عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- في الآية: وذلك أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه نَوْبَةً أجَّر نفسه يَسقي نخلًا بشيء مِن شعير ليلة حتى أصبح، وقَبض الشعير، وطَحن ثُلثه، فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه، يقال له: الخَزِيرَة، فلما تمّ إنضاجه أتى مسكينٌ، فأَخرَجوا إليه الطعام، ثم عَمل الثُّلث الثاني، فلمّا تم إنضاجُه أتى يتيم، فسأل، فأَطعَموه، ثم عَمل الثُّلث الباقي، فلمّا تمّ إنضاجه أتى أسيرٌ من المشركين، فأَطعَموه، وطَووا يومهم ذلك؛ فأُنزِلَت فيه هذه الآية
عن عُلَيِّ بن رباح، عن أبيه، أنّ النبي ﷺ قال له: «ما وُلِدَ لك؟». قال: يا رسول الله، ما عسى أن يُولَد لي! إمّا غلام وإما جارية. قال: «فمَن يُشبِه؟». قال: يا رسول الله، ما عسى أن يُشبِه؛ إمّا أباه، وإمّا أُمّه. فقال النبيُّ ﷺ: «مه، لا تقولن هذا؛ إنّ النُّطفة إذا استقرّتْ في الرَّحِم أحضرها اللهُ كلّ نسب بينها وبين آدم، فركّب خلْقه في صورة من تلك الصور، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾؟ مِن نسلك ما بينك وبين آدم»
عن شدّاد بن أوس، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أيها الناس، إنّ الدنيا عَرَض حاضر، يأكل منه البَرّ والفاجر، وإنّ الآخرة وعد صادق، يحكم فيها مَلِك قادر، يُحقّ فيها الحق، ويُبطل الباطل. أيها الناس، كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنّ كل أُمٍّ يتبعها ولدها، اعملوا وأنتم مِن الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، وأنكم ملاقوا الله لا بُدّ منه، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾»
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق داود- في هذه الآية: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، قال: نزلت في كعب بن الأشرف، أتى مكة، فقال له أهلها: نحن خير أم هذا الصّنبور المُنبَتِر من قومه، ونحن أهل الحجيج، وعندنا منحر البُدن. قال: أنتم خير. فأنزل الله فيه هذه الآية، وأنزل في الذين قالوا للنبي ﷺ ما قالوا: ﴿إنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾
ذَهَب ابن جرير (١/٥٧٨-٥٧٩ بتصرف) إلى العموم في معنى الآية مُعتمِدًا على لغةِ العربِ، فقال: «المتاع في كلام العرب: كلُّ ما استُمْتِع به من شيء؛ من معاش استُمتع به، أو رِياش، أو زينة، أو لذة أو غير ذلك. فإذْ كان ذلك كذلك كان أوْلى التأويلات بالآية -إذْ لم يكن الله جلَّ ثناؤه وضع دلالة دالَّة على أنه قَصد بقوله: ﴿ومتاعٌ إلى حين﴾ بعضًا دون بعض، وخاصًّا دون عامٍّ في عقل ولا خبر- أن يكون ذلك في معنى العامِّ، وأن يكون الخبر أيضًا كذلك، إلى وقت يطول استمتاع بني آدم وبني إبليس بها، وذلك إلى أن تُبدَّل الأرض غير الأرض»
لم يذكر ابنُ جرير (٣/٥٤٩-٥٥٥) غيرَ هذا القول من أنّ الأيام المعدودات هي أيام التشريق. وحكى ابنُ كثير (١/٥٦١) هذا القول عن السلف، وقول مَن جعل يوم النحر من الأيام المعدودات، وهو ما نقل عن علي بن أبي طالب، ورَجَّح مستندًا إلى ظاهر الآية القولَ الأول حيث قال: «والقول الأول هو المشهور [يعني: قول من قال: الأيام المعدودات هي أيام التشريق]، وعليه دَلَّ ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ فدلَّ على ثلاثة بعد النحر»
نقل ابن عطية (٢/٦٠٤) اختلاف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿الذين قيل لهم﴾، ثم نقل قولًا لم ينسبه لأحد، فقال: «وقالت فرقة: المراد بالآية: المنافقون من أهل المدينة؛ عبد الله بن أبي وأمثاله، وذلك أنهم كانوا قد سكنوا على الكره إلى فرائض الإسلام مع الدَّعَة وعدم القتال، فلما نزل القتال شقَّ عليهم، وصعب عليهم صعوبة شديدة، إذ كانوا مكذبين بالثواب. ذكره المهدوي». ثم علّق عليه بقوله: «ويُحَسِّنُ هذا القولَ أنّ ذِكْرَ المنافقين يطرد فيما بعدها من الآيات»
ذَهَبَ ابنُ جرير (٨/٤٩٣، ٤٩٥) مستندًا إلى دلالة اللغة، وأقوال أهل التأويل، وابنُ تيمية (٢/٤٩٠)، وابنُ كثير (٥/٢٤٨) إلى أنّ الشرعة: الشريعة. والمراد بالمنهاج: السبيل والطريق. قال ابنُ تيمية (٢/٤٩٠): «الشرعة كالباب الذي يدخل منه، والمنهاج كالطريق الذي يسلك فيه». وقال ابنُ عطية (٣/١٨٥): «المتأولون على أنّ الشرعة والمنهاج في هذه الآية لفظان بمعنى واحد». ثم ذكر أن لفظ الآية يحتمل أن يريد بالشرعة: الأحكام، وبالمنهاج: المعتقد، أي: وهو واحد في جميعكم، وانتقده بقوله: «وفي هذا الاحتمال بعد»
ذكر ابنُ عطية (٣/٣٥٦) أنّ البعث يحتمل معنيين، ثم ذكر قولًا للحسن مفاده أنّ المعنى: يبعثهم الله بأن يؤمنوا حين يوقفهم. ثم علَّق عليه بقوله: «فتجيء الاستعارة في هذا التأويل في الوجهين؛ في تسميتهم موتى، وفي تسمية إيمانهم وهدايتهم بعثًا، والواو على هذا مشركة في العامل عطفت المَوْتى على ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿ويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ في موضع الحال، وكأن معنى الآية: إنما يستجيب الذين يرشدون حين يسمعون فيؤمنون، والكفار حين يرشدهم الله بمشيئته، فلا تتأسف أنت ولا تستعجل ما لم يُقَدِّر. وقرأ الحسن: (ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ) فتناسبت الآية»
ذكر ابنُ عطية (٤/٤٩٥) فائدة لطيفة، فقال: «إن قيل: كيف أمر الله بالفرح في هذه الآية وقد ورد ذمُّه في قوله: ﴿لفرح فخور﴾ [هود:١٠]، وفي قوله: ﴿لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾ [القصص:٧٦]؟ قيل: إنّ الفرح إذا ورد مقيدًا في خير فليس بمذموم، وكذلك هو في هذه الآية، وإذا ورد مقيدًا في شر أو مُطلقًا لَحِقَه ذمٌّ؛ إذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أن يغلب على الإنسان حزنه على ذنبه وخوفه لربه». وبنحوه قال ابنُ القيم (٢/٣٨)