محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٨ من سورة النجم في ٩٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٦ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٨ من سورة النجم

٩٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿ثُمّ دَنَا فَتَدَلّىَ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىَ * فَأَوْحَىَ إِلَىَ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىَ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىَ﴾.
يقول تعالى ذكره : ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه، وهذا من المؤخّر الذي معناه القديم، وإنما هو : ثم تدلى فدنا، ولكنه حسن تقديم قوله : دنا، إذ كان الدنوّ يدلّ على التدلي والتدلي على الدنوّ، كما يقال : زارني فلان فأحسن، وأحسن إليّ فزارني وشتمني، فأساء، وأساء فشتمني لأن الإساءة هي الشتم : والشتم هو الإساءة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ثُمّ دَنا فَتَدَلَى قال : جبريل عليه السلام.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ثُمّ دَنَا فَتَدَلَى يعني : جبريل.
حدثنا أين حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع ثُمّ دَنَا فَتَدَلَى قال : هو جبريل عليه السلام.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم دنا الربّ من محمد ﷺ فتدلى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا يحيى بن الأمويّ، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن ابن عباس ثُمّ دَنا فَتَدَلَى قال : دنا ربه فتدلىّ.
حدثنا الربيع، قال : حدثنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال : سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة المسري برسول الله ﷺ أنه عرج جبرائيل برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزّة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كلّ يوم وليلة، وذكر الحديث.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) جبريل عليه السلام وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى) والأفق: الذي يأتي منه النهار.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله (وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى) قال: بأفق المشرق الأعلى بينهما.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع (وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى) يعني جبريل.
قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع (وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى) قال: السماء الأعلى، يعني جبريل عليه السلام.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾
يقول تعالى ذكره: ثم دنا جبريل من محمد ﷺ فتدلى إليه، وهذا من المؤخِّر الذي معناه القديم، وإنما هو: ثم تدلى فدنا، ولكنه حسن تقديم قوله (دَنَا)، إذ كان الدنوّ يدلّ على التدلي والتدلي على الدنوّ، كما يقال: زارني فلان فأحسن، وأحسن إليّ فزارني وشتمني فأساء، وأساء فشتمني لأن الإساءة هي الشتم: والشتم هو الإساءة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) قال: جبريل عليه السلام.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) يعني: جبريل.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) قال: هو جبريل عليه السلام.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم دنا الربّ من محمد ﷺ فتدلى.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا يحيى بن الأمويّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن ابن عباس (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) قال: دنا ربه فتدلّى.
حدثنا الربيع، قال: ثنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة المسرى برسول الله ﷺ "أنه عرج جبرائيل برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كلّ يوم وليلة، وذكر الحديث".
وقوله (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) يقول: فكان جبرائيل من محمد ﷺ على قدر قوسين، أو أدنى من ذلك، يعني: أو أقرب منه، يقال: هو منه قاب قوسين، وقيب قوسين، وقيد قوسين، وقادَ قوسين، وقَدَى قوسين، كل ذلك بمعنى: قدر قوسين.
وقيل: إن معنى قوله (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) أنه كان منه حيث الوتر من القوس.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله (قَابَ قَوْسَيْنِ) قال: حيث الوتر من القوس.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) قال: قِيد قوسين.
وقال ذلك قتادة.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصِيف، عن مجاهد (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) قال: قِيدَ، أو قدرَ قوسين.
حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إبراهيم بن طهمان، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله فكان قاب قوسين أو أدنى: قال: دنا جبريل عليه السلام منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عاصم، عن أبي رزين (قَابَ قَوْسَيْنِ) قال: ليست بهذه القوس، ولكن قدر الذراعين أو أدنى; والقاب: هو القيد.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) فقال بعضهم: في ذلك، بنحو الذي قلنا فيه.
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، قال: ثنا زرّ بن حُبيش، قال: قال عبد الله في هذه الآية (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيْتُ جبريلَ
لَهُ سِتُّ مِئةِ جنَاحٍ".
حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن الشيباني، عن زرّ، عن ابن مسعود في قوله (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) قال: رأى جبرائيل ست مئة جناح في صورته.
حدثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا قبيص بن ليث الأسدي، عن الشيباني، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) قال: رأى النبيّ ﷺ جبريل عليه السلام له ستّ مئة جناح.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: كان أوّل شأن رسول الله ﷺ أنه رأى في منامه جبريل عليه السلام بأجياد، ثم إنه خرج ليقضي حاجته، فصرخ به جبريل: يا محمد; فنظر رسول الله ﷺ يمينا وشمالا فلم ير شيئا ثلاثا; ثم خرج فرآه، فدخل في الناس، ثم خرج، أو قال: ثم نظر "أنا أشك"، فرآه، فذلك قوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى)... إلى قوله: (فَتَدَلَّى) جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) يقول: القاب: نصف الأصبع. وقال بعضهم: ذراعين كان بينهما.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الشيباني، عن زرّ بن حبيش، عن ابن مسعود (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) قال: له ستّ مئة جناح، يعني جبريل عليه السلام.
حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا زكريا، عن ابن أشوع، عن عامر، عن مسروق، قال: قلت لعائشة: ما قوله (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) فقالت: إنما ذلك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرّة في صورته،
فسدّ أفق السماء.
وقال آخرون: بل الذي دنا فكان قاب قوسين أو أدنى: جبريل من ربه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) قال: الله من جبريل عليه السلام.
وقال آخرون: بل كان الذي كان قاب قوسين أو أدنى: محمد من ربه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن موسى بن عبيد الحميري، عن محمد بن كعب القرظي، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ قال: قلنا يا نبيّ الله: هل رأيت ربك؟ قال: "لَمْ أرَهُ بعَيْني، ورأيتُهُ بفُؤَادي مَرَّتَيْن"، ثم تلا (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى).
حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثيّ، عن كثير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا عُرِجَ بي، مَضَى جِبْريل حتى جاءَ الجَنَّةَ، قالَ: فَدَخَلْتُ فأُعْطيتُ الكَوْثَر، ثُمَّ مَضَى حتى جاءَ السِّدْرَةَ المُنْتَهَى، فَدَنَا رَبُّكَ فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى".
وقوله (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فأوحى الله إلى عبده محمد وحيه، وجعلوا قوله: (مَا أَوْحَى) بمعنى المصدر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) قال: عبده محمد ﷺ ما أوحى إليه ربه.
وقد يتوجه على هذا التأويل "مَا" للوجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى "الذي"، فيكون معنى الكلام فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ربه. والآخر: أن يكون بمعنى المصدر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثني أبي، عن قتادة (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)، قال الحسن: جبريل.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) قال: على لسان جبريل.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن أبى جعفر، عن الربيع، مثله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) قال: أوحى جبريل إلى رسول الله ﷺ ما أوحى الله إليه.
وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأوحى جبريل إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى إليه ربه، لأن افتتاح الكلام جرى في أوّل السورة بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جبريل عليه السلام، وقوله (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) في سياق ذلك ولم يأت ما يدلّ على انصراف الخبر عنهما، فيوجه ذلك إلى ما صرف إليه.
وقوله (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) يقول تعالى ذكره: ما كذب فؤاد محمد محمدا الذي رأى، ولكنه صدّقه.
واختلف أهل التأويل في الذي رآه فؤاده فلم يكذبه، فقال بعضهم: الذي رآه فؤاده رب العالمين، وقالوا جعل بصره في فؤاده، فرآه بفؤاده، ولم يره بعينه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثني عمي سعيد عبد الرحمن بن سعيد، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: رآه بقلبه صلى الله عليه وسلم.
حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبر عباد، يعني ابن منصور، قال: سألت عكرمة، عن قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: أتريد أن أقول لك قد رآه، نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه حتى ينقطع النفس.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، قال: سمعت عكرِمة، وسُئل هل رأى محمد ربه، قال نعم، قد رأى ربه.
قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا سالم مولى معاوية، عن عكرمة، مثله.
حدثنا أحمد بن عيسى التميمي، قال: ثنا سليمان بن عمرو بن سيار، قال: ثني أبي، عن سعيد بن زربى عن عمرو بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُ ربِّي فِي أَحْسَن صُورَةٍ، فَقالَ لي: يا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأ الأعْلَى؟ فَقُلْتُ: لا يا رَبّ فَوضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَّ فَعَلِمْت ما في السَّماء والأرض فَقُلْتُ: يا رَبِّ فِي الدَّرَجَاتِ والكَفَّارَاتِ وَنَقْلِ الأقْدَامِ إلى الجُمُعات، وَانْتَظارِ الصَّلاة بعْد الصَّلاة، فَقُلْتُ: يَا رَبّ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إبْراهيم خَليلا وكَلَّمْتَ مُوسَى تَكليما، وفَعَلْتَ وفَعَلْتَ؟ فقال: ألمْ أشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ ألَمْ أضَعْ عَنْكَ
وِزْرَكَ؟ ألَمْ أَفْعَلْ بِكَ؟ ألم أفْعَلْ. قال: "فَأفْضَى إليًّ بأشْياءَ لَمْ يُؤذَنْ لي أنْ أُحَدّثكُمُوها; قال: فَذلكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ يُحدّثْكُمُوهُ: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى،"فَجَعَل نُورَ بَصَري فِي فُؤَادِي، فَنَظَرْتُ إلَيْهِ بفُؤَادِي ".
حدثني محمد بن عمارة وأحمد بن هشام، قالا ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: رآه مرّتين بفؤاده.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخُلَّة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية صلوات الله عليهم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان عن الأعمش، عن زياد بن الحصين، عن أبي العالية عن ابن عباس (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: رآه بفؤاده.
قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق عمن سمع ابن عباس يقول (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: رأى محمد ربه.
قال ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ) فلم يكذّبه (مَا رَأَى) قال: رأى ربه.
قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال رأى محمد ربه بفؤاده.
وقال آخرون: بل الذي رآه فؤاده فلم يكذبه جبريل عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن بزيع البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إلا حقا» «١».

[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥ الى ١٨]

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤)
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى (١٦) مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ عَلَّمَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى النَّاسِ شَدِيدُ الْقُوى وهو جبريل عليه الصلاة والسلام، كما قال تَعَالَى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التَّكْوِيرِ: ١٩- ٢١] وَقَالَ هَاهُنَا ذُو مِرَّةٍ أَيْ ذُو قُوَّةٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُو خَلْقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ وَقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ رواية ابن عمر وأبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سوي» «٢» وقوله تعالى: فَاسْتَوى يعني جبريل عليه السلام، قاله الحسن ومجاهد وقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يَعْنِي جِبْرِيلَ اسْتَوَى فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى، قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَالْأُفُقُ الْأَعْلَى الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ الصُّبْحُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ النَّهَارُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْوَلِيدِ هُوَ ابْنُ قَيْسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْكَهْتَلَةِ، أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ: أَمَّا وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ فَسَدَّ الْأُفُقَ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا قَوْلًا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا حَكَاهُ هُوَ عَنْ أَحَدٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فَاسْتَوى أَيْ هَذَا الشَّدِيدُ الْقُوَى ذُو الْمِرَّةِ هو ومحمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، أَيِ اسْتَوَيَا جَمِيعًا بِالْأُفُقِ الأعلى وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَذَا قَالَ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ شَرَعَ يُوَجِّهُ مَا قال من حيث العربية فقال وهو كقوله تعالى:
أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا فَعَطَفَ بِالْآبَاءِ عَلَى الْمُكَنَّى فِي كُنَّا مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ نَحْنُ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَاسْتَوى وَهُوَ، قَالَ وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ أنشده: [الطويل]
(١) أخرجه الترمذي في البر باب ٥٧.
(٢) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٢٤، والترمذي في الزكاة باب ٢٣، والنسائي في الزكاة باب ٩٠، وابن ماجة في الزكاة باب ٢٦، والدارمي في الزكاة باب ١٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٤، ١٩٢، ٣٧٧، ٣٨٩، ٤/ ٦٢، ٥/ ٣٧٥.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُوَلَا يَسْتَوِي وَالْخَرْوَعُ الْمُتَقَصِّفُ «١»
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ مُتَّجِهٌ، وَلَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بَلْ قَبْلَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَدَلَّى إِلَيْهِ فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى يَعْنِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْأُولَى فِي أَوَائِلِ الْبَعْثَةِ بَعْدَ مَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ صَدْرَ سُورَةِ اقْرَأْ، ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا مِرَارًا ليتردى من رؤوس الْجِبَالِ. فَكُلَّمَا هَمَّ بِذَلِكَ نَادَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْهَوَاءِ، يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنَا جِبْرِيلُ، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقَرُّ عَيْنُهُ، وَكُلَّمَا طَالَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ عَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بالأبطح فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ عِظَمُ خَلْقِهِ الْأُفُقَ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَعَرَفَ عِنْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ الْمَلَكِ الَّذِي جَاءَهُ بِالرِّسَالَةِ وَجَلَالَةَ قَدْرِهِ وَعُلُوَّ مَكَانَتِهِ عِنْدَ خَالِقِهِ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَيْهِ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا كَوَكْرَيِ الطَّيْرِ فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدْتُ فِي الْآخَرِ. فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ، وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنَّ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ كَأَنَّهُ حِلْسٌ لَاطَ فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ عَلَيَّ. وَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ، وَإِذَا دُونَ الْحِجَابِ رَفْرَفَةُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَأُوحِيَ إِلَيَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ» ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ:
«لَا يَرْوِيهِ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَكَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
(قُلْتُ) الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ هَذَا هُوَ أَبُو قُدَامَةَ الْإِيَادِيُّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَثُرَ وَهْمُهُ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ، فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَرَائِبِ رِوَايَاتِهِ، فَإِنَّ فِيهِ نَكَارَةً وَغَرَابَةَ أَلْفَاظٍ وَسِيَاقًا عَجِيبًا وَلَعَلَّهُ مَنَامٌ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢»
: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكٍ عَنْ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ،
(١) البيت لجرير في ديوانه ص ٢٩٨، وبلا نسبة في أساس البلاغة (قصف)، وتفسير الطبري ١١/ ٥٠٦.
(٢). ١/ ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٠٧.
يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ أَحْمَدُ «١» :
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: ادْعُ رَبَّكَ، فَدَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَطَلَعَ عَلَيْهِ سَوَادٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَجَعَلَ يَرْتَفِعُ وَيَنْتَشِرُ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُعِقَ فَأَتَاهُ فَنَعَشَهُ وَمَسَحَ الْبُزَاقَ عَنْ شدقه، تفرد بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ أَبُو لَهَبٍ وَابْنُهُ عُتْبَةُ قَدْ تَجَهَّزَا إِلَى الشَّامِ فَتَجَهَّزْتُ مَعَهُمَا، فَقَالَ ابْنُهُ عُتْبَةُ: وَاللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَأُوذِيَنَّهُ في ربه سبحانه وتعالى، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هُوَ يَكْفُرُ بِالَّذِي دنى فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ سلط عليه كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ» ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ:
يَا بُنَيَّ مَا قُلْتَ لَهُ، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ لَهُ، قَالَ: فَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ» قَالَ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا آمَنُ عَلَيْكَ دُعَاءَهُ، فَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا الشُّرَاةَ وَهِيَ مَأْسَدَةٌ وَنَزَلْنَا إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ فَقَالَ الرَّاهِبُ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، مَا أَنْزَلَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ فَإِنَّهَا تَسْرَحُ الْأُسْدُ فِيهَا كَمَا تَسْرَحُ الْغَنَمُ. فَقَالَ لَنَا أَبُو لَهَبٍ: إِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ كِبَرَ سِنِّي وَحَقِّي، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ دَعَا عَلَى ابْنِي دَعْوَةً، وَاللَّهِ مَا آمَنُهَا عَلَيْهِ، فَاجْمَعُوا مَتَاعَكُمْ إِلَى هذه الصومعة وافرشوا لا بني عَلَيْهَا ثُمَّ افْرِشُوا حَوْلَهَا، فَفَعَلْنَا فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وُجُوهَنَا فَلَمَّا لَمْ يَجِدُ مَا يُرِيدُ تقبض فوثب وثبة فَإِذَا هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ، فَشَمَّ وَجْهَهُ ثُمَّ هَزَمَهُ هَزْمَةً فَفَضَخَ رَأْسَهُ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَنْفَلِتُ عَنْ دَعْوَةِ محمد.
وقوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى أَيْ فَاقْتَرَبَ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ لَمَّا هَبَطَ عَلَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَابُ قَوْسَيْنِ، أَيْ بِقَدْرِهِمَا إِذَا مُدَّا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ بُعْدُ مَا بَيْنَ وَتَرِ القوس إلى كبدها. وقوله تعالى: أَوْ أَدْنى قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ لِإِثْبَاتِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَنَفْيِ ما زاد عليه كقوله تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [الْبَقَرَةِ: ٧٤] أَيْ مَا هِيَ بِأَلْيَنَ مِنَ الْحِجَارَةِ، بَلْ هِيَ مِثْلُهَا أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا فِي الشِّدَّةِ وَالْقَسْوَةِ وَكَذَا قَوْلُهُ: يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النِّسَاءِ: ٧٧] وَقَوْلُهُ: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصَّافَّاتِ: ١٤٧] أَيْ لَيْسُوا أَقَلَّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِائَةُ أَلْفٍ حَقِيقَةً أَوْ يَزِيدُونَ عَلَيْهَا. فَهَذَا تَحْقِيقٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ لَا شك ولا تردد فإن هذا ممتنع وهكذا هاهنا هذه الآية فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمُقْتَرِبَ الدَّانِيَ الَّذِي صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله تعالى عليه
(١) المسند ١/ ٣٢٢.
وسلم إنما هو جبريل عليه السلام، وهو قَوْلُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا سَنُورِدُ أَحَادِيثَهُمْ قَرِيبًا إن شاء الله تعالى.
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ» «١» فَجَعَلَ هَذِهِ إِحْدَاهُمَا، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: «ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى»، ولهذا قد تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَتْنِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فِيهَا مِنَ الْغَرَابَةِ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتٍ آخَرَ وَقِصَّةٍ أُخْرَى، لَا أَنَّهَا تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ هَذِهِ كَانَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ لَا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى فَهَذِهِ هِيَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْأُولَى كَانَتْ فِي الْأَرْضِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ».
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
كَانَ أَوَّلُ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ جِبْرِيلَ بِأَجْيَادٍ «٣»، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَصَرَخَ بِهِ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! فنظر رسول الله يمينا وشمالا فلم ير أحدا ثلاثا، ثم رفع بصره فإذا هو ثاني إِحْدَى رِجْلَيْهِ مَعَ الْأُخْرَى عَلَى أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ جِبْرِيلُ جِبْرِيلُ يُسَكِّنُهُ. فَهَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى دَخَلَ فِي النَّاسِ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ نَظَرَ فَرَآهُ فَدَخَلَ فِي النَّاسِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ فَنَظَرَ فَرَآهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى - إِلَى قَوْلِهِ- ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى يَعْنِي جِبْرِيلُ إلى محمد عليهما الصلاة والسلام فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى وَيَقُولُونَ: الْقَابُ نصف إصبع، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذِرَاعَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمَا، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ «٤» وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عن جابر شاهدا لِهَذَا.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ عَنْ زَائِدَةَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرًّا عَنْ قَوْلِهِ: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى جبريل له ستمائة جناح.
(١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٨٦.
(٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٠٨.
(٣) أجياد: موضع بأسفل مكة.
(٤) كتاب التفسير، تفسير سورة ٥٣، في الترجمة.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنِي ابْنُ بَزِيعٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ حُلَّتَا رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى
مَعْنَاهُ فَأَوْحَى جِبْرِيلُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ مَا أَوْحَى، أَوْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ مَا أَوْحَى بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى
قال: أوحى الله إليه أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً [الضحى: ٦]- وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشَّرْحِ: ٤] وَقَالَ غَيْرُهُ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا، وَعَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتُكَ.
وقوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى قَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ زِيَادِ بْنِ حَصِينٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَا رَوَاهُ سِمَاكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ وغيرهما: إنه رآه بفؤاده مرتين «٢»، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الرُّؤْيَةَ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْفُؤَادِ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ بِالْبَصَرِ فَقَدْ أَغْرَبَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَنَسٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ فِيهِ نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ «٣» : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا يحيى بن كثير العنبري عن سلمة بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الْأَنْعَامِ: ١٠٣] قَالَ:
وَيْحَكَ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ، فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، فَقَالَتْ: لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِي فَقُلْتُ: رُوَيْدًا، ثُمَّ قَرَأْتُ لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى فَقَالَتْ: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، مَنْ أَخْبَرَكَ أن محمدا رأى ربه أو كنتم شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ التي
(١) تفسير الطبري ١١/ ٥١١.
(٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٨٦.
(٣) تفسير سورة ٥٣، باب ٤. [.....]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ فقد أعظم على الله الْفِرْيَةَ وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ، لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ومرة في أجياد وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ وَالْكَلَامُ لِمُوسَى وَالرُّؤْيَةُ لمحمد عليهم الصلاة والسلام؟ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» «١» وَفِي رِوَايَةٍ «رَأَيْتُ نُورًا» «٢» وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ:
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ» ثُمَّ قَرَأَ مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ «٣» عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مِهْرَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «لَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي وَرَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ» ثُمَّ تَلَا ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بن منصور قال: سألت عكرمة عن قوله: مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى فَقَالَ عِكْرِمَةُ: تُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَنَّهُ قَدْ رَآهُ، قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ: قَدْ رَآهُ ثُمَّ قَدْ رَآهُ، قال: فسألت عنه الحسن فقال: قد رَأَى جَلَالَهُ وَعَظَمَتَهُ وَرِدَاءَهُ، وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلَدَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟
قَالَ: «رَأَيْتُ نَهْرًا وَرَأَيْتُ وَرَاءَ النَّهْرِ حِجَابًا، وَرَأَيْتُ وَرَاءَ الْحِجَابِ نُورًا لَمْ أَرَ غَيْرَ» وَذَلِكَ غَرِيبٌ جِدًّا.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٤» : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ» فَإِنَّهُ حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٥» أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ- أَحْسَبُهُ يَعْنِي فِي النَّوْمِ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، قَالَ: قُلْتُ لَا، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بردها بين
(١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩١.
(٢) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٢.
(٣) تفسير الطبري ١١/ ٥١٠.
(٤) المسند ١/ ٢٩٠.
(٥) المسند ١/ ٣٦٨.
ثَدْيَيَّ- أَوْ قَالَ نَحْرِي- فَعَلِمْتُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ، يَخْتَصِمُونَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ، قَالَ:
وَمَا الْكَفَّارَاتُ وَالدَّرَجَاتُ؟ قَالَ: قُلْتُ الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الجماعات، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إذا صليت اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً أَنْ تَقْبِضَنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ بَذْلُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسِ نِيَامٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ سُورَةِ ص عَنْ مُعَاذٍ نَحْوُهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ «١» مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ سِيَاقٌ آخَرُ وَزِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ فَقَالَ:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَيَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَرْبِيٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ فَقُلْتُ لَا يَا رَبِّ، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثديي، فعلمت ما في السموات وَالْأَرْضِ فَقُلْتُ يَا رَبِّ فِي الدَّرَجَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ يَا رَبِّ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ فَقَالَ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَضَعْ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ بِكَ ألم أفعل بك؟ قَالَ فَأَفْضَى إِلَيَّ بِأَشْيَاءَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهَا قَالَ فَذَاكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى فَجَعَلَ نُورَ بَصَرِي فِي فُؤَادِي فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِفُؤَادِي» إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ لَمَّا خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ اعْلَمُوا أَنِّي كَافِرٌ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى، فَبَلَغَ قَوْلُهُ رسول الله ﷺ فقال: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ. قَالَ هَبَّارٌ: فَكُنْتُ مَعَهُمْ فَنَزَلْنَا بِأَرْضٍ كَثِيرَةٍ الْأُسْدِ، قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْأَسَدَ جَاءَ فَجَعَلَ يَشُمُّ رؤوس الْقَوْمِ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى تَخَطَّى إِلَى عُتْبَةَ فَاقْتَطَعَ رَأْسَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي السِّيرَةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَرْضِ الزرقاء وقيل بالسراة، وأنه خالف لَيْلَتَئِذٍ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ وَنَامُوا مِنْ حَوْلِهِ فَجَاءَ الْأَسَدُ فَجَعَلَ يَزْأَرُ ثُمَّ تَخَطَّاهُمْ إِلَيْهِ فضغم رأسه لعنه الله.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى هَذِهِ هِيَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَأَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا وكانت ليلة
(١) تفسير الطبري ١١/ ٥١٠.
الْإِسْرَاءِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْإِسْرَاءِ بِطُرُقِهَا وَأَلْفَاظِهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ سُبْحانَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يُثْبِتُ الرُّؤْيَةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَيَسْتَشْهِدُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَدْ خَالَفَهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ وَلَهُ ستمائة جناح ينتثر من ريشه التهاويل «٢» من الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ» وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وَقَالَ أَحْمَدُ «٣» أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ من التهاويل من الدر والياقوت ما الله به أعلم. إسناده حسن أيضا.
وقال الإمام أَحْمَدُ «٤» أَيْضًا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ قَالَ، سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» سَأَلْتُ عَاصِمًا عَنِ الْأَجْنِحَةِ فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَنِي، قَالَ فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْجَنَاحَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ «٥» : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحباب، حدثنا حسين، حدثنا عاصم بن بهدلة حدثني شقيق بن سلمة قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي خَضِرٍ مُعَلَّقٍ بِهِ الدُّرُّ» إسناد جيد أيضا.
وقال الإمام أحمد «٦» : حدثنا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ قَالَ: أَتَى مَسْرُوقٌ عَائِشَةَ فَقَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي لِمَا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الْأَنْعَامِ: ١٠٣] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشُّورَى: ٥١] وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ [لقمان: ٣٤] الآية. ومن أخبرك
(١) المسند ١/ ٤٦٠.
(٢) التهاويل: الأشياء المختلفة الألوان.
(٣) المسند ١/ ٣٩٥.
(٤) المسند ١/ ٤٠٧.
(٥) المسند ١/ ٤٠٧.
(٦) المسند ٦/ ٤٩، ٥٠.
أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الْمَائِدَةِ:
٦٧] وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ في صورته مرتين.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التَّكْوِيرِ: ٢٣] وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى
فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هذه الأمة سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ» لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ، رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ «٢»، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ بِهِ.
[رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٣» : حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا هُمَامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ. قَالَ: وَمَا كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ هَلْ رَأَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ: «قَدْ رَأَيْتُهُ نُورًا أَنَّى أَرَاهُ» هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ بِلَفْظَيْنِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» «٤». وَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذر: قد سألته فَقَالَ «رَأَيْتُ نُورًا» «٥» وَقَدْ حَكَى الْخَلَّالُ فِي عِلَلِهِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: مَا زِلْتُ مُنْكِرًا لَهُ وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ، وَحَاوَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَنْ يَدَّعِيَ انْقِطَاعَهُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ وَبَيْنَ أَبِي ذَرٍّ، وَأَمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَعَلَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ، وَلَوْ سَأَلَهُ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ لَأَجَابَهُ بِالْإِثْبَاتِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَدْ سَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ وَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا الرُّؤْيَةَ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ خَاطَبَهَا عَلَى قَدْرِ عَقْلِهَا أَوْ حَاوَلَ تَخْطِئَتَهَا فِيمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُخْطِئُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَأَى
(١) المسند ٦/ ٢٣٦، ٢٤١.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٣، باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٨٧. [.....]
(٣) المسند ٥/ ١٤٧.
(٤) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩١.
(٥) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩٢.
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قال في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قَالَ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «١».
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُمْ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ غَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ وَغَشِيَهَا نُورُ الرَّبِّ وغشيتها أَلْوَانٌ مَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى قَالَ فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ:
وَأُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتِهِ الْمُقْحَمَاتُ»
. انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ «٤».
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ- شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ- قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم انتهى إلى السدرة، فقيل له إن هذه السدرة، فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَلَّاقِ وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ حين يقعن على الشجر، وقال فَكَلَّمَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ سَلْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى قَالَ كَانَ أَغْصَانُ السِّدْرَةِ لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا، فرآها النبي ﷺ وَرَأَى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ رَأَيْتَ يَغْشَى تِلْكَ السِّدْرَةَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَرَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِهَا مَلَكًا قَائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ».
وَقَوْلُهُ تعالى: مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى قَالَ ابْنُ عباس رضي الله عنهما: مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا وَما طَغى مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَا فَعَلَ إِلَّا مَا أُمِرَ بِهِ وَلَا سَأَلَ فَوْقَ مَا أُعْطِيَ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّاظِمُ:
رَأَى جَنَّةَ الْمَأْوَى وَمَا فَوْقَهَا وَلَوْرَأَى غيره ما قد رآه لتاها
وقوله تَعَالَى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى كَقَوْلِهِ: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [طه:
٢٣] أَيِ الدَّالَةُ عَلَى قُدْرَتِنَا وَعَظَمَتِنَا، وَبِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أن الرؤية
(١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٨٣.
(٢) المسند ١/ ٤٢٢.
(٣) المقحمات: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار.
(٤) كتاب الإيمان حديث ٢٧٩.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿ثُمَّ دَنَا﴾ جبريل من النبي ﷺ، لإيصال الوحي إليه. ﴿فَتَدَلَّى﴾ عليه من الأفق الأعلى
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١-١٨} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾.
يقسم تعالى بالنجم عند هويه أي: سقوطه في الأفق في آخر الليل عند إدبار الليل وإقبال النهار، لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به، والصحيح أن النجم، اسم جنس شامل للنجوم كلها، وأقسم بالنجوم على صحة ما جاء به الرسول ﷺ من الوحي الإلهي، لأن في ذلك مناسبة عجيبة، فإن الله تعالى جعل النجوم زينة للسماء، فكذلك الوحي وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم.
والمقسم عليه، تنزيه الرسول ﷺ عن الضلال في علمه، والغي في قصده، ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه، هاديا، حسن القصد، ناصحا للأمة (١) بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم، وفساد القصد (٢).
وقال ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ لينبههم على ما يعرفونه منه، من الصدق والهداية، وأنه لا يخفى عليهم أمره، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي: ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه
﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ أي: لا يتبع إلا ما أوحى الله إليه من الهدى والتقوى، في نفسه وفي غيره.
ودل هذا على أن السنة وحي من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه، لأن كلامه لا يصدر عن هوى، وإنما يصدر عن وحي يوحى.
ثم ذكر المعلم للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو جبريل [عليه السلام]، أفضل الملائكة [الكرام] وأقواهم وأكملهم، فقال: ﴿عَلَّمَهُ [شَدِيدُ الْقُوَى]﴾ أي: نزل بالوحي على الرسول ﷺ جبريل عليه السلام، ﴿شديد القوى﴾ أي: شديد القوة الظاهرة والباطنة، قوي على تنفيذ ما أمره الله بتنفيذه، قوي على إيصال الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنعه من اختلاس الشياطين له، أو إدخالهم فيه ما ليس منه، وهذا من حفظ الله لوحيه، أن أرسله مع هذا الرسول القوي الأمين.
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: قوة، وخلق حسن، وجمال ظاهر وباطن.
﴿فَاسْتَوَى﴾ جبريل عليه السلام -[٨١٩]- ﴿وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى﴾ أي: أفق السماء الذي هو أعلى من (٣) الأرض، فهو من الأرواح العلوية، التي لا تنالها الشياطين ولا يتمكنون من الوصول إليها.
﴿ثُمَّ دَنَا﴾ جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم، لإيصال الوحي إليه. ﴿فَتَدَلَّى﴾ عليه من الأفق الأعلى ﴿فَكَانَ﴾ في قربه منه ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ أي: قدر قوسين، والقوس معروف، ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ أي: أقرب من القوسين، وهذا يدل على كمال المباشرة (٤) للرسول ﷺ بالرسالة، وأنه لا واسطة بينه وبين جبريل عليه السلام.
﴿فَأَوْحَى﴾ الله بواسطة جبريل عليه السلام ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ ﴿مَا أَوْحَى﴾ أي: الذي أوحاه إليه من الشرع العظيم، والنبأ المستقيم.
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ أي: اتفق فؤاد الرسول ﷺ ورؤيته على الوحي الذي أوحاه الله إليه، وتواطأ عليه سمعه وقلبه وبصره، وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه الله إليه، وأنه تلقاه منه تلقيا لا شك فيه ولا شبهة ولا ريب، فلم يكذب فؤاده ما رأى بصره، ولم يشك بذلك. ويحتمل أن المراد بذلك ما رأى ﷺ ليلة أسري به، من آيات الله العظيمة، وأنه تيقنه حقا بقلبه ورؤيته، هذا [هو] الصحيح في تأويل الآية الكريمة، وقيل: إن المراد بذلك رؤية الرسول ﷺ لربه ليلة الإسراء، وتكليمه إياه، وهذا اختيار كثير من العلماء رحمهم الله، فأثبتوا بهذا رؤية الرسول ﷺ لربه في الدنيا، ولكن الصحيح القول الأول، وأن المراد به جبريل عليه السلام، كما يدل عليه السياق، وأن محمدا ﷺ رأى جبريل في صورته الأصلية [التي هو عليها] مرتين، مرة في الأفق الأعلى، تحت السماء الدنيا كما تقدم، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى﴾ أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى، نازلا إليه.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ وهي شجرة عظيمة جدا، فوق السماء السابعة، سميت سدرة المنتهى، لأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وينزل إليها ما ينزل من الله، من الوحي وغيره، أو لانتهاء علم الخلق (٥) إليها أي: لكونها فوق السماوات والأرض، فهي المنتهى في علوها (٦) أو لغير ذلك، والله أعلم.
فرأى محمد ﷺ جبريل في ذلك المكان، الذي هو محل الأرواح العلوية الزاكية الجميلة، التي لا يقربها شيطان ولا غيره من الأرواح الخبيثة.
عند تلك الشجرة ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ أي: الجنة الجامعة لكل نعيم، بحيث كانت محلا تنتهي إليه (٧) الأماني، وترغب فيه الإرادات، وتأوي إليها الرغبات، وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الأماكن، وفوق السماء السابعة.
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ أي: يغشاها من أمر الله، شيء عظيم لا يعلم وصفه إلا الله عز وجل.
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ أي: ما زاغ يمنة ولا يسرة عن مقصوده ﴿وَمَا طَغَى﴾ أي: وما تجاوز البصر، وهذا كمال الأدب منه صلوات الله وسلامه عليه، أن قام مقاما أقامه الله فيه، ولم يقصر عنه ولا تجاوزه ولا حاد عنه،
وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم، الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور: إما أن لا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط، أو على وجه الإفراط، أو على وجه الحيدة يمينا وشمالا وهذه الأمور كلها منتفية عنه صلى الله عليه وسلم.
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ من الجنة والنار، وغير ذلك من الأمور التي رآها ﷺ ليلة أسري به.
(١) في ب: للخلق.
(٢) في ب: وسوء.
(٣) كذا في ب، وفي أ: الأعلى على.
(٤) في ب: مباشرته.
(٥) في ب: علم المخلوقات.
(٦) كذا في ب، وفي أ: علومها.
(٧) كذا في ب، وفي أ: إليها.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
دَنَا
اقْتَرَبَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - مِنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
فَتَدَلَّى
زَادَ فِي القُرْبِ.

إعراب الآية ٨ من سورة النجم

من كتاب: إعراب القرآن

والمعنى عليه، والإعراب يقويه. وزعم الفراء «١» أن المعنى فاستوى محمد صلّى الله عليه وسلّم وجبريل عليه السلام فجعل «وهو» كناية عن جبرائيل عليه السلام وعطف به على المضمر. قال أبو جعفر: في هذا من الخطأ ما لاحقا به عطف على مضمر مرفوع لا علامة له ومثله مررت بزيد جالسا وعمرو، ويعطف به على المضمر المرفوع. وهذا ممنوع من الكلام حتّى يؤكّد المضمر أو يطول الكلام ثم شبّهه بقوله: أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا [النمل:
٦٧] وهذا التشبيه غلط من جهتين، إحداهما أنه قد طال الكلام هاهنا وقام المفعول به مقام التوكيد. والجهة الأخرى أنّ النون والألف قد عطف عليهما هاهنا، وقولك: قمنا وزيد أسهل من قولك: قام وزيد، وأيضا فليس المعنى على ما ذكر.

[سورة النجم (٥٣) : آية ٨]

ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨)
شبّهه الفراء «٢» بقوله جلّ وعزّ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] لأن المعنى: انشقّ القمر واقتربت الساعة. قال أبو جعفر: وهذا التشبيه غلط بيّن لأن حكم الفاء خلاف حكم الواو لأنها تدلّ على أن الثاني بعد الأول، فالتقدير ثم دنا فزاد في القرب.

[سورة النجم (٥٣) : آية ٩]

فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
قال أبو جعفر: وهذا أيضا مما يشكل في العربية لأن «أو» لا يجوز أن تكون بمعنى الواو لاختلاف ما بينهما، ولا بمعنى «بل» لما ذكرنا. وأن الاختصار يوجب غير ذلك فالتقدير فكان بمقدار ذلك عندكم لو رأيتموه قدر قوسين أو أدنى، كما روي عن ابن مسعود قال: فكان قدر ذراع أو ذراعين. قال أبو جعفر: القاد والقيد والقاب والقيب والقدر والقدر.

[سورة النجم (٥٣) : آية ١٠]

فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠)
في معناه قولان: روى هشام الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال:
عبده محمد صلّى الله عليه وسلّم فتأوّل هذا على المعنى فأوحى إلى عبده محمد صلّى الله عليه وسلّم. والقول الأخر أن المعنى فأوحى جبرائيل إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم عبد الله وهو قول جماعة من أهل التفسير منهم ابن زيد قال: وهذا أشبه بسياق الكلام لأن ما قبله وما بعده أخبار عن جبرائيل صلّى الله عليه وسلّم ومحمد صلّى الله عليه وسلّم فلا يخرج ذلك عنهما إلى أحد إلّا بحجة يجب التسليم بها.

[سورة النجم (٥٣) : آية ١١]

ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١)
«٣»
(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٩٥.
(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٩٦.
(٣) انظر القراءات في البحر المحيط ٨/ ١٥٦، وتيسير الداني ١٦٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٦ قولًا
١
عن أنس بن مالك -من طريق أبي نمر- يُحَدّث عن ليلة المسرى برسول الله ﷺ: أنه عَرج جبرائيل برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سِدْرة المنتهى، ودنا الجبّار ربُّ العزّة، فتدلّى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أُمّته كل يوم وليلة. وذكر الحديث١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏١٥، والثعلبي ٩‏/‏١٣٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (١٣/٢٥٥ بتصرف) على هذه الرواية بأنه: «تكلّم كثيرٌ مِن الناس في متنها، وذكروا أشياء فيها مِن الغرابة، فإن صح فهو محمولٌ على وقت آخر وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية؛ فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده: ﴿ولَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم:١٣-١٤]، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض».
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾، قال: الله من جبريل عليه السلام١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٦٢٥، وأخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏١٩.
٣
قال الضَّحّاك بن مُزاحِم: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ دنا محمدٌ ﷺ مِن ربّه، فتدلّى، فأهوى للسجود، فكان منه قاب قوسين أو أدنى١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏١٣٨، وتفسير البغوي ٧‏/‏٤٠٢.
٤
عن الحسن البصري -من طريق معمر- ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾، قال: جبريل عليه السلام١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٥٠، وابن جرير ٢٢‏/‏١٤.
٥
عن عبّاد بن منصور، قال: سألتُ الحسن، فقلتُ: ﴿ثم دنا فتدلى﴾ مَن ذا، يا أبا سعيد؟ قال: ربي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص٥٢٩.
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾: يعني: جبريل١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٥٠ من طريق معمر، وابن جرير ٢٢‏/‏١٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ الرّبُّ تعالى من محمد، ﴿فَتَدَلّى﴾ وذلك ليلة أُسري بالنبي ﷺ إلى السماء السابعة١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏١٦٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ على قولين: الأول: أنه الرب عز وجل. الثاني: أنه جبريل عليه السلام. ورجَّح ابنُ عطية (٥/١٩٧ دار الكتب العلمية) القول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنة، فقال: «والصحيح عندي: أن جميع ما في هذه الآيات -أي: من قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾- هو مع جبريل عليه السلام، بدليل قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾، فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما رُوي قطّ أنّ محمدًا ﷺ رأى ربَّه عز وجل قبل ليلة الإسراء، أما إن رؤية القلب لا تُمنَع بحال». ورجَّح ابنُ تيمية (٦/١٣٠) -مستندًا إلى أقوال السلف، والسياق- أن الدُّنوّ والتَّدلي هو دنوّ جبريل عليه السلام وتدلّيه، فقال: «الدنوّ والتدلّي في سورة النجم هو دنوّ جبريل وتدلّيه -كما قالت عائشة، وابن مسعود- والسياق يدُلُّ عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المُعلّم الشديد القوي، وهو ذو المِرّة، أي: القوة، وهو الذي استوى بالأُفق الأعلى، وهو الذي دنا فتدلّى، فكان مِن محمد ﷺ قدر قوسين أو أدنى، وهو الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، رآه على صورته مرتين؛ مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى».
٨
عن عبد الله بن عباس، قال: قال النبي ﷺ: «رأيتُ ربِّي في أحسن صورةٍ، فقال لي: يا محمد، هل تدري فيمَ يختصم الملأُ الأعلى؟ فقلتُ: لا، يا ربّ. فوضع يده بين كتفيّ، فوجدت بَرْدها بين ثدييّ، فعلمتُ ما في السماء والأرض، فقلتُ: يا ربّ، في الدّرجات والكفّارات، ونقْل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فقلتُ: يا ربِّ، إنّك اتخذتَ إبراهيم خليلًا، وكلّمتَ موسى تكليمًا، وفعلتَ، وفعلتَ. فقال: ألم أشرح لك صدرك؟! ألم أضع عنك وِزْرك؟! ألم أفعل بك؟! ألم أفعل؟! فأفضى إلَيّ بأشياء لم يُؤذن لي أن أُحَدِّثُكُمُوها، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾. فجعل نورَ بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٥‏/‏٤٣٧-٤٣٨ (٣٤٨٤)، والترمذي ٥‏/‏٤٤٢-٤٤٤ (٣٥١٤)، وعبد الرزاق ٣‏/‏١٢٦ (٢٦١٢)، من طريق معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس به. وأخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٢٣ واللفظ له، من طريق أحمد بن عيسى التميمي، عن سليمان بن عمر بن سيار، عن أبيه، عن سعيد بن زربي، عن عمرو بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس به. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب مِن هذا الوجه». وقال ابن كثير في تفسيره ٧‏/‏٤٥١ عن رواية ابن جرير: «إسناده ضعيف».
٩
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا عُرِج بي مضى جبريلُ حتى جاء الجنة، فدخلتُ، فأُعطيتُ الكوثر، ثم مضى حتى جاء سِدرة المنتهى، فدنا ربُّك فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏١٩-٢٠، من طريق خلاد بن أسلم، عن النضر، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن كثير، عن أنس بن مالك به. وسنده ضعيف؛ فيه كثير، وهو كثير بن سليم الضبي، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٥٦١٣):«ضعيف».
١٠
عن أنس -من طريق كثير بن خنيس- [في قصة المعراج] قال:... ثم مضى حتى جاء الجنة، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قال: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. ففُتِح. قال: «فدخلت الجنة، فأُعطيت الكوثر، فإذا نهر في الجنة عِضادتاه١ بيوت مجوَّفَةٌ من لؤلؤ». ثم مضى حتى جاء سدرة المنتهى، ﴿فتدلى* فكان قاب قوسين أو أدنى* فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾...٢
التخريج
  1. ١العضادة: ناحية الطريق، والمراد: جانبا النهر. اللسان (عضد).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن مردويه مطولًا.
١١
عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن بعض أصحاب النبيِّ ﷺ، قال: قالوا: يا رسول الله، هل رأيتَ ربّك؟ قال: «لم أره بعيني، ورأيته بفؤادي مرتين». ثم تلا: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏١٩، من طريق ابن حميد، عن مهران، عن موسى بن عبيد الحميري، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن بعض أصحاب النبي ﷺ به. وسنده ضعيف؛ فيه موسى بن عبيدة الربذي، قال عنه ابن حجر في التقريب (٦٩٨٩): «ضعيف». وأخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٤٢٤- مرسلًا، عن محمد بن كعب القرظي. وكذا عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٢
عن هبّار بن الأسود -من طريق عُروة- قال: كان أبو لهب وابنه عُتبة قد تجهّزا إلى الشام، وتجهّزتُ معهما، فقال ابن أبي لهب: واللهِ، لَأنطلِقنّ إلى محمد، فلَأوذينّه في ربّه. فانطلَق حتى أتاه، فقال: يا محمد، هو يكفر بالذي دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم، ابعث عليه كلبًا من كلابك»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة ص٤٥٤-٤٥٥ (٣٨٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٨‏/‏٣٠١-٣٠٢ كلاهما مطولًا، من طريق محمد بن حميد، عن سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن عثمان بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن هبار بن الأسود به. وسنده ضعيف؛ فيه محمد بن حميد الرازي، قال عنه ابن حجر في التقريب (٥٨٣٤): «حافظ ضعيف».
١٣
عن مسروق، قال: قلتُ لعائشة: ما قوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾؟ فقالت: إنّما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنّه أتاه في هذه المرة في صورته، فسدّ أُفق السماء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏١٨.
١٤
عن عائشة -من طريق عروة- قالت: كان أول شأن رسول الله ﷺ أنّه رأى في منامه جبريل بأَجْياد١، ثم خرج لبعض حاجته، فصرخ به جبريل: يا محمد، يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا فلم ير شيئًا، ثلاثًا، ثم رفع بصره، فإذا هو ثاني إحدى رجليه على الأخرى على أُفق السماء، فقال: يا محمد، جبريل، جبريل. يُسكِّنه، فهرب النبيُّ ﷺ حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئًا، ثم خرج من الناس، فنظر فرآه، فذلك قول الله: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾، يعني: جبريل إلى محمد٢
التخريج
  1. ١أجياد وجياد: موضع بمكة يلي الصفا. معجم البلدان ١‏/‏١٣٨، ٢‏/‏١٦٩. كان الاسم يطلق على شعبين كبيرين من شعاب مكة، وقد أصبحا اليوم مأهولين بأحياء عديدة مِن أحياء مكة، أشهرها: حي جِياد، والـمَصافي. معالم مكة التاريخية والأثرية لعاتق البلادي ص١٤.
  2. ٢أخرجه ابن جرير بنحوه ٢٢‏/‏١٧-١٨، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٤٢٢، ٤٢٣-، والبيهقي في الدلائل ٢‏/‏٣٦٨.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- في قوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾، قال: هو محمد ﷺ، دنا فتدلى إلى ربه عز وجل١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني (١١٣٢٨). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي سلمة- في قوله: ﴿ثُمَّ دَنا﴾، قال دنا: ربه فتدلى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏١٤. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
التفسير بالمأثور لسورة النجم كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٨ من سورة النجم

٤ وقفات في هذه الآية

  • مهما ارتقيت في سلم النجاح , وترقيت في مراتب الفلاح ؛ فتذكر أنك لا تزال لله عبدا .

    — مصحف تدبر المفصل

  • آية (52) : * هناك آية أتتبع تفسيرها ولم أجد جواباً شافياً لها (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) الحج) عندما تتبعت تفسيرها في السيرة وجدتها مرتبطة بآية أخرى (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) إلى قوله تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) يقول المفسرون أن الشيطان ألقى كلمتين على الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الشيطان "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترتجى"، هل يمكن تبيين الصحيح من الخطأ. ؟ قسم يذهب إلى أن تمنى يعني قرأ. بهذا المعنى تكون إذا قرأ الرسول أو النبي شيئاً من الآيات ألقى الشيطان الشُبه والتخيلات فيما قرأ على أوليائه يجادلوا بالباطل، على أولياء الشيطان، على جنوده الأبالسة شياطين من الإنس أو من الجن أعوانه، فيلقي في نفوسهم أسئلة حتى يجادلوا الرسول. مثال: لما نزلت الآية (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) الأنبياء) قالوا عيسى عُبد من دون الله، إذن هو حصب جهنم، الملائكة عُبدوا، آلهتنا مثلهم، هذا إلقاء الشيطان في الأمنية في القراءة يُلقي الشُبَه في نفوس أوليائه حتى يجادلوا النبي. عندما يسمع قراءة الرسول يسمع هؤلاء فالشيطان يلقي أسئلة في القراءة حتى يجادلوا الرسول. *كيف نفهم (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)؟ يعني بما يبينه وبين الله تعالى هذا وراءها في قوله (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) الأنبياء) . *هو نسخ أمنية الشيطان في نفوس الذين يسمعون النبي؟ ما ألقاه من الشُبه نسخه. لما نزلت في سورة يس (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (47)) يقولون الله هو أعطانا الرزق وربنا شاء أن لا يطعمهم فكيف تأمرنا نحن بإطعامهم؟ ربنا الذي رزقنا وأعطانا الرزق وهو الذي لم يطعمهم أفتأمرنا أن نخالف إرادة الله؟! هذا من إلقاء الشيطان حتى يجادلوه (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ (121) الأنعام). قالوا هذا المعنى يعني إذا قرأ النبي الشيطان يلقي في أتباعه وأوليائه أسئلة حتى يجادلوه بها وربنا سبحانه وتعالى ينسخ ما يلقي الشيطان. ويقولون من معاني (تمنى) ألقى في خاطر النبي اليأس من هداهم عسى أن يُقصِّر، يثبطه، يضجّره من قومه ثم ربنا سبحانه وتعالى يقشع ويزول هذا الخاطر *هل الشيطان يوسوس للأنبياء؟ (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ص). يقولون لما شق عليه إعراض قومه تمنى أو تشهّى أن لا ينزل عليهم شيئ ينفّرهم . *(إلا إذا تمنى) هنا بمعنى تشهّى؟ هي جملة معاني لكن كلها ليست كما ذُكر في الرواية المكذوبة تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترتجى، هذا مكذوب طبعاً. واضح جداً أنه إذا كانت بمعنى القرآءة عندما يقرأ الرسول الشياطين يلقون شُبهاً على أتباعهم حتى يجادلوا الرسول ، الرواية غير حقيقية أصلاً. *هنالك نقطة لم أفهمها جيداً وأريد مثالاً حتى يتضح المقال. ذكرت فيما ذكرت أن (تمنى) بمعنى تشهى، أريد مثالاً حتى نبين المعنى، (ألقى الشيطان في أمنيته) يعني ألقى الشيطان في تشهيه أما ماذا؟ فينسخ ربنا تشهي النبي أم ماذا؟ هذا أحد المعاني، قد يتمنى مثلاً أن ربنا سبحانه وتعالى لا يعيب الآلهة ولا يسبهم سباً كثيراً جداً حتى يؤمنوا. نضرب مثلاً سيدنا يونس عندما ترك قومه، (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ (87) الأنبياء) ذهب مغاضباً قومه. *هناك من يفهم أنه مغاضباً لله سبحانه وتعالى بدليل (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) ؟ نقدر يعني نضيّق عليه. (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (16) الفجر) يعني ضيق عليه رزقه. يونس قالوا إذا كان هؤلاء لا يؤمنون فلأذهب إلى غيرهم يؤمنون في الأمر سعة، ظن أن لن يضيق الله عليه، هؤلاء لم يؤمنوا، هكذا اجتهاد يونس لكن هذا خلاف حكمة الله لذلك الله سبحانه وتعالى جعل الحوت يلتقمه ثم أرجعه في العراء وهو سقيم. فإذن قد يعني النبي يجتهد خلاف الأولى على غير مراد الله سبحانه وتعالى فربنا سبحانه وتعالى ينسخ هذا الأمر ويثبت إرادته ويعلِّمه أو يوجهه فقد يحصل أن النبي يتشهى شيئاً فهو إنسان.

    — فاضل السامرائي

  • (ثم دنا فتدلّى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى(9)): ثم دنا فتدلّى فيها تكريم للرسول  لأن الدنو غير التدلي فالدنو هو القرب من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل وغيره أما التدلّي فلا يكون إلا من أعلى لأسفل. ومعنى أن جبريل  تدلّى للرسول  فهذا في غاية التكريم له. العرب تقول في القرُب أشياء كثيرة كناية عن القرب فلماذا اختار سبحانه قاب قوسين أو أدنى؟ اختيار قاب قوسين تدل على القرب والقوس هي في حد ذاتها لا بد أن تكون قوية شديدة والوتر لا بد أن يكون قوياً شديداً والرامي ينبغي أن يكون قوياً مُسدداً فالقوس يحتاج إلى إحكام في التسديد والانطلاق وهذه كلها عناصر الرحلة وقد سبق قوله تعالى (شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى) والقوس شديد ويستعمله قوي شديد والرحلة وهي الانطلاق لذا جاء استعمال قاب قوسين أو أدنى.

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدنى) . إن قلتَ: كيف أدخَلَ كلمةَ الشكِّ، وهو مُحالٌ عليه تعالى؟ قلتُ: " أو " للتخيير لا للشكِّ، أي إِن شئتم قدِّروا ذلك القرب بقاب قوسين، أو بأدق منهما، أو هي بمعنى " بلْ "، أو " للتشكيك لهم في قدرِ القُربِ.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

ترجمات معاني الآية ٨ من سورة النجم

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(8) Then he approached and descended
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال