اختُلف هل علم النبي ﷺ بقدوم الجن عليه أم لا؟ وساق ابنُ عطية (٧/٦٣١) القولين، ثم رجَّح أنّ الوفد الوارد ذكره هنا غير الوفد المشار إليه في سورة الجن، فقال: «والتحرير في هذا أن النبي ﷺ جاءه جنٌّ دون أن يعرف بهم، وهم المتفرّقون من أجل الرّجم، وهذا هو قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي﴾ [الجن:١]، ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرْفه في هذه الآية». ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ كثير (١٣/٣١-٣٢) آثارًا تدل على عدم علم النبي بهم حال قراءته، وبيّن أنّ ما يعارضها مِن آثار تقتضي علمه، فيُحتمل أنه كان في مرة أخرى؛ إذ تكاثر الروايات يدل على تكرار توافد الجن عليه، فقال: «فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا، [وهو حديث ابن مسعود الآتي في الآثار المتعلقة بالآيات أن شجرة آذنت الني ﷺ بالجن] فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدمًا على نفي ابن عباس المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذَنَته بهم الشجرة، أي: أعلمته باستماعهم». وعلَّق (١٣/٤٢) على ما جاء عن ابن مسعود من اختلاف في الروايات بأنه يحتمل الآتي: أنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته الجنّ ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة. الثاني: أن يكون أول مرّة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى. وعلَّق ابن عطية (٧/٦٣٢) على ما روي عن ابن مسعود بقوله: «واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود... فاختصرتُ هذه الروايات وتطويلها؛ لعدم صحتها»
اختُلِف في الذي عنى بهذه الآية على أقوال: الأول: عُني بذلك: الجزية والخراج. الثاني: عني بذلك: الغنيمة التي يصيبها المسلمون من عدوهم من أهل الحرب بالقتال عنوة. الثالث: عني بذلك: الغنيمة التي أوجف عليها المسلمون بالخيل والرّكاب، وأُخذتْ بالغلبة، وقالوا: كانت الغنائم في بدو الإسلام لهؤلاء الذين سمّاهم الله في هذه الآيات دون المُرجفين عليها، ثم نسخ ذلك بالآية التي في سورة الأنفال. الرابع: عني بذلك: ما صالح عليه أهل الحرب المسلمين من أموالهم، وقالوا قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ الآيات، بيان قَسْم المال الذي ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية، وذلك قوله: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. ذكر هذا ابن جرير عن بعض المتفقهة من المتأخرين. وعلّق ابنُ عطية (٨/٢٦٤) على القول الأول، فقال: «وليس في الآية نسخٌ على هذا التأويل». وقد ذكر ابنُ جرير (٢٢/٥١٨) هذه الأقوال، ثم قال: «والصواب من القول في ذلك عندي: أنّ هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها، وذلك أنّ الآية التي قبلها مالٌ جعله الله عز وجل لرسوله ﷺ خاصة دون غيره، لم يجعل فيه لأحد نصيبًا، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب». وذكر أثرًا عن عمر، ثم قال: «فإذا كانت هذه الآية التي قبلها مضت، وذكر المال الذي خصّ الله به رسوله ﷺ، ولم يجعل لأحد معه شيئًا، وكانت هذه الآية خبرًا عن المال الذي جعله الله لأصناف شتى؛ كان معلومًا بذلك أنّ المال الذي جعله لأصناف من خلْقه غير المال الذي جعله للنبي ﷺ خاصة، ولم يجعل له شريكًا». وذكر ابنُ عطية (٨/٢٦٤) قول قتادة، وانتقده مستندًا لأحوال النزول، فقال: «وهذا القول يضعف؛ لأن آية الأنفال نَزَلَتْ إثر بدر، وقبل بني النَّضِير، وقبل أمر هذه القرى بسنة ونيّف»
اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول؛ فقال السدي: لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى حينئذ عن قولهم، فقال: ﴿سُبْحانَكَ﴾ الآية. وقال قتادة وغيره: هذا القول من الله إنما هو في يوم القيامة. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣٠٤) على قول السدي بقوله: «فتجيء ﴿قالَ﴾ على هذا متمكنة في المضي، ويجيء قوله آخرًا: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: بالتوبة من الكفر؛ لأنّ هذا ما قاله عيسى عليه السلام وهم أحياء في الدنيا». ورجَّحه ابنُ جرير (٩/١٣٥-١٣٧) مستندًا إلى الأغلب في اللغة، والدلالات العقلية، وذلك أن (إذ) إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب الماضي من الفعل، وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر أولى، كما أنّ عيسى عليه السلام لا يجوز أن يتوهم عليه طلب المغفرة لِمَن مات مشركًا، وفي قول عيسى: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به... وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب﴾ بيان أن الله تعالى إنما عرَّفه مقالة قومه بعدما قبضه إليه وتوفاه. وانتقد ابنُ عطية (٣/٣٠٤ بتصرف) الاستناد إلى كون عيسى عليه السلام يمتنع عليه طلب المغفرة للمشركين ببيان أنّ معنى قوله: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾: إن عذبت العالم كله فبحقك، وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك. وليس المعنى أنه لا بد من أن تفعل أحد هذين الأمرين، بل قال هذا القول مع علمه بأنّ الله لا يغفر أن يشرك به. وانتقد ابنُ كثير (٥/٤٢٥-٤٢٦ بتصرف) المستند الأول والثاني لابن جرير فقال: «وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ الآية: التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٣٠٥-٣٠٦) القول الثاني مستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا هو عندي القول الأرجح، ويتقوى بما بعده، وذلك أن عيسى عليه السلام لَمّا قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه يقول: هذا أمر قد فرغ منه، وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص. فقال تبارك وتعالى: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾. ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك، وصدقه فيما قال، فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥/٤٢٦) مستندًا إلى السنة، والدلالات العقلية، فقال: «والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر؛ ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وقد روي بذلك حديث مرفوع». ثم أورد حديث أبي موسى الأشعري. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣٠٤) على هذا القول بقوله: «و﴿قال﴾ على هذا التأويل بمعنى: يقول. ونزول الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته». وأفاد أن توقيف الله لعيسى وسؤاله فائدته على هذا القول: ظهور الذنب على الكفرة في عبادة عيسى وبيان ظلالهم. ثم ذكر (٣/٣٠٧) أن قوله تعالى في خاتمة السورة ﴿لله ملك السموات.. ﴾ يحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أنه مقطوع من ذلك مخاطب به محمد ﷺ وأمته، وأنه على الوجهين فيه تعضيد لهذا القول
عن عقبة بن عامر الجهني: كنت مع رسول الله ﷺ في جيش، فسرَّحت ظهر أصحابي، فلمّا رجعت تلقاني أصحابي يبتدروني، فقالوا: بينا نحن عند رسول الله ﷺ أذَّن المؤذن، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «وجبت بهذا الجنة». ونظر بعضنا إلى بعض، قال: «لِمَن لقي الله يشهد أن لا إله إلا هو وحده، وأنّ محمدًا رسول الله ﷺ دخل الجنة». وهي عرض رسول الله ﷺ على أبي طالب أن يقول: «لا إله إلا الله وحده، وأنّ محمدًا رسول الله، أشفع لك بها». فأبى الله ذاك، وغلبت عليه شقوته. وقال أبو لهب: ملةَ الشيخ، يا ابن أخي. فقال الله: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. وهي التي قال الله: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهُمْ مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [النمل:٨٩-٩٠]. ولا إله إلا الله كلمة الإخلاص، وهي الحسنة، والسيئة كلمة الإشراك، قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]. وقال: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾. وكما حرم الإشراك على الجنة، فكذلك حرم الإخلاص على النار، وقال: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا * أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم:٩٠-٩١]. فكما عد لهذا وأَنْكَرْنَهُ فرِحْنَ ورَضِينَ لِمَن قال: لا إله إلا الله وحده، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وهي رأس العبادة، ورأس الحكمة، ورأس الإيمان، ومفاتيح الجنة، والصراط المستقيم، وبها آمن أهل السماوات وأهل الأرض
عن عمرو بن قيس الملائي -من طريق الحكم بن بَشير- في قوله: ﴿أصحاب الكهف والرقيم﴾: كانت الفتية على دين عيسى على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا، وقد أخرج لهم صنمًا، فأبوا، وقالوا: ﴿ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا﴾. قال: فاعتزلوا عن قومهم لعبادة الله، فقال أحدهم: إنّه كان لأبي كهف يأوي فيه غنمه، فانطلقوا بنا نكن فيه. فدخلوه، وفُقِدوا في ذلك الزمان، فطُلِبوا، فقيل: دخلوا هذا الكهف. فقال قومهم: لا نريد لهم عقوبة ولا عذابًا أشد من أن نردم عليهم هذا الكهف. فبنوه عليهم، ثم ردموه، ثم إنّ الله بعث عليهم ملِكًا على دين عيسى، ووقع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿كم لبثتم﴾؟ فـقالوا: ﴿لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ حتى بلغ ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾، وكان ورِق ذلك الزمان كبارًا، فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعام وشراب، فلما ذهب ليخرج رأى على باب الكهف شيئًا أنكره، فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة، فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهمًا، فنظروا إليه، فأنكروه، وأنكروا الدرهم، وقالوا: مِن أين لك هذا؟ هذا مِن ورِق غير هذا الزمان. واجتمعوا عليه يسألونه، فلم يزالوا به حتى انطلقوا به إلى ملكهم، وكان لقومهم لوحٌ يكتبون فيه ما يكون، فنظروا في ذلك اللوح، وسأله الملك، فأخبره بأمره، ونظروا في الكتاب متى فُقِدوا، فاستبشروا به وبأصحابه، وقيل له: انطلِق بنا، فأرِنا أصحابك. فانطلَق، وانطلقوا معه ليريهم، فدخل قبل القوم، فضُرِب على آذانهم، فقال الذين غلبوا على أمرهم: ﴿لنتخذن عليهم مسجدا﴾
عن عقبة بن عامر الجهني: كنتُ مع رسول الله ﷺ في جيش، فسرحت ظهر أصحابي، فلمّا رجعت تَلَقّاني أصحابي يَبْتَدِروني، فقالوا: بينا نحنُ عند رسول الله ﷺ أذَّن المُؤَذِّن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «وجبت بهذا الجنة». ونظر بعضُنا إلى بعض، قال: «لَمَن لَقِي اللهَ يشهد أن لا إله إلا هو وحده، وأنّ محمدًا رسول الله ﷺ؛ دخل الجنة». وهي عرض رسول الله ﷺ على أبي طالب أن يقول: «لا إله إلا الله وحده، وأن محمدًا رسول الله، أشفع لك بها». فأبى اللهُ ذاك، وغلبت عليه شقوته، وقال أبو لهب: ملة الشيخ، يا ابن أخي. فقال الله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص:٥٦]، وهي التي قال الله: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم﴾ الآية [النمل:٨٩-٩٠]، ولا إله إلا الله كلمة الإخلاص، وهي الحسنة، والسيئة كلمة الإشراك، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء:٤٨، ١١٦]، وقال: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ [المائدة:٧٢]، وكما حرم الإشراك على الجنة فكذلك حرم الإخلاص على النار، وقال: ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾، فكما عد لهذا وأَنْكَرْنَهُ؛ فرِحْنَ ورَضِينَ لِمَن قال: لا إله إلا الله وحده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وهي رأس العبادة، ورأس الحكمة، ورأس الإيمان، ومفاتيح الجنة، والصراط المستقيم، وبها آمَن أهلُ السماوات وأهل الأرض
عن أبي ذرّ، قال: قلتُ: يا رسول الله، كم أنزل الله من كتاب؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شِيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإنجيل، والزّبور، والفرقان». قلتُ: يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «أمثال كلّها؛ أيّها الملك المُتسلّط المُبْتلى المغرور، لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتُك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت مِن كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه ويتفكّر فيما صنع، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال؛ فإنّ في هذه الساعة عونًا لتلك الساعات، واستجمامًا للقلوب وتفريغًا لها، وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مُقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، فإنّ مَن حسب كلامه من عمله أقلَّ الكلام إلا فيما يعنيه، وعلى العاقل أنْ يكون طالبًا لثلاث؛ مَرَمَّة لمعاش، أو تزوُّدٌ لمعاد، أو تلذُّذٌ في غير مُحرّم». قلتُ: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: «كانت عِبرًا كلها؛ عجبتُ لمن أيقن بالموت ثم يفرح، ولمن أيقن بالنار ثم يضحك، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، ولمن أيقن بالقَدَر ثم يَنصَب، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل». قلت: يا رسول الله، هل أنزل الله عليك شيئًا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: «يا أبا ذرّ، نعم: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى إنَّ هَذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾»
للسلف في تفسير قوله: ﴿بروجا﴾ قولان: الأول: أنها النجوم الكبار. الثاني: أنها القصور التي في السماء. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٤٨٤) مستندًا إلى اللغة القولَ الثاني، فقال: ""لأن ذلك في كلام العرب ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء:٧٨]، وقول الأخطل:كأنها برجُ رُومِيٍّ يُشَيِّده بانٍ بِحص وآجُرٍّ وأحجاريعني بالبرج: القصر"". وقال ابنُ عطية (٦/٤٥٢): «والبروج هي التي علمتها العرب بالتجربة، وكل أمة مُصحِرة، وهي الشهور عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث مِن منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس:٣٩]، والعرب تسمي البناء المرتفع المستغني بنفسه: برجًا، تشبيهًا ببروج السماء». وذكر ابنُ عطية القول الأول، وعلّق عليه قائلًا: «حكاه الثعلبي عن أبي صالح، وهذا غير ما بيناه إلا أنه غير مُخلَّص». وذكر ابن عطية (٦/٤٥٢) في الآية قولًا ثالثًا لم ينسبه لأحد مِن السلف: أنّ البروج قصور في الجنة. ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية بقوله: «وأما القول بأنها قصور في الجنة فقول يحط غرض الآية في التنبيه على أشياء مُدرَكات تقوم بها الحُجَّة على كل مُنكِر لله أو جاهل به». وذكر ابنُ كثير (١٠/٣١٨) القولين، ثم رجّح مستندًا إلى النظائر الأول، فقال: «والقول الأول أظهر، اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾ [الملك:٥]؛ ولهذا قال: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا﴾ وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: ﴿وجعلنا سراجا وهاجا﴾ [النبأ:١٣]»
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: فلما رفع الله عيسى من بين أظهرهم، وقتلوا يحيى بن زكريا، وبعض الناس يقول: وقتلوا زكريا؛ ابتعث الله عليهم ملِكًا من ملوك بابل يُقال له: خردوس، فسار إليه بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمَرَ رأسًا من رؤوس جنده يُدعى: نَبُوزَرادان صاحب القتل، ، فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي، لئن أنا ظهَرْتُ على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تَسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلا أن لا أجد أحدًا أقتله. فأمر أن يقتلهم حتى يبلُغ ذلك منهم نَبُوزُرادان، فدخل بيت المقدس، فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دمًا يغلي، فسألهم، فقال: يا بني إسرائيل، ما شأن هذا الدم الذي يغلي؟ أخبروني خبره، ولا تكتموني شيئًا من أمره. فقالوا: هذا دم قربان كان لنا، كُنّا قرَّبناه فلم يُتقبل منا، فلذلك هو يغلي كما تراه، ولقد قرَّبنا منذ ثمانمائة سنة القربان فتُقُبِّل منا إلا هذا القربان. قال: ما صدقتموني الخبر. قالوا له: لو كان كأول زماننا لقُبِل مِنّا، ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي، فلذلك لم يُقبل منا. فذبح منهم نَبُوزُرادان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحًا من رؤوسهم، فلم يهدأ، فأمر بسبع مائة غلام من غلمانهم، فذبحوا على الدم، فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيعهم وأزواجهم، فذبحهم على الدم، فلم يبرد ولم يهدأ، فلما رأى نَبُوزُرادان أنّ الدم لا يهدأ قال لهم: ويلكم، يا بني إسرائيل، اصدقوني، واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما مُلِّكتم في الأرض، تفعلون فيها ما شئتم، قبل أن لا أترك منكم نافخَ نارٍ أنثى ولا ذكرًا إلا قتلته. فلما رأوا الجهد وشدة القتل صَدَقُوه الخبر، فقالوا له: إنّ هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم، فلم نُصدقه، فقتلناه، فهذا دمه. فقال لهم نَبُوزُرادان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا. قال: الآن صدقتموني، بمثل هذا ينتقم ربُّكم منكم. فلما رأى نَبُوزُرادان أنهم صدقوه خَرَّ ساجدًا، وقال لمن حوله: غلِّقوا أبواب المدينة، وأخرِجوا من كان ههنا من جيش خردوس. وخلا في بني إسرائيل، ثم قال: يا يحيى بن زكريا، قد علم ربي وربُّك ما قد أصاب قومك من أجلك، وما قُتل منهم من أجلك، فاهدأْ بإذن الله قبل أن لا أُبقي من قومك أحدًا. فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله، ورفع نَبُوزُرادان عنهم القتل، وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل، وصدقت وأيقنت أنه لا رب غيره، ولو كان معه آخر لم يصلُح، ولو كان له شريك لم تَستمسك السماوات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلُح، فتبارك وتقدس، وتسبح وتكبر وتعظم، ملك الملوك الذي يملك السماوات السبع، بعلم وحكم وجبروت وعزة، الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي ألا تزول، فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه. فأوحى الله إلى رأس من رؤوس بقية الأنبياء أن نَبُوزرادان حبور صدوق- والحبور بالعبرانية: حديث الإيمان- وإن نَبُوزرادان قال لبني إسرائيل: إنّ عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه. قالوا له: افعل ما أمرت به. فأمرهم، فحفروا خندقًا، وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قبل ذلك، فطُرِحوا على ما قُتِل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم، فلم يظن خردوس إلا أنّ ما كان في الخندق من بني إسرائيل. فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نَبُوزرادان: أن ارفع عنهم، فقد بلغتني دماؤهم، وقد انتقمت منهم بما فعلوا. ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل، وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد، وهي الوقعة الآخرة التي أنزل الله ببني إسرائيل. يقول الله -عز ذكره- لنبيه محمد ﷺ: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين﴾ إلى قوله: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾، و«عسى» من الله حق، فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، ثم رد الله لكم الكرة عليهم، وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم، وقَتْلُ رجالهم، وسبي ذراريهم ونسائهم. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾. ثم عاد الله عليهم، فأكثر عددهم، ونشرهم في بلادهم، ثم بدلوا وأحدثوا الأحداث، واستبدلوا بكتابهم غيره، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، وضيعوا الحدود
عن أبي هريرة، قال: خُلِقَت الكعبةُ قبل الأرض بأَلْفَيْ سنة. قالوا: كيف خُلِقَتْ قبلُ وهي من الأرض؟ قال: كانت خَشَفةً على الماء، عليها ملَكان يسبِّحان الليل والنهار، ألْفَيْ سنة، فلمّا أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها، فجعلها في وسط الأرض، فلمّا أراد الله أن يخلق آدم بَعَث مَلَكًا من حَمَلة العرش يأتي بتراب من الأرض، فلمّا هوى ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئًا يكون منه للنار نصيبٌ غدًا. فتركها، فلما رجع إلى ربه قال: ما مَنَعَك أن تأتي بما أمرتك؟ قال: سأَلَتْني بك، فعَظَّمتُ أن أرُدَّ شيئًا سألني بك. فأرسل مَلَكًا آخر، فقال مثل ذلك، حتى أرسلهم كلهم، فأرسل مَلَكَ الموت، فقالت له مثل ذلك، قال: إنّ الذي أرسلني أحقُّ بالطاعة منك. فأخذ من وجه الأرض كلها؛ من طَيِّبها وخبيثها، حتى كانت قَبْضَة عند موضع الكعبة، فجاء به إلى ربه، فصبَّ عليه من ماء الجنة، فجاء حَمَأً مسنونًا، فخلق منه آدم بيده، ثم مسح على ظهره، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين. فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثم نفخ فيه من روحه، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثِبَ، فتلا أبو هريرة: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء:٣٧]. فلمّا جرى فيه الروح جلس جالسًا، فعطس، فقال الله: قل: الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال: رحمك ربك. ثم قال: انطلق إلى هؤلاء الملائكة، فسلِّم عليهم. فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقال: هذه تحيتك، وتحية ذريتك، يا آدم، أيُّ مكان أحَبُّ إليك أن أُرِيَك ذريتك فيه؟ فقال: بيمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين. فبسط يمينه، فأراه فيها ذريته كلهم، وما هو خالق إلى يوم القيامة؛ الصحيح على هيئته، والمُبْتَلى على هيئته، والأنبياء على هيئتهم، فقال: أيْ رب، ألا عافَيْتَهم كلهم! فقال: إني أحببت أن أُشكَرَ. فرأى فيها رجلًا ساطعًا نورُه، فقال: أيْ رب، مَن هذا؟ فقال: هذا ابنك داود. فقال: كم عمُرُه؟ قال: ستون سنة. قال: كم عُمُري؟ قال: ألف سنة. قال: انقص من عمري أربعين سنة، فزدها في عمره. ثم رأى آخر ساطعًا نوره، ليس مع أحد من الأنبياء مثل ما معه، فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هذا ابنك محمد، وهو أول من يدخل الجنة. فقال آدم: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يسبقني إلى الجنة، ولا أحسده. فلما مضى لآدم ألف سنة إلا أربعين جاءته الملائكة يَتَوَفَّوْنه عيانًا، قال: ما تريدون؟ قالوا: نُرِيد أن نَتَوَفّاك. قال: بقي من أجلي أربعون. قالوا: أليس قد أعطيتها ابنك داود؟ قال: ما أعطيت أحدًا شيئًا. قال أبو هريرة: جحد آدم، وجحدت ذريته، ونسِيَ، ونسِيَت ذريته