في معنى ﴿مثبورا﴾ خمسة أقوال: الأول: ملعونًا ممنوعًا عن الخير. الثاني: هالكًا. الثالث: مخبولًا لا عقل له. الرابع: مبدلًا. الخامس: مغلوبًا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٥‏/‏١٠٨) مستندًا إلى أقوال السلف، ولغة العرب القول الأول بقوله: ""وقوله: ﴿وإني لأظنك يا فرعون مثبورا﴾، يقول: إني لأظنك -يا فرعون- ملعونًا ممنوعًا من الخير. والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا الأمر، أي: ما منعك منه، وما صدك عنه؟ وثبره الله فهو يثبُره ويثبِره لغتان، ورجل مثبور: محبوس عن الخيرات هالك، ومنه قول الشاعر:إذ أجاري الشيطان في سنن الغي... ومن مال ميله مثبوروبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل"". ولم يذكر ابنُ كثير (٩‏/‏٨٩) من هذه الأقوال سوى القول الأول والثاني والخامس، ثم علّق على القول الثاني بقوله: «والهالك -كما قال مجاهد- يشمل هذا كله»

انتقد ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٨٧) مستندًا إلى أحوال النزول، وعدم الدليل النقلي الثابت، بأن يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؛ فقال بعد أن ذكر رواية أبي الحسن، وعروة في نزول الآية، وحكى عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم قولهم: إنّ هذا استثناء مما تقدم: «ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟! في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها». ولكنه رجَّح عموم معنى الاستثناء في الآية لهم ولغيرهم، فقال: «ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه مَن كان مُتَلَبِّسًا مِن شعراء الجاهلية بذمِّ الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السَّيئ، فإنّ الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه»

ذكر ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٥٤-٥٥٦) في عود الهاء من قوله: ﴿إنها﴾ قولًا لبعض أهل اللغة البصريين -وهو قول مقاتل-: أنها الخطيئة. وذكر قولًا آخر فقال: «وقال بعض نحويي الكوفة: وهذه الهاء عماد. وقال: أنّث ﴿تك﴾ لأنه يُراد بها الحبة، فذهب بالتأنيث إليها». ثم رجّح مستندًا إلى الدلالة العقلية هذا القول، فقال: «وأولى القولين بالصواب عندي القول الثاني؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- لم يعد عباده أن يوفيهم جزاء سيئاتهم دون جزاء حسناتهم، فيقال: إنّ المعصية إن تك مثقال حبة من خردل يأتِ الله بها، بل وعد كِلا العاملين أن يوفيه جزاء أعمالهما. فإذا كان ذلك كذلك كانت الهاء في قوله: ﴿إنها﴾ بأن تكون عمادًا أشبه منها بأن تكون كناية عن الخطيئة والمعصية». واستدل على ذلك بقول قتادة. ورجّح ابنُ كثير (١١‏/‏٥٥) القول الأول بقوله: «والأول أولى». ولم يذكر مستندًا

علَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٦٠٩-٦١٠) على هذا القول الذي قاله ابن عباس، وأبو سلمة من طريق صفوان، وأبو بكر بن عياش، فقال: «وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهّن به وتزجر، وهذا مِن البقية والأثر، وروي أن النبي ﷺ سئل عن ذلك فقال: «كان نبي من الأنبياء يخطّه، فمن وافق خطَّه فذاك»». وذكر في تأويل الحديث وجهين: الأول: ظاهر الحديث يقوي أمر الخطّ في التراب، وأنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه. وهكذا تأوّله كثير من العلماء. الثاني: أن معناه: الإنكار، أي: أنه كان مِن فعل نبيٍّ قد ذهب، وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك، ثم قال: «فمن وافق خطّه» على جهة الإبعاد، أي: أنّ ذلك لا يمكن مِمَّن ليس بنبي ميسّر لذلك، وهذا كما يسألك أحد فيقول: أيطير الإنسان؟ فتقول: إنما يطير الطائر، فمَن كان له مِن الناس جناحان طار. أي: أن ذلك لا يكون

ذكر ابن كثير (١٣‏/‏٢١٩) نحو ما جاء في قول الثوري، وعلّق فقال: «احتجّ بهذه الآية مَن ذهب إلى رأي المعتزلة، ممن لا يفرّق بين مسمّى الإيمان والإسلام؛ لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين. وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قومًا مؤمنين، وعندنا أنّ كلّ مؤمن مسلم لا ينعكس، فاتفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال». وبنحوه ابنُ تيمية (٦‏/‏١٠٤-١٠٥)، حيث نقل هذا عن الخطابي، وقال: «والذي اختاره الخطابي هو قول مَن فرَّق بينهما كأبي جعفر، وحمّاد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره، ولا علمتُ أحدًا من المتقدّمين خالف هؤلاء فجعل نفس الإسلام نفس الإيمان؛ ولهذا كان عامّة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء. كما ذكره الخطابي»

ساق ابنُ كثير (١٤‏/‏٨٢ بتصرف) هذا القول، ثم علَّق بقوله: «ومن العجيب أنّ بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد... عن أنس: أنّ عبد الله بن سلام بلغه مَقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه، فسأله عن أشياء، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي. قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد يَنزع إلى أبيه، والولد يَنزع إلى أمه؟ قال: «أخبَرني بهن جبريل آنفًا». قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: «أمّا أول أشراط الساعة فنار تَحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سَبق ماء الرجل ماء المرأة نَزع الولد، وإذا سَبق ماء المرأة ماء الرجل نَزعتْ»»

علَّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٧٩) على قول مَن قال: إنّ هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق بقوله: «وقد ذكر غير واحد من المفسرين أنّ هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق، حتى إنّ بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإنّ لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأَتْقى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾، ولكنه مقدّم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صدِّيقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده مِنّة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٣٧) نحوه

سورة المزمل — الآية ٦

عن ابن أبي مُلَيْكَة، قال: سألتُ ابن عباس

سورة التوبة — الآية ٢٥

عن معمر، قال: قال [محمد ابن شهاب] الزهري:... رجع رسول الله ﷺ بِمَن معه مِن قريش -وهي كنانة- ومَن أسلم يوم الفتح قِبَل حُنَيْن، وحُنَين وادٍ في قُبُلِ الطائف ذو مياهٍ، وبه من المشركين يومئذ عَجُزُ هوازن، ومعهم ثقيف، ورأس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري، فاقتتلوا بحُنَين، فنصر الله نبيَّه ﷺ والمسلمين، وكان يومًا شديدًا على الناس، فأنزل الله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين﴾ الآية. قال معمر: قال الزهري: وكان رسول الله ﷺ يَتَأَلَّفُهم، فلذلك بعث خالد بن الوليد يومئذ

علَّق ابنُ كثير (٤‏/‏٥٣) على قول سعيد، فقال: «وقد يُسْتَدَلُّ له بالحديث الصحيح أنّ العباس قال: يا رسول الله، إنّ أبا طالب كان يحوطُك وينصرك، فهل نفعته بشيء؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح مِن نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». وقد يكون هذا خاصًّا بأبي طالب مِن دون الكفار، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في سننه حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة»»