اختُلِف في التسبيح في قوله تعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ على أقوال: الأول: قوله تعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كلِّ حيٍّ ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة. الثاني: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيءٍ على العموم يُسَبِّح تسبيحًا لا يسمعه البشر ولا يفقهونه. ورجَّح ابنُ تيمية (٤/٢٢٠) القول الثاني، فقال: «والصواب أنّ لها تسبيحًا وسجودًا بحسبها». ولم يذكر مستندًا. وعلَّق ابنُ كثير (٩/١٩) على القول الثاني بقوله: «ويشهد لهذا القول آية السجدة في أول الحج». وزاد ابنُ عطية (٥/٤٨٦) قولًا ثالثًا عن فرقة: أن هذا التسبيح «تجوُّز، ومعناه: أن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدّالَّة عليه، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المُعتَبِر». ثم علَّق عليه بقوله: «ومِن حجة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ﴾ [ص:١٨]». واعترض أصحاب القول الثاني على هذا القول بقولهم: «ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنّه أثر الصنعة لكان أمرًا مفهومًا، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يُفْقَه». وعلَّق ابنُ عطية على اعتراضهم بقوله: «وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يريد بقوله سبحانه: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ الكفار والغَفَلة، أي: أنهم يُعرضون عن الاعتبار؛ فلا يفقهون حكمة الله -تبارك وتعالى- في الأشياء»
علّق ابنُ جرير (١٩/٢٨٢) على قراءة الحسن: «وروي عن الحسن أنه قرأ ذلك: (حَتّى إذا فُرِغَ عَن قُلُوبِهِمْ) بالراء والغين على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد، وقد يحتمل توجيه معنى قراءة الحسن ذلك كذلك إلى: حتى إذا فرغ عن قلوبهم فصارت فارغة من الفزع الذي كان حلَّ بها». وذكر ابنُ عطية (٧/١٨٤) عن الحسن في هذه القراءة عدة أوجه، فقال: «وقرأ الحسن البصري بخلاف (فُزِعَ) بضم الفاء وكسر الزاي وتخفيفها، كأنه بمعنى: أقلع، ومن قال بأنها في العالم أجمعه قال: معنى هذه القراءة: فزع الشيطان عن قلوبهم، أي: بادر. وقرأ أيوب عن الحسن أيضًا (فُرِّغَ) بالفاء المضمومة والراء المشددة غير منقوطة والغين المنقوطة من التفريغ، قال أبو حاتم: رواها عن الحسن نحو من عشرة أنفس، وهي قراءة أبي مجلز. وقرأ مطر الوراق عن الحسن: (فُزِعَ) على بناء الفعل للفاعل، وهي قراءة مجاهد، وقرأ الحسن أيضًا (فَرَغَ) بالراء غير منقوطة مخففة من الفراغ، قال أبو حاتم: وما أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه؛ فاختلفت ألفاظه فيها». وعلّق عليها ابنُ كثير (١١/٢٨٢) على قراءة الحسن المذكورة، فقال: «وقرأ بعض السلف -وجاء مرفوعًا-: (حَتّى إذا فُرِّغَ) بالغين المعجمة، ويرجع إلى الأول [يعني: قراءة: فُزِّع]»
اختلف في معنى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: وحيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان بما كانوا به في الدنيا يكفرون. الثاني: وحيل بينهم وبين ما يشتهون من مالٍ وولدٍ وزهرة الدنيا. ورجَّح ابنُ جرير (١٩/٣٢٣) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة، والحسن، والسدي، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن القوم إنما تَمَنَّوا -حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا- ما أخبر الله عنهم أنهم تَمَنَّوه، وقالوا آمنّا به، فقال الله: وأنّى لهم تناوُشُ ذلك من مكانٍ بعيد وقد كفروا من قبل ذلك في الدنيا. فإذ كان ذلك كذلك فلأن يكون قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ خبرًا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تَمَنَّوه أولى مِن أن يكون خبرًا عن غيره». ورجَّح ابنُ كثير (١١/٣٠٠) الجمع بين القولين، فقال: «والصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه». وذكر ابنُ عطية (٧/١٩٨) قولًا ولم ينسبه: أنّ المعنى: حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا يتمكن جدًّا على القول بأن الأَخْذَ والفزع المذكور هو يوم القيامة»
اختُلف في قوله: ﴿بعد ذلك﴾ على قولين: الأول: أنّ الأرض دُحِيتْ من بعد خَلْق السماء. الثاني: أنّ معناه: مع ذلك، وقالوا: الأرض خُلِقتْ ودُحِيتْ قبل السماء. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٩٤) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، فقال: «والقول الذي ذكرناه عن ابن عباس من أنّ الله تعالى خَلَق الأرض، وقَدّر فيها أقواتها، ولم يَدْحُها، ثم استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأَخرج منها ماءها ومرعاها، وأرسى جبالها؛ أشبه لما دلّ عليه ظاهر التنزيل؛ لأنه -جلّ ثناؤه- قال: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ والمعروف من معنى»بعد«أنه خلاف معنى»قبل«، وليس في دَحْو الله الأرض بعد تسويته السماوات السبع، وإغطاشه ليلها، وإخراجه ضحاها، ما يوجب أن تكون الأرض خُلِقتْ بعد خَلْق السماوات؛ لأنّ الدَّحْو إنما هو البَسط في كلام العرب، والمدّ يقال منه: دحا يدحُو دَحْوًا، ودحيت أدحي دحيًا لغتان». وقال ابنُ عطية (٨/٥٣٢): «وقوله تعالى: ﴿والأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ متوجّه على أنّ الله تعالى خَلَق الأرض ولم يَدْحُها، ثم استوى إلى السماء وهي دُخان فخَلَقها وبناها، ثم دحا الأرض بعد ذلك». ثم ذكر اختلاف السلف، وعلّق قائلًا: «والذي قلناه تترتب عليه آيات القرآن كلّها». وبنحوه قال ابنُ كثير (٨/٣١٦)
اختُلف في معنى الشَّفَق على قولين: الأول: أنه الحُمرة. الثاني: أنه البياض أو النهار. وقد زاد ابنُ جرير (٢٤/٢٤٤) قولًا ثالثًا لم ينسبه: أنه من الأضداد، وهو اسم للحُمرة والبياض. وقد رجّح ابنُ جرير القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله أقسم بالنهار مُدبرًا، والليل مُقبلًا. وأمّا الشَّفَق الذي تحلّ به صلاة العشاء، فإنه للحُمرة عندنا؛ للعلّة التي قد بيناها في كتابنا كتاب الصلاة». ورجّح ابنُ عطية (٨/٥٧٢) أنّ الشَّفَق هو: «الحُمرة التي تعقب غيبوبة الشمس مع البياض التابع لها في الأغلب». ثم انتقد قول مَن قال: إنها النهار كلّه. بقوله: «وهذا قول ضعيف». وقال ابنُ كثير (١٤/٢٩٦): «فالشَّفَق هو: حُمرة الأُفُق إمّا قبل طلوع الشمس -كما قاله مجاهد- وإمّا بعد غروبها -كما هو معروف عند أهل اللغة-. قال الخليل بن أحمد: الشَّفَق: الحُمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة. فإذا ذهب قيل: غاب الشَّفَق. وقال الجوهري: الشَّفَق: بقية ضوء الشمس وحُمرتها في أول الليل إلى قريب من العَتمة. وكذا قال عكرمة: الشَّفَق: الذي يكون بين المغرب والعشاء. وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وقتُ المغرب ما لم يغب الشَّفَق»»
رجَّح ابنُ القيم (٢/٢٧٩) أنّ الميراث: هو ميراث العلم والنبوة فقط، مستندًا إلى الإجماع، ودلالة العقل، والسياق، والنظائر، فقال: «هو ميراث العلم والنبوة لا غير، وهذا باتفاق أهل العلم من المفسرين وغيرهم، وهذا لأنّ داود عليه السلام كان له أولاد كثير سوى سليمان، فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصًّا به. وأيضًا فإنّ كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا؛ فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان وورثه ابنه. ومِن المعلوم أنّ كلَّ أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة، وأيضًا فإنّ ما قبل الآية وما بعدها يبين أنّ المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال، قال تعالى: ﴿ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داوود﴾، وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان، وما خصَّه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة، ﴿إن هذا لهو الفضل المبين﴾، وكذلك قول زكريا ﷺ: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا﴾ [مريم:٥-٦]، فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة الى الله، وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله، فيسأل الله العظيم ولدًا يمنعهم ميراثه، ويكون أحق به منهم! وقد نزه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله». وبنحوه ابنُ تيمية (٥/٦٤)، إلا أنه انتقد الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فهب من لدنك وليا يرثني﴾، مستندًا إلى اللغة، فذكر أنه: «لا يدل على محل النزاع؛ لأنّ الإرثَ اسمُ جنس تحته أنواع، والدالُّ على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز، فإذا قيل: هذا حيوان. لا يدل على أنه إنسان أو فرس أو بعير، وذلك أنّ لفظ الإرث يستعمل في إرث العلم والنبوة والملك وغير ذلك من أنواع الانتقال، قال تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ [فاطر:٣٢]»
اختُلِف في كلمة ﴿الراسخون﴾؛ أهِي مُسْتَأْنَفَةٌ، أم معطوفة. ورَجَّح ابنُ جرير (٥/٢٢١-٢٢٢) القولَ الأوّل الذي قال به ابن عباس من طريق طاووس، وعائشة، وعروة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأبو نهيك الأسدي مُسْتَنِدًا إلى القراءات، ودلالة العقل، وعلّل ذلك بأنّ الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية، ولِمُوافقتِه لِما بَلَغَهُ مِن قراءة أُبَيٍّ وابن عباس: (ويَقُولُ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ)، وقراءة عبد الله: (إن تَأْوِيلُهُ إلّا عِندَ اللهِ والرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ). ورأى ابنُ عطية (٥/١٦١-١٦٢) قُرْبَ الخلاف بين القولين، فذكر أنّ المحكم هو المُتَّضِحُ المعنى لِكُلِّ مَن يفهم كلام العرب، والمُتشابِهُ يَتَنَوَّعُ؛ فمِنه ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ كأمر الروح، ومنه ما يُحْمَل على وجوهٍ في اللغة ويَحتاج إلى إزالةِ ما يعلق به من لَبْسٍ. فإن جعلنا ﴿والراسخون﴾ معطوفة على اسم الله؛ فالمعنى: إدخالهم في علم التأويل لا على الكمال، فذلك ليس إلا لله، بل علمُهم إنّما هو في النوع الثاني من المتشابه، وإن جعلنا قوله: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ رفعًا بالابتداء مقطوعًا مما قبله؛ فتسميتُهم راسخين يقتضي بأنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميعُ مَن يفهم كلام العرب. وكذا رأى ابنُ تيمية (٢/١٩) عدمَ المنافاة بين القولين، فقال: «إنّ السلف كان أكثرهم يقفون عند قوله: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾، بناءً على أنّ التأويل الذي هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها لا يعلمها إلا هو، وطائفة منهم كمجاهد وابن قتيبة وغيرهما قالوا: بل الراسخون يعلمون التأويل. ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني، وهو: التفسير. فليس بين القولين تناقُضٌ في المعنى»
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾، يقول: عدد كثير خرجوا فِرارًا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله حتى ذاقوا الموتَ الذي فرُّوا منه، ثم أحْياهم، وأمرهم أن يُجاهِدوا عدَّوهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم﴾. وهم الذين قالوا لنبيِّهم: ابعث ملِكًا نقاتل في سبيل الله
عن أنس -من طريق كثير بن خنيس- [في قصة المعراج] قال:... ثم مضى حتى جاء الجنة، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قال: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. ففُتِح. قال: «فدخلت الجنة، فأُعطيت الكوثر، فإذا نهر في الجنة عِضادتاه بيوت مجوَّفَةٌ من لؤلؤ». ثم مضى حتى جاء سدرة المنتهى، ﴿فتدلى* فكان قاب قوسين أو أدنى* فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾...
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾: تصدّى رسول الله ﷺ لرجل مِن مشركي قريش كثير المال، ورجا أن يؤمن، وجاء رجل من الأنصار أعمى، يقال له: عبد الله بن أُمّ مكتوم، فجعل يسأل نبي الله ﷺ، فكرهه نبي الله ﷺ، وتولى عنه، وأقبل على الغني، فوعظ اللهُ نبيَّه، فأكرمه نبيُّ الله ﷺ، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما