محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٤ من سورة القلم في ٩٢ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٤ من سورة القلم

٩٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيّكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وإنك يا محمد لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدّبه الله به، وهو الإسلام وشرائعه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ يقول : دين عظيم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ يقول : إنك على دين عظيم، وهو الإسلام.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : خُلُقٍ عَظِيمٍ قال : الدين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : سألت عائشة عن خُلُق رسول الله ﷺ، فقالت : كان خلقه القرآن، تقول : كما هو في القرآن.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ذُكر لنا أن سعيد بن هشام سأل عائشة عن خُلُق رسول الله ﷺ فقالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قال : قلت : بلى، قال : فإن خُلُق رسول الله ﷺ كان القرآن.
حدثنا عُبيد بن آدم بن أبي إياس، قال : ثني أبي، قال : حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعيد بن هشام، قال : أتيت عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، فقلت : أخبريني عن خُلُق رسول الله ﷺ، فقالت : كان خلقه القرآن، أما تقرأ : وإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبير بن نُفَير قال : حججت فدخلت على عائشة، فسألتها عن خلق رسول الله ﷺ، فقالت : كان خلق رسول الله ﷺ القرآن.
حدثنا عبيد بن أسباط، قال : ثني أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله : وَإنّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيمٍ قال : أدب القرآن.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. قال : على دين عظيم.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. يعني دينه، وأمره الذي كان عليه، مما أمره الله به، ووكله إليه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَمَا يَسْطُرُونَ) قال: وما يكتبون.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَمَا يَسْطُرُونَ) : وما يكتبون، يقال منه: سطر فلان الكتاب فهو يَسْطُر سَطْرا: إذا كتبه؛ ومنه قول رُؤبة بن العجَّاج:
إنّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا (١)
وقوله: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما أنت بنعمة ربك بمجنون، مكذِّبا بذلك مشركي قريش الذين قالوا له: إنك مجنون.
وقوله: (وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) يقول تعالى ذكره: وإن لك يا محمد لثوابا من الله عظيما على صبرك على أذى المشركين إياك غير منقوص ولا مقطوع، من قولهم: حبل متين، إذا كان ضعيفا، وقد ضعفت منَّته: إذا ضعفت قوّته.
وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (غَيْرُ مَمْنُونٍ) قال: محسوب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾
يقول تعالى ذكر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإنك يا محمد لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدّبه الله به، وهو الإسلام وشرائعه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
(١) البيت في ديوان رؤبة بن العجاج الراجز (ديوانه طبع ليبسج ١٧٤). وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن عند قوله تعالى: (والقلم وما يسطرون) قال: وما يكتبون قال رؤبة: "إني وأسطار... " البيت. والأسطار: جمع سطر، وهو الصف من النخل أو من حروف الكتابة المنسوقة.
* ذكر من قال ذلك.
حدثني على قال ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) يقول: دين عظيم.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن بن عباس، قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) يقول: إنك على دين عظيم، وهو الإسلام.
حدثني محمد بن عمرو، قال. ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال ثنا الحسن. قال. ثنا ورقاء، جميعا عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال: الدين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: سألتُ عائشة عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، تقول: كما هو في القرآن.
حدثنا بشر، قال. ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ذُكر لنا أن سعيد بن هشام سأل عائشة عن خُلُق رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن خُلُق رسول الله ﷺ كان القرآن.
حدثنا عُبيد بن آدم بن أبي إياس، قال: ثني أبي، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعيد بن هشام، قال: أتيت عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، فقلت: أخبريني عن خُلُق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
أخبرنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن أبى الزهرية، عن جُبير بن نُفَير قال: حججبت فدخلت على عائشة، فسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن.
حدثنا عبيد بن أسباط، قال: ثني أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال: أدب القرآن.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال: على دين عظيم.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: (لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) يعني دينه، وأمره الذي كان عليه، مما أمره الله به، ووكله إليه.
وقوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) يقول تعالى ذكره: فسترى يا محمد، ويرى مشركو قومك الذين يدعونك مجنونا (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) يقول: ترى ويرون.
وقوله: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله بأيكم المجنون، كأنه وجَّه معنى الباء في قوله: (بِأَيِّيكُمُ) إلى معنى في. وإذا وجهت الباء إلى معنى في كان تأويل الكلام: ويبصرون في أيّ الفريقين المجنون في فريقك يا محمد أو فريقهم، ويكون المجنون اسما مرفوعا بالباء.
* ذكر من قال معنى ذلك: بأيكم المجنون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: ﴿بأيكم المفتون﴾ قال: المجنون.
قال ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) قال: بأيكم المجنون.
وقال آخرون: بل تأويل ذلك: بأيكم الجنون؛ وكأن الذين قالوا هذا القول وجهوا المفتون إلى معنى الفتنة أو المفتون، كما قيل: ليس له معقول ولا معقود: أي بمعنى ليس له عقل ولا عقد رأى فكذلك وضع المفتون موضع الفُتُون.
* ذكر من قال: المفتون: بمعنى المصدر، وبمعنى الجنون:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني
الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) قال: الشيطان.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) يعني الجنون.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس يقول: بأيكم الجنون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أيكم

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا كَمَا قَالَ تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣] ولهذا قال تعالى: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أَيْ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَلِمَنْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا والآخرة.
ثم قال تعالى إظهارا للرحمة في خلقه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً أَيْ ذَاهِبًا فِي الْأَرْضِ إِلَى أَسْفَلَ فَلَا يُنَالُ بالفؤوس الْحِدَادِ وَلَا السَّوَاعِدِ الشِّدَادِ، وَالْغَائِرُ عَكْسُ النَّابِعِ ولهذا قال تعالى: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ أَيْ نَابِعٍ سَائِحٍ جار على وجه الأرض، أي لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَمِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ أَنْبَعَ لَكُمُ الْمِيَاهَ وَأَجْرَاهَا فِي سَائِرِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ بِحَسَبِ مَا يَحْتَاجُ الْعِبَادُ إِلَيْهِ مِنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، فلله الحمد والمنة. آخر تفسير سورة الملك ولله الحمد والمنة.
تفسير
سورة القلم
وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة القلم (٦٨) : الآيات ١ الى ٧]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ البقرة وأن قوله تعالى: ن كَقَوْلِهِ ص. ق وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَتَحْرِيرُ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ن حُوتٌ عَظِيمٌ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْعَظِيمِ الْمُحِيطِ، وَهُوَ حَامِلٌ لِلْأَرَضِينَ السَّبْعِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ هُوَ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ قَالَ: اكْتُبْ. قال: وماذا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَجَرَى بِمَا يَكُونُ من ذلك اليوم إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ وَرَفَعَ بُخَارَ الْمَاءِ فَفُتِقَتْ مِنْهُ السَّمَاءُ وَبُسِطَتِ الْأَرْضُ عَلَى ظَهْرِ النُّونِ، فَاضْطَرَبَ النُّونُ فَمَادَتِ الْأَرْضُ فَأُثْبِتَتْ بِالْجِبَالِ فَإِنَّهَا لَتَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ وَوَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ.
وَزَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ ثُمَّ قَرَأَ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ أَوْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ:
(١) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٥.
فَذَكَرَهُ ثُمَّ قَرَأَ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ الْقَلَمُ ثُمَّ قَالَ لَهُ:
اكْتُبْ، فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ فَوْقَ الْمَاءِ ثُمَّ كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَبِيبٍ زيد بن المهتدي المرودي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صَبِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خلق الله القلم والحوت فقال لِلْقَلَمِ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ثُمَّ قَرَأَ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ فَالنُّونُ الْحُوتُ، وَالْقَلَمُ الْقَلَمُ.
[حَدِيثٌ آخَرُ] فِي ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ وَهِيَ الدَّوَاةُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا يَكُونُ- أَوْ مَا هُوَ كَائِنٌ- مِنْ عَمَلٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ أَجَلٍ فَكَتَبَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ثُمَّ خَتَمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وَقَالَ: وَعِزَّتِي لَأُكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ وَلَأَنْقُصَنَّكَ مِمَّنْ أَبْغَضْتُ».
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ النُّونُ الْحُوتُ الْعَظِيمُ الذي تحت الأرض السابعة، وقد ذكر الْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ عَلَى ظَهْرِ هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السموات وَالْأَرْضِ، وَعَلَى ظَهْرِهَا ثَوْرٌ لَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ قَرْنٍ وَعَلَى مَتْنِهِ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وما بينهن، والله أَعْلَمُ.
وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ قَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، قَالَ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟
وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أبيه؟ وما بال الولد يَنْزِعُ إِلَى أُمِّهِ؟
قَالَ: «أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا» قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: فَذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَوَّلُ طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ» «٣» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حُمَيْدٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُ هَذَا، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحْبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ أن حبرا
(١) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٦.
(٢) المسند ٣/ ١٨٩.
(٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢، باب ٦.
سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَسَائِلَ، فَكَانَ مِنْهَا أَنْ قَالَ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ، يَعْنِي أَهْلَ الْجَنَّةِ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، قال: «زيادة كبد الحوت» قال: فما غداؤهم عَلَى أَثَرِهَا؟ قَالَ: «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا» قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ «مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا» «١» وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ن لَوْحٌ مِنْ نور.
قال ابن جرير «٢» : حدثنا الحسن بْنُ شَبِيبٍ الْمُكْتِبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْجَزَرِيُّ عَنْ فُرَاتِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ لَوْحٌ مِنْ نُورٍ وَقَلَمٌ مِنْ نُورٍ يَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أُخْبِرْتُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَلَمَ مِنْ نُورٍ طُولُهُ مِائَةُ عَامٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:
ن دَوَاةٌ، وَالْقَلَمُ الْقَلَمُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٣» : حَدَّثَنَا عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ن قَالَا هِيَ الدَّوَاةُ، وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ غَرِيبٌ جِدًّا فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ وَهِيَ الدَّوَاةُ».
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٤» : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَخِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الثُّمَالِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ وَهِيَ الدَّوَاةُ، وَخَلَقَ الْقَلَمَ: فَقَالَ اكْتُبْ.
قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ بِهِ بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ أَوْ رِزْقٍ مَقْسُومٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، ثُمَّ أَلْزَمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَأْنَهُ دُخُولَهُ فِي الدُّنْيَا وَمَقَامَهُ فِيهَا كَمْ وَخُرُوجَهُ مِنْهَا كَيْفَ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى الْعِبَادِ حَفَظَةً وَلِلْكِتَابِ خُزَّانًا فَالْحَفَظَةُ يَنْسَخُونَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْخُزَّانِ عَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِذَا فَنِيَ الرِّزْقُ وَانْقَطَعَ الْأَثَرُ وَانْقَضَى الْأَجَلُ أَتَتِ الْحَفَظَةُ الْخَزَنَةَ يَطْلُبُونَ عَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَتَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ مَا نَجِدُ لِصَاحِبِكُمْ عِنْدَنَا شَيْئًا، فَتَرْجِعُ الْحَفَظَةُ فَيَجِدُونَهُمْ قَدْ مَاتُوا. قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا تَسْمَعُونَ الْحَفَظَةَ يَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الْجَاثِيَةِ: ٢٩] وَهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْسَاخُ إِلَّا مِنْ أَصْلٍ.
وَقَوْلُهُ تعالى: وَالْقَلَمِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ جِنْسُ الْقَلَمِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ كَقَوْلِهِ: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [الْعَلَقِ: ٣- ٥] فَهُوَ قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى وَتَنْبِيهٌ لِخَلْقِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَعْلِيمِ الْكِتَابَةِ الَّتِي بِهَا تُنَالُ الْعُلُومُ، وَلِهَذَا قَالَ: وَما يَسْطُرُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ: يَعْنِي وَمَا يَكْتُبُونَ. وَقَالَ أَبُو الضُّحَى عَنِ ابْنِ عباس: وَما يَسْطُرُونَ أي
(١) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٣٤.
(٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٧، وفيه: الحسن بن شبيل المكتب بدل، الحسن بن شبيب المكتب. [.....]
(٣) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٦، وفيه: ابن عبد الأعلى بدل عبد الأعلى.
(٤) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٦.
وَمَا يَعْمَلُونَ وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَمَا يَسْطُرُونَ يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَمَا تَكْتُبُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَقَالَ آخرون: بل المراد هاهنا بِالْقَلَمِ الَّذِي أَجْرَاهُ اللَّهُ بِالْقَدَرِ حِينَ كَتَبَ مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف عام.
وَأَوْرَدُوا فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذِكْرِ الْقَلَمِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَيُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمٍ السُّلَمِيُّ عَنْ عَطَاءٍ، هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: دَعَانِي أَبِي، حِينِ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ، قَالَ يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ اكتب القدر وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ» «١» وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ بِهِ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ مِنْ سُنَنِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ رَبَاحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ أَبِي حَفْصَةَ، وَاسْمُهُ حُبَيْشُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَبَشِيُّ الشَّامِيُّ، عَنْ عُبَادَةَ فَذَكَرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ فَأَمَرَهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ» غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَالْقَلَمِ، يَعْنِي الَّذِي كُتِبَ بِهِ الذِّكْرُ. وقوله تعالى: وَما يَسْطُرُونَ أَيْ يَكْتُبُونَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ أَيْ لَسْتَ ولله الحمد بمجنون كما يَقُولُهُ الْجَهَلَةُ مَنْ قَوْمِكَ، الْمُكَذِّبُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ الْمُبِينِ، فَنَسَبُوكَ فِيهِ إِلَى الْجُنُونِ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ أي بل إن لَكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَبِيدُ عَلَى إِبْلَاغِكَ رِسَالَةَ رَبِّكَ إِلَى الْخَلْقِ وَصَبْرِكَ عَلَى أَذَاهُمْ، وَمَعْنَى غَيْرَ مَمْنُونٍ أَيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ كَقَوْلِهِ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هُودٍ: ١٠٨] فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التِّينِ: ٦] أَيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَيْرُ مَمْنُونٍ أَيْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى ما قلناه.
وقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابن عباس: وَإِنَّكَ لَعَلَى دِينٍ عَظِيمٍ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو مَالِكٍ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أنس، وكذا قال الضحاك وَابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: لَعَلَى أَدَبٍ عَظِيمٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خلق
(١) أخرجه أبو داود في السنة باب ١٦، والترمذي في القدر باب ١٧، وتفسير سورة ٦٨، وأحمد في المسند ٥/ ٣١٧.
(٢) تفسير الطبري ١٢/ ١٧٧.
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتِ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ تَقُولُ كَمَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ عائشة فقلت أخبرني يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ «١». هَذَا مختصر من حَدِيثٌ طَوِيلٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِطُولِهِ، وَسَيَأْتِي فِي سورة المزمل إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٣» : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَوَادٍ قَالَ: سَأَلْتُ عائشة عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَالَ: قُلْتُ حَدِّثِينِي عَنْ ذَاكَ. قَالَتْ:
صَنَعْتُ لَهُ طَعَامًا وَصَنَعَتْ لَهُ حَفْصَةُ طَعَامًا، فَقُلْتُ لِجَارِيَتِي اذْهَبِي فَإِنْ جَاءَتْ هِيَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَتْهُ قَبْلُ فَاطْرَحِي الطَّعَامَ، قَالَتْ فَجَاءَتْ بِالطَّعَامِ قَالَتْ فَأَلْقَتِ الْجَارِيَةُ فَوَقَعَتِ الْقَصْعَةُ فانكسرت وكان نطع، قالت فجمعه رسول الله ﷺ وقال «اقتصوا- أو اقتصي شَكَّ أَسْوَدُ- ظَرْفًا مَكَانَ ظَرْفِكِ» قَالَتْ: فَمَا قَالَ شَيْئًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٤» : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أُمَّ المؤمنين رضي الله عنها فقلت لها: أخبريني بخلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٥» ؟ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٦» : حَدَّثَنِي يُونُسُ أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ خُلُقِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ «٧» عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ إِسْحَاقَ بن منصور عن
(١) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ١٣٩.
(٢) المسند ٦/ ٢١٦.
(٣) المسند ٦/ ١١١.
(٤) تفسير الطبري ١٢/ ١٨٠.
(٥) أخرجه أبو داود في التطوع باب ٢٦، والنسائي في قيام الليل باب ٢.
(٦) تفسير الطبري ١٢/ ١٨٠.
(٧) المسند ٦/ ١٨٨.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صالح به.
ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسّلام صَارَ امْتِثَالُ الْقُرْآنِ أَمْرًا وَنَهْيًا سَجِيَّةً لَهُ وَخُلُقًا تَطَبَّعَهُ وَتَرَكَ طَبْعَهُ الْجِبِلِّيَّ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ الْقُرْآنُ فَعَلَهُ وَمَهْمَا نَهَاهُ عَنْهُ تَرَكَهُ، هَذَا مَعَ مَا جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ مِنَ الْحَيَاءِ وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالصَّفْحِ وَالْحِلْمِ، وَكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرٌ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلَا فَعَلْتَهُ؟ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَلَا مَسِسْتُ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا وَلَا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رسول الله ﷺ «١»، وقال الْبُخَارِيُّ «٢» : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ:
سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وأحسن الناس خلقا ليس بالطويل وَلَا بِالْقَصِيرِ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَلِأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا كِتَابُ الشَّمَائِلِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٣» : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ خادما له قط، ولا ضرب امْرَأَةً، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ قَطُّ إِلَّا كَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ أَيْسَرَهُمَا حَتَّى يَكُونَ إِثْمًا، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الْإِثْمِ، وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَكُونُ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ»
: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» تَفَرَّدَ به.
وقوله تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ فَسَتَعْلَمُ يَا مُحَمَّدُ وَسَيَعْلَمُ مُخَالِفُوكَ وَمُكَذِّبُوكَ مَنِ الْمَفْتُونُ الضَّالُّ مِنْكَ وَمِنْهُمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [الْقَمَرِ: ٢٦] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سَبَإٍ: ٢٤] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَتَعْلَمُ وَيَعْلَمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أي المجنون، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أَيْ أَوْلَى بِالشَّيْطَانِ، وَمَعْنَى الْمَفْتُونِ ظَاهِرٌ أَيِ الَّذِي قَدِ افْتُتِنَ عَنِ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِأَيِّكُمُ لِتَدُلَّ عَلَى تَضْمِينِ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ
(١) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٣، ومسلم في الفضائل حديث ٨١، وأحمد في المسند ٣/ ١٠٧، ٢٠٠، ٢٢٢، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٦٥، ٢٧٠.
(٢) كتاب المناقب باب ٢٣.
(٣) المسند ٦/ ٢٣٢. [.....]
(٤) المسند ٢/ ٣٨١.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ولهذا قال :﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أي : عاليًا به، مستعليًا بخلقك الذي من الله عليك به، وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين، [ عائشة -رضي الله عنها- ] لمن سألها عنه، فقالت : " كان خلقه القرآن "، وذلك نحو قوله تعالى له :﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [ الآية ]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمْؤُمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه ﷺ بمكارم الأخلاق، [ والآيات ] الحاثات على الخلق العظيم(١)  فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان ﷺ سهلًا لينا، قريبًا من الناس، مجيبًا لدعوة من دعاه، قاضيًا لحاجة من استقضاه، جابرًا لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده خائبًا، وإذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتمَّ عشرةٍ وأحسنَها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال ﷺ.
فلما أنزله الله في أعلى المنازل من جميع الوجوه، وكان أعداؤه ينسبون إليه أنه مجنون مفتون.
١ - في ب: على كل خلق جميل..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٧} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
يقسم تعالى بالقلم، وهو اسم جنس شامل للأقلام، التي تكتب بها [أنواع] العلوم، ويسطر بها المنثور والمنظوم، وذلك أن القلم وما يسطرون به من أنواع الكلام، من آيات الله العظيمة، التي تستحق أن يقسم الله بها، على -[٨٧٩]- براءة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مما نسبه إليه أعداؤه من الجنون فنفى عنه الجنون (١) بنعمة ربه عليه وإحسانه، حيث من عليه بالعقل الكامل، والرأي الجزل، والكلام الفصل، الذي هو أحسن ما جرت به الأقلام، وسطره الأنام، وهذا هو السعادة في الدنيا، ثم ذكر سعادته في الآخرة، فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا﴾. أي: عظيمًا، كما يفيده التنكير، ﴿غير ممنون﴾ أي: [غير] مقطوع، بل هو دائم مستمر، وذلك لما أسلفه النبي ﷺ من الأعمال الصالحة، والأخلاق الكاملة، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أي: عاليًا به، مستعليًا بخلقك الذي من الله عليك به، وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين، [عائشة -رضي الله عنها-] لمن سألها عنه، فقالت: "كان خلقه القرآن"، وذلك نحو قوله تعالى له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [الآية]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيُصُ عَلَيْكُم بِالمْؤُمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه ﷺ بمكارم الأخلاق، [والآيات] الحاثات على الخلق العظيم (٢) فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان ﷺ سهلا لينا، قريبًا من الناس، مجيبًا لدعوة من دعاه، قاضيًا لحاجة من استقضاه، جابرًا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبًا، وإذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال صلى الله عليه وسلم.
فلما أنزله الله في أعلى المنازل من جميع الوجوه، وكان أعداؤه ينسبون إليه أنه مجنون مفتون قال: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وقد تبين أنه أهدى الناس، وأكملهم لنفسه ولغيره، وأن أعداءه أضل الناس، [وشر الناس] (٣) للناس، وأنهم هم الذين فتنوا عباد الله، وأضلوهم عن سبيله، وكفى بعلم الله بذلك، فإنه هو المحاسب المجازي.
و ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وهذا فيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين، وبيان لحكمة الله، حيث كان يهدي من يصلح للهداية، دون غيره.
(١) في ب: عنه ذلك.
(٢) في ب: على كل خلق جميل.
(٣) زيادة من هامش ب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٤ من سورة القلم

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة القلم (٦٨) : آية ٤]

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)
روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس. قال: على دين. قال أبو جعفر: فيكون هذا مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» «١» أي أحسنهم دينا وطريقة ومذهبا وطاعة. وسئلت عائشة رضي الله عنها ما الخلق العظيم الذي كان عليه؟ قالت: القرآن، وقيل: هو ما كان فيه من البشاشة والسعي في قضاء حاجات الناس وإكرامهم والرفق بهم.

[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٥ الى ٦]

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ أي يوم القيامة. قال محمد بن يزيد: سألت أبا عثمان المازني عن هذا فقال: هذا التمام. وقال الأخفش: المعنى: فستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة.
وقال محمد بن يزيد: التقدير: بأيّكم فتنة المفتون. وقال الفراء «٢» : الباء بمعنى «في».
قال أبو جعفر: فهذه أقوال النحويين مجموعة. ونذكر أقوال أهل التأويل. روى سفيان عن خصيف عن مجاهد بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال: بأيّكم المجنون. وقال الحسن والضحاك: بأيّكم الجنون، وقول قتادة: أيّكم أولى بالشيطان. فهذه ثلاثة أقوال لأهل التأويل. فقول مجاهد تكون الباء فيه بمعنى «في» كما يقال: فلان بمكة وفي مكة والمعنى عليه فستعلم وسيعلمون في أي الفريقين المجنون الذي لا يتّبع الحقّ أفي فريقك أم في فريقهم. وعلى قول «٣» الحسن والضحاك فستعلم وسيعلمون بأيكم الفتنة.
والمفتون بمعنى الفتنة والفتون، كما يقال: ليس له معقول ولا معقود رأي. قال أبو جعفر: وهذا من أحسن ما قيل فيه، وقول قتادة أن الباء زائدة.

[سورة القلم (٦٨) : آية ٧]

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)
أي هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله من كفار قريش. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ بك وبمن اتّبعك.

[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٨ الى ٩]

فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)
معطوف، وليس بجواب ولو كان جوابا حذفت منه النون. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال يقول: لو ترخّص لهم فيرخّصون. والمعنى
(١) أخرجه أبو داود في سننه رقم (٤٦٨٢)، وأحمد في مسنده ٢/ ٢٥٠، وذكره الحاكم في المستدرك ١/ ٣، والهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٣٠٣، وابن حجر في المطالب العالية (٢٥٤١)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٤٨، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٣٢٦٤).
(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٣.
(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٠٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٤ من سورة القلم

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. [٤].
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن محمد بن حَيَّان، حدَّثنا أحمد بن جعفر بن نصر الجمال، حدَّثنا جرير بن يحيى، حسين بن عُلْوانَ الكوفي، حدَّثنا هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت:
ما كان أحدٌ أحسنَ خُلُقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته، إلا قال: لَبَّيْكَ، ولذلك أنزل الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

١٠ أقوال
١
عن عبد الله بن عمر، قال: إنّ رسول الله ﷺ لم يكن فاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا، وكان يقول: «خياركم أحسنكم أخلاقًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي ١‏/‏١٩٨ (٥٤)، والبغوي ٨‏/‏١٨٩، من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن ابن عمر به. وسنده صحيح.
٢
عن أبي الدّرداء، قال: سُئِلَتْ عائشةُ عن خُلُق رسول الله ﷺ. فقالت: كان خُلُقه القرآن؛ يَرضى لرضاه، ويَسخط لسَخطه١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ١‏/‏٣٠٩-٣١٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
٣
عن أبي عبد الله الجَدَليّ، قال: قلتُ لعائشة: كيف كان خُلُق رسول الله ﷺ؟ قالت: لم يكن فاحشًا، ولا مُتفاحِشًا، ولا سَخّابًا١ في الأسواق، ولا يَجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح٢
التخريج
  1. ١السَّخَب والصَّخَب: الصياح. لسان العرب (سخب)، (صخب).
  2. ٢أخرجه ابن أبي شيبة ٨‏/‏٣٣٠، والترمذي وصححه (٢٠١٦). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤
عن عائشة، قالت: ما ضَرب رسول الله ﷺ بيده شيئًا قطّ إلا أن يُجاهد في سبيل الله، ولا ضَرب خادمًا ولا امرأة١
التخريج
  1. ١أخرجه البغوي ٨‏/‏١٩٠.
٥
عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ كان إذا صافح الرجل لم يَنزع يده من يده حتى يكون هو الذي يَنزع يده، ولا يَصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي يَصرف وجهه عن وجهه، ولم يُر مقدِّمًا رُكْبتيه بين يدي جليس له١
التخريج
  1. ١أخرجه البغوي ٨‏/‏١٨٩.
٦
عن جابر، أنّ النبيَّ ﷺ قال: «إنّ الله بعثني لِتمام مكارم الأخلاق، وتَمام محاسن الأفعال»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٧‏/‏٧٤ (٦٨٩٥)، والبغوي في شرح السنة ١٣‏/‏٢٠٢ (٣٦٢٢، ٣٦٢٣) واللفظ له، من طريق عمر بن إبراهيم القرشي، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر به. قال البيهقي في الشعب ١٠‏/‏٣٥٣ (٧٦١٠): «إسناده ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏١٨٨ (١٣٦٨٤): «فيه عمر بن إبراهيم القرشي، وهو ضعيف». وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ص١٨٠ (٢٠٤): «سنده فيه عمر بن إبراهيم القرشي، وهو ضعيف عن جابر». وقال الألباني في الضعيفة ٥‏/‏١٠٤ (٢٠٨٧): «ضعيف».
٧
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُعِثتُ لِأُتمّمَ مكارم الأخلاق»١. (ز)، وقال: «أدّبني ربي فأَحسن تَأديبي»٢
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ١٠/ ١٠، والبزار -كما في كشف الأستار ٣/ ١٥٧ (٢٤٧٠) -. قال الهيثمي في المجمع ٩/ ١٥ (١٤١٨٨) عن رواية البزار: «ورجاله رجال الصحيح... ، غير محمد بن رزق الله الكلوذاني، وهو ثقة».
  2. ٢أورده الثعلبي ١٠/ ١٠ عقب الحديث السابق. قال ابن الجوزي: «لا يصحّ، وصحّحه أبو الفضل بن ناصر». وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٨/ ٣٧٥: «معناه صحيح، لكن لا يُعرف له إسناد ثابت». وقال الفتني في تذكرة الموضوعات ص ٨٧: «سنده ضعيف، ولا يُعرف له إسناد ضعيف ثابت». وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٣٢٧ (٢٥): «لا يُعرف له إسناد ثابت». وقال الألباني في الضعيفة ١/ ١٧٣ (٧٢): «ضعيف».
٨
عن ميمونة، قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة مِن عندي، فأَغلقتُ دونه الباب، فجاء يَستفتح الباب، فأَبيتُ أنْ أفتح له، فقال: «أقسمتُ عليكِ إلا فَتحتِ لي». فقلتُ له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي! قال: «ما فعلتُ، ولكن وجدتُ حَقْنًا مِن بَولي»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٤‏/‏٣٤ (٦٨٠٠) مع اختلاف يسير، من طريق الحُسين بن الفرج، عن محمد بن عمر، عن إبراهيم بن محمد مولى خزاعة، عن صالح بن محمد، عن أم درة، عن ميمونة به. وسنده شديد الضعف؛ فيه الحُسين بن الفرج الخياط، وهو متروك. الميزان ١‏/‏٥٤٥. وفيه محمد بن عمر الواقديّ، قال عنه ابن حجر في التقريب (٦١٧٥): «متروك مع سعة علمه».
٩
عن أنس: أنّ امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إنّ لي إليكَ حاجة. فقال: «يا أم فلان، انظري أيَّ السِّكَك شئت، حتى أقضي لك حاجتك». فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏١٨١٢ (٢٣٢٦)، والبغوي ٨‏/‏١٨٩ واللفظ له.
١٠
عن أنس بن مالك، قال: كنتُ أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأَدركه أعرابيٌّ، فجَبذه بردائه جَبذة شديدة، حتى نظرتُ إلى صفْحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت بها حاشية البُرد مِن شدة جَبْذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك. فالتفتَ إليه رسول الله ﷺ، ثم ضحك، ثم أمَر له بعطاء١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏٩٤-٩٥ (٣١٤٩)، ٧‏/‏١٤٦ (٥٨٠٩)، ٨‏/‏٢٤ (٦٠٨٨) واللفظ له، ومسلم ٢‏/‏٧٣٠ (١٠٥٧).

تفسير

١٣ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس، ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال: القرآن١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال: دين عظيم، وهو الإسلام١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏١٥٠، وبنحوه من طريق علي. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٨/٣٦٦) على تفسير الخُلُق بالدّين، بقوله: «وذلك لا محالة رأس الخُلُق، ووَكِيدُه». ثم رجَّح -مستندًا إلى السياق- أنّ المراد به في الآية: ما يُضاد الجنون، فقال: «أما إنّ الظاهر من الآية أنّ الخُلُق هو الذي يُضاد مقصد الكفار في قولهم: مجنون. أي: غير محصّل لما يقول». وعلَّق ابنُ تيمية (٦/٣٦٩) على تفسير الخُلُق بالدّين، بقوله: «الدِّين والعادة والخُلُق ألفاظ متقاربة المعنى في الذات، وإن تَنوّعتْ في الصفات كما قيل في لفظة الدّين».
٣
عن أنس بن مالك -من طريق ثابت- قال: خدمتُ رسولَ الله ﷺ إحدى عشرة سنة، ما قال لي قطّ: ألا فعلتَ هذا، أو لِمَ فعلتَ هذا؟ قال ثابت: فقلتُ: يا أبا حمزة، إنه كما قال الله تعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق.
٤
عن ابن أبْزى، وسعيد بن جُبَير، قالا: على دِين عظيم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال: الدّين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏١٥٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن أبي مالك [غَزْوان الغفاري]، ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال: الإسلام١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
قال الحسن البصري: كان خلقه آداب القرآن١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٩، وتفسير البغوي ٨‏/‏١٨٧.
٨
عن عطية بن سعد العَوفيّ -من طريق فُضيل بن مرزوق- في قوله: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال: على أدَب القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٧٨) واللفظ له، والبيهقي في الدلائل ١‏/‏٣١٠، وابن جرير ٢٣‏/‏١٥٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٩
قال قتادة بن دعامة: هو ما كان يَأتمر به من أمر الله، ويَنتهي عنه من نهى الله سبحانه١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٩، وتفسير البغوي ٨‏/‏١٨٨.
١٠
عن زيد بن أسلم، ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال: الدِّين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، يعني: دين الإسلام١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٤٠٣.
١٢
عن عائشة -من طريق عُروة- قالت: ما كان أحد أحسن خُلُقًا مِن رسول الله ﷺ؛ ما دعاه أحد مِن أصحابه ولا مِن أهل بيته إلا قال: لبّيك. فلذلك أنزل الله: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الدلائل (١١٩)، والواحدي (٣٢٨). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٣
عن سعد بن هشام، قال: أتيتُ عائشة، فقلتُ: يا أُمّ المؤمنين، أخبِريني بخُلُق رسول الله ﷺ. قالت: كان خُلُقه القرآن، أما تقرأ القرآن: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٠٧، وعبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٢‏/‏١٥٦ (٣٢٢) بنحوه، وابن أبي شيبة ١٤‏/‏٢١٤ عن رجل من بني سواءة، عن عائشة، ومسلم (٧٤٦) مطولًا، والحاكم ٢‏/‏٤٩٩، وابن جرير ٢٣‏/‏١٥٠-١٥١، وبنحوه من طريق قتادة. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (١٤/٨٥) على هذا الحديث بقوله: «هذا حديث طويل. وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث قتادة بطوله».
التفسير بالمأثور لسورة القلم كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٤ من سورة القلم

٤٢ وقفةً في هذه الآية

  • (وإنك لعلى خلق عظيم) حرف الجر (على) يفيد :أن (الخلق) هو مركوبك الذي تستعلي عليه لتسير به بين الناس . فاختر مركبك .

    — عقيل الشمري

  • تغنى به الشعراء ومدحه المادحون وأحبه أتباعه واحترمه أعداؤه ،وما بلغ أحد فيه قول ربه : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) عليه أزكى صلاة وأتم تسليم !!

    — عايض المطيري

  • اعلم أنك لست أكمل عقلا ولا أشرف نسبا من النبيﷺ،ومع ذلك لم يمدحه ربه لعقله ولا لنسبه،وإنما أثنى عليه ومدحه لخُلُقِه (وإنك لعلى خلق عظيم) .

    — سعود الشريم

  • أعظم من كملت أخلاقه نبينا صلى الله عليه وسلم بشهادة الله له { وإنك لعلى خلق عظيم } وسبيل الكمال الخُلقي أن نتشبه به .

    — محمد الربيعة

  • لا يوجد وصف للنبي ﷺ أفضل مما وصَفهُ به ربّه ﴿ وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم ﴾ ؛ ارتقى ﷺ بأخلاقه فارتقى ذِكره حتى نالَ الوسيلة من الجنة .

    — فرائد قرآنية

  • ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ أكد ﷻ أنه #ﷺ على خلق عظيم في آية واحدة مرتين : (فأكده بإنّ -وأكده باللام) اللهم املأ قلوبنا بحب نبيّنا .

    — رمزي أحمد ناصر

  • يكفيك أن ربك بشر بك وامتن على عباده بك وكمل تمام خلقك: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وأمر بالصلاة عليك وتوقيرك ونصرتك .

    — بدون مصدر

  • ( وإنك لعلى خلق عظيم) تعاظمت أخلاقه فتصاغر أعداؤه .

    — عقيل الشمري

  • ابن_ تيمية : سورة ن ؛ هي سورة الخُلُق الذي هو جماع الدين الذي بعث الله به محمدا ﷺ قال ﷻ في مطلعها: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ .

    — روائع القرآن

  • وقبل ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام فلم يمدحه الله بسبب نسبه أو شكله أو ماله بل مدح فيه حُسن الخلق ﴿وإنك لعلى خُلقٍ عظيم﴾؛ الإسلام دين مبادئ .

    — فرائد قرآنية

  • ﴿وإِنَّكَ لَعَلى خلق عَظيم﴾ نواجه أزمات عديدها متفاوتة في حدتها وانتشارها لكن كلها تزول إذا عالجنا الأزمة الأخلاقية! من_التربية_القرآنية .

    — رقية المحارب

  • من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يُعامل الآخرين بأخلاقه هو فلا يرد الإساءة بالإساءة ؛ ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم﴾ .

    — فرائد قرآنية

و٣٠ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٤ من سورة القلم

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(4) And indeed, you are of a great moral character.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال