نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما ثبت بهذا العقل مع ما أفاده من الفضل، وكان الذي يؤجر قد يكون في أدنى رتب العقل، بين أنه ﷺ في أعلاها بقوله مؤكداً لما مضى :﴿وإنك﴾ وزاد في التأكيد لزيادتهم في المكابرة فقال :﴿لعلى خلق﴾ ولما أفهم(١) السياق التعظيم، صرح به فقال :﴿عظيم﴾ وهو الإسلام الذي دعا إليه القرآن لا بالبلاء ينحرف، ولا بالعطاء ينصرف(٢)، لأن خلقه - بشهادة أعرف الناس به زوجه أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت الصديق، أبي بكر رضي الله عنهما - القرآن، فلا يتحرك ولا يسكن إلا بأمره ونهيه، فهذا الخلق نتيجة الهدى والهدى نتيجة العقل، وهو سبب السعادة، فأفهم ذلك عدم(٣) سعادتهم لعدم عقولهم، و(٤)قال الواسطي : أظهر الله قدرته في عيسى عليه الصلاة السلام ونفاذه في آصف، وسخطه وقهره في عصى موسى عليه الصلاة والسلام، وأطهر أخلاقه ونعوته في محمد ﷺ، فكان متخلقاً بأخلاق الله تعالى، والتخلق بأخلاقه أن ينزه علمه عن الجهل وجوده عن البخل وعدله عن الظلم وحلمه عن السفه، واعلم أن الخلق والخلق صورتان : الخلق صورة الظاهر، والخلق صورة الباطن ؛ فتناسب(٥) الأعضاء الظاهرة يعبر به عن الخلق الحسن، وتناسب المعاني الباطنة يعبر به عن الخلق الحسن، ثم الخلق الحسن تارة مع الله، وتارة مع حكم الله، وتارة مع الخلق، فمع الله بالتعظيم والإجلال، ومع حكمه (٦)بالصبر(٧) في الضراء والبأساء(٨) والشكر في الرخاء والامتثال للأوامر والانزجار عن النواهي عن طيب قلب مسارعة وسماحة، وحسن الخلق مع الخلق بث النصفة في المعاملة وحسن المجاملة في العشرة(٩)، روي عن رسول الله ﷺ أنه(١٠) قال :
" الخلق وعاء الدين، لأن من الخلق يخرج الدين، وهو الخضوع والخشوع وبذل النفس لله واحتمال المكروه ".
ولما كان الإسلام أشرف الأديان، أعطاه الله تعالى أقوى الأخلاق وأشرفها وهو الحياء، كما روي أن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء، ومن الحياء حياة القلب، فكان ﷺ يأخذ العفو(١١) ويأمر بالعرف(١٢) ويعرض عن الجاهلين ولا يجزي (١٣)بالسيئة السيئة(١٤) لكن يعفو ويصفح ويحسن مع ذلك، ويجذب(١٥) بردته حتى يؤثر في عنقه فيلتفت وهو يضحك ويقضي حاجة الجاذب(١٦) ويحسن إليه، فقد اشتمل الكلام التدبيري المشار إليه بالنون والقضاء الكلي التأثيري(١٧) المشار إليه بالقلم والقدر المبرم التفصيلي الواقع على وقف القضاء المشار إليه بالسطر، ومثال ذلك أن(١٨) من أراد بناء دولاب احتاج أولاً(١٩) إلى مهندس يدبر له بعلمه موضع (٢٠)البئر والمدار(٢١) وموضع المحلة(٢٢) وموضع السهم وموضع الجداول ونحو ذلك، وهو الحكم التدبيري(٢٣)، وثانياً إلى صانع يحفر البئر ويبني ونجار يركب الأخشاب على وفق حكمة المهندس، وهو القضاء التأثيري، وثالثاً إلى إقامة الثور في موضعه، ودوران المحلة بما عليها من القواديس، وجري الماء في الجداول على وفق القضاء وهو القدر، ويحتاج رابعاً وخامساً إلى بيان انقسام المقدر له إلى شقي وسعيد، فالحكم باطن وهو سر من أسراره سبحانه وتعالى - (٢٤)سبحان من لا يعلم قدره غيره(٢٥).
١ - زيد في الأصل: في، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٢ - من ظ وم، وفي الأصل: المعرف..
٣ - من ظ وم، وفي الأصل: بسبب عداوتهم..
٤ -زيد من ظ وم..
٥ - من ظ وم، وفي الأصل: فناسب..
٦ - من ظ وم، وفي الأصل: حكم الله..
٧ - من ظ وم، وفي الأصل: بالبأساء والضراء..
٨ - من ظ وم، وفي الأصل: بالبأساء والضراء..
٩ - زيدت الواو في الأصل ولم تكن في ظ وم فحذفناها..
١٠ - زيدت من ظ وم..
١١ - من ظ وم، وفي الأصل: العرف..
١٢ - من ظ وم، وفي الأصل: بالمعروف..
١٣ - من ظ وم، وفي الأصل: السيئة بالسيئة..
١٤ -من ظ وم، وفي الأصل: السيئة بالسيئة..
١٥ - من ظ وم، وفي الأصل: يحمل..
١٦ - من ظ وم، وفي الأصل: الحاجب..
١٧ - من م، وفي الأصل وظ: التأثير..
١٨ - في ظ وم: بأن..
١٩ -زيدت من ظ وم..
٢٠ - من ظ وم، وفي الأصل: المدار والبئر..
٢١ - من ظ وم، وفي الأصل: المدار والبئر..
٢٢ - من ظ وم، وفي الأصل: القلة..
٢٣ - زيد في الأصل: وتحتاج، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها..
٢٤ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..
٢٥ - سقط ما بين الرقمين من ظ وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى