ذَهَبَ ابنُ عطية (٤‏/‏٣١٨) إلى قول مَن قال: إنّ الضمير في قوله: ﴿عليه﴾ يعود على النبيِّ ﷺ -وهو قول الجمهور-، وقال: «هذا أقوى، والسَّكِينَة عندي إنّما هي ما ينزله الله على أنبيائه من الحِياطة لهم، والخصائص التي لا تصلح إلا لهم، كقوله تعالى: ﴿فيه سكينة من ربكم﴾ [البقرة:٢٤٨]. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿فأنزل الله سكينته﴾ إلى آخر الآية يُراد به ما صنعه الله لنبيِّه إلى وقت تبوك مِن الظهور والفتوح، لا أن تكون هذه الآية تختص بقصة الغار والنجاة إلى المدينة، فعلى هذا تكون الجنود: الملائكة النازلين ببدر، وحنين. ومَن رأى أنّ الآية مختصة بتلك القصة قال: الجنود: ملائكة بشَّروه بالنجاة، وبأنّ الكفار لا ينجح لهم سعي. وفي مصحف حفصة: (فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأَيَّدَهُما)». وذَهَبَ ابنُ تيمية (٣‏/‏٣٦٧، ٣٧١) أيضًا إلى ما ذهب إليه الجمهور. وهو الظاهر من كلام ابن كثير (٧‏/‏٢٠٦)

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٢٥) في الآية احتمالين، ووجّههما، فقال: «ويحتمل قولهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ تأويلين. أحدهما: أنّهم حققوا السرقة في جانب بنيامين ويوسف عليهما السلام، بحسب ظاهر الحكم، فكأنهم قالوا: إن كان قد سرق فغيرُ بِدْعٍ مِن ابْنَيْ راحيل؛ لأنّ أخاه يوسف كان قد سرق. فهذا من الإخوة إنْحاءٌ على ابْنَيْ راحيل: يوسف، وبنيامين. والوجه الآخر الذي يحتمله لفظهم يتضمن أنّ السرقة في جانب يوسف وبنيامين مظنونة، كأنهم قالوا: إن كان هذا الذي رُمِي به بنيامين حقًّا في نفسه فالذي رُمِي به يوسف قبل حقٌّ إذًا. وكأنّ قصة يوسف والظن به قَوِيا عندهم أقوى مِمّا ظهر في جهة بنيامين». ثم ذكر عن بعض المفسرين أن تقدير الكلام: «فقد قيل عن يوسف: إنه سرق». وانتقده مستندًا للفظ الآية قائلًا: «ونحو هذا من الأقوال التي لا ينطبق معناها على لفظ الآية»

اختُلِف في جواب: ﴿لو﴾ في الآية على أقوال: الأول: أنّ جوابها مُقدَّم متعلق بقوله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾. الثاني: أنّ جوابها محذوف، تقديره: لكان هذا القرآن. الثالث: أنّ جوابها محذوف، تقديره: لو كان هذا كله لما ءامنوا. وقد وجَّه ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٣١) القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وابن جريج، وقول مجاهد، وابن كثير المكي بأنّه مِن المؤخر بمعنى التقديم، وأنّ المعنى عليه: «ولو أن هذا القرآن سُيِّرَت به الجبال أو قُطِّعَت به الأرض لكفروا بالرحمن». وبنحوه ابنُ عطية (٥‏/‏٢٠٥)، وعلَّق على القول الثاني -وهو قول قتادة، والضحاك، ومقاتل، وابن زيد- بقوله: «وتتَضَمَّن الآيةُ على هذا تعظيم القرآن، وهذا قول حسن يُحرِزُ فصاحة الآية، وقوله: ﴿بل لله الأمر جميعا﴾ يعضده، ويترتب مع الآخَرَين»

اختُلِف في معنى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: من كان يريد العزة بعبادة الآلهة والأوثان فإن العزة لله جميعًا. الثاني: مَن كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله. الثالث: مَن كان يريد علم العزة لمن هي فإنها لله جميعًا كلها، أي: كل وجْه من العزة فلله. ورجَّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٣٣٧) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول والثاني، وهو قول قتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الآيات التي قبل هذه الآية جَرَتْ بتقريع الله المشركين على عبادتهم الأوثان، وتوبيخه إياهم، ووعيده لهم عليها، فأولى بهذه أيضًا أن تكون من جنس الحثِّ على فراق ذلك، فكانت قصتها شبيهة بقصتها، وكانت في سياقها». وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٢٠٥) على القول الأول بقوله: «وهذا تمسُّكٌ بقوله تعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم:٨١]»

اختُلف في الذين عُنوا بهذه الآية على قولين: الأول: أنهم أهل القدر. الثاني: أنهم أهل الشرك. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٦٢) مستندًا إلى السياق القول الثاني الذي قاله ابن زيد، ومقاتل، فقال: «والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد؛ وقد بيّن الله حقيقة ذلك بقوله: ﴿الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا﴾». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٧‏/‏٤٥٦) مستندًا إلى السياق، فقال: «ظاهر الآية أنها في الكفار المجادلين في رسالة محمد ﷺ والكتاب الذي جاء به، بدليل قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾، وهذا قول ابن زيد والجمهور من المفسرين». وعلَّق على القول الثاني بقوله: «ويلزم قائلي هذه المقالة أن يجعلوا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ الآية... كلامًا مقطوعًا مستأنفًا في الكفار». وذكر أنهم رووا حديثًا في نحو ما قالوا من أنّهم أهل القدر

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٨٠) أن ظاهر اللفظ يقتضي أن «الذي» في قولهم: ﴿الّلَذِين﴾ إنما هو للجنس، أي: أرِنا كلَّ مُغوٍ من الجن والإنس. ونسبه لجماعة من المفسرين. ثم انتقد القول بأن يكون ولد آدم وإبليس الأبالسة هما المرادان بهذه الآية مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وتأمَّل هل يصحُّ هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ ، لأن ولد آدم مؤمن عاصٍ، وهؤلاء إنما طلبوا المضلّين بالكفر المؤدي إلى الخلود. وإنما القوي أنهم طلبوا النوعين». ثم نقل توجيهًا لهذا القول، فقال: «وقد أصلح بعضُهم هذا القول بأن قال: يطلب ولد آدم كلّ عاصٍ دخل النار من أهل الكبائر، ويطلب إبليس كل كافر». وانتقده مستندًا لظاهر لفظ الآية، فقال: «ولفظ الآية يزحم هذا التأويل؛ لأنه يقتضي أن الكفرة إنما طلبوا اللذين أضلا»

سورة النمل — الآية ٤٤

عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد -من طريق حصين- قال: كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يسير وضع كرسيه، فيأتي مَن أراد مِن الجن والإنس، ثم يأمر الريح فتحملهم، ثم يأمر الطير فتظلهم، فبينا هو يسير إذ عطشوا، فقال: ما ترون بعد الماء؟ قالوا: لا ندري. فتفقد الهدهد، وكان له منه منزلة ليس بها طير غيره، فقال: ﴿ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا﴾. وكان عذابُه إذا عَذَّب الطير ينتفه، ثم يلقيه في الشمس، ﴿أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين﴾. يعني: بعذر بَيِّن. فلما جاء الهدهد استقبلته الطير، فقالت له: قد أوعدك سليمان. فقال لهم الهدهد: هل استثنى؟ فقالوا له: نعم؛ قد قال: إلا أن يجيء بعذر بَيِّن. فجاء بخبر صاحبة سبأ، فكتب معه إليها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين﴾. فأقبلت بلقيس، فلما كانت على قدر فرسخ قال سليمان: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾؟ قال عفريت من الجن: ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾. فقال سليمان: أريد أعجل مِن ذلك. فقال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾. فأتى بالعرش في نفق في الأرض، يعني: سَرَب في الأرض، قال سليمان: غيِّروه. فلما جاءت قيل: ﴿أهكذا عرشك﴾؟ فاستنكرت السرعة، ورأت العرش، قالت: ﴿كأنه هو﴾. قيل لها: ﴿ادخلي الصرح﴾. فلما رأته حسبته لجة ماء، ﴿وكشفت عن ساقيها﴾، فإذا هي امرأة شعراء، فقال سليمان: ما يُذهِب هذا؟ فقال بعضُ الجن: أنا أذهب به. فصنعت له النورة، وكان أول ما صنعت النورة، وكان اسمها: بلقيس

سورة ص — الآية ٣٤

عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: إنّ صخرًا أمسك الخاتم أربعين يومًا، فمِن ثَمَّ دانت له الجنُّ والإنسُ، وعطفت عليه الطيرُ والوحشُ، فلمّا أنكر آصفُ وعظماءُ بني إسرائيل حكمَ عدو الله الشيطان في تلك الأربعين يومًا؛ قال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم مِن خلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم. فعمد عند ذلك صخرٌ فألقى بالخاتم في البحر، فاستقبله جِرِّيٌّ، فابتلع الخاتم، فصار في جوفه مثل الحريق مِن نور الخاتم، فاستقبل جِرِّيُّه الماءَ، فوقع في شباك الصيادين الذين كان سليمان معهم، فلمّا أمسوا قسموا السمك، فأسقطوا الجِرِّيّ فجعلوه لسليمان، فذهب به إلى أهله، فأمرهم أن يصنعوه، فلما شقوا بطنَه أضاء البيتَ نورًا مِن خاتمه، فدعت المرأةُ سليمان، فأرته الخاتم، فتختم به، وخرَّ لله ساجدًا، قال: إلهي، لك الحمد على قديم بلائك، وحسن صنيعك إلى آل داود، إلهي، أنت الذي ابتدأتهم بالنِّعَم، وأورثتهم الكتاب والحكم والنبوة، فلك الحمد، إلهي، تجود بالكثير، وتلطف بالصغير، إلهي، فلك الحمد، نعماؤك ظهرت فلا تخفى، وبطنت فلا تحصى، فلك الحمد، إلهي، تجود بالكثير، وتلطف بالصغير، لم تسلمني بذنوبي فلك الحمد، تغفر الذنوب، وتستجيب الدعاء، فلك الحمد، إلهي، لم تسلمني بجريرتي، فلك الحمد، ولم تخذلني بخطيئتي، فلك الحمد، فتَمِّم -إلهي- نعمتك عليَّ، واغفر لي ما سلف، ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾. فذلك قوله: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٥٨) في المراد بالكتاب هنا قولين: أحدهما: أنه القرآن. والآخر: أنه اللوح المحفوظ. ورجَّح القولَ الأول مستندًا إلى السياق، فقال: «و﴿الكتاب﴾: القرآن، وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه الآيات». وبيَّن ابنُ القيم (١‏/‏٣٤٦-٣٤٨) أنّ القول بكونه القرآن؛ إما أن يكون من العام المراد به الخاص، أي: ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه، كقوله: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وإما أن يكون من العام المراد به عمومه، والمراد: أنّ كل شيء ذُكِرَ فيه مجملًا ومفصلًا. ورجَّح ابنُ القيم أنّه اللوح المحفوظ مستندًا إلى السياق، فقال: «وكأن هذا القول أظهر في الآية، والسياق يدل عليه؛ فإنه قال: ﴿وما مِن دابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُم﴾، وهذا يتضمن أنها أممٌ أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول، قد قُدِّر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه، ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها، ثم قال: ﴿إلى ربهم يحشرون﴾، فذكر مبدأها ونهايتها، وأدخَلَ بين هاتين الحالتين قوله: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾، أي: كلها قد كُتبت وقُدِّرت وأُحصيت، فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي، وإنما يناسبه ذكر الكتاب الأول». وبنحوه رجَّح ابنُ تيمية (٣‏/‏٢٣) مستندًا إلى السياق. ووجَّه ابنُ عطية معنى قوله تعالى: ﴿من شيء﴾ على القول الثاني بأنّها عامة في جميع الأشياء، وأنها خاصة في الأشياء التي فيها منافع للمخاطبين وطرائق هدايتهم على القول الأول. ثم ذكر ابنُ القيم أنّ من قال بكونه القرآن يمكنه الاستناد إلى نفس الآية المستدل بها أصحاب القول الآخر، ذلك أنّ القرآن تضمن الإخبار عن كل ما كان وما هو كائن جملة وتفصيلًا، وأنه يشهد لكونه القرآن أنّ هذا ذُكر عقيب قوله تعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾، فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله ﷺ، وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء، ولم يفرط فيه من شيء، ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض، وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق، وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه. فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره، وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه، فهذا استدلال بأمره، وذاك بخلقه. ثم ذكر أنّ مَن قال إن الكتاب اللوح المحفوظ يمكنه أيضًا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾، ذلك أنهم لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك، فإنّه قادر على ذلك، وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم؛ إذ لو أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة إن لم يؤمنوا، ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو، فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز عن إنزال آية؟! ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء ثم يميتهم ثم يحشرهم إليه... فهو أظهر القولين

اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال بعضهم: تأويله: ولَهُنَّ من حسن العشرة والصحبة مثل الذي عليهنَّ من الطاعة لهم. وقال آخرون: وله من التَّصَنُّع والمُؤاتاة مثل الذي عليهنَّ من ذلك. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٢٠) أنّه تحريمٌ على كل واحدٍ من الزوجين مُضارَّة صاحبه مستندًا إلى موافقته لظاهر الآية، وسياقها، فقال: «والذي هو أوْلى بتأويل الآية عندي: وللمطلقات واحدةً أو ثنتين بعد الإفضاء إليهنَّ على بعولتهنَّ أن لا يراجعوهنَّ في أقرائِهِنَّ الثلاثة إذا أرادوا رجعتهنَّ فيهنَّ، إلا أن يُرِيدوا إصلاحَ أمْرِهِنَّ وأمرهم، وألا يراجعوهنَّ ضِرارًا، كما عليهنَّ لهم إذا أرادوا رجعتهنَّ فيهنَّ أن لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ من الولد ودمِ الحيض ضرارًا منهنَّ لهم؛ ليفتنهم بأنفسهنَّ، ذلك أن الله -تعالى ذِكْرُه- نهى المطلقات عن كتمان أزواجهنَّ في أقرائهنَّ ما خلق الله في أرحامهنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر، وجعل أزواجهنَّ أحقَّ بردهنَّ في ذلك إن أرادوا إصلاحًا، فحرَّم الله على كل واحد منهما مُضارَّة صاحبه، وعَرَّف كلَّ واحد منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عَقَّب ذلك بقوله: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾، فبَيَّن أنّ الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مُضارَّتِه مثل الذي له على صاحبه من ذلك. فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره». ثُمَّ بَيَّن احتمال اندراج القولين الواردين فيما ذَكَرَ، فقال: «وقد يحتمل أن يكون كلُّ ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلًا في ذلك، وإن كانت الآية نزلت فيما وصَفْنا؛ لأن الله -تعالى ذكره- قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقًّا، فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حَقِّه إليه مثل الذي عليه له، فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك، وابن عباس، وغير ذلك»