اختُلِف في معنى ﴿الرقيم﴾؛ فقال قوم: هو اسم قرية، أو واد. وقال غيرهم: اسم جبل أصحاب الكهف. وقال آخرون: الكتاب. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏١٦١بتصرف) مستندًا إلى اللغة، والإسرائيليات القولَ الأخير الذي قاله ابن عباس من طريق علي، وسعيد بن جبير، وابن زيد، فقال: «وأولى الأقوال بالصواب في ﴿الرقيم﴾ أن يكون معنيًّا به: لوح أو حجر أو شيء كتب فيه كتاب. وقد قال أهل الأخبار: إن ذلك لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أوَوْا إلى الكهف... وإنما الرقيم فعيلٌ، أصله: مرقوم، ثم صرف إلى فعيلٍ، كما قيل للمجروح: جريح، وللمقتول: قتيل، يقال منه: رقمت كذا وكذا: إذا كتبته، ومنه قيل للرقم في الثوب: رقم؛ لأنه الخطّ الذي يعرف به ثمنه». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٩‏/‏١٠٧)، فقال: «وهو الظاهر من الآية». ولم يذكر مستندًا. وعلَّق ابنُ عطية (٥‏/‏٥٦٨-٥٦٩) بعد ذكره لهذه الأقوال بقوله: «ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قومًا مؤرخين للحوادث، وذلك من قبل المملكة، وهو أمر مفيد، وهذه الأقوال مأخوذة من الرّقم، ومنه: ﴿كتاب مرقوم﴾ [المطففين:٩]، ومنه:»الأرقم«لتخطيطه، ومنه: رَقْمَةُ الوادي، أي: مكان جرْي الماء وانعطافه، يقال: عليك بالرقمة، وخَلِّ الضِّفة»

اختُلِف في المعنِيِّ بالإنسان في قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ على قولين: أحدهما: أنه آدم عليه السلام، وإنما قيل: ﴿مِن سُلالة﴾ لأنه استُلَّ من كل الأرض. والثاني: أنه ابن آدم، والسُّلالة: النطفة استُلَّت من الطين، والطين: آدم عليه السلام. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏١٩) مستندًا إلى السياق واللغة القولَ الثاني الذي قاله ابن عباس مِن طريق أبي يحيى، ومجاهد، والكلبي «لدلالة قوله: ﴿ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾ على أنّ ذلك كذلك؛ لأنّه معلوم أنّه لم يَصِر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صُلْب الفحل، ومِن بعد تَحَوُّلِه مِن صلبه صار في قرار مكين، والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه». وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٢٨١) على القول الثاني بقوله: «وهذه الفرقة يَتَرَتَّب مع قولها عود الضمير في ﴿جعلناه﴾، ﴿وأنشأنه﴾». ورجَّح ابنُ كثير (١٠‏/‏١١٢) القول الأول مستندًا إلى السياق، ودلالة القرآن، فقال: «وهذا أظهر في المعنى، وأقرب إلى السياق، فإنّ آدم عليه السلام خُلِق مِن طين لازب، وهو الصلصال مِن الحمأ المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ [الروم:٢٠]»

اختُلِف في الرأْفة المنهيّ عنها في الآية على قولين: أحدهما: أنّها الرأفة التي تؤدِّي إلى ترْكِ إقامة حدّ الله عليهما، والمعنى: لا بُدَّ من إقامة الحدّ. والآخر: أنّها الرأفة التي تؤدِّي إلى تخفيف الضرب عنهما، والمعنى: أوجعوهما ضربًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧‏/‏١٤٤) القولَ الأولَ -وهو قول ابن عمر، مجاهد، وابن جريج، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي مجلز، وابن زيد، وغيرهم- استنادًا إلى ظاهر لفظ الآية، والدلالة العقلية، فقال: «إنّما قُلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب لدلالة قول الله بعده: ﴿في دين الله﴾، يعني: في طاعة الله التي أمركم بها. ومعلومٌ أنّ دين الله الذي أمر به في الزانيين: إقامة الحد عليهما على ما أمر مِن جلد كل واحد منهما مائة جلدة، مع أنّ الشدّة في الضرب لا حدّ لها يوقف عليه، وكل ضرب أوجع فهو شديد، وليس للذي يوجع في الشدة حدٌّ لا زيادة فيه فيؤمر به. وغير جائز وصفه -جلّ ثناؤه- بأنّه أمر بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته، وإذا كان ذلك كذلك فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو عدد الجلد على ما أمر به، وذلك هو إقامة الحد على ما قلنا». واختاره كذلك ابنُ كثير (١٠‏/‏١٦٣) مستندًا إلى أقوال السلف

اختُلِف في المراد بالضمير في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ على قولين: أولهما: أنّ المراد به: القرآن، والمعنى: بل هذا القرآن آيات بيِّنات في صدور الذين أوتوا العلم من المؤمنين بمحمد ﷺ. والثاني: أنّ المراد به: النبي ﷺ، والمعنى: بل العلم بأنّ النبيّ ﷺ ما كان يتلو من قبل هذا الكتاب كتابًا ولا يخطه بيمينه؛ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب؛ لأنه منعوت في كتبهم بهذه الصفة. وعلَّقَ ابنُ عطية (٦‏/‏٦٥٣) على القول الأول بقوله: «ويؤيده أن في قراءة ابن مسعود: (بَلْ هِيَ آياتٌ)». وعلَّقَ على القول الثاني، بقوله: «ويؤيده أن قتادة قرأ: (بَلْ هُوَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ) على الإفراد». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨‏/‏٤٢٧-٤٢٨) القولَ الثانيَ استنادًا إلى السياق، وقال: «إنما قلت: ذلك أولى التأويلين بالآية. لأنّ قوله: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ بين خبرين مِن أخبار الله عن رسوله محمد ﷺ؛ فهو بأن يكون خبرًا عنه أولى مِن أن يكون خبرًا عن الكتاب الذي قد انقضى الخبر عنه قبل». وذَهَبَ ابنُ كثير (١٠‏/‏٥٢١) إلى الأول، فقال: «هو الأظهر». ولم يذكر مستندًا. وبنحوه ابنُ القيم (٢‏/‏٣٠٢)

اختُلف فيما حَرّمه الرسول على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه على أقوال: الأول: أنه حَرّم مارية مملوكته القِبْطيّة، على نفسه بيمين إرضاء لزوجه حفصة بنت عمر. الثاني: أنه عسل شربه النبي ﷺ عند بعض نسائه. الثالث: أنه حَرّم المرأة التي وهبتْ نفسها له. ورجَّح ابنُ جرير (٢٣‏/‏٨٩) العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: كان الذي حَرّمه النبي ﷺ على نفسه شيئًا كان الله قد أحلّه له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون كان شرابًا من الأشربة، وجائز أن يكون غير ذلك. غير أنه أي ذلك كان فإنه تحريم شيء كان له حلالًا، فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان قد أحلّه، وبَيّن له تَحِلة يمينه في يمين كان حَلف بها مع تحريمه ما حَرّم على نفسه». ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏٣٤٠) القول الأول الذي قاله زيد بن أسلم، وابن زيد، والضَّحّاك، والشعبي وغيرهم، فقال: «والقول الأول أنّ الآية نَزَلَتْ بسبب مارية أصح وأوضح، وعليه تفقّه الناس في الآية». وانتقد ابنُ كثير (١٤‏/‏٥٠) القول الثالث الذي قاله عكرمة، ورجَّح القول الثاني الذي قاله ابن أبي مُلَيْكَة، وعبد الله بن شَدّاد بن الهاد، فقال: «وهذا قول غريب، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري». وساق الحديث الوارد عن عائشة في نزول الآيات

اختُلف في معنى: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها كانت تحتطب الشوك، فتُلقيه في طريق رسول الله ليلًا. الثاني: أنها كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنّميمة، وتُعيِّر رسول الله بالفقر. الثالث: الحطب: الخطايا، والمعنى: حمّالة الخطايا. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٧٠٨) القول الأول بقوله: «فبذلك سُمِّيتْ: حمّالة الحطب، وعلى هذا التأويل فـ﴿حَمّالة﴾ معرفة يُراد به الماضي». ووجَّه القول الثاني بقوله: «فـ﴿حَمّالة﴾ -على هذا- نكرةٌ يُراد به الاستقبال». ووجَّه ابنُ تيمية (٧‏/‏٢٤٣، ٢٤٤) القول الثاني بقوله: «﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ إن كان مثلًا للنّميمة لأنها تضرم الشّرّ فيكون حطب القلوب... ويستقيم أنْ يُفسّر حمْل الحطب بالنّميمة بحمل الوقود في الآخرة، كقوله: «مَن كان له لسانان» إلخ». ثم علَّق (٧‏/‏٢٤٤) بقوله: «وقد يقال: ذنبها أعظم، وحمْل النّميمة لا يوصف بالحبل في الجِيد وإن كان وصفًا لحالها في الآخرة، كما وصف بعْلها وهو يصلى وهي تحمل الحطب عليه، كما أعانته على الكفر، فيكون من حشر الأزواج، وفيه عِبرة لكل متعاونين على الإثم أو على إثم ما أو عدوان ما». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٧٢١) القول الأول لأنه الأظهر، وهو قول ابن عباس من طريق العَوفيّ وما في معناه. وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٩٧)

علَّق ابنُ جرير (٢٠‏/‏١١٦) على هذه القراءة، فقال: «وقد ذكر عن عبد الله أنه كان يقرؤه: (أُولِي الأَيْدِ) بغير ياء، وقد يحتمل أن يكون ذلك من التأييد، وأن يكون بمعنى: الأيدي، ولكنه أسقط منه الياء، كما قيل: ﴿يوم يناد المناد﴾ [ق:٤١] بحذف الياء». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٣٥٥) قراءة إثبات الياء ونسبها إلى جمهور القراء، وذكر القراءة بحذفها، ثم رتب عليهما عدة أوجه في تفسير الآية، فقال: «وأما القراءة الأولى فـ﴿الأيدي﴾ فيها عبارة عن القوة في طاعة الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة: بل معناه: أولي الأيدي والنعم التي أسداها الله تعالى إليهم؛ من النبوة والمكانة. وقالت فرقة: بل هي عبارة عن إحسانهم في الدين وتقديمهم عند الله تعالى أعمال صدق، فهي كالأيادي. وقال قوم: المعنى: أيدي الجوارح، والمراد الأيدي المتصرفة في الخير والأبصار الثاقبة فيه، لا كالتي هي مهملة في جل الناس». ثم ذكر قراءة من قرأ ذلك بغير ياء، وعلَّق عليها، فقال: «وأما من قرأ (الأَيْدِ) دون ياء فيحتمل أن يكون معناها معنى القراءة بالياء وحذفت تخفيفًا، ومن حيث كانت الألف واللام تعاقب التنوين وجب أن تحذف معها كما تحذف مع التنوين»

سورة البقرة — الآية ٢٧١

عن أبي أُمامة، أن أبا ذرٍّ قال: يا رسول الله، ما الصدقة؟ قال: «أضْعافٌ مضاعَفَةٌ، وعند الله المزيد». ثم قرأ: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ [البقرة:٢٤٥]. قيل: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «سرٌّ إلى فقير، أو جُهْدٌ من مُقِلٍّ». ثم قرأ: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ الآية

سورة النمل — الآية ٣٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالت يا أيها الملأ﴾ يعني: الأشراف، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدًا، مع كل قائد مائة ألف، وهم أهل مشورتها... ﴿قالوا﴾ لها: ﴿نحن أولوا قوة﴾ يعني: عِدَّة كثيرة في الرجال. كقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف:٩٥]، يعني: بالرجال. ﴿وأولوا بأس شديد﴾ في الحرب، يعني: الشجاعة

سورة النمل — الآية ٤٤

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: كان قد نعت لها خلقها، فأحب أن ينظر إلى ساقيها، فقيل لها: ﴿ادخلي الصرح﴾. فلما دخلته ظنَّت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها، فنظر إلى ساقيها عليها شعر كثير، فوقعت من عينيه، وكرهها، فقالت له الشياطين: نحن نصنع لك شيئًا يذهب به. فصنعوا له نورة مِن أصداف، فطلوها، فذهب الشعر، ونكحها سليمان عليه السلام