محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٤ من سورة الفتح في ٩٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الفتح

٩٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَهُوَ الّذِي كَفّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾.
يقول تعالى ذكره لرسوله ﷺ : والذين بايعوا الرضوان، وهو الذي كف أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ يعني أن الله كفّ أيدي المشركين الذين كانوا خرجوا على عسكر رسول الله ﷺ، بالحديبية يلتمسون غِرّتَهُمْ ليصيبوا منهم، فبعث رسول الله ﷺ فأتى بهم أسرى، فخلى عنهم رسول الله ﷺ، ومن عليهم ولم يقتلهم فقال الله للمؤمنين : وهو الذي كفّ أيدي هؤلاء المشركين عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة، من بعد أن أظفركم عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار ذكر الرواية بذلك :
حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال : سمعت أبي يقول : أخبرنا الحسين بن واقد، قال : ثني ثابت البناني، عن عبد الله بن مغفل، أن رسول الله ﷺ كان جالسا في أصل شجرة بالحُدَيبية، وعلى ظهره غصن من أغصان الشجرة فرفعتها عن ظهره، وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بين يديه وسهيل بن عمرو، وهو صاحب المشركين، فقال رسول الله ﷺ لعليّ :«اكْتُبْ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَن الرّحِيمِ »، فأمسك سُهَيل بيده، فقال : ما نعرف الرحمن، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال رسول الله ﷺ :«اكْتُبْ باسْمِكَ اللّهُم »، فكتب، فقال :«هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة »، فأمسك سُهيل بيده، فقال : لقد ظلمناك إن كنت رسولاً، اكتب في قضيتنا ما نعرف قال :«اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأنا رسول الله »، فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ﷺ :«هَلْ خَرَجْتُمْ فِي أمان أحَد »، قال : فخلى عنهم، قال : فأنزل الله وَهُوَ الّذِي كَفّ أيْدِيَهُم عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكّةَ منْ بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن مغفل، قال : كنا مع النبيّ ﷺ بالحُديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان غصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر النبيّ ﷺ، فرفعته عن ظهره، ثم ذكر نحو حديث محمد بن عليّ، عن أبيه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال : ثني من لا أتهم. عن عكرِمة، مولى ابن عباس، أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ، ليصيبوا من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا، فأُتي بهم رسول الله ﷺ، وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. قال ابن حميد، قال سلمة، قال ابن إسحاق : ففي ذلك قال : وَهُوَ الّذِي كَفّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ. . . الآية.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : أقبل معتمرا نبي الله ﷺ، فأخذ أصحابه ناسا من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبيّ ﷺ، فذلك الإظفار ببطن مكة.
حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال : حدثنا عبيد الله ابن عائشة، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك أن ثمانين رجلاً من أهل مكة، هبطوا على رسول الله ﷺ وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله ﷺ فأعتقهم، فأنزل الله وَهُوَ الّذِي كَفّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ. . . إلى آخر الآية.
وكان قتادة يقول في ذلك ما :
حدثنا به بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَهُوَ الّذِي كَفّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ. . . الآية، قال : بطن مكة الحديبية يقال له رهم : اطلع الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلاً، فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار، فقال لهم نبيّ الله ﷺ :«هل لكم عليّ عهد ؟ هل لكم عليّ ذمة »، قالوا : لا فأرسلهم، فأنزل الله في ذلك القرآن وَهُوَ الّذِي كَفّ أيْدِيَهُم عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ. . . إلى قوله : بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرا.
وقال آخرون في ذلك ما :
حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القُمّيّ، عن جعفر، عن ابن أبزي، قال : لما خرج النبيّ ﷺ بالهدي، وانتهى إلى ذي الحليفة، قال له عمر : يا نبيّ الله، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع، قال : فبعث إلى المدينة فلم يدع بها كراعا ولا سلاحا إلا حمله فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى، فأتاه عينه أن عكرِمة بن أبي جهل قد خرج علينا في خمس مئة، فقال لخالد بن الوليد :«يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل »، فقال خالد : أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذٍ سُمي سيف الله، يا رسول الله، ارم بي حيث شئت، فبعثه على خيل، فلقي عكرِمة في الشّعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله وَهُوَ الّذي كَفّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ. . . إلى قوله عَذَابا أليما قال : فكفّ الله النبيّ عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية أن تطأهم الخيل بغير علم.
وقوله : وكانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرا يقول تعالى ذكره : وكان الله بأعمالكم وأعمالهم بصيرا لا يخفى عليه منها شيء.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾
يقول تعالى ذكره لرسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: والذين بايعوا بيعة الرضوان: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) يعني أن الله كفّ أيدي المشركين الذين كانوا خرجوا على عسكر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، بالحديبية يلتمسون غِرَّتَهُمْ ليصيبوا منهم، فبعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأتى بهم أسرى، فخلى عنهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ومنّ عليهم ولم يقتلهم فقال الله للمؤمنين: وهو الذي كفّ أيدي هؤلاء المشركين عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة، من بعد أن أظفركم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار
* ذكر الرواية بذلك:
حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثني ثابت البناني، عن عبد الله بن مغفل، أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان جالسا في أصل شجرة بالحُدَيبية، وعلى ظهره غصن من أغصان الشجرة فرفعتها عن ظهره، وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بين يديه وسهيل بن عمرو، وهو صاحب المشركين، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لعليّ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فأمسك سُهَيل بيده، فقال: ما نعرف الرحمن، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال رسول الله: اكْتُبْ باسْمِكَ اللَّهُم، فكتب، فقال: هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة، فأمسك سُهَيل بيده، فقال: لقد ظلمناك إن كنت رسولا اكتب في قضيتنا ما نعرف قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأنا رسول الله، فخرج علينا ثلاثون شابا
عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هَلْ خرَجْتُم فِي أمان أحَدٍ، قال: فخلى عنهم، قال: فأنزل الله (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن مغفل، قال: كنا مع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحُديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان غصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فرفعته عن ظهره، ثم ذكر نحو حديث محمد بن عليّ، عن أبيه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: ثني من لا أتهم - عن عكرمة، مولى ابن عباس، أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ليصيبوا من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا، فأُتي بهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فعفا عنهم، وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحجارة والنبل. قال ابن حميد، قال سلمة، قال ابن إسحاق: ففي ذلك قال (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ)... الآية.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أقبل معتمرا نبيّ الله، فأخذ أصحابه ناسا من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فذلك الإظفار ببطن مكة.
حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا عبيد الله ابن عائشة، قال: ثنا
حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهل مكة، هبطوا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأعتقهم، فأنزل الله (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ)... إلى آخر الآية.
وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ)... الآية، قال: بطن مكة الحديبية (١) يقال له رهم: اطلع الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خيلا فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار، فقال لهم نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هل لكم عليّ عهد؟ هل لكم عليّ ذمة، قالوا: لا فأرسلهم، فأنزل الله في ذلك القرآن (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ)... إلى قوله (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).
وقال آخرون في ذلك: ما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّيّ، عن جعفر، عن ابن أبزى، قال: لما خرج النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالهدي، وانتهى إلى ذي الحليفة، قال له عمر: يا نبيّ الله، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع، قال: فبعث إلى المدينة فلم يدع بها كراعا ولا سلاحا إلا حمله; فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى، فنزل بمِنى، فأتاه عينه أن عكرِمة بن أبي جهل قد خرج علينا في خمس مئة، فقال لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي سيف الله، يا رسول الله، ارم بي حيث شئت، فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان
(١) لعل فيه سقطا. وفي ابن كثير عن قتادة: " ذكر لنا أن رجلا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية إلخ ".

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب

[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)
قَالَ مُجَاهِدٌ في قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها هِيَ جَمِيعُ الْمَغَانِمِ إِلَى الْيَوْمِ فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يَعْنِي فَتْحَ خَيْبَرَ، وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يَعْنِي صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ «١» وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أَيْ لَمْ يَنَلْكُمْ سُوءٌ مِمَّا كَانَ أَعْدَاؤُكُمْ أَضْمَرُوهُ لَكُمْ مِنَ الْمُحَارَبَةِ وَالْقِتَالِ، وَكَذَلِكَ كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ الَّذِينَ خلفتموهم وراء ظهوركم عَنْ عِيَالِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ يعتبرون بذلك، فأن الله تعالى حَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَعْدَاءِ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وَلِيَعْلَمُوا بِصَنِيعِ اللَّهِ هَذَا بِهِمْ أَنَّهُ العالم بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَأَنَّ الْخِيَرَةَ فِيمَا يَخْتَارُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كِرِهُوهُ فِي الظَّاهِرِ كَمَا قَالَ عز وجل وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [الْبَقَرَةِ: ٢١٦] وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أَيْ بِسَبَبِ انْقِيَادِكُمْ لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله تبارك وتعالى: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً أَيْ وَغَنِيمَةً أُخْرَى وَفَتْحًا آخَرَ مُعَيَّنًا لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، قَدْ يَسَّرَهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَأَحَاطَ بِهَا لَكُمْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَرْزُقُ عِبَادَهُ الْمُتَّقِينَ لَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْغَنِيمَةِ مَا الْمُرَادُ بها فقال الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هي خيبر، وهذا على قوله عز وجل: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ إِنَّهَا صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَالَهُ الضَّحَّاكُ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَكَّةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «٢»، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هِيَ فَارِسُ وَالرُّومُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ كُلُّ فَتْحٍ وَغَنِيمَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ الحنفي عن ابن عباس رضي الله عنهما وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها قَالَ: هَذِهِ الْفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ إِلَى اليوم.
وقوله تعالى: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يقول عز وجل مُبَشِّرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَنَّهُ لَوْ نَاجَزَهُمُ الْمُشْرِكُونَ لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولا نهزم جيش الكفر فَارًّا مُدْبِرًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِحِزْبِهِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قال تبارك وتعالى: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أَيْ هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ وَعَادَتُهُ فِي خَلْقِهِ، مَا تَقَابَلَ الكفر والإيمان في موطن إلا نصر الله
(١) انظر تفسير الطبري ١١/ ٣٥١.
(٢) تفسير الطبري ١١/ ٣٥٣.
الْإِيمَانُ عَلَى الْكُفْرِ فَرَفَعَ الْحَقَّ وَوَضَعَ الْبَاطِلَ، كَمَا فَعَلَ تَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَعُدَدِهِمْ وَكَثْرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَعُدَدِهِمْ.
وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً هَذَا امْتِنَانٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ كَفَّ أَيْدِيَ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ سوء، وكف أيدي المؤمنين عن الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بَلْ صَانَ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَأَوْجَدَ بَيْنَهُمْ صُلْحًا فيه خير لِلْمُؤْمِنِينَ وَعَاقِبَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ تقدم في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه حين جاءوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوقفوهم بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فنظر إليهم فقال: «أَرْسِلُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ». قَالَ وفي ذلك أنزل اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ هَبَطَ عَلَى رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة بالسلاح، مِنْ قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَأُخِذُوا. قَالَ عَفَّانُ: فَعَفَا عَنْهُمْ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ «٢» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا مِنْ طُرُقٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ «٣» أَيْضًا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، وَكَانَ يَقَعُ مِنْ أَغْصَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيَّ بْنُ أَبِي طالب رضي الله عنه. وسهيل بْنُ عَمْرٍو بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي رضي الله عنه:
«اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فأخذ سهيل بِيَدِهِ وَقَالَ: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ، اكْتُبْ في قضيتنا ما نعرف فقال: «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ- وَكَتَبَ- هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَهْلَ مَكَّةَ» فَأَمْسَكَ سهيل بْنُ عَمْرٍو بِيَدِهِ وَقَالَ: لَقَدْ ظَلَمْنَاكَ إِنْ كُنْتَ رَسُولَهُ اكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرِفُ فَقَالَ اكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلَاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، فَثَارُوا فِي وُجُوهِنَا فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخذ الله تعالى بِأَسْمَاعِهِمْ فَقُمْنَا إِلَيْهِمْ فَأَخَذْنَاهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ جِئْتُمْ فِي عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحدا أمانا؟»
(١) المسند ٣/ ١٢٢، ١٢٤، ١٢٥، ٢٩٠.
(٢) أخرجه مسلم في الجهاد حديث ١٣٣، وأبو داود في الجهاد باب ١٢٠، والترمذي في تفسير سورة ٤٨ باب ٣. [.....]
(٣) المسند ٤/ ٨٦، ٨٧.
فقالوا: لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً الآية رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ عَنِ ابْنِ أَبْزَى قَالَ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَدْيِ وَانْتَهَى إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ قال له عمر رضي الله عنه: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، تَدْخُلُ عَلَى قَوْمٍ لَكَ حَرْبٌ بِغَيْرِ سِلَاحٍ وَلَا كُرَاعٍ؟ قَالَ: فَبَعَثَ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَدَعْ فِيهَا كُرَاعًا وَلَا سِلَاحًا إِلَّا حَمَلَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ مَنَعُوهُ أَنْ يَدْخُلَ فَسَارَ حَتَّى أَتَى مِنًى، فَنَزَلَ بِمِنًى فَأَتَاهُ عَيْنُهُ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ قَدْ خَرَجَ عَلَيْكَ فِي خَمْسِمِائَةٍ، فقال لخالد بن الوليد رضي الله عنه: «يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل» فقال خالد رضي الله عنه: أَنَا سَيْفُ اللَّهِ وَسَيْفُ رَسُولِهِ، فَيَوْمَئِذَ سُمِّيَ سيف الله، فقال: يا رسول الله ابعثني أَيْنَ شِئْتَ، فَبَعَثَهُ عَلَى خَيْلٍ فَلَقِيَ عِكْرِمَةَ فِي الشِّعْبِ فَهَزَمَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ حِيطَانَ مَكَّةَ، ثُمَّ عَادَ فِي الثَّانِيَةِ فَهَزَمَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ حِيطَانَ مَكَّةَ، ثُمَّ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ فَهَزَمَهُ حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ- إلى قوله تعالى- عَذاباً أَلِيماً قال فكف الله عز وجل النبي ﷺ عَنْهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَهُ عَلَيْهِمْ لِبَقَايَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا بَقُوا فِيهَا كَرَاهِيَةَ أَنْ تَطَأَهُمُ الْخَيْلُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ أَبْزَى بِنَحْوِهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، لأن خالدا رضي الله عنه لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَلْ قَدْ كَانَ طَلِيعَةَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُمْ قاضوه على أن يأتي في الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَعْتَمِرَ، وَيُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ولما قدم ﷺ لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه.
فإذا قِيلَ: فَيَكُونُ يَوْمَ الْفَتْحِ؟ فَالْجَوَابُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْفَتْحِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسُقْ عَامَ الْفَتْحِ هَدْيًا، وَإِنَّمَا جَاءَ مُحَارِبًا مُقَاتِلًا فِي جَيْشٍ عَرَمْرَمٍ، فَهَذَا السِّيَاقُ فِيهِ خَلَلٌ وقد وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ فَلْيُتَأَمَّلْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عكرمة مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ خَمْسِينَ، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يَطِيفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصِيبُوا مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا فَأُخِذُوا أَخْذًا، فَأُتِيَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَفَا عَنْهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا رَمَوْا إِلَى عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجَارَةِ وَالنَّبْلِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى:
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ الْآيَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ زُنَيْمٍ اطَّلَعَ عَلَى الثَّنِيَّةِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَرَمَاهُ الْمُشْرِكُونَ بِسَهْمٍ فَقَتَلُوهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا
(١) تفسير الطبري ١١/ ٣٥٦.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٢٤-٢٥ } ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
يقول تعالى ممتنا على عباده بالعافية، من شر الكفار ومن قتالهم، فقال :﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي : أهل مكة ﴿عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي : من بعد ما قدرتم عليهم، وصاروا تحت ولايتكم بلا عقد ولا عهد، وهم نحو ثمانين رجلا، انحدروا على المسلمين ليصيبوا منهم غرة، فوجدوا المسلمين منتبهين فأمسكوهم، فتركوهم ولم يقتلوهم، رحمة من الله بالمؤمنين إذ لم يقتلوهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ فيجازي كل عامل بعمله، ويدبركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٤-٢٥} ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
يقول تعالى ممتنا على عباده بالعافية، من شر الكفار ومن قتالهم، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: أهل مكة ﴿عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: من بعد ما قدرتم عليهم، وصاروا تحت ولايتكم بلا عقد ولا عهد، وهم نحو ثمانين رجلا انحدروا على المسلمين ليصيبوا منهم غرة، فوجدوا المسلمين منتبهين فأمسكوهم، فتركوهم ولم يقتلوهم، رحمة من الله بالمؤمنين إذ لم يقتلوهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ فيجازي كل عامل بعمله، ويدبركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن.
ثم ذكر تعالى الأمور المهيجة على قتال المشركين، وهي كفرهم بالله ورسوله، وصدهم رسول الله ومن معه من المؤمنين، أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة، وهم الذين أيضا صدوا ﴿الهدي مَعْكُوفًا﴾ أي: محبوسا ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ وهو محل ذبحه وهو مكة، فمنعوه من الوصول إليه ظلما وعدوانا، وكل هذه أمور موجبة وداعية إلى قتالهم، ولكن ثم مانع وهو: وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين، وليسوا متميزين بمحلة أو مكان يمكن أن لا ينالهم أذى، فلولا هؤلاء الرجال المؤمنون، والنساء المؤمنات، الذين لا يعلمهم المسلمون أن تطأوهم، أي: خشية أن تطأوهم ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والمعرة: ما يدخل تحت قتالهم، من نيلهم بالأذى والمكروه، وفائدة أخروية، وهو: أنه ليدخل في رحمته من يشاء فيمن عليهم بالإيمان بعد الكفر، وبالهدى بعد الضلال، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب.
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو زالوا من بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بأن نبيح لكم قتالهم، ونأذن فيه، وننصركم عليهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِبَطْنِ مَكَّةَ
بِالحُدَيْبِيَةِ قُرْبَ مَكَّةَ.
أَظْفَرَكُمْ
أَقْدَرَكُمْ عَلَيْهِمْ؛ فَأَمْسَكْتُمْ بِهِمْ، وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا.

إعراب الآية ٢٤ من سورة الفتح

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢١]

وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١)
وَأُخْرى في موضع نصب أي وعدكم أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها أي علم أنها ستكون.

[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٢]

وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢)
وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ عن ابن عباس والحسن أيضا أنه في عيينة وعوف.

[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٣]

سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣)
سُنَّةَ اللَّهِ مصدر لأن معنى لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ سنّ الله عزّ وجلّ ذلك. قال أبو إسحاق: ويجوز «سنّة الله» بالرفع أي تلك سنة الله.

[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٤ الى ٢٥]

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥)
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ رويت فيه روايات فمن أحسنها أنه في يوم فتح مكّة كفّ الله جلّ وعزّ أيدي الكفار بالرعب الذي ألقاه في قلوبهم وكفّ أيدي المؤمنين بأنه لم يأمرهم بقتالهم يدلّ على هذا قوله عزّ وجلّ: بِبَطْنِ مَكَّةَ ولم تنصرف مكة لأنها معرفة اسم للمؤنث ثم بيّن جلّ وعزّ أنه لم يترك أمرهم بقتالهم لأنهم مؤمنون وأخبر أنّهم كفار فقال: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ معطوف على الكاف والميم وصدّوا الهدي مَعْكُوفاً على الحال. أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ «أن» في موضع نصب أي عن أن يبلغ محلّه ثم بيّن جلّ وعزّ لم لم يأمرهم بقتالهم فقال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ «أن» في موضع رفع بدل والمعنى ولولا أن تطئوهم أي تقتلوهم بالوطء، وقيل: لأذن لكم في دخول مكة ولكنه حال بينكم وبين ذلك لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ من أهل مكة بالوطء، وقيل: المعنى أنّ الله سبحانه علم أنّ هؤلاء الكفّار من يسلم ومن يولد له من يسلم فلم يأمر بقتلهم ويقال: إنّ على هذا نهى الله جلّ وعزّ عن قتل أهل الكتاب إذا أدّوا الجزية قال الله جلّ وعزّ: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ. فأما معنى فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ فقيل لئلا يقتل المسلمون خطأ فتؤخذ الديات وقيل: معرّة أي عيب فيقال: لم يتقوا إذ قتلوا أهل دينهم قال الله سبحانه: لَوْ تَزَيَّلُوا
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٤ من سورة الفتح

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية. [٢٤].
أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرنا مسلم، قال: حدَّثني عمرو الناقد، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال: حدَّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس:
أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التَّنْعِيم متسلحين يريدون غِرَّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم أسراء، فاستحياهم وأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾.
وقال عبد الله بن مغفل المُزَني: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحُدَيْبِيَة في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله تعالى بأبصارهم وقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل جئتم في عهد أحد؟ وهل جعل لكم أحد أماناً؟ فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية.

القراءات في الآية ٢٤ من سورة الفتح

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

تَعْمَلُونَ

(تَعْمَلُونَ) بالتاء

رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر روح عن يعقوب قنبل عن ابن كثير إسحاق عن خلف البزي عن ابن كثير ورش عن نافع إدريس عن خلف

(يَعْمَلُونَ) بالياء

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

عَلَيْهِمْ

(عَلَيْهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

(عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

حفص عن عاصم إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية، وتفسيرها

١٢ قولًا
١
عن عبد الله بن مُغفَّل -من طريق ثابت- قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع مِن أغصان تلك الشجرة على ظهْر رسول الله ﷺ، وعلي بن أبي طالب وسُهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ لِعَليٍّ: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فأخذ سُهيل بيده، قال: ما نعرف الرحمن ولا الرحيم، اكتب في قضيّتنا ما نعرف. قال: «اكتب: باسمك اللهم». وكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة. فأمسك سُهيل بيده، وقال: لقد ظلمناك إن كنتَ رسوله، اكتب في قضيّتنا ما نعرف. فقال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله». فبَيْنا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسولُ الله ﷺ، فأخذ الله بأسماعهم -ولفظ الحاكم: بأبصارهم-، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «هل جئتم في عَهد أحد -أو هل جعل لكم أحد أمانًا-؟». فقالوا: لا. فخَلّى سبيلهم؛ فأنزل الله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٧‏/‏٣٥٤-٣٥٥ (١٦٨٠٠)، والنسائي في الكبرى ١٠‏/‏٢٦٥ (١١٤٤٧)، والحاكم ٢‏/‏٥٠٠ (٣٧١٦) بنحوه، وابن جرير ٢١‏/‏٢٨٨-٢٨٩. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏١٤٥ (١٠١٨٢): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح».
٢
عن سَلَمة بن الأكْوع -من طريق ابنه إياس- قال: قَدمنا الحُدَيبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، ثم إنّ المشركين مِن أهل مكة راسلونا في الصُّلح، فلمّا اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيتُ شجرةً، فاضطجعتُ في ظلها، فأتاني أربعةٌ مِن مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ، فأبغضتُهم، وتحوّلتُ إلى شجرة أخرى، فعلّقوا سلاحهم، واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قُتِل ابن زنيم. فاخَترَطتُ سيفي، فاشتددتُ على أولئك الأربعة وهم رُقود، فأخذتُ سلاحهم، وجعلتُه في يدي، ثم قلتُ: والذي كرَّم وجه محمد، لا يرفع أحدٌ منكم رأسَه إلا ضربتُ الذي فيه عيناه. ثم جئتُ بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ، وجاء عمّي عامر برجل مِن العَبَلات١ -يقال له: مِكْرَز- من المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ، وقال: «دَعُوهم؛ يكون لهم بدء الفجور وثِناه٢». فعفا عنهم رسول الله ﷺ، وأنزل الله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾٣
التخريج
  1. ١العَبَلات –بالتحريك-: اسْمُ أُميَّة الصغرى من قريش. النهاية (عبهل).
  2. ٢أي: أوله وآخِره. النهاية (بدأ)، (ثنا).
  3. ٣أخرجه مسلم ٣‏/‏١٤٣٣-١٤٤٠ (١٨٠٧) مطولًا.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: إنّ قريشًا كانوا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يُطِيفوا بعسكر رسول الله عام الحُدَيبية ليصيبوا مَن أصحابه أحدًا، وأُخِذوا أخْذًا، فأُتي بهم رسول الله ﷺ، فعفا عنهم، وخَلّى سبيلهم، وقد كانوا يرمون عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنَّبل؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ٢‏/‏٣١٤-، وابن جرير ٢١‏/‏٢٨٩، والثعلبي ٩‏/‏٥٤، عن ابن إسحاق قال: حدّثني من لا أتهم عن عكرمة، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف؛ لإبهام شيخ ابن إسحاق، وجهالة حاله.
٤
عن أنس بن مالك -من طريق ثابت- قال: لَمّا كان يوم الحُدَيبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا مِن أهل مكة في السّلاح مِن قِبَل جبل التّنعيم، يريدون غِرَّة رسول الله ﷺ، فدعا عليهم، فأُخذوا، فعفا عنهم؛ فنزلت هذه الآية: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم (١٨٠٨)، وابن أبي شيبة ١٤‏/‏٤٩٢، وأحمد ١٩‏/‏٢٥٨، ٢١‏/‏٤٦٥ (١٢٢٢٧، ١٤٠٩٠)، وعبد بن حميد (١٢٠٦-منتخب)، وأبو داود (٢٦٨٨)، والترمذي (٣٢٦٤)، والنسائي في الكبرى (١١٥١٠)، وابن جرير ٢١‏/‏٢٨٧، والبيهقي في الدلائل ٤‏/‏١٤١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
٥
عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومروان بن الحكم -من طريق عروة بن الزبير- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحُدَيبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحُلَيْفة قلّد رسول الله ﷺ الهَدْي وأَشْعَرَه، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له مِن خُزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول الله ﷺ، حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبًا من عُسفان أتاه عينُه الخُزاعي، فقال: إنِّي قد تركتُ كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: «أشيروا عَلَيَّ؛ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا مَوتورين مَحْزونين، وإن نَجَوا تكن عُنقًا قطعها الله، أم ترون أن نؤُمّ البيت؛ فمَن صدَّنا عنه قاتلناه؟». فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، يا رسول الله، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبيُّ ﷺ: «فروحوا إذن». فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبيُّ ﷺ: «إنّ خالد بن الوليد بالغميم، في خيلٍ لقريش طليعة١؛ فخذوا ذات اليمين». فواللهِ، ما شعر بهم خالد، حتى إذا هو بقَتَرَة٢ الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبيُّ ﷺ، حتى إذا كان بالثَّنيّة التي يهبط عليهم منها برَكت به راحلته، فقال النبيُّ ﷺ: «حلْ حلْ٣». فألحّتْ٤ فقالوا: خَلَأتِ٥ القَصْواء٦. فقال النبيُّ ﷺ: «ما خَلَأتِ القصواء، وما ذاك لها بُخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطّةً يُعظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهم إياها». ثم زجرها، فوثبتْ به، فعدل بهم، حتى نزل بأقصى الحُدَيبية على ثَمَدٍ قليل الماء٧ إنما يتَبَرّضُه الناس تَبَرُّضًا٨، فلم يلبثه الناس أنْ نَزحوه، فشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا مِن كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فواللهِ، ما زال يجيش لهم بالرِّيّ حتى صَدَروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بديلُ بن ورقاء الخُزاعيّ في نَفرٍ من قومه مِن خُزاعة، وكانوا عَيْبَة نُصْحِ٩ رسول الله ﷺ مِن أهل تِهامة، فقال: إني تركتُ كعب بن لؤيّ، وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد١٠ مياه الحُدَيبية، معهم العُوذُ المطافيل١١، وهم مُقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ: «إنّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشًا قد نَهِكَتهم الحرب، وأضَرّتْ بهم، فإن شاءوا مادَدْتُهم مُدّة ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظْهر فإن شاءوا أن يَدْخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا١٢، وإنْ هُم أبَوا -فوالذي نفسي بيده- لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالِفَتي١٣، أو ليُنفِذَنّ الله أمره». فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلَق حتى أتى قريشًا، فقال: إنّا قد جئناكم مِن عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تُحدّثنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول. قال: سمعتُه يقول كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال رسول الله ﷺ، فقام عُروة بن مسعود الثَّقَفيّ، فقال: أيْ قومِ، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. قال: أوَلستُ بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنّي استَنفرتُ أهلَ عكاظ، فلمّا بلَّحُوا١٤ عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومَن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا قد عرض عليكم خُطّة رُشْدٍ؛ فاقبلوها، ودَعُوني آتِه. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يُكلّم النَّبِيّ ﷺ، فقال له النَّبِيّ ﷺ نحوًا مِن قوله لبُدَيل، فقال عُروة عند ذلك: أي محمد، أرأيتَ إن استأْصلْتَ قومك، هل سمعتَ أحدًا مِن العرب اجتاح أهلَه قبلك؟! وإن تكن الأخرى -فواللهِ- إني لأرى وجوهًا وأرى أشْوابًا١٥ من الناس خَليقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوك. فقال له أبو بكر: امْصُص بَظَر١٦ اللّات، أنحن نَفِرّ عنه ونَدَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قال: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لكَ عندي لم أجْزِك بها لأجبْتُك. قال: وجعل يُكلّم النبيَّ ﷺ، فكُلّما كَلّمه أخذ بلحيته، والمُغيرة بن شُعبة قائم على رأس النبيّ ﷺ ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فكُلّما أهوى عروةُ بيده إلى لحية النبيّ ﷺ ضَرب المُغيرة يده بنَعل السيف، وقال: أخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عُروة رأسه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: المُغيرة بن شُعبة. فقال: أي غُدَر، ألستُ أسعى في غَدْرَتك؟! وكان المُغيرة صَحِب قومًا في الجاهلية، فقتَلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبيُّ ﷺ: «أمّا الإسلام فأقبل، وأمّا المال فلستُ منه في شيء». ثم إنّ عُروة جعل يَرمُق أصحاب النَّبِيّ ﷺ بعينيه. فقال: فواللهِ، ما تنخَّم رسول الله ﷺ نُخامة إلا وقعتْ في كفّ رجل منهم، فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمْره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضُوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النّظر تعظيمًا له. فرجع عُروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، واللهِ، لقد وفدتُ على الملوك، ووفدتُ على قَيْصر وكِسْرى والنَّجاشي، واللهِ، إن رأيتُ مَلِكًا قطّ يُعظِّمه أصحابه ما يُعظّم أصحابُ محمدٍ محمدًا، واللهِ، إن يَتنَخّم نُخامة إلا وقعتْ في كفّ رجل منهم، فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضُوئه، وإذا تكلَّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النَّظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خُطّة رُشْدٍ، فاقبلوها. فقال رجل مِن بني كنانة: دعوني آتِه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النَّبِيّ ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ: «هذا فلان، وهو من قوم يُعظِّمون البُدْن، فابعثوها له». فبُعِثتْ له، واستقبله القوم يُلَبُّون، فلمّا رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْن قد قُلِّدتْ وأُشْعِرتْ، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت. فقام رجل يُقال له: مِكْرَز بن حفص. فقال: دعوني آتِه. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النَّبِيّ ﷺ: «هذا مِكْرَز، وهو رجل فاجر». فجعل يُكلّم النَّبِيّ ﷺ، فبينما هو يُكلّمه إذ جاء سُهيل بن عمرو، فقال النَّبِيُّ ﷺ: «قد سَهُل لكم مِن أمركم». فجاء سُهَيل، فقال: هاتِ اكتبْ بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتب، فقال رسول الله ﷺ: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». قال سُهيل: أما الرحمن، فواللهِ، ما أدري، ما هي؟ ولكن اكتب: باسمك، اللهم؛ كما كنتَ تكتب. فقال المسلمون: واللهِ، ما نكتبها إلا: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النَّبِيُّ ﷺ: «اكتب: باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله». فقال سُهيل: واللهِ، لو كُنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبيُّ ﷺ: «واللهِ، إني لَرسول الله وإن كذَّبتموني، اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله». -قال الزُّهريّ: وذلك لقوله: «لا يسألوني خُطّة يُعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهم إياها»- فقال النَّبِيّ ﷺ: «على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت، فنطوف به». قال سُهيل: واللهِ، لا تتحدث العرب أنّا أُخِذنا ضُغْطة١٧، ولكن لك مِن العام المقبل. فكتب، فقال سُهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل، وإنْ كان على دينك، إلا رددّته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟! فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سُهيل بن عمرو يَرْسُفُ١٨ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سُهيل: هذا -يا محمد- أول مَن أقاضيك عليه أن تَرُدّ إلَيَّ. فقال النَّبِيّ ﷺ: «إنّا لم نقضِ الكتاب بعد». قال: فواللهِ، لا أصالحك على شيء أبدًا. قال النَّبِيّ ﷺ: «فأَجِزْه لي». قال: ما أنا بمجيزه. قال: «بلى، فافعل». قال: ما أنا بفاعل. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا؟! ألا ترون ما لقيتُ في الله؟! وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله، فقال عمر بن الخطاب: واللهِ، ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ، فأتيتُ النَّبِيَّ ﷺ، فقلت: ألستَ نبي الله حقًّا؟ قال: «بلى». فقلتُ: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: «بلى». قلت: فلِمَ نُعطي الدَّنيّة في ديننا إذن؟ قال: «إني رسول الله، ولستُ أعْصِيه، وهو ناصري». قلتُ: أوَليس كنتَ تُحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتُك أنك تأتيه العام؟». قلتُ: لا. قال: «فإنك آتيه، ومُطوِّف به». فأتيتُ أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلِمَ نعطي الدَّنِيّة في ديننا إذن؟! قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربَّه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه تفُز حتى تموت، فواللهِ، إنّه لعلى الحق. قلتُ: أوليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت، ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبَرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه، ومُطوِّف به. قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا، فانحروا، ثم احلِقوا». فواللهِ، ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقُم منهم أحد قام فدخل على أُمّ سَلَمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أُمّ سَلَمة: يا نبي الله، أتحبّ ذلك؟ قال: «نعم». قالت: فاخرج، ثم لا تُكلّم أحدًا منهم حتى تَنحر بُدنك، وتدعو حالِقك فيحلِقك. فقام النبيُّ ﷺ، فخرج، فلم يُكلّم أحدًا منهم كلمة حتى فعل ذلك؛ نَحر بُدنه، ودعا بحالِقه فحلَقه، فلمّا رأَوا ذلك قاموا فنَحَروا، وجعل بعضهم يحلِق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتُل بعضًا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، فطلَّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أُميّة، ثم رجع النَّبِيّ ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بَصير -رجل من قريش- وهو مُسلم، فأَرسلوا في طَلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلتَه لنا! فدفعه النَّبِيّ ﷺ إلى الرّجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحُلَيفة، فنزلوا يأكلون مِن تمْرٍ لهم، فقال أبو بَصير لأحد الرّجلين: واللهِ، إنِّي لأرى سيفك هذا -يا فلان- جيِّدًا. فاستلّه الآخر، وقال: أجَلْ، واللهِ، إنّه لَجَيِّد، لقد جَرَّبتُ به وجَرَّبتُ. فقال له أبو بَصير: أرِني أنظر إليه. فأمْكَنه منه، فضربه حتى بَرَدَ١٩، وفَرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدُو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعرًا». فلما انتهى إلى النَّبِيّ ﷺ قال: قد قُتل -واللهِ- صاحبي، وإنِّي لمقتول. فجاء أبو بَصير، فقال: يا نبي الله، قد أوفى الله بذِمّتك، قد رَدَدتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. فقال النَّبِيُّ ﷺ: «ويْلُ أُمِّهِ٢٠، مِسْعَر حربٍ لو كان له أحد!». فلمّا سمع ذلك عرف أنه سيردّه إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر٢١. قال: وينفَلِتُ منهم أبو جندل، فلحِق بأبي بصير، فجعل لا يخرج رجلٌ مِن قريش رجل قد أسلم إلا لحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، قال: فواللهِ، ما يسمعون بِعِيرٍ لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلتْ قريش إلى النبِيّ ﷺ تُناشده اللهَ والرَّحِم لَما أرسل إليهم، فمَن أتاه منهم فهو آمن. فأرسَل إليهم النَّبِيُّ ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٤-٢٦]، وكانت حَمِيّتهم أنهم لم يُقِرّوا أنّه نبيُّ الله، ولم يقروا بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، وحالوا بينه وبين البيت٢٢
التخريج
  1. ١الطليعة: مقدمة الجيش. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٥.
  2. ٢قترة الجيش: غبرته. النهاية (قتر).
  3. ٣حل حل -بفتح المهملة وسكون اللام-: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٥.
  4. ٤أي: لَزِمتْ مكانها. النهاية (لحح).
  5. ٥خَلأَتِ الناقة: بَرَكَت، أو حَرَنَت من غير علة. وقيل: إذا لم تَبْرَحْ مكانها. لسان العرب (خلأ).
  6. ٦القصواء: لقب ناقة رسول الله ﷺ. النهاية (قصا).
  7. ٧ثمد -بفتح المثلثة والميم-: حفيرة فيها ماء مثمود، أي: قليل، وقوله: قليل الماء. تأكيد لدفع توهم أن يراد لغة من يقول: إن الثمد الماء الكثير. وقيل: الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء ويذهب في الصيف. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٦-٣٣٧.
  8. ٨التربض: هو الأخذ قليلًا قليلًا، والبَرْضُ: اليسير من العطاء، وقال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٧.
  9. ٩العيبة: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي: أنهم موضع النصح له والأمانة على سره. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٧.
  10. ١٠الأعداد: جمع عِدّ، وهو الماء الذي لا انقطاع له. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٨.
  11. ١١العوذ -بضم المهملة وسكون الواو-: جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن. والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها. فتح الباري ٥‏/‏٣٨٨.
  12. ١٢أي: استراحوا وقووا. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٨.
  13. ١٣السالفة: صفحة العنق، وكني بذلك عن القتل؛ لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٨.
  14. ١٤بلحوا: امتنعوا. فتح الباري ٥‏/‏٣٣٩.
  15. ١٥الأشواب: الأخلاط من أنواع شتى. فتح الباري ٥‏/‏٣٤٠.
  16. ١٦البظر: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. فتح الباري ٥‏/‏٣٤٠.
  17. ١٧ضُغطة: أي: قهرًا. فتح الباري ٥‏/‏٣٤٣.
  18. ١٨يرسف: يمشي مشيًا بطيئًا بسبب القيد. فتح الباري ٥‏/‏٣٤٤.
  19. ١٩برد: خمدت حواسه، وهي كناية عن الموت؛ لأن الميت تسكن حركته، وأصل البرد: السكون. فتح الباري ٥‏/‏٣٤٩.
  20. ٢٠ويلُ أمِّه: كلمة ذم تقولها العرب في المدح ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم. فتح الباري ٥‏/‏٣٥٠.
  21. ٢١سيف البحر: ساحله. فتح الباري ٥‏/‏٣٥٠.
  22. ٢٢أخرجه البخاري ٣‏/‏١٩٣-١٩٧ (٢٧٣١، ٢٧٣٢)، ٥‏/‏١٢٦-١٢٧ (٤١٧٨-٤١٨٢)، وابن جرير ٢١‏/‏٢٩٦-٣٠٤. وأورده الثعلبي ٩‏/‏٥٥-٥٦.
٦
عن ابن أبْزى -من طريق جعفر- قال: لَمّا خرج النَّبِيّ ﷺ بالهَدْي، وانتهى إلى ذي الحُلَيفة؛ قال له عمر: يا نبي الله، تدخل على قومٍ لك حربٌ بغير سلاح ولا كُراع! فبعث إلى المدينة، فلم يَدَعْ فيها سلاحًا ولا كُراعًا إلا حَمَله، فلمّا دنا من مكة منعُوه أن يدخُل، فسار حتى أتى مِنًى، فنزل بمِنًى، فأتاه عينُه أنّ عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: «يا خالد، هذا ابنُ عمك قد أتاك في الخيل». فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله -فيومئذ سُمّي: سيف الله-، يا رسول الله، ارم بي أين شئت. فبعثه على خيلٍ، فلقيه عكرمة في الشِّعب، فهَزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية، فهَزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة، فهَزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية. قال: فكفّ الله النَّبِيّ عنهم من بعد أنْ أظْفره عليهم؛ لبقايا من المسلمين كانوا بَقُوا فيها؛ كراهية أن تَطأهم الخيل١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٢٩١، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٣٢٤-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ كثير (١٣/١١٠) -مستندًا إلى دلالة التاريخ، والدلالة العقلية- هذا الأثر قائلًا: «وهذا السياق فيه نظر؛ فإنه لا يجوز أن يكون عام الحُدَيبية؛ لأنّ خالدًا لم يكن أسلم، بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح. ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء؛ لأنهم قاضوه على أن يأتي من العام المقبل فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، فلما قدم لم يمانعوه، ولا حاربوه ولا قاتلوه. فإن قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح؛ لأنه لم يَسُقْ عام الفتح هديًا، وإنما جاء محاربًا مقاتلًا في جيش عَرَمْرَمْ، فهذا السياق فيه خلل، قد وقع فيه شيء فليتأمل».
٧
عن محمد بن السّائِب الكلبي، مثله١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٥٤.
٨
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق محمد بن إسحاق-: أنّ قريشًا كانوا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يُطِيفوا بعسكر رسول الله ﷺ؛ ليصيبوا لهم مِن أصحابه أحَدًا، فأُخِذوا أخْذًا، فأُتي بهم رسول الله ﷺ، فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وقد كانوا رَموا في عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنّبل. قال ابن حميد: قال سَلَمة: قال ابن إسحاق: ففي ذلك قال: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٢٨٩.
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، قال: بطن مكة: الحُدَيبية. ذُكر لنا: أنّ رجلًا مِن أصحاب رسول الله ﷺ يُقال له: زنيم، اطّلع الثّنِيّة زمان الحُدَيبية، فرماه المشركون، فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلًا، فأتَوا باثني عشر فارسًا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «هل لكم عهدٌ أو ذِمَّة؟». قالوا: لا. فأرسلهم؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٢٩٠-٢٩١، وعبد بن حميد -كما في الإصابة ٢‏/‏٥٧٠-.
١٠
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ كان هذا يوم الحُدَيبية؛ فإنّ المشركين مِن أهل مكة كانوا قاتلوا رسول الله ﷺ، وكان شيءٌ مِن رَمْيِ نَبْلٍ وحجارة بين الفريقين، ثم هزم الله المشركين وهم ببطن مكة، فهُزموا حتى دخلوا مكة، ثم كفّ الله بعضهم عن بعض١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٢٥٥-.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ يعني: كفار مكة يوم الحُدَيبية ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ يوم الحُدَيبية، يعني: ببطن أرض مكة كلّها، والحرم كله مكة ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ وقد كانوا خرجوا يقاتلون النبيَّ ﷺ، فهزمهم النبيُّ ﷺ بالطّعن والنّبل حتى أدخلهم بيوت مكة، ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٥٤.
١٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق وهب بن جرير، عن أبيه- قال: قوله: ﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ كان رسول الله ﷺ ظَفر بهم وتجاوز عنهم، وكانوا أربعين رجلًا مِن قريش خرجوا يتجسّسون الأخبار، ورسول الله ﷺ بالحُدَيبية، فأُخِذوا، فأُتي بهم، فتجاوزوا عنهم١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٣٧٤.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سماك- قال: كاتِبُ الكتاب يوم الحُدَيبية علي بن أبي طالب١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (٩٧٢١).
٢
عن المقداد بن الأسود -من طريق قتادة بن دعامة- قال يوم الحُدَيبية -لما حال المشركون بين النبي ﷺ وبين البيت- قال: واللهِ، يا رسول الله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، ولكن نقول: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٢٧.
التفسير بالمأثور لسورة الفتح كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٤ من سورة الفتح

وقفة واحدة في هذه الآية

  • [ وكان الله بما تعملون بصيرا ] قد تنزوي وتبتعد عن كل العيون حتى لا تبصرك لكن عين الله تبصرك وتراقب خلوتك .. ألا تخجل من ربك ؟؟

    — مها العنزي

ترجمات معاني الآية ٢٤ من سورة الفتح

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(24) And it is He who withheld their hands from you and your hands from them within [the area of] Makkah after He caused you to overcome them. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال