مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿ثم دنا فتدلى﴾ وفيه وجوه مشهورة ( أحدها ) أن جبريل دنا من النبي ﷺ أي بعد ما مد جناحه وهو بالأفق عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها وقرب من النبي ﷺ وعلى هذا ففي ﴿تدلى﴾ ثلاثة وجوه :( أحدها ) فيه تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبي ﷺ ( الثاني ) الدنو والتدلي بمعنى واحد كأنه قال دنا فقرب ( الثالث ) دنا أي قصد القرب من محمد ﷺ وتحرك عن المكان الذي كان فيه فتدلى فنزل إلى النبي ﷺ الثاني : على ما ذكرنا من الوجه الأخير في قوله ﴿وهو بالأفق الأعلى﴾ أن محمدا ﷺ دنا من الخلق والأمة ولان لهم وصار كواحد منهم ﴿فتدل﴾ أي فتدلى إليهم بالقول اللين والدعاء الرفيق فقال :﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾ وعلى هذا ففي الكلام كما لان كأنه تعالى قال إلا وحي يوحي جبريل على محمد، فاستوى محمد وكمل فدنا من الخلق بعد علوه وتدلى إليهم وبلغ الرسالة ( الثالث ) وهو ضعيف سخيف، وهو أن المراد منه هو ربه تعالى وهو مذهب القائلين بالجهة والمكان، اللهم إلا أن يريد القرب بالمنزلة، وعلى هذا يكون فيه ما في قوله ﷺ حكاية عن ربه تعالى «من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن مشى إلي أتيته هرولة » إشارة إلى المعنى المجازي، وهاهنا لما بين أن النبي ﷺ استوى وعلا في المنزلة العقلية لا في المكان الحسي قال وقرب الله منه تحقيقا لما في قوله «من تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى