عن النواس بن سمعان، قال: ذَكَرَ رسولُ الله صلى عليه وسلم الدَّجّال ذات غداة، فخفض فيه ورَفع، حتى ظننّاه في ناحية النخل، فقال: «غير الدجال أخوَفُنِي عليكم، فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجُه دونكم، وإن يخرج ولستُ فيكم فامرؤٌ حجيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كل مسلم، إنّه شابٌّ، قَطِطٌ، عينُه طافئة، وإنه يخرج خَلَّةً بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وشمالًا، يا عباد الله، اثبتوا». قلنا: يا رسول الله، ما لُبْثُه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر الأيام كأيامكم». قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي هو كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: «لا، اقدُروا له قدرَه». قلنا: يا رسول الله، ما أسرعه في الأرض؟ قال: «كالغيث اسْتَدْبَرَتْه الريحُ، فيَمُرُّ بالحيِّ، فيدعوهم، فيستجيبون له، فيأمر السماءَ فتُمْطِر، والأرضَ فتُنبِت، وتروح عليهم سارِحتُهم وهي أطول ما كان ذُرًا، وأمدُّه خَواصِر، وأسبغه ضروعًا، ويمر بالحيِّ فيدعوهم، فيَرُدُّون عليه قولَه، فتتبعه أموالُهم، فيُصْبِحون مُمْحِلِين، ليس لهم مِن أموالهم شيء، ويَمُرُّ بالخَرِبة، فيقول لها: أخرجي كنوزَكِ. فتتبعه كنوزُها كيعاسيب النَّحل، ويأمر برجل فيُقْتَل، فيضربه ضربةً بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيُقْبِل إليه. فبينما هم على ذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مَهْرودَتين، واضعًا يده على أجنحة ملَكين، فيتبعه، فيُدْرِكه، فيقتله عند باب لُدٍّ الشَّرْقي، فبينما هم كذلك أوحى الله إلى عيسى ابن مريم: إنِّي قد أخرجت عبادًا مِن عبادي لا يُدانُ لك بقتالهم، فحَرِّز عبادي إلى الطور. فيبعث الله يأجوج ومأجوج، كما قال الله: ﴿وهم من حدب ينسلون﴾، فيرغب عيسى وأصحابُه إلى الله، فيرسل عليهم نَغَفًا في رقابهم، فيُصْبِحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابُه إلى الأرض، فيجدون نتن ريحهم، فيرغب عيسى وأصحابُه إلى الله، فيرسل الله عليهم طيرًا كأعناق البُخْتِ، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ويُرسِل الله مطرًا لا يكُنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ أربعين يومًا، فيغسل الأرضَ حتى يتركها زلقة، ويقال للأرض: أنبِتي ثمرتك. فيومئذ يأكل النَّفَرُ مِن الرُّمّانة، ويستظلون بقِحْفِها، ويبارك في الرِّسل، حتى إنّ اللقحة مِن الإبل لَتكفي الفِئام من الناس، واللقحة مِن البقر تكفي الفخذ، والشاة مِن الغنم تكفي البيت، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ريحًا طيِّبة تحت آباطهم، فتقبض روحَ كلِّ مسلم، ويبقى شرارُ الناس يَتَهارَجُون تَهارُج الحُمُر، وعليهم تقوم الساعة»
قال ابنُ تيمية (٦/٦٤-٦٥) تعليقًا على هذا الحديث: ""بيّن لهم أولًا: أنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وإن لم يكن ابن نبي ولا أبا نبي، فإبراهيم النبي ﷺ أكرم على الله من يوسف، وإن كان أبوه آزر، وهذا أبوه يعقوب. وكذلك نوح أكرم على الله من إسرائيل، وإن كان هذا أولاده أنبياء، وهذا أولاده ليسوا بأنبياء. فلمّا ذكروا أنه ليس مقصودهم إلا الأنساب، قال لهم: فأكرم أهل الأنساب مَن انتسب إلى الأنبياء، وليس في ولد آدم مثل يوسف؛ فإنه نبي ابن نبي ابن نبي. فلما أشاروا إلى أنه ليس مقصودهم إلا ما يتعلق بهم، قال: «أفعن معادن العرب تسألوني؟». الناس معادن كمعادن الذهب والفِضّة، «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» بيّن أن الأنساب كالمعادن، فإن الرجل يتولد منه كما يتولّد من المعدن الذهب والفِضّة. ولا ريب أن الأرض التي تُنبتُ الذّهب أفضل من الأرض التي تُنبت الفِضّة. فهكذا مَن عُرِف أنه يلد الأفاضل، كان أولاده أفضل مِمَّن عُرف أنه يلد المفضول. لكن هذا سبب ومظنة، وليس هو لازمًا؛ فربما تعطلت أرض الذّهب، وربما قلَّ نَبْتها، فحينئذ تكون أرض الفِضّة أحبَّ إلى الإنسان من أرضٍ مُعطّلة، والفِضّة الكثيرة أحب إليهم من ذهبٍ قليل لا يماثلها في القدر، فلهذا كانت أهل الأنساب الفاضلة يُظن بهم الخير، ويُكرمون لأجل ذلك، فإذا تحقّق من أحدهم خلاف ذلك، كانت الحقيقة مُقدّمة على المظنّة، وأما [ما] عند الله فلا يثبت على المظان ولا على الدلائل، إنما يثبت على ما يعمله هو من الأعمال الصالحة، فلا يحتاج إلى دليل، ولا يجتزئ بالمظنّة، فلهذا كان أكرم الخلق عنده أتقاهم. فإذا قُدِّر تماثل اثنين عنده في التقوى تماثلًا في الدرجة، وإن كان أبو أحدهما أو ابنه أفضل من أبي الآخر أو ابنه، لكن إن حصل له بسبب نسبه زيادة في التقوى كان أفضل لزيادة تقواه. ولهذا حصل لأزواج النبي ﷺ إذا قنتن لله ورسوله وعملن صالحًا، لا لمجرد المصاهرة، بل لكمال الطاعة، كما أنهن لو أتين بفاحشة مبيّنة لضوعف لهُنّ العذاب ضعفين؛ لقبح المعصية. فإنّ ذا الشرف إذا ألزم نفسه التقوى كان تقواه أكمل من تقوى غيره، كما أنّ الملِك إذا عدل كان عدله أعظم من عدل الرجل في أهله. ثم إنّ الرجل إذا قصد الخير قصدًا جازمًا، وعمل منه ما يقدر عليه، كان له أجر كامل، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن بالمدينة رجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم». قالوا: وهم في المدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبَسهم العُذر». ولهذا قال النبي ﷺ في الصحيح: «مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور مَن اتّبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار مَن اتّبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا»
اختُلِف في السبب الذي من أجله قيل للنبي ﷺ: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا، ولا تقولوا آمنا، على ثلاثة أقوال: الأول: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأن القوم كانوا صدَّقوا بألسنتهم، ولم يصدِّقوا قولَهم بفعلِهم، فقيل لهم: قولوا أسلمنا؛ لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل. والثاني: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأنهم أرادوا أن يتسمَّوا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا، فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب، لا أسماء المهاجرين. والثالث: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأن القوم مَنُّوا على رسول الله ﷺ بإسلامهم، فقال الله لنبيّه ﷺ: قل لهم لم تؤمنوا، ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل. وعلَّقَ ابنُ كثير (١٣/١٧٥) على القول الأول بقوله: «هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير». ورجَّحَ ابن جرير (٢١/٣٩٢)، وكذا ابنُ كثير القولَ الأولَ -وهو قول الزُّهريّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهما- استنادًا إلى ظاهر الآيات، والدلالة العقلية، فقال ابنُ جرير: «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزُّهريّ، وهو أنّ الله تقدم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارًا منهم بالقول، ولم يحقّقوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق: آمنّا. دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا: آمنا بالله ورسوله. ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يُشْكِل على سامعيه، والذي قائله فيه محق، وهو أن يقولوا: أسلمنا. بمعنى: دخلنا في الملة، وحقنّا الدماء والأموال، بشهادة الحقّ». وقال ابنُ كثير (١٣/١٧٥): «الصحيح الأول، أنهم قوم ادَّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأُدِّبوا وأُعلِمُوا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعُنِّفوا وفُضِحُوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد». وهو ظاهر كلام ابن القيم (٣/٩ بتصرف)، حيث قال: «قوله تعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ نفيًا للإيمان المطلق، لا لمطلق الإيمان؛ لوجوه: منها: أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا: أسلمنا. والمنافق لا يقال له ذلك. ومنها: أنه قال: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ ولم يقل: قال المنافقون. ومنها: أن هؤلاء الجُفاة الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحُجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظةً منهم وجفًاء لا نفاقًا وكفرًا. ومنها: أنه قال: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم ينفِ دخول الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان. ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِن أعْمالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقصكم، والمنافق لا طاعة له. ومنها: أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ فأثبت لهم إسلامهم، ونهاهم أن يمنّوا على رسول الله ﷺ، ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون. كما كذّبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] لَمّا لم تطابق شهادتُهم اعتقادهم. ومنها: أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ ولو كانوا منافقين لما منّ عليهم. ومنها: أنه قال: ﴿أنْ هَداكُمْ لِلإيمانِ﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فإنّه نفى الإيمان المطلق، ومَنَّ عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان. ومنها: أن النبي ﷺ لما قسم القسم قال له سعد: أعطيتَ فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن! فقال: «أو مسلم» ثلاث مرات. وأثبت له الإسلام دون الإيمان. والمقصود: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ فالإيمان المطلق يمنع دخول النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦/٧١-٧٥)
حكى ابنُ جرير (٦/٢٨) في قوله تعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ اختلاف المفسرين في اليوم الذين وُعِدَ فيه المؤمنون بإمدادهم بالملائكة، وهل حَضَرَتِ الملائكة يومئذٍ حربهم أم لا؟ فذكر أربعة أقوال:الأول: كان هذا الوعد من الله للمؤمنين يوم بدر أن يُمِدَّهم بملائكته إن أتاهم العدوُّ من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. وهو قول الشعبي. الثاني: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون، واتقوا الله، فأمدَّهم بملائكته على ما وعدهم. وهو قول مالك بن ربيعة من طريق عبد الله بن أبي بكر، وابن عباس من طريق مقسم، وأبي داود المازني من طريق ابن إسحاق، وأبي رافع من طريق عكرمة، وقتادة، والربيع من طريق أبي جعفر، ومجاهد من طريق ابن خثيم. الثالث: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر إن صبروا عند طاعته، وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أنْ يُمِدّهم في حروبهم كلّها، فلم يصبروا، ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمَدّهم حين حاصروا قريظة. وهو قول عبد الله بن أبي أوفى. الرابع: بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم، ولم يتقوا، ولم يُمَدُّوا بشيءٍ في أحد. وهو قول عكرمة من طريق عمرو بن دينار، والضحاك، وابن زيد. ثم رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية أنّ المؤمنين وُعِدوا بثلاثة آلاف من الملائكة مَدَدًا لهم، ثم وُعِدوا بعد الثلاثة آلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة في الآية على أنهم أُمِدُّوا بهم، ولا على أنهم لم يُمَدُّوا بهم. وبيَّن بأنّ كلا الأمرين جائز -أي: الإمداد وعدمه- على نحو ما روى أصحابُ كُلِّ قولٍ ما ثبت عنده، غير أنه لا يمكن التسليم بقول إلا بخبر تقوم به الحجة. ثم أشار إلى ما يُؤَيِّدُ القولَ الثاني، ويُضْعِفُ القول الرابع، فقال: «غير أنّ في القرآن دلالةٌ على أنهم أُمِدُّوا يوم بدرٍ بألفٍ من الملائكة، وذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]. فأمّا في يوم أحد فالدَّلالة على أنهم لم يُمَدُّوا أبْيَنُ منها في أنّهم أُمِدُّوا، وذلك أنهم لو أُمِدُّوا لم يُهزَموا، ويُنال منهم ما نِيلَ منهم». ورَجَّح ابنُ كثير (٣/١٧٥) مستندًا إلى لفظ الآية والنظائر أنّ الإمداد بالملائكة كان يوم بدر، وأنهم أُمِدّوا بثلاثة آلاف فما فوقها، فقال في سياق ذِكْر أدلة القائلين بأنّه يوم بدر: «فإن قيل: فما الجمع بَيْن هذه الآية -على هذا القول -وبَيْن قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٩-١٠]؟ فالجواب: أنّ التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، بمعنى: يردفهم غيرَهم، ويَتْبَعهم ألوف أُخَر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران؛ فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر». وانتَقَد ابنُ عطية (٢/٣٤٣) مستندًا إلى مخالفة أقوال السلف قولَ الشعبي أنّ المؤمنين لم يُمَدّوا بالملائكة يوم بدر، فقال: «وخالف الناسُ الشعبيَّ في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حَضَرَتْ بدرًا، وقاتلت». ثم وجَّه كلام القائلين بأنّ قوله تعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في يوم بدر، والقائلين بأنه كان في يوم أحد، فقال: «فمَن قال مِن المفسرين: إنّ قول النبي ﷺ للمؤمنين: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر بدر، وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرِّضًا على الجدِّ والتوكل على الله. ومَن قال: إنّ قول النبي ﷺ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآية إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ إلى ﴿تَشْكُرُونَ﴾ اعتراضًا بَيْن الكلام جميلًا»
اختلف المفسّرون في وقت الدخان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الدُّخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فأصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدُّخان من الجوع. وهو قول ابن مسعود، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضّحّاك، ومقاتل. الثاني: دُخان يجيء قبل القيامة فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، والحسن. الثالث: أنه كان يوم فتح مكة. وهو قول أبي هريرة، والأعرج. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٠) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤه- توعّد بالدخان مشركي قريش، وأنّ قوله لنبيه ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش، وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون﴾، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه مِن أن يكون أخَّرَهُ عنهم لغيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٥٧١) على القول الأول بقوله: «وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٢/٣٣٩) -مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- القول الثاني، وانتقد الأول، فقال بعد أن أورد عدة أحاديث وآثار فيه، ومنها قول ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وهكذا قول مَن وافقه مِن الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة مِن الصّحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجَهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾». وجعل ابنُ جرير (٢١/٢٠-٢١) الحكم بصحة القول الثاني متوقفة على صحة حديث حذيفة المُثبت لكون النبي ﷺ فسّر الدُّخان في الآية بدخان يوم القيامة، ثم انتقد صحة الحديث بقوله: «وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمِن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ، فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منّا. فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عنِّي، أو كما قال». وعلَّق ابنُ كثير (١٢/٣٣٧) على انتقاده للحديث بقوله: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابنُ جرير من سياقه في أماكن مِن هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى». ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ انتقاده لا يُراد به إنكار وقوع الدُّخان في المستقبل -لثبوت ذلك في السنة-، وإنما كان انتقاده متجهًا إلى تفسير الآية به، فقال: «وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعّدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنَفُ بعد بآخرين دُخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح، وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا». وقال ابنُ عطية (٧/٥٧٢): «ويحتمل إن صحَّ حديثُ حُذيفة أن يكون قد مرَّ دُخان، ويأتي دُخان آخر»
في المراد بالبحرين أقوال: الأول: عني بهما: بحر السماء، وبحر الأرض. الثاني: عني بهما: بحر فارس، وبحر الروم. الثالث: عني بهما: فاطمة، وعلي. ولم يذكر ابن جرير (٢٢/٢٠١) غير القولين الأولين، ثم رجّح الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وذلك أنّ الله قال ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قَطر ماء السماء، فمعلوم أنّ ذلك بحر الأرض وبحر السماء». وذكر ابنُ كثير (١٣/٣١٨) ترجيح ابن جرير، وانتقده مستندًا إلى لفظ الآية، فقال: «قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولّد من ماء السماء، وأصداف بحر الأرض. وهذا وإن كان هكذا ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ؛ فإنه تعالى قد قال: ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ أي: وجعل بينهما برزخًا، وهو: الحاجز من الأرض؛ لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيُفسد كل واحد منهما الآخر، ويُزيله عن صفته التي هي مقصودة منه. وما بين السماء والأرض لا يُسمى برزخًا وحِجرًا محجورًا». وقد ساق ابنُ تيمية (٦/١٧٠-١٧٢بتصرف) القول الثالث عن سفيان الثوري، من طريق الثعلبي، وذكر أنّ الثعلبي ذكره بإسنادٍ رواته مجهولون لا يُعرفون عن سفيان الثوري، ثم ساق إسناد الثعلبي، وانتقده -مستندًا لضعف إسناده- بقوله: «وهذا الإسناد ظُلمات بعضها فوق بعض، لا يثبت بمثله شيء». ثم انتقدالقول جملةً -مستندًا إلى أحوال النزول، واللغة، والنظائر، والدلالة العقلية، وإجماع المفسرين- من وجوهٍ:أحدها: أنّ سورة الرحمن مكّيّة بإجماع المسلمين، والحسن والحُسين إنما وُلدا بالمدينة. الثاني: أنّ تسمية هذين بحرين، وهذا لؤلؤًا، وهذا مرجانًا، وجعل النكاح مَرجًا؛ أمر لا تحتمله لغة العرب بوجه، لا حقيقة ولا مجازًا، بل كما أنه كذبٌ على الله وعلى القرآن، فهو كذبٌ على اللغة. الثالث: أنّ الله ذكر أنه مَرج البحرين في آية أخرى، فقال في الفرقان: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ [الفرقان:٥٣] فلو أُريد بذلك علي وفاطمة لكان ذلك ذمًّا لأحدهما، وهذا باطل بإجماع أهل السنة والشيعة. الرابع: أنه قال: ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ فلو أُريد بذلك عليّ وفاطمة؛ لكان البرزخ الذي هو النبي ﷺ بزعمهم أو غيره هو المانع لأحدهما أن يبغي على الآخر. وهذا بالذّم أشبه منه بالمدح. الخامس: أنّ أئمة التفسير مُتّفقون على خلاف هذا، كما ذكره ابن جرير وغيره. فقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كلّ عام. وقال الحسن: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يعني: بحر فارس والروم، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾: هو الجزائر. وزاد ابنُ عطية (٨/١٦٦) قولين آخرين، أحدهما: عني بهما: بحر القلزم واليمن، وبحر الشام. ثانيهما: أنهما مطر السماء، وبحر الأرض. ثم رجّح أنّ المراد بالبحرين نوعي الماء: المالح والعَذب، فقال: «والظاهر عندي أنّ قوله تعالى: ﴿البحرين﴾ يريد بهما نوعي الماء: العَذب والأجاج». ولم يذكر مستندًا، وعلَّق عليه بقوله: «والعبرة في هذا التأويل منيرة». ثم وجّه ابن عطية قوله: ﴿يلتقيان﴾ حسب هذه الأقوال، فوجّهه على قول مَن قال: المراد بهما: بحر فارس والروم. وقول مَن قال: المراد بهما: بحر القلزم واليمن وبحر الشام. فقال: «أما قوله: ﴿يلتقيان﴾ فعلى التأويلين الأولين معناه: هما مُعدّان للالتقاء، وحقّهما أن يلتقيا لولا البرزخ». ووجّهه على قول مَن قال: عني بهما بحر السماء وبحر الأرض. فقال: «وعلى القول الثالث أنهما يلتقيان كل سنة مرة». وانتقد قول مَن قال: إنه بحر يجتمع في السماء. قائلًا: «فمَن ذهب إلى أنه بحر يجتمع في السماء فهو قول ضعيف». غير أنه ذكر له وجْهًا ينتظم به مع قول مَن قال: إنهما مطر السماء وبحر الأرض، فقال: «وإنما يتوجه اللقاء فيه وفي القول الرابع بنزول المطر». ووجَّهه على القول بأنّ المراد بهما نوعي الماء: المالح والعذب بقوله: «وفي القول الخامس بالأنهار في البحر، وبالعيون قرب البحر»
عن عمرو بن عوف، قال: خَطَّ رسولُ الله ﷺ على الخَندَقِ يومَ الأحزاب، ثُمَّ قطع لكُلِّ عَشَرَةٍ أربعين ذِراعًا. قال عمرو بن عوف: كنتُ أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مُقَرِّن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا، حتى إذا كُنّا تحتَ ذباب أخرج الله مِن بطن الخندق صخرةً مُدَوَّرةً كَسَرَتْ حديدَنا، وشَقَّتْ علينا، فقلنا: يا سلمان، ارْقَ إلى رسول الله ﷺ، فأَخْبِرْه خبرَ هذه الصخرة، فإمّا أن نَعْدِل عنها، وإمّا أن يأمرنا فيها بأمرِه، فإنّا لا نُحِبُّ أن نُجاوِز خطَّه. قال: فرَقى سلمانُ إلى رسول الله ﷺ وهو ضارِبٌ عليه قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فقال: يا رسول الله، خرجتْ صخرةٌ بيضاءُ مُدَوَّرَةٌ مِن بطن الخندق، فكسرتْ حديدَنا، وشَقَّتْهُ علينا، حتى ما يجيء فيها قليل ولا كثير، فمُرْنا فيها بأمر، فإنّا لا نُحِبُّ أن نُجاوِزَ خطَّك. قال: فهَبَط رسولُ الله ﷺ مع سلمان الخندقَ، والتِّسْعةُ على شَفَةِ الخندق، فأخذ رسول الله ﷺ المِعْوَل من سلمان، فضربها ضربةً صَدَعها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها -يعني: المدينة-، حتى كأنّ مِصباحًا في جوف بيت مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبير فَتْحٍ، فكبّر المسلمون، ثُمَّ ضربها رسولُ الله ﷺ فكسرها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها، حتى كأنّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكَبَّر المسلمون، ثُمَّ ضربها رسولُ الله ﷺ فكسرها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها، حتى كأنّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكَبَّر المسلمون، وأخذ يدَ سلمان، ورَقى، فقال سلمان: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، لقد رأيتُ شيئًا ما رأيتُ مثلَه قطُّ. فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم، فقال: «رأيتم ما يقول سلمانُ؟». قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: «ضربتُ ضربتي الأولى، فبَرَق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قُصُور الحِيرَةِ ومَدائِن كِسْرى، كأنّها أنيابُ الكلاب، وأخبرني جبريلُ عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها. ثم ضربتُ ضربتي الثانية، فبَرَق الذي رأيتم، أضاءت لي منها القصورُ الحُمْرُ مِن أرض الرُّوم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها. ثم ضربتُ ضربتي الثالثة، فبَرَق الذي رأيتُم، أضاءت لي منها قصورُ صنعاء، كأنّها أنيابُ الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها، فأبشِروا». فاسْتَبْشَرَ المسلمون، وقالوا: الحمدُ لله، موعد صِدْقٍ، وعدَنا النصرَ بعد الحفر. فقال المنافقون: ألا تعجبون؟! يُمَنِّيكم، ويَعِدُكُم الباطلَ، ويخبركم أنّه يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قصورَ الحِيرَةِ ومدائنِ كِسْرى، وأنّها تُفْتَحُ لكم، وأنتم إنّما تحفرون الخندق مِن الفَرَق، ولا تستطيعون أن تَبْرُزوا للقتال؟! قال: فنزل القرآن: ﴿وإذ يَقولُ الـمُنافِقونَ والَّذينَ في قُلوبِهِم مَّرَضٌ مّا وعَدَنا اللهُ ورَسولُهُ إلّا غُرورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وأنزل الله تعالى في هذه القصة قولَه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الـمُلكِ﴾ الآية
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِل- قال: لَمّا تاب الله على آدم أمَرَه أن يسير إلى مكة، فطَوى له المَفاوِز والأرض، فصار كل مَفازَة يَمُرُّ بها خَطْوَة، وقَبَضَ له ما كان فيها من مَخاضٍ أو بَحْر، فجعله له خطوة، فلم يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانًا وبركة حتى انتهى إلى مكة، وكان قبل ذلك قد اشْتَدَّ بكاؤُه وحزنه لِما كان به من عِظَم المصيبة، حتى إن كانت الملائكةُ لَتَبْكِي لِبُكائه، وتحزَنُ لحزنه، فعَزّاه الله بخيمة من خيام الجنة، وضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة، فيها ثلاثةُ قناديل من ذهب، فيها نور يَلْتَهِب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الرُّكْن، وهو يومئذٍ ياقوتةٌ بيضاء من رَبَضِ الجنة، وكان كُرْسِيًّا لآدم يجلس عليه، فلما صار آدم بمكة حرسه الله، وحرس له تلك الخيمة بالملائكة، كانوا يحرسونها، ويَذُودُون عنها سكان الأرض، وساكنها يومئذ الجن والشياطين، ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة؛ لأنّه مَن نَظَر إلى شيء من الجنة وجَبَت له، والأرض يومئذ طاهرة نَقِيٌّة طيبة لم تُنَجَّس، ولم يسفك فيها الدم، ولم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك جعلها الله مسكن الملائكة، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء، يُسَبِّحون الليل والنهار لا يفترون، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفًّا واحدًا مستديرين بالحرم كله، الحِلُّ من خلفهم، والحرم كله من أمامهم، ولا يجوزهم جني ولا شيطان، ومن أجل مقام الملائكة حُرِّم الحرم حتى اليوم، ووضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة، وحرم الله على حواء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة، فلم تنظر إلى شيء من ذلك حتى قُبِضَت، وإنّ آدم إذا أراد لقاءها ليلة ليُلِمَّ بها للولد خَرَج من الحرم كله حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض الله آدم، ورفعها إليه، وبنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتًا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورًا يعمرونه ومَن بعدهم، حتى كان زمن نوح، فنسَفه الغرق، وخفِي مكانه، فلمّا بعث الله إبراهيم خليله طلب الأساس الأول الذي وضع بنو آدم في موضع الخيمة، فلم يزل يحفِر حتى وصل إلى القواعد التي وضع بنو آدم في موضع الخيمة، فلَمّا وصَل إليها ظَلَّل اللهُ له مكان البيت بغَمامة، فكانت حِفاف البيت الأول، ثم لم تزل راكدة على حِفافِه تُظِلُّ إبراهيم، وتَهْدِيه مكان القواعد، حتى رفع القواعد قامةً، ثم انكشفت الغَمامة، فذلك قوله عز وجل: ﴿وإذ بَوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ [الحج:٢٦] للغَمامة التي ركدت على الحِفافِ لتَهْدِيَه مكان القواعد، فلم يزل يحمد الله مُذْ رفعه الله معمورًا. قال وهْب بن مُنَبِّه: وقرأت في كتاب من كُتُبِ الأُوَلِ ذُكِرَ فيه أمرُ الكعبةِ، فوجِد فيه: أن ليس من مَلَك بعثه الله إلى الأرض إلا أمَرَه بزيارة البيت، فيَنقَضُّ من عند العرش مُحْرِمًا مُلَبِّيًا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعًا بالبيت، ويصلي في جوفه ركعتين، ثم يصعد
عن سعيد بن جبير أنَّه قال: سَلُوني، يا معشر الشباب، فإنِّي قد أوشكت أن أذهب من بين أظْهُرِكم. فأكثرَ الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله، أرأيت المقام؟ أهو كما نتحدث؟ قال: وماذا كنتَ تتحدثُ؟ قال: كنا نقول: إن إبراهيم حين جاء عَرَضت عليه امرأةُ إسماعيلَ النزولَ، فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر. فقال: ليس كذلك. فقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: إنّ أول ما اتخذ النساءُ المناطِق من قِبَل أُمِّ إسماعيل، اتخذت مِنطَقًا لِتُعَفِّيَ أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي تُرضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دَوْحَة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جِرابًا فيه تمر، وسِقاء فيه ماء، ثم قَفّى إبراهيمُ مُنطلقًا، فتبعته أمُّ إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يُضَيِّعنا. ثم رَجَعَتْ، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يرونه؛ استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ [إبراهيم:٣٧]. وجَعَلَت أمُّ إسماعيل تُرْضِعُ إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفِد ما في السِّقاء عَطِشَت، وعَطِش ابنُها، وجعلت تنظر إليه يَتَلَوّى -أو قال: يَتَلَبَّط-، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرْعِها، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فلذلك سعى الناسُ بينهما». فلَمّا أشرفت على المَرْوَة سمعت صوتًا، فقالت: صهْ. تريد نفسها، ثم تسمَّعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسْمَعْتَ إن كان عندك غَواثٌ. فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تَغْرِف من الماء في سِقائها، وهي تفور بعد ما تَغْرِف، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تَغْرِف من الماء- لكانت زمزمُ عَيْنًا مَعِينًا». فشَرِبَت، وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لاتخافي الضَّيْعَة؛ فإنّ ههنا بيتًا لله عز وجل يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإنّ الله لا يُضَيِّع أهلَه. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرّابِية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مَرَّت بهم رُفْقَةٌ من جُرْهُم، أو أهل بيت من جُرْهُم، مقبلين من طريق كَداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائِفًا، فقالوا: إنّ هذا الطائر لَيَدُور على الماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء! فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّيْن، فإذا هم بالماء، فرجعوا، فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن نَنزِل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فَأَلْفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأُنس». فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفَسَهم، وأعجبهم حين شَبَّ، فلمّا أدرك زَوَّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تَرِكَتَه، فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه، قال: إذا جاء زوجُك فاقرئي عليه السلام، وقولي له: يُغَيِّر عَتَبَة بابه. فلما جاء إسماعيل؛ كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنّا في جَهْد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّر عَتَبة بابك. قال: ذاك أبي، وأمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك. فطَلَّقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد ذلك، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ فقالت: الماء. فقال: اللهم، بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ: «ولم يكن لهم يومئذ حَبٌّ، ولو كان لهم حَبٌّ لَدَعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكة إلّا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زُوجُك فاقرئي عليه السلام، ومُرِيه يُثَبِّت عَتَبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة -وأثنت عليه-، فسألني عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنّا بخير. قال: أما أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثَبِّت عتبة بابِك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، وأمرني أن أُمْسِكَك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيلُ يَبْري نَبْلًا تحت دَوْحَةٍ قَرِيبًا من زمزم، فلمّا رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد، ثم قال: يا إسماعيل، إنّ الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك. قال: وتُعِينُنِي؟ قال: وأُعِينُك. قال: فإنّ الله أمرني أن أبني ههنا بيتًا، وأشار إلى أكَمَة مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. قال مَعْمَر: وسمعت رجلًا يقول: كان إبراهيم يأتيهم على البُراق. قال مَعْمَر: وسمعت رجلًا يذكر: أنهما حين التقيا بَكَيا حتى أجابَتْهما الطير
في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قراءات:الأولى: بهمزة مكسورة، على مثال: «إدْراسِين»، هكذا: ﴿إلْ ياسِينَ﴾، ووجِّهت بالأوجه الآتية: ١- أنه اسم ثان للنبي إلياس عليه السلام، كما يقال: إبراهيم وإبراهام. ٢- أنه جمع إلْياسيّ، والأصل: إلياسيين، كعبرانيين، ثم خففت الياء، والمراد: أتباعه. ٣- أنه جمع إلياس محذوف الياء، والمراد: أتباعه. والثانية: بقطع ‹آلِ› مِن ‹ياسين›، هكذا ‹آلِ ياسِينَ›، ووجِّهت بالأوجه الآتية: ١- أنّ ‹آلِ› مضافة لـ""ياسين›، والمراد بالـ‹آل›: ياسين نفسه. ٢- أنّ ‹ياسين› اسم لأبيه، فأضيف إليه الـ‹آل›، كما يقال: آل إبراهيم. ٣- أنّ يس: هو القرآن، وآله: هم أهل القرآن. ٤- أنّ يس: هو النبي محمد ﷺ، وآله: أقاربه، وأتباعه. والثالثة: بغير همز، وبصلة الألف، هكذا (الياسِينَ)، كما قُرِئَ: «وإنَّ الياسَ»، ووجَّهَها ابنُ عطية (٧/٣٠٦ بتصرّف) بأنّ الهمزة فيها حُذِفَت تخفيفًا، أو أن الاسم بدون «ال»، وزيدت الألف فيه مع اللام للتعريف. والرابعة: (إدْراسِين)، ووجِّهت بأنها لغة في إدريس، وكان ابن مسعود رضي الله عنهما يقول: إلياس هو إدريس. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩/٦٢١-٦٢٢ بتصرُّف) القراءة الأولى مستندًا إلى القرآن، وأقوال السلف، فقال: «الصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: ﴿سلام على إلياسين﴾ بكسر ألفها على مثال: إدراسين؛ لأن الله -تعالى ذكره- إنما أخبر عن كل موضع ذكر فيه نبيًّا من أنبيائه -صلوات الله عليهم- في هذه السورة بأنّ عليه سلامًا لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع ينبغي أن يكون على إلياس، كسلامه على غيره من أنبيائه، لا على آله، على نحو ما بينا من معنى ذلك... [وحُدِّثْنا]... عن السدي ﴿سلام على إل ياسين﴾ قال: إلياس... ، ونظير تسمية إلياس بـ﴿إل ياسين﴾: ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء﴾ [المؤمنون:٢٠]، ثم قال في موضع آخر: ﴿وطور سينين﴾ [التين:٢]، وهو موضع واحد سمي بذلك». وانتَقَدَ (١٩/٦٢١-٦٢٢) القراءتين الثانية والثالثة مستندًا إلى قراءة ابن مسعود، فقال: «وفي قراءة عبد الله بن مسعود: (سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ) دلالة واضحة على خطأ قول مَن قال: عنى بذلك: سلام على آل محمد. وفساد قراءة مَن قرأ: (وإنَّ الياسَ) بوصل النون من»إن«بـ»إلياس«، وتوجيه الألف واللام فيه إلى أنهما أدخلتا تعريفًا للاسم الذي هو»ياس«، وذلك أن عبد الله كان يقول: إلياس هو إدريس، ويقرأ: (وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ). ثم يقرأ على ذلك: (سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ) كما قرأ الآخرون: ﴿سلام على إل ياسين﴾، فلا وجه على ما ذكرنا مِن قراءة عبد الله لقراءة مَن قرأ ذلك: ‹سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ› بقطع الآل من ياسين». وانتَقَدَ ابنُ القيم (٢/٣٧٣-٣٧٤) التوجيهات الواردة على القراءتين الأولى والثانية، فقال: «هذه الأقوال كلها ضعيفة، والذي حمل قائلها عليها استشكالهم إضافة»آل«إلى»يس«، واسمه»إلياس«و»إلياسين«، ورأوها في المصحف مفصولة، وقد قرأها بعض القراء ‹آلِ ياسِينَ›، فقال طائفة منهم: له أسماء: يس، وإلياسين، وإلياس. وقالت طائفة:»يس«اسم لغيره، ثم اختلفوا، فقال الكلبي:»يس: محمد ﷺ«. وقالت طائفة:»هو القرآن«. وهذا كله تعسٌّف ظاهر لا حاجة إليه». ثم بَيَّنَ ما يراه صوابًا مستندًا إلى اللغة، فقال: «والصواب -والله أعلم- في ذلك أن أصل الكلمة ‹آلِ ياسِينَ› كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال، ودلالة الاسم على موضع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه... ولا سيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي، وتغييرها له، فيقولون مرة: إلياسين، ومرة: إلياس، ومرة: ياسين، وربما قالوا: ياس، ويكون على إحدى القراءتين قد وقع السلام عليه، وعلى القراءة الأخرى على آله»