الآية ردٌّ على كفار قريش في استبعادهم أن يبعث الله من البشر رسولًا، وقد اختُلِفَ في المعني بـ«أهل الذكر» في هذه الآية على أقوال: الأول: أهل الكتاب من اليهود والنصارى. الثاني: مَن أسلم مِن أهل الكتاب. الثالث: أهل القرآن. وزاد ابن عطية (٥/٣٥٨ ط: دار الكتب العلمية) قولًا نقله عن الزجاج أن أهل الذكر: عام في كل من يُعزى إلى علم. واستظهر ابن عطية مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وهو قول ابن عباس، فقال: «والأظهر في هذا كله قول ابن عباس رضي الله عنهما أن يكون أهل الذكر هنا: أحبار اليهود والنصارى الذين لم يُسلِموا، وهم في هذه النازلة خاصة إنما يُخبِرون بأن الرسل من البشر، وإخبارهم حجَّة على هؤلاء، فإنهم لم يزالوا مصدِّقين لهم، ولا يتهمون بشهادة لنا لأنهم مدافعون في صدر ملة محمد ﷺ -قاتلهم الله-، وهذا هو كسر حجتهم من مذهبهم، لا أنّا افتقرنا إلى شهادة هؤلاء، بل الحق واضح في نفسه، وقد أرسلت قريش إلى يهود يثرب يسألون ويُسنِدون إليهم». وانتقد القول الثاني والثالث مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهذان القولان فيهما ضعف؛ لأنه لا حجَّة على الكفار في إخبار المؤمنين بما ذُكِر، لأنهم يكذبون هذه الصنائف». واستدرك ابنُ كثير (٨/٣١٤) على القول الثالث -وهو قول ابن زيد، وأبي جعفر- مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وقول عبد الرحمن بن زيد: الذكر: القرآن. واستشهد بقوله: ﴿إنّا نَحْنُ نزلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] صحيح، لكن ليس هو المراد هاهنا؛ لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه. وكذا قول أبي جعفر الباقر: نحن أهل الذكر». ووجَّه قول أبي جعفر الباقر: نحن أهل الذكر. بقوله: «ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر صحيح؛ فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت رسول الله عليهم السلام والرحمة من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة، كعلي، وابن عباس، وابني علي: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر: وهو محمد بن علي بن الحسين، وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم، ممن هو متمسك بحبل الله المتين، وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حقٍّ حقَّه، ونزَّل كلًّا المنزل الذي أعطاه الله ورسوله، واجتمع إليه قلوب عباده المؤمنين»
اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول؛ فقال السدي: لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى حينئذ عن قولهم، فقال: ﴿سُبْحانَكَ﴾ الآية. وقال قتادة وغيره: هذا القول من الله إنما هو في يوم القيامة. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣٠٤) على قول السدي بقوله: «فتجيء ﴿قالَ﴾ على هذا متمكنة في المضي، ويجيء قوله آخرًا: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: بالتوبة من الكفر؛ لأنّ هذا ما قاله عيسى عليه السلام وهم أحياء في الدنيا». ورجَّحه ابنُ جرير (٩/١٣٥-١٣٧) مستندًا إلى الأغلب في اللغة، والدلالات العقلية، وذلك أن (إذ) إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب الماضي من الفعل، وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر أولى، كما أنّ عيسى عليه السلام لا يجوز أن يتوهم عليه طلب المغفرة لِمَن مات مشركًا، وفي قول عيسى: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به... وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب﴾ بيان أن الله تعالى إنما عرَّفه مقالة قومه بعدما قبضه إليه وتوفاه. وانتقد ابنُ عطية (٣/٣٠٤ بتصرف) الاستناد إلى كون عيسى عليه السلام يمتنع عليه طلب المغفرة للمشركين ببيان أنّ معنى قوله: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾: إن عذبت العالم كله فبحقك، وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك. وليس المعنى أنه لا بد من أن تفعل أحد هذين الأمرين، بل قال هذا القول مع علمه بأنّ الله لا يغفر أن يشرك به. وانتقد ابنُ كثير (٥/٤٢٥-٤٢٦ بتصرف) المستند الأول والثاني لابن جرير فقال: «وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ الآية: التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٣٠٥-٣٠٦) القول الثاني مستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا هو عندي القول الأرجح، ويتقوى بما بعده، وذلك أن عيسى عليه السلام لَمّا قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه يقول: هذا أمر قد فرغ منه، وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص. فقال تبارك وتعالى: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾. ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك، وصدقه فيما قال، فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥/٤٢٦) مستندًا إلى السنة، والدلالات العقلية، فقال: «والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر؛ ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وقد روي بذلك حديث مرفوع». ثم أورد حديث أبي موسى الأشعري. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣٠٤) على هذا القول بقوله: «و﴿قال﴾ على هذا التأويل بمعنى: يقول. ونزول الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته». وأفاد أن توقيف الله لعيسى وسؤاله فائدته على هذا القول: ظهور الذنب على الكفرة في عبادة عيسى وبيان ظلالهم. ثم ذكر (٣/٣٠٧) أن قوله تعالى في خاتمة السورة ﴿لله ملك السموات.. ﴾ يحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أنه مقطوع من ذلك مخاطب به محمد ﷺ وأمته، وأنه على الوجهين فيه تعضيد لهذا القول
حكى ابنُ جرير (٦/٢٨) في قوله تعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ اختلاف المفسرين في اليوم الذين وُعِدَ فيه المؤمنون بإمدادهم بالملائكة، وهل حَضَرَتِ الملائكة يومئذٍ حربهم أم لا؟ فذكر أربعة أقوال:الأول: كان هذا الوعد من الله للمؤمنين يوم بدر أن يُمِدَّهم بملائكته إن أتاهم العدوُّ من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. وهو قول الشعبي. الثاني: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون، واتقوا الله، فأمدَّهم بملائكته على ما وعدهم. وهو قول مالك بن ربيعة من طريق عبد الله بن أبي بكر، وابن عباس من طريق مقسم، وأبي داود المازني من طريق ابن إسحاق، وأبي رافع من طريق عكرمة، وقتادة، والربيع من طريق أبي جعفر، ومجاهد من طريق ابن خثيم. الثالث: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر إن صبروا عند طاعته، وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أنْ يُمِدّهم في حروبهم كلّها، فلم يصبروا، ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمَدّهم حين حاصروا قريظة. وهو قول عبد الله بن أبي أوفى. الرابع: بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم، ولم يتقوا، ولم يُمَدُّوا بشيءٍ في أحد. وهو قول عكرمة من طريق عمرو بن دينار، والضحاك، وابن زيد. ثم رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية أنّ المؤمنين وُعِدوا بثلاثة آلاف من الملائكة مَدَدًا لهم، ثم وُعِدوا بعد الثلاثة آلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة في الآية على أنهم أُمِدُّوا بهم، ولا على أنهم لم يُمَدُّوا بهم. وبيَّن بأنّ كلا الأمرين جائز -أي: الإمداد وعدمه- على نحو ما روى أصحابُ كُلِّ قولٍ ما ثبت عنده، غير أنه لا يمكن التسليم بقول إلا بخبر تقوم به الحجة. ثم أشار إلى ما يُؤَيِّدُ القولَ الثاني، ويُضْعِفُ القول الرابع، فقال: «غير أنّ في القرآن دلالةٌ على أنهم أُمِدُّوا يوم بدرٍ بألفٍ من الملائكة، وذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]. فأمّا في يوم أحد فالدَّلالة على أنهم لم يُمَدُّوا أبْيَنُ منها في أنّهم أُمِدُّوا، وذلك أنهم لو أُمِدُّوا لم يُهزَموا، ويُنال منهم ما نِيلَ منهم». ورَجَّح ابنُ كثير (٣/١٧٥) مستندًا إلى لفظ الآية والنظائر أنّ الإمداد بالملائكة كان يوم بدر، وأنهم أُمِدّوا بثلاثة آلاف فما فوقها، فقال في سياق ذِكْر أدلة القائلين بأنّه يوم بدر: «فإن قيل: فما الجمع بَيْن هذه الآية -على هذا القول -وبَيْن قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٩-١٠]؟ فالجواب: أنّ التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، بمعنى: يردفهم غيرَهم، ويَتْبَعهم ألوف أُخَر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران؛ فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر». وانتَقَد ابنُ عطية (٢/٣٤٣) مستندًا إلى مخالفة أقوال السلف قولَ الشعبي أنّ المؤمنين لم يُمَدّوا بالملائكة يوم بدر، فقال: «وخالف الناسُ الشعبيَّ في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حَضَرَتْ بدرًا، وقاتلت». ثم وجَّه كلام القائلين بأنّ قوله تعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في يوم بدر، والقائلين بأنه كان في يوم أحد، فقال: «فمَن قال مِن المفسرين: إنّ قول النبي ﷺ للمؤمنين: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر بدر، وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرِّضًا على الجدِّ والتوكل على الله. ومَن قال: إنّ قول النبي ﷺ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآية إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ إلى ﴿تَشْكُرُونَ﴾ اعتراضًا بَيْن الكلام جميلًا»
اختلف المفسّرون في وقت الدخان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الدُّخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فأصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدُّخان من الجوع. وهو قول ابن مسعود، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضّحّاك، ومقاتل. الثاني: دُخان يجيء قبل القيامة فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، والحسن. الثالث: أنه كان يوم فتح مكة. وهو قول أبي هريرة، والأعرج. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٠) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤه- توعّد بالدخان مشركي قريش، وأنّ قوله لنبيه ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش، وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون﴾، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه مِن أن يكون أخَّرَهُ عنهم لغيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٥٧١) على القول الأول بقوله: «وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٢/٣٣٩) -مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- القول الثاني، وانتقد الأول، فقال بعد أن أورد عدة أحاديث وآثار فيه، ومنها قول ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وهكذا قول مَن وافقه مِن الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة مِن الصّحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجَهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾». وجعل ابنُ جرير (٢١/٢٠-٢١) الحكم بصحة القول الثاني متوقفة على صحة حديث حذيفة المُثبت لكون النبي ﷺ فسّر الدُّخان في الآية بدخان يوم القيامة، ثم انتقد صحة الحديث بقوله: «وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمِن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ، فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منّا. فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عنِّي، أو كما قال». وعلَّق ابنُ كثير (١٢/٣٣٧) على انتقاده للحديث بقوله: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابنُ جرير من سياقه في أماكن مِن هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى». ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ انتقاده لا يُراد به إنكار وقوع الدُّخان في المستقبل -لثبوت ذلك في السنة-، وإنما كان انتقاده متجهًا إلى تفسير الآية به، فقال: «وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعّدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنَفُ بعد بآخرين دُخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح، وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا». وقال ابنُ عطية (٧/٥٧٢): «ويحتمل إن صحَّ حديثُ حُذيفة أن يكون قد مرَّ دُخان، ويأتي دُخان آخر»
عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: سألتُ عمر بن الخطاب: لأيِّ شيء سُمِّيتَ: الفاروق؟ قال: أسلم حمزةُ قبلي بثلاثة أيام، وخرجت بعده بثلاثة أيام، فإذا فلان بن فلان المخزومي، قلت له: أرَغِبْتَ عن دين آبائِك، واتَّبَعْتَ دينَ محمد؟ قال: إن فعلتُ فقد فَعَلَه مَن هو أعظمُ حَقًّا مِنِّي عليك. قلتُ: مَن هو؟ قال: خَتَنُك وأختك. قال: فانطلقتُ، فوجدتُ الباب مغلقًا، وسمعت هَمْهَمَةً، قال: ففُتِح لي الباب، فدخلتُ، فقلتُ: ما هذا الذي أسمع عندكم؟ قالوا: ما سمعتَ شيئًا. فما زال الكلامُ بيني وبينهم حتى أخذتُ رأسَ خَتَني، فضربتُه ضربةً، فأَدْمَيْتُه، فقامتْ أُختي، فأخذت برأسي، فقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك. قال: فاسْتَحْيَيْتُ حينَ رأيتُ الدِّماء، فجلستُ، وقلتُ: أرُوني هذا الكتابَ. فقالت أختي: إنّه لا يمسه إلا المطهرون، فإن كُنت صادقًا فقُم فاغتسل. قال: فقُمْتُ واغتسلتُ، وجئتُ فجلستُ، فأخرجا إلَيَّ الصحيفةَ فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. قلتُ: أمّا ظاهره طَيِّب. ﴿طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿له الأسماء الحسنى﴾ [طه:١-٨] وما بعدها، فتعظمت في صدري، وقُلْتُ: مِن هذا فَرَّتْ قريش؟! ثم شرح الله صدري للإسلام، فقلتُ: ﴿لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾. قال: فما في الأرض نسمَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن رسول الله ﷺ. قلتُ: أين رسول الله ﷺ؟ قالت: عليك عهدُ اللهِ وميثاقُه أن لا تجبهه بشيءٍ يكرهُه؟ قلت: نعم. قالت: فإنّه في دار أرقم بن أبي أرقم. في دارٍ عند الصفا، فأتيتُ الدارَ وحمزة في أصحابه جلوسٌ في الدار، ورسولُ الله ﷺ في البيت، فضربتُ الباب، فاستجمع القومُ، فقال لهم حمزةُ: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب. قال: افتحوا له البابَ، فإن قَبِلَ قَبِلْنا منه، وإن أدبر قتلناه. فسمع ذلك رسولُ الله ﷺ، فقال: «ما لكم؟». فقالوا: عمر بن الخطاب. قال: فخرج رسول الله ﷺ، فأخذ بمجامع ثيابه، ثم نَتَرَهُ نترةً، فما تمالَك أن وقَع على رُكبتيه على الأرض، قال: «ما أنت بمنتهٍ، يا عُمر؟». قال: قلتُ: أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله. قال: فكبَّر أهلُ الدار تكبيرةً سمِعها أهلُ المسجد، قلت: يا رسول الله، ألَسْنا على الحقِّ إن مِتْنا وإن حَيِينا؟ قال: «بلى -والذي نفسي بيده- إنّكم لَعلى الحق إن مِتُّم وإن حَيِيتُم». قال: فقلتُ: ففيم الاختفاءُ؟! والذي بعثكَ بالحق لتخرجنَّ. فأخرجناه في صفَّين؛ حمزةُ في أحدهما، وأنا في الآخر، له كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحين حتى دخلنا المسجد، قال: فنَظَرَتْ إلَيَّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبةٌ لم يُصِبْهُم مثلُها، فسَّماني رسول الله ﷺ: الفاروق، وفرَّق الله بين الحق والباطل
عن ابن عمر، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقْرَع بين نسائه ثلاثًا، فمَن أصابته القُرْعَة خرج بها معه، فلمّا غزا بني المُصْطَلِق أقرَعَ بينهنَّ، فأصابت عائشةَ وأمَّ سلمة، فخرج بهما معه، فلمّا كانوا في بعض الطريق مال رحل أمِّ سلمة، فأناخوا بعيرَها لِيُصْلِحوا رحلها، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة، فلمّا أبركوا إبلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي: إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي. قالت: فنزلت مِن الهَوْدَج، ولم يعلموا بنزولي، فأتيت جَوْبَةً، فانقطعت قلادتي، فاحتبست في جمعها ونِظامها، وبعث القومُ إبلهم، ومضوا، وظنوا أنِّي في الهودج، فخرجت ولم أرَ أحدًا، فاتبعتهم حتى أعييت، فقلت في نفسي: إنّ القوم سيفقدوني، فيرجعون في طلبي. فقُمتُ على بعض الطريق، فمر بي صفوان بن المُعَطِّل، وكان سأل النبيَّ ﷺ أن يجعله على السّاقَةِ، فجعله، وكان إذا رحل الناسُ قام يُصَلِّي، ثُمَّ اتَّبَعَهُم، فما سقط منهم مِن شيء حمله حتى يأتي به أصحابَه، قالت عائشة: فلمّا مَرَّ بي ظَنَّ أني رجل، فقال: يا نَوْمانُ، قُمْ؛ فإنّ الناس قد مضوا. فقلت: إني لست رجلًا، أنا عائشة. قال: إنّا لله وإنا اليه راجعون. ثم أناخ بعيرَه، فعقل يديه، ثم ولّى عَنِّي، فقال: يا أُمَّه، قومي فاركبي، فإذا ركبتُ فآذِنيني. قالت: فركبتُ، فجاء حتى حَلَّ العِقال، ثم بعث جمله، فأخذ بخِطام الجمل. قال ابن عمر: فما كلَّمها كلامًا حتى أتى بها رسولَ الله ﷺ، فقال عبد الله بن أبي بن سلول المنافق: فَجَرَ بِها، وربِّ الكعبة. وأعانه على ذلك حسّان بن ثابت، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَةُ، وشاع ذلك في العسكر، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فكان في قلب النبي ﷺ مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة، وأشاع عبدُ الله بن أُبَيٍّ هذا الحديثَ في المدينة، واشْتَدَّ ذلك على رسول الله ﷺ. قالت عائشةُ: فدخلتْ ذاتَ يومٍ أمُّ مِسْطَح، فرأتني وأنا أريد المذهب، فحملت معي السَّطْلَ وفيه ماءٌ، فوقع السطل منها، فقالت: تَعِس مِسْطَح. قالت لها عائشة: سبحان الله! تَسُبِّين رجلًا مِن أهل بدر، وهو ابنُكِ؟ قالت لها أم مسطح: إنّه سال بكِ السَّيْلُ وأنتِ لا تدرين! وأخبَرَتْها بالخبر. قالت: فلمّا أخبرتني أخذتني الحُمّى، فتَقَلَّص ما كان، ولم أجد المذهب. قالت عائشة: وقد كنت أرى مِن النبي ﷺ قبل ذلك جفوةً، ولم أدرِ مِن أيِّ شيء هو، فلما حدثتني أمُّ مِسْطَحٍ علمتُ أنّ جفوةَ رسول الله ﷺ كانت لِما أخبرتني أمُّ مسطح، فقلتُ للنبيِّ ﷺ: أتأذن لي أن أذهب إلى أهلي؟ قال: «اذهبي». فخرجت عائشةُ حتى أتت أباها، فقال لها: ما لكِ؟ قلت: أخرجني رسول الله ﷺ مِن بيته. قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله ﷺ من بيته وآويك أنا؟! واللهِ، لا آويك حتى يأمر رسول الله ﷺ. فأمره رسولُ الله ﷺ أن يؤويها، فقال لها أبو بكر: واللهِ، ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط، فكيف وقد أعزَّنا اللهُ بالإسلام؟ فبَكَتْ عائشةُ، وأمُّها أمُّ رَومان، وأبو بكر، وعبد الرحمن، وبكى معهم أهل الدار، وبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فصعد المنبر، فحَمِد الله، وأثنى عليه، فقال: «أيها الناسُ، مَن يعذرني مِمَّن يؤذيني؟». فقام إليه سعد بن معاذ، فسَلَّ سيفَه، وقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن يكن مِن الأوسِ أتيتُك برأسه، وإن يكن مِن الخزرج أمرتَنا بأمرك فيه. فقام سعدُ بن عبادة، فقال: كذبتَ، واللهِ، ما تقدر على قتله، إنّما طلبتنا بذُحُولٍ كانت بيننا وبينكم في الجاهلية. فقال هذا: قال الأوس. وقال هذا: قال الخزرج. فاضطربوا بالنِّعال والحجارة، وتلاطموا، فقام أسيد بن حُضَير، فقال: فيمَ الكلام؟ هذا رسول الله يأمرنا بأمره، فينفُذُ عن رغم أنف مَن رغِم. ونزل جبريلُ وهو على المنبر، فلمّا سُرِّي عنه تلا عليهم ما نزل به جبريل: ﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات:٩] إلى آخر الآيات. فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله. وقام بعضُهم إلى بعض، فتلازموا، وتصايحوا، فنزل النبيُّ ﷺ عن المنبر، وانتظر الوحيُ في عائشة، فبعث النبيُّ ﷺ إلى علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وبريرة، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يَعْدُ عَلِيًّا، وأسامةَ بعد موت أبيه زيد. فقال لعلي: «ما تقول في عائشة؟ فقد أهمني ما قال الناس». قال: يا رسول الله، قد قال الناس، وقد حلَّ لك طلاقُها. وقال لأسامة: «ما تقول أنت؟». قال: سبحان الله! ما يَحِلُّ لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. فقال لبريرة: «ما تقولين، يا بريرة؟». قالت: واللهِ، يا رسول الله، ما علِمْتُ على أهلِكَ إلا خيرًا، إلا أنها امرأة نَؤُوم، تنام حتى تجيءَ الدّاجِنُ فتأكل عجينها، وإن كان شيءٌ مِن هذا ليخبرنك اللهُ. فخرج ﷺ حتى أتى منزلَ أبي بكر، فدخل عليها، فقال لها: «يا عائشة، إن كنتِ فعلتِ هذا الأمرَ فقولي لي حتى أستغفرَ اللهَ لكِ». فقالت: واللهِ، لا أستغفر الله منه أبدًا، إن كنتُ قد فعلتُه فلا غَفَرَ الله لي، وما أجد مَثَلي ومَثَلُكم إلا مَثَلَ أبي يوسف -وذهب اسم يعقوب مِن الأسف-، قال: ﴿انما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ [يوسف:٨٦]. فبينا رسول الله ﷺ يُكَلِّمها إذ نزل جبريلُ بالوحي، فأخذتِ النبيَّ ﷺ نعسةٌ، فسُرِّي وهو يتبسم، فقال: «يا عائشةُ، إنّ الله قد أنزل عذركِ». فقالت: بحمد الله، لا بحمدك. فتلا عليها سورةَ النور إلى الموضع الذي انتهى خبرُها وعذرُها وبراءتُها، فقال رسول الله ﷺ: «قُومي إلى البيت». فقامت، وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة، وبعث إلى عبد الله بن أُبَيٍّ، فجيء به، فضربه النبيُّ ﷺ حَدَّيْن، وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة، فضُرِبوا ضربًا وجيعًا، ووَجَأَ في رقابهم. قال ابن عمر: إنّما ضرب رسولُ الله ﷺ عبد الله بن أُبَيٍّ حَدَّيْن؛ لأنّه مَن قذف أزواج النبي ﷺ فعليه حَدّان. فبعث أبو بكر إلى مِسْطَح: لا وصَلْتُك بدرهمٍ أبدًا، ولا عطفتُ عليك بخير أبدًا. ثم طرده أبو بكر، وأخرجه من منزله، فنزل القرآن: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ إلى آخر الآية. فقال أبو بكر: أما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لأُضاعِفَنَّ لك. وكانت امرأة عبد الله بن أُبَيٍّ مُنافقة معه؛ فنزل القرآن: ﴿الخبيثات﴾ يعني: امرأة عبد الله ﴿للخبيثين﴾ يعني: عبد الله، ﴿والخبيثون للخبيثات﴾ يعني: عبد الله وامرأته، ﴿والطيبات﴾ يعني: عائشة وأزواج النبي ﷺ ﴿للطيبين﴾ يعني: النبي ﷺ
عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومروان بن الحكم -من طريق عروة بن الزبير- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحُدَيبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحُلَيْفة قلّد رسول الله ﷺ الهَدْي وأَشْعَرَه، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له مِن خُزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول الله ﷺ، حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبًا من عُسفان أتاه عينُه الخُزاعي، فقال: إنِّي قد تركتُ كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: «أشيروا عَلَيَّ؛ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا مَوتورين مَحْزونين، وإن نَجَوا تكن عُنقًا قطعها الله، أم ترون أن نؤُمّ البيت؛ فمَن صدَّنا عنه قاتلناه؟». فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، يا رسول الله، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبيُّ ﷺ: «فروحوا إذن». فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبيُّ ﷺ: «إنّ خالد بن الوليد بالغميم، في خيلٍ لقريش طليعة؛ فخذوا ذات اليمين». فواللهِ، ما شعر بهم خالد، حتى إذا هو بقَتَرَة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبيُّ ﷺ، حتى إذا كان بالثَّنيّة التي يهبط عليهم منها برَكت به راحلته، فقال النبيُّ ﷺ: «حلْ حلْ». فألحّتْ فقالوا: خَلَأتِ القَصْواء. فقال النبيُّ ﷺ: «ما خَلَأتِ القصواء، وما ذاك لها بُخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطّةً يُعظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهم إياها». ثم زجرها، فوثبتْ به، فعدل بهم، حتى نزل بأقصى الحُدَيبية على ثَمَدٍ قليل الماء إنما يتَبَرّضُه الناس تَبَرُّضًا، فلم يلبثه الناس أنْ نَزحوه، فشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا مِن كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فواللهِ، ما زال يجيش لهم بالرِّيّ حتى صَدَروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بديلُ بن ورقاء الخُزاعيّ في نَفرٍ من قومه مِن خُزاعة، وكانوا عَيْبَة نُصْحِ رسول الله ﷺ مِن أهل تِهامة، فقال: إني تركتُ كعب بن لؤيّ، وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحُدَيبية، معهم العُوذُ المطافيل، وهم مُقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ: «إنّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشًا قد نَهِكَتهم الحرب، وأضَرّتْ بهم، فإن شاءوا مادَدْتُهم مُدّة ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظْهر فإن شاءوا أن يَدْخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإنْ هُم أبَوا -فوالذي نفسي بيده- لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالِفَتي، أو ليُنفِذَنّ الله أمره». فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلَق حتى أتى قريشًا، فقال: إنّا قد جئناكم مِن عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تُحدّثنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول. قال: سمعتُه يقول كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال رسول الله ﷺ، فقام عُروة بن مسعود الثَّقَفيّ، فقال: أيْ قومِ، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. قال: أوَلستُ بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنّي استَنفرتُ أهلَ عكاظ، فلمّا بلَّحُوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومَن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا قد عرض عليكم خُطّة رُشْدٍ؛ فاقبلوها، ودَعُوني آتِه. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يُكلّم النَّبِيّ ﷺ، فقال له النَّبِيّ ﷺ نحوًا مِن قوله لبُدَيل، فقال عُروة عند ذلك: أي محمد، أرأيتَ إن استأْصلْتَ قومك، هل سمعتَ أحدًا مِن العرب اجتاح أهلَه قبلك؟! وإن تكن الأخرى -فواللهِ- إني لأرى وجوهًا وأرى أشْوابًا من الناس خَليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوك. فقال له أبو بكر: امْصُص بَظَر اللّات، أنحن نَفِرّ عنه ونَدَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قال: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لكَ عندي لم أجْزِك بها لأجبْتُك. قال: وجعل يُكلّم النبيَّ ﷺ، فكُلّما كَلّمه أخذ بلحيته، والمُغيرة بن شُعبة قائم على رأس النبيّ ﷺ ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فكُلّما أهوى عروةُ بيده إلى لحية النبيّ ﷺ ضَرب المُغيرة يده بنَعل السيف، وقال: أخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عُروة رأسه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: المُغيرة بن شُعبة. فقال: أي غُدَر، ألستُ أسعى في غَدْرَتك؟! وكان المُغيرة صَحِب قومًا في الجاهلية، فقتَلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبيُّ ﷺ: «أمّا الإسلام فأقبل، وأمّا المال فلستُ منه في شيء». ثم إنّ عُروة جعل يَرمُق أصحاب النَّبِيّ ﷺ بعينيه. فقال: فواللهِ، ما تنخَّم رسول الله ﷺ نُخامة إلا وقعتْ في كفّ رجل منهم، فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمْره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضُوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النّظر تعظيمًا له. فرجع عُروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، واللهِ، لقد وفدتُ على الملوك، ووفدتُ على قَيْصر وكِسْرى والنَّجاشي، واللهِ، إن رأيتُ مَلِكًا قطّ يُعظِّمه أصحابه ما يُعظّم أصحابُ محمدٍ محمدًا، واللهِ، إن يَتنَخّم نُخامة إلا وقعتْ في كفّ رجل منهم، فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضُوئه، وإذا تكلَّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النَّظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خُطّة رُشْدٍ، فاقبلوها. فقال رجل مِن بني كنانة: دعوني آتِه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النَّبِيّ ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ: «هذا فلان، وهو من قوم يُعظِّمون البُدْن، فابعثوها له». فبُعِثتْ له، واستقبله القوم يُلَبُّون، فلمّا رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْن قد قُلِّدتْ وأُشْعِرتْ، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت. فقام رجل يُقال له: مِكْرَز بن حفص. فقال: دعوني آتِه. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النَّبِيّ ﷺ: «هذا مِكْرَز، وهو رجل فاجر». فجعل يُكلّم النَّبِيّ ﷺ، فبينما هو يُكلّمه إذ جاء سُهيل بن عمرو، فقال النَّبِيُّ ﷺ: «قد سَهُل لكم مِن أمركم». فجاء سُهَيل، فقال: هاتِ اكتبْ بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتب، فقال رسول الله ﷺ: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». قال سُهيل: أما الرحمن، فواللهِ، ما أدري، ما هي؟ ولكن اكتب: باسمك، اللهم؛ كما كنتَ تكتب. فقال المسلمون: واللهِ، ما نكتبها إلا: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النَّبِيُّ ﷺ: «اكتب: باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله». فقال سُهيل: واللهِ، لو كُنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبيُّ ﷺ: «واللهِ، إني لَرسول الله وإن كذَّبتموني، اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله». -قال الزُّهريّ: وذلك لقوله: «لا يسألوني خُطّة يُعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهم إياها»- فقال النَّبِيّ ﷺ: «على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت، فنطوف به». قال سُهيل: واللهِ، لا تتحدث العرب أنّا أُخِذنا ضُغْطة، ولكن لك مِن العام المقبل. فكتب، فقال سُهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل، وإنْ كان على دينك، إلا رددّته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟! فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سُهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سُهيل: هذا -يا محمد- أول مَن أقاضيك عليه أن تَرُدّ إلَيَّ. فقال النَّبِيّ ﷺ: «إنّا لم نقضِ الكتاب بعد». قال: فواللهِ، لا أصالحك على شيء أبدًا. قال النَّبِيّ ﷺ: «فأَجِزْه لي». قال: ما أنا بمجيزه. قال: «بلى، فافعل». قال: ما أنا بفاعل. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا؟! ألا ترون ما لقيتُ في الله؟! وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله، فقال عمر بن الخطاب: واللهِ، ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ، فأتيتُ النَّبِيَّ ﷺ، فقلت: ألستَ نبي الله حقًّا؟ قال: «بلى». فقلتُ: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: «بلى». قلت: فلِمَ نُعطي الدَّنيّة في ديننا إذن؟ قال: «إني رسول الله، ولستُ أعْصِيه، وهو ناصري». قلتُ: أوَليس كنتَ تُحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتُك أنك تأتيه العام؟». قلتُ: لا. قال: «فإنك آتيه، ومُطوِّف به». فأتيتُ أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلِمَ نعطي الدَّنِيّة في ديننا إذن؟! قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربَّه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه تفُز حتى تموت، فواللهِ، إنّه لعلى الحق. قلتُ: أوليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت، ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبَرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه، ومُطوِّف به. قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا، فانحروا، ثم احلِقوا». فواللهِ، ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقُم منهم أحد قام فدخل على أُمّ سَلَمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أُمّ سَلَمة: يا نبي الله، أتحبّ ذلك؟ قال: «نعم». قالت: فاخرج، ثم لا تُكلّم أحدًا منهم حتى تَنحر بُدنك، وتدعو حالِقك فيحلِقك. فقام النبيُّ ﷺ، فخرج، فلم يُكلّم أحدًا منهم كلمة حتى فعل ذلك؛ نَحر بُدنه، ودعا بحالِقه فحلَقه، فلمّا رأَوا ذلك قاموا فنَحَروا، وجعل بعضهم يحلِق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتُل بعضًا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، فطلَّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أُميّة، ثم رجع النَّبِيّ ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بَصير -رجل من قريش- وهو مُسلم، فأَرسلوا في طَلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلتَه لنا! فدفعه النَّبِيّ ﷺ إلى الرّجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحُلَيفة، فنزلوا يأكلون مِن تمْرٍ لهم، فقال أبو بَصير لأحد الرّجلين: واللهِ، إنِّي لأرى سيفك هذا -يا فلان- جيِّدًا. فاستلّه الآخر، وقال: أجَلْ، واللهِ، إنّه لَجَيِّد، لقد جَرَّبتُ به وجَرَّبتُ. فقال له أبو بَصير: أرِني أنظر إليه. فأمْكَنه منه، فضربه حتى بَرَدَ، وفَرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدُو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعرًا». فلما انتهى إلى النَّبِيّ ﷺ قال: قد قُتل -واللهِ- صاحبي، وإنِّي لمقتول. فجاء أبو بَصير، فقال: يا نبي الله، قد أوفى الله بذِمّتك، قد رَدَدتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. فقال النَّبِيُّ ﷺ: «ويْلُ أُمِّهِ، مِسْعَر حربٍ لو كان له أحد!». فلمّا سمع ذلك عرف أنه سيردّه إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر. قال: وينفَلِتُ منهم أبو جندل، فلحِق بأبي بصير، فجعل لا يخرج رجلٌ مِن قريش رجل قد أسلم إلا لحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، قال: فواللهِ، ما يسمعون بِعِيرٍ لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلتْ قريش إلى النبِيّ ﷺ تُناشده اللهَ والرَّحِم لَما أرسل إليهم، فمَن أتاه منهم فهو آمن. فأرسَل إليهم النَّبِيُّ ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٤-٢٦]، وكانت حَمِيّتهم أنهم لم يُقِرّوا أنّه نبيُّ الله، ولم يقروا بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، وحالوا بينه وبين البيت
في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قراءات:الأولى: بهمزة مكسورة، على مثال: «إدْراسِين»، هكذا: ﴿إلْ ياسِينَ﴾، ووجِّهت بالأوجه الآتية: ١- أنه اسم ثان للنبي إلياس عليه السلام، كما يقال: إبراهيم وإبراهام. ٢- أنه جمع إلْياسيّ، والأصل: إلياسيين، كعبرانيين، ثم خففت الياء، والمراد: أتباعه. ٣- أنه جمع إلياس محذوف الياء، والمراد: أتباعه. والثانية: بقطع ‹آلِ› مِن ‹ياسين›، هكذا ‹آلِ ياسِينَ›، ووجِّهت بالأوجه الآتية: ١- أنّ ‹آلِ› مضافة لـ""ياسين›، والمراد بالـ‹آل›: ياسين نفسه. ٢- أنّ ‹ياسين› اسم لأبيه، فأضيف إليه الـ‹آل›، كما يقال: آل إبراهيم. ٣- أنّ يس: هو القرآن، وآله: هم أهل القرآن. ٤- أنّ يس: هو النبي محمد ﷺ، وآله: أقاربه، وأتباعه. والثالثة: بغير همز، وبصلة الألف، هكذا (الياسِينَ)، كما قُرِئَ: «وإنَّ الياسَ»، ووجَّهَها ابنُ عطية (٧/٣٠٦ بتصرّف) بأنّ الهمزة فيها حُذِفَت تخفيفًا، أو أن الاسم بدون «ال»، وزيدت الألف فيه مع اللام للتعريف. والرابعة: (إدْراسِين)، ووجِّهت بأنها لغة في إدريس، وكان ابن مسعود رضي الله عنهما يقول: إلياس هو إدريس. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩/٦٢١-٦٢٢ بتصرُّف) القراءة الأولى مستندًا إلى القرآن، وأقوال السلف، فقال: «الصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: ﴿سلام على إلياسين﴾ بكسر ألفها على مثال: إدراسين؛ لأن الله -تعالى ذكره- إنما أخبر عن كل موضع ذكر فيه نبيًّا من أنبيائه -صلوات الله عليهم- في هذه السورة بأنّ عليه سلامًا لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع ينبغي أن يكون على إلياس، كسلامه على غيره من أنبيائه، لا على آله، على نحو ما بينا من معنى ذلك... [وحُدِّثْنا]... عن السدي ﴿سلام على إل ياسين﴾ قال: إلياس... ، ونظير تسمية إلياس بـ﴿إل ياسين﴾: ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء﴾ [المؤمنون:٢٠]، ثم قال في موضع آخر: ﴿وطور سينين﴾ [التين:٢]، وهو موضع واحد سمي بذلك». وانتَقَدَ (١٩/٦٢١-٦٢٢) القراءتين الثانية والثالثة مستندًا إلى قراءة ابن مسعود، فقال: «وفي قراءة عبد الله بن مسعود: (سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ) دلالة واضحة على خطأ قول مَن قال: عنى بذلك: سلام على آل محمد. وفساد قراءة مَن قرأ: (وإنَّ الياسَ) بوصل النون من»إن«بـ»إلياس«، وتوجيه الألف واللام فيه إلى أنهما أدخلتا تعريفًا للاسم الذي هو»ياس«، وذلك أن عبد الله كان يقول: إلياس هو إدريس، ويقرأ: (وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ). ثم يقرأ على ذلك: (سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ) كما قرأ الآخرون: ﴿سلام على إل ياسين﴾، فلا وجه على ما ذكرنا مِن قراءة عبد الله لقراءة مَن قرأ ذلك: ‹سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ› بقطع الآل من ياسين». وانتَقَدَ ابنُ القيم (٢/٣٧٣-٣٧٤) التوجيهات الواردة على القراءتين الأولى والثانية، فقال: «هذه الأقوال كلها ضعيفة، والذي حمل قائلها عليها استشكالهم إضافة»آل«إلى»يس«، واسمه»إلياس«و»إلياسين«، ورأوها في المصحف مفصولة، وقد قرأها بعض القراء ‹آلِ ياسِينَ›، فقال طائفة منهم: له أسماء: يس، وإلياسين، وإلياس. وقالت طائفة:»يس«اسم لغيره، ثم اختلفوا، فقال الكلبي:»يس: محمد ﷺ«. وقالت طائفة:»هو القرآن«. وهذا كله تعسٌّف ظاهر لا حاجة إليه». ثم بَيَّنَ ما يراه صوابًا مستندًا إلى اللغة، فقال: «والصواب -والله أعلم- في ذلك أن أصل الكلمة ‹آلِ ياسِينَ› كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال، ودلالة الاسم على موضع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه... ولا سيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي، وتغييرها له، فيقولون مرة: إلياسين، ومرة: إلياس، ومرة: ياسين، وربما قالوا: ياس، ويكون على إحدى القراءتين قد وقع السلام عليه، وعلى القراءة الأخرى على آله»
اختُلف في معنى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ على أقوال: الأول: عاملة في النار ناصبة فيها. الثاني: عاملة في الدنيا ناصبة فيها، والآية في القِسِّيسين، وعباد الأوثان، وكلّ مَن اجتهد في كُفر. الثالث: عاملة في الدنيا ناصبة يوم القيامة. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٥٩٦) القول الثالث بقوله: «فالعمل -على هذا- هو مساعي الدنيا». ورجَّح ابنُ تيمية (٧/٥) -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية، والنظائر- القول الأول، فقال: «هذا هو الحق لوجوه: أحدها: أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه، أي: وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية، وعلى الأولى لا يتعلق إلا بقوله: ﴿تصلى﴾، ويكون قوله: ﴿خاشعة﴾ صفة للوجوه، قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي متعلّق بصفة أخرى متأخرة، والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذٍ تصلى نارًا حامية، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل؛ فالأصل إقرار الكلام على نظْمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب، ومعلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على التقديم والتأخير، بل القرينة تدل على خلاف ذلك، فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمْر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق. الوجه الثاني: أنّ الله قد ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة، فقال بعد ذلك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾، ومعلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا في الدنيا؛ إذ هذا ليس بمدح، فالواجب تشابه الكلام وتناظر القسمين، لا اختلافهما، وحينئذ فيكون الأشقياء وُصفتْ وجوههم بحالها في الآخرة. الثالث: أنّ نظير هذا التقسيم قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٥]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٨-٤٢]، وهذا كله وصفٌ للوجوه لحالها في الآخرة لا في الدنيا. الرابع: أنّ وصف الوجوه بالأعمال ليس في القرآن، وإنما في القرآن ذِكْر العلامة، كقوله: ﴿سِيمِاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقوله: ﴿ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [محمد:٣٠]، وقوله: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج:٧٢]، وذلك لأنّ العمل والنَّصَب ليس قائمًا بالوجوه فقط؛ بخلاف السيما والعلامة. الخامس: أنّ قوله: ﴿خاشِعَةً عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ لو جُعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم، فإنّ هذا إلى المدح أقرب، وغايته أنه وصفٌ مشترك بين عُبّاد المؤمنين وعُبّاد الكفار، والذم لا يكون بالوصف المشترك، ولو أُريد المختص لقيل: خاشعة للأوثان -مثلًا-، عاملة لغير الله، ناصبة في طاعة الشيطان. وليس في الكلام ما يقتضي كون هذا الوصف مختصًّا بالكفار، ولا كونه مذمومًا، وليس في القرآن ذمٌّ لهذا الوصف مطلقًا، ولا وعيد عليه، فحمْله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن. السادس: أنّ هذا الوصف مختص ببعض الكفار، ولا موجب للتخصيص، فإنّ الذين لا يتعبّدون من الكفار أكثر، وعقوبة فُسّاقهم في دينهم أشد في الدنيا والآخرة، فإنّ مَن كفَّ منهم عن المحرمات المتفق عليها، وأدّى الواجبات المتفق عليها لم تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلهًا آخر، ويقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ويَزْنُون. فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير في القسم المتروك أكثر وأكبر؛ كان هذا التخصيص عكس الواجب. السابع: أنّ هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنُّسك ابتداء، ثم إذا قُيِّد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة -وليس في الخطاب تقييد- كان هذا سعيًا في إصلاح الخطاب بما لم يُذكر فيه»
اختلف في هؤلاء الآخرين مَن هم وما هم؟ على أقوال؛ الأول: هم بنو قريظة. والثاني: من فارس. والثالث: المنافقون. والرابع: قوم من الجن. ورجَّح ابن جرير (١١/٢٤٩-٢٥٠) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية والدلالات العقلية القولَ الأخير الذي قاله ابن اليمان، وابن عباس، وسليمان بن موسى، وانتقد البقية، وذلك أن الله قال: ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم﴾، ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم؛ فالأولى أن ينصرف المعنى إلى جنس آخر من غير بني آدم لا يعلمون أماكنهم وأحوالهم. وقيل: إن صهيل الخيل يُرْهِب الجن، وإن الجنَّ لا تقرب دارًا فيها فرس. ثم قال: «فإن قال قائل: فإن المؤمنين كانوا لا يعلمون ما عليه المنافقون، فما تنكر أن يكون عُنِي بذلك المنافقون؟ قيل: فإن المنافقين لم يكن تَرُوعُهم خيل المسلمين ولا سلاحهم، وإنما كان يَرُوعُهم أن يظهر المسلمون على سرائرهم التي كانوا يستسرون من الكفر، وإنما أمر المؤمنون بإعداد القوة لإرهاب العدو، فأما من لم يرهبه ذلك، فغير داخل في معنى من أمر بإعداد ذلك له المؤمنون». وذكر ابن عطية (٤/٢٢٩) أن ما رجحه ابن جرير مُحْتَمِلٌ، ثم انتقده مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وكان الأهم في هذه الآيات أن يَبْرُزَ معناها في كل ما يُقَوّي المسلمين على عدوهم من الإنس، وهم المحاربون والذين يدافعون على الكفر، ورهبتهم من المسلمين هي النافعة للإسلام وأهله، ورهبة الجن وفزعهم لا غناء له في ظهور الإسلام، وهو أجنبي جدًّا، والأولى أن يتأول المسلمين إذا ظهروا وعَزُّوا هابَهم من جاورهم من العدو المحارب لهم، فإذا اتَّصَلَتْ حالهم تلك بمن بعد من الكفار داخلته الهيبة، وإن لم يقصد المسلمون إرهابهم، فأولئك هم الآخرون». وعلَّق على الاختلاف في قوله: ﴿وآخرين﴾ بقوله: «وهذا الخلاف إنما ينبغي أن يترتب على ما يتوجه من المعنى في قوله: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، فإذا حملنا قوله: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ على عمومه، ونفينا علم المؤمنين بهذه الفرقة المشار إليها جملة واحدة، وكان العلم بمعنى المعرفة لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، لم يثبت من الخلاف في قوله: ﴿آخَرِينَ﴾ إلا قول من قال: الإشارة إلى المنافقين، وقول من قال: الإشارة إلى الجن، وإذا جعلنا قوله: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ مُحارِبين أو نحو هذا مما تفيد به نفي العلم عنهم حسنت الأقوال، وكان العلم متعديا إلى مفعولين». ثمَّ رجَّح الاحتمال الثاني، فقال: «وهذا الوجه أشبه عندي». ولم يذكر مستندًا. ورجَّح ابنُ كثير (٩/١١٢) القول بأنهم المنافقون الذي قاله مقاتل، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مستندًا إلى القرآن، فقال: «وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ [التوبة:١٠١]». وذكر ابنُ عطية (٤/٢٢٩-٢٣٠) أنه يحسن أن يُقَدَّر قوله: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ بمعنى: لا تعلمونهم فازعين راهبين، ولا تظنون ذلك بهم، والله تعالى يعلمهم بتلك الحالة، ثم قال: «ويحسن أيضًا أن تكون الإشارة إلى المنافقين على جهة الطعن عليهم، والتنبيه على سوء حالهم، وليستريب بنفسه كل من يعلم منها نفاقًا إذا سمع الآية، ولفزعهم ورهبتهم غناء كثير في ظهور الإسلام وعلوه»