سورة البقرة — الآية ٢٧٨

عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ الآية، قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي ﷺ على أنّ ما لهم من رِبًا على الناس وما كان للناس عليهم من رِبًا فهو موضوع، فلمّا كان الفتح استعمل عتّاب بن أسِيدٍ على مكة، وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يُرْبون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يُعْطُوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتّابِ بن أسيد، فكتب عتّابٌ إلى رسول الله ﷺ؛ فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ إلى قوله: ﴿ولا تظلمون﴾. فكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتّاب، وقال: «إن رَضُوا، وإلا فآذِنهم بحرب»

اختُلف في قراءة قوله: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ وفي المراد به على أقوال:- فعلى قراءة مَن قرأ ذلك: ‹لتركبَنَّ› بفتح الباء وفي معناها أربعة أقوال: الأول: لتركبَنَّ -يا محمد- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد. الثاني: لتركبَنَّ -يا محمد- سماء بعد سماء. الثالث: لتركبَنَّ الآخرة بعد الأولى. الرابع: أنّ الإشارة إلى السماء، والمراد: أنها تتغير ضروبًا من التغيير، فتارة كالمُهل وتارة كالدّهان. وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٢٧٤) أنه على الثلاثة الأولى فالتاء للمخاطب، وعلى القول الرابع فالتاء للغيبة. وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٥٧٣) معنًى آخر على هذه القراءة، ووجّهه، فقال: «وقيل: هي عِدة بالنصر، أي: لتركبن أمر العرب قبيلًا بعد قبيل، وفتحًا بعد فتح، كما كان ووجد بعد ذلك». وبيّن ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٩٨-٢٩٩) أنّ قول مَن قال: معناه: سماء بعد سماء. فإنما عنى به ليلة الإسراء. وعلّق ابنُ القيم على القول الرابع بقوله: «ودل على السماء ذِكر الشَّفَق والقمر». ثم وجّهه بقوله: «وعلى هذا فيكون قسمًا على المعاد وتغيير العالم».- وعلى قراءة مَن قرأ ذلك: ﴿لتركبُنَّ﴾ بضم الباء على وجه الخطاب للناس كافة، يكون المعنى: لتركبُنَّ -أيها الناس- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر؛ من الفقر والغنى، أو من الشدائد والموت والبعث والحساب، أو من النُّطفة إلى الهرم، أو منزلة بعد منزلة مِن الرفعة والضّعة. وزاد ابنُ عطية معنيين آخرين على هذه القراءة، الأول: أنّ المعنى: لتركبُنَّ هذه الأحوال أُمّة بعد أُمّة. وعلّق عليه قائلًا: ""ومنه قول العباس بن عبد المطلب عن النبي عليه السلام:وأنت لما بُعثتَ أشرقت الأ... رض وضاءت بنورك الطرقتنقل من صالب إلى رحم... إذا مضى علم بدا طبق"". والثاني: «لتركبُنَّ سنن من قبلكم». وعلّق عليه بقوله: «كما جاء في الحديث: «شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، فهذا هو طبق عن طبق»». وبنحوه قال ابنُ كثير، وعزاه للسُّدِّيّ. وذكر ابنُ عطية أنّ هذا المعنى يلتئم مع قراءة عمر بن الخطاب (لَيَرْكَبُنَّ). وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٢٥٦) -مستندًا إلى أقوال السلف- قراءة: ‹لَتَرْكَبَنَّ› وأنّ المعنى: لتركبَن أنت -يا محمد- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد. فقال: «وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب: قراءة مَن قرأ بالتاء وبفتح الباء؛ لأن تأويل أهل التأويل من جميعهم بذلك ورد، وإن كان للقراءات الأُخر وجوه مفهومة. وإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا فالصواب من التأويل قول مَن قال: ‹لَتَرْكَبَنَّ› أنت -يا محمد- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد». ثم بيّن أنه وإن كان الخطاب إلى رسول الله ﷺ، فليس خاصًّا به، بل خوطب به جميع الناس أنهم يَلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالًا؛ وذلك لدلالة السياق، فقال: «وإنما قلنا: عني بذلك ما ذكرنا، أنّ الكلام قبل قوله: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ جرى بخطاب الجميع، وكذلك بعده، فكان أشبه أن يكون ذلك نظير ما قبله وما بعده»

سورة آل عمران — الآية ١٣

عن عروة بن الزبير، قال: بعث النبي ﷺ نفرًا من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوِيةً من قريش، فيها أسْلم غلام بني الحجاج، وعَرِيضٌ أبو يسار غلام بني العاص، فأتَوْا بهما رسولَ الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لهما: «كم القوم؟». قالا: كثير. قال: «ما عِدَّتُهم؟». قالا: لا ندري. قال: «كم ينحرون كلَّ يوم؟». قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا. قال رسول الله ﷺ: «القومُ ما بين التسعمائة إلى الألف»

سورة النور — الآية ٢

عن محمد بن سيرين، قال: نُبِّئْتُ عن كثير بن الصلت، قال: كُنّا عند مروان، وفينا زيد [بن ثابت]، فقال زيد: كنا نقرأ: (والشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فارْجُمُوهُما البَتَّةَ). قال مروان: ألا كتبتها في المصحف! قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب، فقال: أنا أشفيكم مِن ذلك. قال: قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ، قال: فذكر كذا وكذا، وذكر الرجم، فقال: يا رسول الله، أكْتِبْنِي آيةَ الرجم. قال: «لا أستطيع الآن». هذا، أو نحو ذلك

سورة الفجر — الآية ١٤

عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ، إنّ المؤمن لدى الحقّ أسير. يا معاذ، إنّ المؤمن لا يَسكن رَوْعه ولا يأمن اضطرابه حتى يُخَلّف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إنّ المؤمن قيَّده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله عز وجل، فالقرآن دليله، والخوف محجّته، والشوق مطِيّته، والصلاة كهفه، والصوم جُنّته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربّه عز وجل مِن وراء ذلك كلّه بالمرصاد»

سورة الكوثر — الآية ١

عن أنس بن مالك، قال: أغفى رسولُ الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه متبسّمًا، فقال: «إنه أُنزِلَتْ عليّ آنفًا سورة». فقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾» حتى ختمها. قال: «هل تدرون ما الكوثر؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، تَرِد عليه أُمّتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُختلج العبد منهم، فأقول: يا ربّ، إنّه مِن أُمّتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك»

سورة الكوثر — الآية ١

عن أنس بن مالك، قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه متبسّمًا فقال: «إنه أُنزِلَتْ عليّ آنفًا سورة». فقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾» حتى ختمها. قال: «هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، تَرِد عليه أُمّتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُختلج العبد منهم، فأقول: يا ربّ، إنه من أُمّتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك»

سورة الأحقاف — الآية ١٠

عن عامر الشعبي -من طريق ابن عون- في قوله: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾، قال: يقولون: هو عبد الله بن سلام، وكيف يكون ابن سلام وهذه الآية مكّيّة؟! فقال ابن عون: فقلتُ: إنّ محمدًا [-ابن سيرين-] قال: صدَق، هي مكّيّة، ولكنها تنزل الآية فيُؤمر بها أن توضع مكان كذا وكذا

اختلف أهل التأويل في الأسماء التي عَلَّمها آدمَ ثم عَرضها على الملائكة. ورَجَّحَ ابنُ جرير (١‏/‏٥١٨-٥١٩ بتصرف) أنها أسماءُ مَن يعقِل؛ وهم ذرِّيَّته، والملائكة، دون أسماء سائر أجناس الخلق، مُسْتَدِلًّا بلغةِ العربِ؛ وذلك أنّ الله -جلّ ثناؤه- كَنّى عن الأسماء بالهاء والميم، فقال: ﴿ثمّ عرَضهم على الملائكة﴾، «ولا تكادُ العرب تُكَنِّي بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، وأمّا إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سِوى من وصفناها فإنّها تكني عنها بالهاء والألف، أو بالهاء والنون، فقالت: عَرَضَهُنَّ، أو عَرَضَها، وربما كَنَّتْ عنها إذا كان كذلك بالهاء والميم، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهُمْ مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهُمْ مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهُمْ مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ [النور:٤٥]، فكَنّى عنها بالهاء والميم، وهي أصناف مختلفة، فيها الآدمي وغيره. وذلك، وإن كان جائزًا، فإنّ الغالب المستفيض في كلام العرب ما وصفنا». وانتَقَد ابنُ كثير (١‏/‏٣٤٧) ترجيحَ ابن جرير، واستنادَه إلى كون الفعل ﴿عرضهم﴾ عبارة عما يعقل، فقال: «وهذا الذي رَجَّح به ليس بلازم؛ فإنه لا ينفي أن يُدْخِل معهم غيرهم، ويُعَبِّر عن الجميع بصيغة مَن يعقل للتغليب، كما قال: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهُمْ مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهُمْ مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهُمْ مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ [النور:٤٥]». ورَجَّحَ ابنُ تيمية (١‏/‏١٩٢-١٩٣)، وابنُ كثير (١‏/‏٣٤٨-٣٤٩) أنّ الله علَّمه أسماء كل شيء؛ مَن يعقِل، ومَن لا يعقِل، واسْتَدَلّا بما ثبت في الصحيحين من حديث الشفاعة، وفيه قول ذرية آدم لآدم عليه السلام: «وعلَّمك أسماء كل شيء». وزاد ابنُ تيمية استدلالًا بظاهرِ اللفظ، فقال: «وأيضا قوله: ﴿الأسماء كلها﴾ لفظٌ عامٌّ مُؤَكَّد؛ فلا يجوز تخصيصه بالدَّعْوى، وقوله: ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ لأنه اجتمع مَن يعقل ومَن لا يعقل، فغَلَّب من يَعْقِل، كما قال: ﴿فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع﴾». ونقل ابن عطية (١‏/‏١٧٠-١٧١) أقوالًا أخرى في هذه المسألة، فقال: «وحكى النقاش عن ابن عباس أنه تعالى علمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء. وقال آخرون: علمه أسماء الأجناس، كالجبال والخيل والأودية ونحو ذلك، دون أن يعين ما سمته ذريته منها. وقال ابن قتيبة: علمه أسماء ما خلق في الأرض. وقال قوم: علمه الأسماء بلغة واحدة، ثم وقع الاصطلاح من ذريته فيما سواها. وقال بعضهم: بل علمه الأسماء لكل لغة تكلمت بها ذريته. وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: علم الله تعالى آدم كل شيء، حتى أنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه، ونحو هذا من القول الذي هو بيِّن الخطأ من جهات. وقال أكثر العلماء: علَّمه تعالى منافع كل شيء ولما يصلح. وقال قوم: عرض عليه الأشخاص عند التعليم. وقال قوم: بل وصفها له دون عرض أشخاص». ثم علَّقَ عليها بقوله: «وهذه كلها احتمالاتٌ قال الناس بها»

ذكر ابن عطية (٧‏/‏٥١٣) قول ابن عباس، ووجّهه، فقال: «وقال ابن عباس أيضًا: معنى الآية: من قُربى الطاعة والتزلّف إلى الله تعالى، كأنه قال: إلا أن تودني، لأني أقربكم من الله، وأريد هدايتكم وأدعوكم إليها»