سورة القلم — الآية ٦

عن ابن أبْزى، وسعيد بن جُبَير: ﴿بِأَيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾، قالا: المجنون

أفادت الآثارُ الاختلافَ في عقوبة الأذى المذكورة في الآية على ثلاثة أقوال: أولها: هي التعيير والتوبيخ باللسان. وهذا قول السديِّ، وقتادة. وثانيها: هو التَّعْيِيرُ باللسان، والسبِّ. وهذا قول مجاهد. وثالثها: التَّعْيِيرُ باللسان، والضرب بالنعال. وهذا قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٠٣-٥٠٤) إلى أنّ الأذى في الآية مُجْمَلٌ، أُخِذَ تفسيره في البكر مِن آية النور، وفي الثَّيِّبِ من السُّنَّةِ، مع دلالة الإجماع، فقال: «أوْلى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- كان أمَرَ المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتيا ذلك، وهما من أهل الإسلام. والأذى قد يقع لكل مكروهٍ نال الإنسانَ؛ مِن قول سَيِّءٍ باللسان، أو فعل، وليس في الآية بيانُ أيِّ ذلك كان أمَرَ به المؤمنين يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ مِن نَقْل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر، وأهلُ التأويل في ذلك مختلفون، وجائِزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان، أو اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما، وليس في العلم بأيِّ ذلك كان مِن أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة؛ إذْ كان الله -جل ثناؤه- قد نسخ ذلك من مُحْكَمه بما أوجب مِن الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب مِن الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة النور، بقوله: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وأمّا الذي أوْجَبَ في اللّاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد جعل لأهل الفاحشة مِن الزناة والزواني سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم». وقال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢١٤): «قوله تعالى: ﴿فآذوهما﴾ أمر بالأذى مطلقًا، ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره، بل ذكر أنّه يجب إيذاؤهما. ولفظ الأذى يستعمل في الأقوال كثيرًا؛ كقوله: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ [آل عمران:١١١]، وقوله: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ [الأحزاب:٥٧]، ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي﴾ [التوبة:٦١]، وقول النبي ﷺ: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله»، ونظائر ذلك كثيرة»

اختلف المفسرون في معنى ﴿المسومة﴾؛ فذهب قوم إلى أنها: الراعية. وذهب قوم إلى أنها: المُعَدّة للجهاد. وقال آخرون بأنها: الحِسان. وقال غيرهم بأنها: المُعْلَمة. وهو ما رجَّحه ابنُ جرير (٥‏/‏٢٦٥) مستنًدا إلى اللغة، فقال: ""أوْلى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿والخيل المسومة﴾: المُعْلمة بالشِّياتِ الحِسانِ الرائعة حُسنًا مَن رآها؛ لأنّ التسويم في كلام العرب هو الإعلام، فالخيل الحسان مُعْلمة بإعلام الله إيّاها بالحسن من ألوانها وشياتها وهيئاتها، وهي المُطَهَّمة أيضًا، ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان في صفة الخيل:بسمر كالقداح مسومات... عليها معشر أشباه جنيعني بالمسومات: المعلمات، وقول لبيد:وغداة قاع القرنتين أتينهم... زجلًا يلوح خلالها التسويم"". ثُمَّ جَمَع (٥‏/‏٢٦٥) بين تفسير المسومَة بالمُعْلَمَة، والمطهّمة، والرائعة، فقال: «فمعنى تأويل مَن تأوّل ذلك: المطهّمة، والمعْلَمة، والرائعة؛ واحدٌ»

عَلَّق ابنُ عَطِيَّة (٢‏/‏٢١٠) على الأقوال الواردة في تأويل السيِّد بقوله: «كُلُّ مَن فَسَّر مِن هؤلاء العلماء المذكورين السُّؤْدَد بالحِلْم فقد أحرز أكثر معنى السُّؤْدَد، ومَن جرَّد تفسيره بالعِلم والتُّقى ونحوه فلم يُفَسِّر بحسب كلام العرب، وقد تحصَّلَ العلمُ ليحيى عليه السلام بقوله عز وجل: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وتحصَّلَ التُّقى بباقي الآية». ثُمَّ ذكر (١‏/‏٤٢٩) عمومَ اللفظة لِكُلِّ ما ذُكِر، فقال: «وخصَّه الله بذكر السُّؤْدَد الذي هو الاحتمال في رِضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل، هذا لفظ يَعُمُّ السُّؤْدَد، وتفصيله أن يقال: بذل النَّدى -وهذا هو الكرم-، وكفُّ الأذى -وهنا هي العِفَّة بالفرج واليد واللسان-، واحتمال العظائم -وهنا هو الحلم وغيره؛ مِن تَحَمُّلِ الغرامات، وجبر الكسير، والإفضال على المُسْتَرْفِد، والإنقاذ من الهلكات-»

أورد ابنُ عطية (٥‏/‏٤٢٩-٤٣٠) في نزول الآية قولين، فقال: «وقوله: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتاب السير، وذهب النحاس إلى أنها مكية». وعلَّق على القول بمكيتها بقوله: «والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالًا حسنًا؛ لأنها تتدرج الرُّتَب من الذي يُدعى ويوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله». ثم انتقده مستندًا إلى السياق، والتاريخ بقوله: «ولكن ما روى الجمهور أثبت، وأيضًا فقوله: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ تعلَّق بمعنى الآية على ما روى الجمع: أنّ كفار قريش لما مثلوا بحمزة وقع ذلك مِن نفس رسول الله ﷺ، فقال: «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين». وفي كتاب النحاس وغيره: «بسبعين منهم». فقال الناس: إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن. فنزلت هذه الآية»

وجه ابنُ تيمية (٥‏/‏٩١) تفسير الحسنة بكلمة التوحيد، والسيئة بالشرك، فقال: «فأهل القول الأول قالوه لدخول أعمال البر في التوحيد؛ لأنه عبادة الله بما أمر به، كما قال تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ [البقرة:١١٢]، وقال تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة... ﴾ [إبراهيم:٩١]، فالكلمة الطيبة هي التوحيد، وهي كالشجرة، والأعمال ثمارها في كل وقت، وكذلك السيئة هي العمل لغير الله، وهذا هو الشرك، فالإنسان حارث همام لابد له مِن عمل، ولابد له من مقصود يعمل لأجله، وإن عمل لله ولغيره فهو شِرك، والذنوب من الشرك، فإنها طاعة للشيطان، قال: ﴿إني كفرت بما أشركتموني من قبل﴾ [إبراهيم:٢٢]، ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان﴾ [يس:٦٠]، وفي الحديث: «وشر الشيطان، وشركه»»

سورة المائدة — الآية ٥١

عن عطية بن سعد، قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنّ لي مواليَ من يهود، كثيرٌ عددُهم، وإنِّي أبرَأُ إلى الله ورسوله من ولايةِ يهود، وأتولّى اللهَ ورسوله. فقال عبد الله ابن أُبَيٍّ: إني رجلٌ أخافُ الدوائرَ، لا أبرأُ من ولايةِ موالِيَّ. فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبيٍّ: «يا أبا الحُبابِ، ما بخِلتَ به من ولايةِ يهود على عبادة بن الصامت، فهو إليك دونَه». قال: قد قبِلتُ. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ إلى قوله: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾

علَّق ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٦٨) على قول الضحاك، وقتادة، والسدي بقوله: «وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى أن قالوا: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء:٩٠-٩٢]، وقوله: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هُوَ الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، وهكذا قال هؤلاء الكفرة الجهلة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾»

سورة البقرة — الآية ٢٤٩

عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، قال: ويكون -واللهِ- المؤمنون بعضُهم أفضلَ جِدًّا وعَزْمًا من بعض، وهم مؤمنون كلُّهم

سورة النور — الآية ٤٥

قال يحيى بن سلّام: ﴿فمنهم من يمشي على بطنه﴾ الحية، ﴿ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع﴾ أي: ومنهم مَن يمشي على أكثر مِن ذلك. وإنما قال: فمنهم مَن يمشي على كذا، ومنهم مَن يمشي على كذا، ومنهم يمشي على كذا، خَلْقُ اللهِ كثيرٌ. قال: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ [النحل:٨]، قوله: ﴿يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير﴾