عن ابن عباس
عن ابن أبْزى
عن ابن أبْزى
وجَّه ابنُ جرير (١/٦١٧) تفسير الصبر بالصوم بقوله: «والصوم بعض معاني الصبر... وأصل الصبر: منع النفس محابَّها، وكفها عن هواها؛ ... وقيل لشهر رمضان: شهر الصبر؛ لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارًا». ووجَّهه ابنُ عطية (١/٢٠١) فقال: «وخصَّ الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أنّ الصيام يمنع الشهوات ويُزَهِّد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر... ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة». ووجَّهه ابنُ تيمية (١/٢٠٥-٢٠٦) بقوله: «لأن الصائم يصبر نفسه عن شهواتها». ورجَّح ابنُ جرير (١/٦١٧) العموم في معنى الصبر، فقال: «وقد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا، بل تأويل ذلك عندنا: أنّ الله -تعالى ذكره- أمرهم بالصبر على كلِّ ما كرهته نفوسهم من طاعة الله، وترك معاصيه». ونقل ابنُ عطية (١/٢٠٠-٢٠١) قولين آخرين: الأول: «استعينوا بالصبر على الطاعات وعن الشهوات، على نيل رضوان الله، وبالصلاة على نيل الرضوان وحط الذنوب، وعلى مصائب الدهر أيضًا». ثم علَّق عليه بقوله: «ومنه الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة. ومنه ما رُوِي: أنّ عبد الله بن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع، وتنحى عن الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾». والثاني: «الصبر على بابه، والصلاة الدعاء». وعلَّق عليه بقوله: «وتجيء هذه الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٥]؛ لأنّ الثبات هو الصبر، وذكر الله هو الدعاء»
لم يذكر ابنُ جرير (١٥/٣٥٥) غير قول قتادة، ووجّهه بقوله: «وإنما قيل لما بين يديك: هو ورائي. لأنك من ورائه، فأنت ملاقيه كما هو ملاقيك، فصار -إذ كان ملاقيك- كأنه من ورائك وأنت أمامه». وذكر ابنُ جرير عن بعض أهل اللغة أن لفظ «وراء» من الأضداد، وانتقده بقوله: «وقد أغفل وجه الصواب في ذلك». وقال ابنُ عطية (٥/٦٤٧): «وقوله: ﴿وراءَهُمْ﴾ هو عندي على بابه؛ وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعًى بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الأمام، وبين اليد: لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد: هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: أن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك. ومن قرأ: (أمامَهُمْ) أراد في المكان، أي: أنهم كانوا يسيرون إلى بلده». ثم انتقد (٥/٦٤٨) قول قتادة، فقال: «وهذا القول غير مستقيم. وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها. قاله الزجاج». وانتقد ابنُ القيم (٢/١٦٤) كذلك تفسير قتادة، فقال: «وهذا المذهب ضعيفٌ، ووراء لا يكون أمامًا وراء، إلا بالنسبة إلى شيئين، فيكون أمام الشيء وراء لغيره، ووراء الشيء أمامًا لغيره، فهذا الذي يعقل فيها». ثم وجّه (٢/١٦٥) قراءة من قرأ: (وكانَ أمامَهُم مَّلِكٌ)، فقال: «وأما قوله: ﴿وكان وراءهم ملك﴾ فإن صحت قراءة (وكانَ أمامَهُم مَّلِكٌ) فلها معنًى لا يناقض القراءة العامة، وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه، فهو وراءهم في ذهابهم، وأمامهم في مرجعهم، فالقراءتان بالاعتبارين»
اختُلِف في قراءة ﴿فناداه﴾ بين من قرأها بالتاء، وبين من قرأها بالياء. ورَجَّح ابنُ جرير (٥/٣٦٥ بتصرف) صوابَ كِلْتا القراءتين مستنِدًا إلى اللغة، فقال: «وإنّما الصوابُ مِن القول عندي في قراءة ذلك أنّهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أنّه لا اختلاف في معنى ذلك باختلاف القرائن، وهما جميعًا فصيحتان عند العرب، وذلك أنّ الملائكة إن كان مرادًا بها جبريل -كما رُوِي عن عبد الله- فإنّ التأنيث في فعلها فصيحٌ في كلام العرب للفظها إن تقدّمها الفعل، وجائز فيه التذكير لمعناها، وإن كان مرادًا بها جمع الملائكة فجائزٌ في فعلها التأنيث، وهو من قبلها للفظها، وذلك أنّ العرب إذا قدّمت على الكثير مِن الجماعة فِعلَها أنَّثته، فقالت: قالت النساء، وجائز التذكير في فعلها بناء على الواحد إذا تقدّم فعله، فيقال: قال الرجال»
علَّق ابنُ كثير (٧/١٥٠) على قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه قائلًا: «هكذا رواه مختصرًا، وأظنُّ أنّ السيف الثاني: هو قتال أهل الكتاب، في قوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، والسيف الثالث: قتال المنافقين في قوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة:٧٣، والتحريم:٩]، والرابع: قتال الباغين في قوله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]»
قال ابنُ جرير (١٤/٤١١-٤١٢): «وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها: فمنها الصلاة، كان كثيرٌ من أهل التأويل يتأولون قول الله: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ [الصافات:١٤٣]: فلولا أنّه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى: ﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم:٢٨]: لولا تستثنون، وزعم أنّ ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله: ﴿إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون﴾ [القلم:١٧-١٨]، قال: ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم:٢٨]، فذكَّرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأول في الخبر الذي روي عن النبي ﷺ: «لولا ذلك لأحرقت سُبُحات وجهه ما أدركت من شيء» أنه عنى بقوله: «سبحات وجهه»: نور وجهه»
قال ابنُ كثير (١١/١٨٩): «المتعة ههنا أعم مِن أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمي لها، قال الله تعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾، وقال عز وجل: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾، وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد، وأبي أسيد رضي الله عنهما قالا: إن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شراحيل، فلمّا أن دخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيَّين»
عَلَّقَ ابنُ كثير (١١/٢٠٦) على هذا الأثر بقوله: «هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة، لا تخفى على مَن يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودة، أما -واللهِ- ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأتُ راجعةً ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت، فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإنّ العرق في يده ما وضعه، فقال: «إنّه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن». لفظ البخاري»