زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ روى أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غِرة النبي ﷺ وأصحابه، فأخذهم سِلما، فاستحياهم، وأنزل الله هذه الآية. وروى عبد الله بن مغفل قال : كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ﷺ :( هل جئتم في عهد ؟ ) أو ( هل جعل لكم أحد أمانا ؟ ) قالوا : اللهم لا، فخلى سبيلهم، ونزلت هذه الآية. وذكر قتادة : أن رسول الله ﷺ بعث خيلا، فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار، فأرسلهم، وقال مقاتل : خرجوا يقاتلون رسول الله ﷺ، فهزمهم النبي ﷺ بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة. قال المفسرون : ومعنى الآية : أن الله تعالى ذكر منته إذ حجز بين الفريقين فلم يقتتلا حتى تم الصلح بينهم. وفي بطن مكة ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الحديبية، قاله أنس.
والثاني : وادي مكة، قاله السدي.
والثالث : التنعيم، حكاه أبو سليمان الدمشقي. فأما " مكة " فقال الزجاج :" مكة " لا تنصرف لأنها مؤنثة، وهي معرفة، ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق " بكة "، والميم تُبدل من الباء، يقال : ضربة لازم، ولازب، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم :
امتكّ الفصيل ما في ضرع الناقة : إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقي فيه شيئا، فيكون سميت بذلك لشدة الازدحام فيها ؛ قال : والقول الأول أحسن. وقال قطرب : مكة من تمككت المخ : إذا أكلته. وقال ابن فارس : تمككت العظم : إذا أخرجت مخه ؛ والتمكك : الاستقصاء ؛ وفي الحديث :( لا تمككوا على غرمائكم ).
وفي تسمية " مَكَّةَ " أربعة أقوال :
أحدها : لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج، وكأنها هي التي تجذبهم إليها، وذلك من قول العرب : امتكّ الفصيل ما في ضرع الناقة.
والثاني : أنها سميت " مكة " من قولك : بككت الرجل : إذا وضعت منه ورددت نخوته، فكأنها تمك من ظلم فيها، أي : تهلكه وتنقصه، وأنشدوا :
يا مكة، الفاجر مكي مكاولا تمكي مذحجا وعكا
والثالث : أنها سميت بذلك لجهد أهلها.
والرابع : لقلة الماء بها.
وهل مكة وبكة واحد ؟ قد ذكرناه في [آل عمران: ٩٦].
قوله تعالى :﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي : بهم ؛ يقال : ظفرت بفلان، وظفرت عليه.
قوله تعالى :﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْلَمُونَ بَصِيراً﴾ قرأ أبو عمرو :﴿يَعْمَلُونَ﴾ بالياء، والباقون : بالتاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى