبيِّنة، بظاهر كتاب الله -تبارك وتعالى-، وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ». وجَوَّدَ ابنُ كثير (٣/٣٩٩) اختيار ابن جرير، فقال: «اختار ابنُ جرير أنه يَعُمَّ ذلك كُلَّه؛ الزنا، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك. يعني: أنّ هذا كله يُبِيح مُضاجَرَتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جَيِّد»
ذَهَبَ ابنُ جرير (١٥/٥) في معنى التفضيل إلى ما ذهب إليه ابنُ جريج. أمّا ابنُ عطية (٥/٥١٤-٥١٥) فرأى أنّ تكريم بني آدم وتفضيله إنما كان بالعقل، واسْتَدْرَكَ على غير ذلك من الأقوال، فقال: «حكى الطبري عن جماعة أنهم قالوا: التفضيل هو أن يأكل بيديه، وسائر الحيوان بالفم. وقال غيره: وأن ينظر مِن إشرافٍ أكثر من كل حيوان، ويمشي قائمًا. ونحو هذا من التفضيل... وهذا كله غير محذق، وذلك أن للحيوان من هذا النوع ما كان يفضل به ابن آدم؛ كجري الفرس وسمعه وإبصاره، وقوة الفيل، وشجاعة الأسد، وكرم الديك، وإنما التكريم والتفضيل بالعقل الذي يملك به الحيوانَ كله، وبه يعرف الله عز وجل، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه». وجمع ابنُ كثير (٩/٤٤) بين تلك الأقوال، فقال: «يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها، كقوله تعالى:﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [التين:٤]، أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصَّها ومضارَّها في الأمور الدينية والدنيوية». وبنحوه قال ابنُ القيم (٢/١٤٤)
قال يحيى بن سلّام: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأَخَذْنا مِنهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ بتبليغ الرسالة. وبعضهم يقول: وأن يعلموا أنّ محمدًا رسول الله، وتصديق ذلك عنده في قوله: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، سل جبريلَ؛ فإنه هو كان يأتيهم بالرسالة: هل أرسلنا مِن رسول إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله؟ ، وتفسير الحسن في هذه الآية في آل عمران مثل هذه الآية: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم﴾ [آل عمران: ٨١]، قال: أخذ الله على النبيين أن يعلموا أمر محمد، ما خلا محمدًا من النبيين؛ فإنه لا نبي بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يُصَدِّق بالأنبياء كلهم، ففعل - ﷺ -
اختلف أهل التفسير، هل الاصطفاء هنا على العالمين كان عامًّا؟ أم على أهل زمانهم فقط؟. ووجَّه ابنُ عطية (٢/١٩٨) الآيةَ باحتمال الوجهين، فقال: ""الآلُ في اللغة: الأهلُ والقرابةُ، ويُقال للأتباع وأهل الطاعة: آلٌ، فمنه: آل فرعون، ومنه قول الشاعر -وهو أراكة الثقفي- في رثاء النبي ﷺ وهو يُعَزِّي نفسَه في أخيه عمرو:فلا تَبْكِ مَيْتًا بعد مَيْتٍ أجَنَّهُ عليٌّ وعباسٌ وآلُ أبي بكرأراد: جميع المؤمنين. و(الآل) في هذه الآية يحتمل الوجهين، فإذا قلنا: أراد بالآل: القرابة والبيتيّة؛ فالتقدير: إنّ الله اصطفى هؤلاء على عالَمِي زمانهم، أو على العالمين عامًّا بأن نُقَدِّر محمدًا عليه السلام مِن آل إبراهيم. وإن قلنا: أراد بالآل: الأتباعَ؛ فيستقيم دخولُ أمة محمدٍ في الآل؛ لأنّها على مِلّة إبراهيم""