زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ قال الفراء : المعنى : ثم تدلى فدنا. ولكنه جائز أن تقدم أي الفعلين شئت إذا كان المعنى فيهما واحدا، فتقول : قد دنا فقرب، وقرب فدنا، وشتم فأساء، وأساء فشتم، ومنه قوله :﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] المعنى والله أعلم : انشق القمر واقتربت الساعة. قال ابن قتيبة : المعنى : تدلى فدنا، لأنه تدلى للدنو، ودنا بالتدلي. وقال الزجاج : دنا بمعنى قرب، وتدلى : زاد في القرب، ومعنى اللفظتين واحد. وقال غيرهم : أصل التدلي : النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب.
وفي المشار إليه بقوله :﴿ثم دنا﴾ ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الله عز وجل. روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال : دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. وروى أبو سلمة عن ابن عباس :﴿ثم دنا﴾ قال : دنا ربه فتدلى، وهذا اختيار مقاتل. قال : دنا الرب من محمد ليلة أسري به، فكان منه قاب قوسين أو أدنى. وقد كشفت هذا الوجه في كتاب " المُغني " وبينت أنه ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة، لأن ذلك يختص بالأجسام، والله منزه عن ذلك.
والثاني : أنه محمد دنا من ربه، قاله ابن عباس، والقرظي.
والثالث : أنه جبريل. ثم في الكلام قولان :
أحدهما : دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى رسول الله ﷺ، قاله الحسن، وقتادة.
والثاني : دنا جبريل من ربه عز وجل فكان منه قاب قوسين أو أدنى، قاله مجاهد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى