اختلف القراءُ في قراءة قوله تعالى: ﴿سيقولون لله﴾ في الآيتين [٨٧، ٨٩]، فبعضهم أثبت الألف في اسم الجلالة، هكذا (اللهُ)، وبعضهم لم يثبتها. وقال ابنُ عطية (٦/٣١٦) مُوَجِّهًا القراءتين: «قرأ الجميع في الأول ﴿لله﴾ بلا خلاف، واختُلِفَ في الثاني، والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده (الله) جوابًا على اللفظ. وقرأ باقي السبعة: ﴿لله﴾ جوابًا على المعنى، كأنه قال في السؤال: لمن ملك السموات السبع؟. إذ قولك: لمن هذه الدار؟ ، وقولك: مَن مالك هذه الدار؟ واحد في المعنى». وبنحوه قال ابنُ جرير (١٧/٩٨)، ثم بيَّنَ أنَ كلتا القراءتين صواب، ثم اختار (١٧/٩٩) القراءة بغير الألف، فقال: «الصواب مِن القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء مِن القرأة، متقاربتا المعنى؛ فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أنِّي مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف؛ لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك، سوى خط مصحف أهل البصرة»
انتقد ابنُ جرير (١٧/٢٥٢) هذا القول الذي قاله ابن زيد، والنخعي مستندًا لدلالة العقل، فقال: «وأما بيوت التجار فإنه ليس لأحد دخولها إلا بإذن أربابها وسكانها. فإن ظنَّ ظانٌّ أن التاجر إذا فتح دكانه، وقعد للناس، فقد أذن لمن أراد الدخول عليه في دخوله، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن؛ وذلك أنه ليس لأحد دخول ملك غيره بغير ضرورة ألجأته إليه، أو بغير سبب أباح له دخوله إلا بإذن ربه، لا سيما إذا كان فيه متاع، فإن كان التاجر قد عُرِف منه أنّ فتحه حانوته إذْنٌ منه لمن أراد دخوله في الدخول، فذلك بعدُ راجع إلى ما قلنا مِن أنه لم يدخله من دخله إلا بإذنه». وانتقده كذلك ابنُ عطية (٦/٣٧٢) مستندًا للإجماع، فقال: «هذا قولٌ غلِط قائلُه، وذلك أنّ بيوت القيسارية محظورةٌ بأموال الناس، غيرُ مباحة لكل مَن أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا مَن أُذن له بها، بل أربابها مُوَكَّلون بدفع الناس عنها»
ذكر ابنُ عطية (٦/٥٤٠) عن مجاهد نحو ما جاء في هذا القول من أنّه كان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومَن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة. وذكر قولًا آخر، فقال: «وحكى الرماني: أنّ العرش حُمِل من مأرب إلى الشام في قدر رجع البصر». ثم علّق عليه بقوله: «وهي مسيرة شهرين للمُجِدِّ». ثم علّق على قول مجاهد بقوله: «وقول مجاهد: أشهر». وعلّق ابنُ كثير (١٠/٤١٣) بعد أن نقل قول ابن أبي شيبة في هذا الأثر: «ما أحسنه من حديث»؛ فقال: «بل هو منكر غريب جدًّا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما يوجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب -سامحهما الله تعالى -فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ». وذكر ابنُ عطية أنه رُوي: أنّ الجن كانت تخبر سليمان بمناقل سيرها، فلما قربت قال: ﴿أيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾
لم يذكر ابنُ جرير (٢٤/١١٤) غير قول مجاهد. وذكر ابنُ كثير (١٤/٢٥١) قول مجاهد، ونحوه عن الحسن البصري، ثم قال معلقًا: «ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا سوى هذا، والذي يقع لي في معنى ذلك -والله أعلم- أن المعنى: ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ أي: بعثه، ﴿كلا لما يقض ما أمره﴾ أي: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر مِن بني آدم ممن كتب تعالى له أن سيوجد منهم، ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونًا وقدرًا، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق، وأعادهم كما بدأهم. وقد روى ابن أبي حاتم، عن وهْب بن مُنَبِّه، قال: قال عُزير عليه السلام: قال المَلك الذي جاءني: فإنّ القبور هي بطن الأرض، وإنّ الأرض هي أُمّ الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه القبور التي مدّ الله لها انقطعت الدنيا، ومات مَن عليها، ولفظت الأرض ما في جوفها، وأخرجت القبور ما فيها، وهذا شبيه بما قلنا من معنى الآية، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب»
اختلف السلف في الفرج الذي عنى الله أن مريم أحصنته؛ فقيل: هو فرج نفسها أحصنته عن الفاحشة. وقيل: هو جيب درعها. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣٩١) مستندًا لظاهر الآية والأغلب في اللغة القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ذلك هو الأغلب مِن مَعْنَيَيه عليه، والأظهر في ظاهر الكلام». ورجّح ابنُ عطية (٦/١٩٨) مستندًا إلى ظاهر القرآن والدلالة العقلية القول الأول، فقال: «والفرجُ -فيما قال الجمهور، وهو ظاهر القرآن-: الجارحة المعروفة، وفي إحصانها هو المدح». ثم انتقد القول الثاني، فقال: «وقالت فرقة: الفرج هنا: فرج ثوبها الذي منه نفخ الملك، وهذا ضعيف». ووجّه ابنُ تيمية (٤/٣٨٩) قولَ مَن قال: نفخ في جيب درعها، بقوله: «فإنّ مَن نقل: أنّ جبريل نفخ في جيب الدرع. فمراده: أنّه ﷺ لم يكشف بدنها، وكذلك جبريل كان إذا أتى النبي ﷺ وعائشة مُتَجَرِّدة لم ينظر إليها مُتَجَرِّدة، فنفخ في جيب الدِّرع، فوصلت النفخة إلى فرجها». ثم قال: «والمقصود إنما هو النفخ في الفرج، كما أخبر الله به في الآيتين، وإلا فالنفخ في الثوب فقط مِن غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن، مع أنه لا تأثير له في حصول الولد، ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا نقله أحد عن عالم معروف مِن السلف»
عن زيد بن ثابت -من طريق ابن السَّبّاقِ- قال: أرسل إلَيَّ أبو بكر مَقتلَ أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قدِ اسْتَحَرَّ يومَ اليمامة بالناس، وإنِّي أخشى أن يَسْتَحِرَّ القتلُ بالقُرّاءِ في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعله رسولُ الله ﷺ؟! فقال عمر: هو -واللهِ- خيرٌ. فلَمْ يزل عمرُ يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذى رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر جالسٌ عنده لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنّك رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ ولا نَتَّهمك، كنت تكتب الوحيَ لرسول الله ﷺ؛ فتَتَبَّعِ القرآنَ فاجْمَعْهُ. فواللهِ، لو كلَّفونى نقل جَبَل مِن الجبال ما كان أثقل عَلَيَّ مما أمرانى به مِن جمع القرآن، قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟! فقال أبو بكر: هو -واللهِ- خير. فلم أزل أُراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقمتُ، فتَتَبَّعْتُ القرآنَ أجمعه مِن الرِّقاع، والأكتاف، والعُسُب، وصدور الرجال، حتى وجدتُ مِن سورة التوبة آيتين معَ خزيمة بن ثابت الأنصارى، لم أجدهما معَ أحدٍ غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ إلى آخرهما، وكانت الصحف التى جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى توفّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر
قال مقاتل بن سليمان: فلما نزلت هذه الآية في أبي لهب قيل لها: إنّ محمدًا قد هجا زوجكِ، وهجاكِ، وهجا ولدكِ. فغضبتْ، وقامت فأمَرتْ وليدتها أن تحمل ما يكون في بطن الشاة من الفَرْث والدم والقذر، فانطلقتْ لتستدلّ على النبي ﷺ لتُلقي ذلك عليه؛ فتصغره، وتذلّه به، لما بلغها عنه، فأُخبرتْ أنه في بيت عند الصَّفا، فلما انتهتْ إلى الباب سمع أبو بكر -رحمة الله عليه- كلامها، وكان النبي ﷺ داخل البيت، فقال أبو بكر -رحمة الله عليه-: يا رسول الله، إنّ أُمّ جميل قد جاءت، وما أظنّها جاءت بخير. فقال النبي ﷺ: «اللهم، خُذ ببصرها». أو كما قال، ثم قال لأبي بكر -رحمة الله عليه-: «دَعْها تدخل، فإنها لن تراني». فجلس النبي ﷺ وأبو بكر -رحمة الله عليه- جميعًا، فدخلتْ أمُّ جميل البيتَ، فرأتْ أبا بكر -رحمة الله عليه-، ولم تر النبيَّ ﷺ، وكانا جميعًا في مكان واحد، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقال: وما أردتِ منه، يا أُمّ جميل؟ قالت: إنه بلغني أنه هجاني، وهجا زوجي، وهجا أولادي، وإني جئتُ بهذا الفَرْث لألقيه على وجهه ورأسه أذلّه بذلك. فقال لها: والله، ما هجاكِ، ولا هجا زوجكِ، ولا هجا ولدكِ. قالت: أحقٌّ ما تقول، يا أبا بكر؟ قال: نعم. فقالت: أما إنك لَصادق، وأنتَ الصِّدِّيق، وما أرى البأس إلا وقد كذبوا عليه. فانصرفتْ إلى منزلها، ... ثم إنه بدا لعُتبة بن أبي لهب أن يخرج إلى الشام في تجارة، وتبعه ناس من قريش حتى بلغوا الصّفاح، فلما همّوا أن يرجعوا عنه إلى مكة قال لهم عُتبة: إذا رجعتم إلى مكة فأخبِروا محمدًا بأني كفرتُ بـ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾. وكانت أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: «اللهم، سلِّط عليه كلبك يأكله». فألقى الله عز وجل في قلب عُتبة الرُّعب لدعوة النبي ﷺ، وكان إذا سار ليلًا ما يكاد ينزل بليل، فهجر بالليل، فسار يومه وليلته، وهمّ أن لا ينزل حتى يُصبح، فلما كان قبيل الصبح قال له أصحابه: هلكت الركاب. فما زالوا به حتى نزل، وعرّس وإبله وهو مذعور، فأناخ الإبل حوله مثل السّرادق، وجعل الجواليق دون الإبل مثل السّرادق، ثم أنام الرجال حوله دون الجواليق، فجاء الأسد ومعه مَلكٌ يقوده، فألقى الله عز وجل على الإبل السكينة، فسكنتْ، فجعل الأسد يتخلّل الإبل، فدخل على عُتبة وهو في وسطهم، فأكله مكانه، وبقي عظامه وهم لا يشعرون؛ فأنزل الله عز وجل في قوله حين قال لهم: قولوا لمحمد: إنى كفرتُ بالنجم إذا هوى، يعني: القرآن إذ نزل؛ أنزل فيه: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ يعني: لُعن الإنسان ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧]، يعني: عُتبة يقول: أي شيء أكفره بالقرآن؟! إلى آخر الآيات
عن عبد الله بن عباس، رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ، قال: «إنّ الله يدعو نوحًا وقومه يوم القيامة أول الناس، فيقول: ماذا أجبتم نوحًا؟ فيقولون: ما دعانا، وما بلّغنا، ولا نَصَحنا، ولا أمرنا، ولا نَهانا. فيقول نوح: دَعَوتُهم -يا ربّ- دعاء فاشيًا في الأوّلين والآخرين أُمّة بعد أُمّة، حتى انتهى إلى خاتم النّبيّين أحمد، فانتَسخَه، وقرأه، وآمَن به، وصدّقه. فيقول للملائكة: ادعوا أحمدَ وأُمّته. فيأتي رسولُ الله ﷺ وأُمّتُه يَسعى نورهم بين أيديهم، فيقول نوح لمحمد وأُمّته: هل تَعلمون أني بلّغتُ قومي الرسالة، واجتهدتُ لهم بالنّصيحة، وجَهدتُ أن أستَنقِذهم مِن النار سِرًّا وجِهارًا، فلم يَزدهم دعائي إلا فِرارًا؟ فيقول رسول الله ﷺ وأُمّته: فإنّا نَشهد بما نَشَدْتَنا أنّك في جميع ما قلتَ مِن الصادقين. فيقول قوم نوح: وأنّى علِمْتَ هذا أنت وأُمّتك، ونحن أول الأمم، وأنتم آخر الأمم؟! فيقول رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾» حتى خَتَم السورة. فإذا خَتمَها قالت أُمّته: نَشهد: ﴿إنَّ هَذا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦٢]. فيقول الله عند ذلك: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]
أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في تعيين الأشهر الحرم في هذه الآية على قولين: الأول: هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. والثاني: أنها الأربعة التي قال الله فيها: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، وهي: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع أول، وعشر من ربيع الآخر. ورجَّح ابنُ كثير (٧/١٤٨) مستندًا إلى السياق، وإلى لغة العرب القولَ الثاني، فقال: «والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابنُ عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنّ المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، ثم قال: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾، أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرَّمنا عليكم فيها قتالهم، وأجَّلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مُقَدَّر؛ ثم إنّ الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آيةٍ أخرى بعدُ في هذه السورة الكريمة». وانتقد ابنُ تيمية (٨/٥١٤ منهاج السنة النبوية) القولَ الأول قائلًا: «وهذه الحرم المذكورة في قوله: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية ليس المراد الحرم المذكورة في قوله: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦]، ومن قال ذلك فقد غلط غلطًا معروفًا عند أهل العلم»
عن سعيد بن جبير، قال: إنّا لعند عبد الله بن عباس في بيته إذ قال: سلوني. قلت: أيْ أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاصٌّ يقال له: نوف، يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل. قال: كذب عدوُّ الله، حدثني أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ موسى عليه السلام ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقَّت القلوب؛ ولّى، فأدركه رجل، فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إلى الله. قيل: بلى. قال: أيْ ربِّ، فأين؟! قال: بمجمع البحرين. قال: أيْ ربِّ، اجعل لي عَلَمًا أعلم به ذلك. قال: خذ حوتًا ميِّتًا، حيث ينفخ فيه الروح. فأخذ حوتًا، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت. قال: ما كلفت كثيرًا. قال: فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثَرْيانَ، إذ اضطرب الحوتُ وموسى نائم، فقال فتاه: لا أُوقِظه. حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، واضطرب الحوتُ حتى دخل البحر، فأمسك اللهُ عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر. قال موسى: ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال: قد قطع الله عنك النَّصَب. فرجعا، فوجدا خَضِرًا على طُنفُسَةٍ خضراء على كبد البحر، مُسَجًّى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلَّم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض مِن سلام؟! مَن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: أما يكفيك أنّ التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك؟! يا موسى، إنّ لي علمًا لا ينبغي أن تعلمه، وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه. فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر، فقال: واللهِ، ما علمي وعلمُك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر. حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، فعرفوه، فقالوا: عبد الله الصالح، لا نحمله بأجر. فخرقها، ووتد فيها وتدًا، قال موسى: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا، قال: ﴿لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله﴾، ووجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿أقتلت نفسا زكية﴾ لم تعمل الحنث». قال ابنُ عباس: قرأها ﴿زكية﴾: ‹زاكِيَةً›: مُسْلِمَة، كقولك: غلامًا زكيًّا. فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه- قال سعيد بيده هكذا، ورفع يده- فاستقام، ﴿لو شئت لتخذت عليه أجرا﴾. قال سعيد: أجر نأكله. ﴿وكان وراءهم ملك﴾». قرأها ابن عباس: (وكانَ أمامَهُم مَّلِكٌ). «يزعمون أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه -يزعمون-: جيسور، ﴿ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سدُّوها بالقارورة. ومنهم من يقول: بالقار. ﴿فكان أبواه مؤمنين﴾ وكان كافرًا، ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا﴾: أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله الخضر. وزعم غير سعيد أنهما أُبدِلا جارية