ذكر ابنُ عطية (٢/٦٠٨-٦٠٩) قول مقاتل، ثم علَّق عليه بقوله: «ويعضد هذا التأويل أحاديث عن النبي ﷺ معناها: أنّ ما يصيب ابن آدم من المصائب فإنما هي عقوبة ذنوبه. ومن ذلك أنّ أبا بكر الصديق لما نزلت: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] جزِع، فقال له رسول الله ﷺ: «ألست تمرض؟ ألست تسقم؟ ألست تغتم؟». وقال أيضًا ﷺ: «ما يصيب الرجل خدشة عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر». ففي هذا بيان، أو تلك كلها مجازاة على ما يقع من الإنسان». وذكر ابنُ عطية في معنى الآية قولين آخرين لم ينسبهما لأحد من السلف، فقال: «وقالت طائفة: معنى الآية كمعنى التي قبلها في قوله: ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ على تقدير حذف: يقولون، فتقديره: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا يقولون: ما أصابك من حسنة. ويجيء القطع على هذا القول من قوله: ﴿وأَرْسَلْناكَ﴾. وقالت طائفة: بل القطع في الآية من أولها، والآية مُضَمَّنة الإخبارَ أنّ الحسنة من الله وبفضله، وتقدير ما بعده: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ على جهة الإنكار والتقرير، فعلى هذه المقالة ألف الاستفهام محذوفة من الكلام. وحكى هذا القولَ المهدويُّ»
اختُلِف في معنى: ﴿حصيرًا﴾ هنا على قولين: الأول: سجن يحبسون فيه. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم. والثاني: فراش ومهاد. وهذا قول الحسن. وعلَّقَ ابنُ جرير (١٤/٥٠٩) على القولين بقوله: «ذهب الحسن بقوله هذا إلى أن الحصير في هذا الموضع عُنِي به الحصير الذي يبسط ويفترش، وذلك أنّ العرب تسمي البساط الصغير: حصيرًا، فوجَّه الحسن معنى الكلام إلى أن الله تعالى جعل جهنم للكافرين به بساطًا ومهادًا، كما قال: ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ [الأعراف:٤١]، وهو وجه حسن وتأويل صحيح، وأما الآخرون فوجَّهوه إلى أنه فعيل مِن الحصر الذي هو الحبس». وبنحوه ابن عطية (٥/٤٤٥-٤٤٦). ورجَّحَ ابن جرير (١٤/٥١٠) قولَ الحسن استنادًا إلى الأشهر لغة، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: معنى ذلك: وجعلنا جهنم للكافرين فراشًا ومهادًا لا يزايله، مِن الحصير الذي هو بمعنى البساط؛ لأن ذلك إذا كان كذلك كان جامعًا معنى الحبس والامتهاد. مع أن الحصير بمعنى البساط في كلام العرب أشهر منه بمعنى الحبس، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئًا بمعنى: حبس شيء، فإنما تقول: هو له حاصر أو محصر، فأما الحصير فغير موجود في كلامهم، إلا إذا وصفته بأنه مفعول به، فيكون في لفظ فعيل، ومعناه مفعول به، ألا ترى بيت لبيد:»لدى باب الحصير«فقال: لدى باب الحصير؛ لأنه أراد: لدى باب المحصور، فصرف مفعولًا إلى فعيل. فأما فعيل في الحصر بمعنى وصفه بأنه الحاصر فذلك ما لا نجده في كلام العرب، فلذلك قلت: قول الحسن أولى بالصواب في ذلك. وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن ذلك جائز، ولا أعلم لما قال وجهًا يصِحُّ إلا بعيدًا، وهو أن يقال: جاء حصير بمعنى حاصر، كما قيل: عليم بمعنى عالم، وشهيد بمعنى شاهد، ولم يسمع ذلك مستعملًا في الحاصر كما سمعنا في عالم وشاهد»
عن عبد الله بن محمد بن أبي الوضاح، عن الحسن، في تفسير هذه الآية: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال﴾، فقال الحسن: إنّ أقوامًا غدوا في المطارف العتاق، والعمائم الرقاق، يطلبون الإمارات، يتعرضون للبلاء، وهم مِنه في عافية، حتى إذا أصابوها خافوا مَن فوقهم مِن أهل العقد، وظلموا بها مَن تحتهم مِن أهل العهد، هزلوا بها دينهم، وسمَّنوا بها براذينهم، ووسَّعوا بها دورهم، وضيَّقوا بها قبورهم، ألم ترهم قد جدَّدوا الثياب، وأخلقوا الدِّين؟ يتكئ أحدهم على يمينه فيأكل مِن غير طعامه؛ طعامه غصب، وخدمه سخَرَة، يدعو بحلوٍ بعد حامض، ورطب بعد يابس، حتى إذا أخذته الكظة تجشأ من البَشَم، ثم قال: يا جارية هاتي حاطومًا، هاتي ما يهضم الطعام. يا أحمق، لا والله، إن تهضم إلا دينك، أين جارك؟ أين يتيمك؟ أين مسكينك؟ أين ما أوصى الله به؟
عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فقَد الرجلَ من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه؛ فإن كان غائبًا دعا له، وإن كان شاهدًا زاره، وإن كان مريضًا عاده، ففقَد رجلًا من الأنصار في اليوم الثالث، فسأل عنه، فقيل: يا رسول الله، تركناه مثل الفرْخ لا يدخل في رأسه شيء إلا خرج من دُبُره. قال: «عودوا أخاكم». فخرجنا مع رسول الله ﷺ نعوده، فلما دخلنا عليه قال رسول الله ﷺ: «كيف تجدك؟». قال: لا يدخل في رأسي شيء إلا خرج من دُبُري. قال: «ومِمّ ذاك؟». قال: يا رسول الله، مررتُ بك وأنتَ تُصلِّي المغرب، فصلّيتُ معك وأنتَ تقرأ هذه السورة: ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ إلى آخرها: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾، فقلتُ: اللهم، ما كان مِن ذنب أنتَ مُعَذِّبي عليه في الآخرة فعَجِّل لي عقوبته في الدنيا؛ فنزل بي ما ترى. قال رسول الله ﷺ: «بئس ما قلتَ، ألا سألتَ الله أن يؤتيك في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ويَقِيك عذاب النار». فأمره النبيُّ ﷺ، فدعا بذلك، ودعا له النبيُّ ﷺ، فقام كأنما نَشِط من عِقال
عن ابن عمر، قال: كُنّا عند رسول الله ﷺ، فأتاه رجل جَيِّد الثياب، طَيِّب الريح، حسن الوجه، فقال: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك السلام». قال: أدنو منك؟ قال: «نعم». فدنا حتى ألْزَق رُكْبَته برُكْبَة رسول الله ﷺ، وقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «تُقِيم الصلاة، وتُؤْتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتغتسل من الجنابة». قال: صدقت. فقلنا: ما رأينا كاليوم قطُّ رجلًا -والله- لَكَأَنَّه يُعَلِّم رسول الله ﷺ
عن سلمة بن نفيل، قال: جاء شابٌّ، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ مَن لم يدع سيِّئةً إلا عملها، ولا خطيئةً إلا ركبها، ولا أشْرَفَ له سهمٌ فما فوقه إلا اقتطعه بيمينه، ومَن لو قُسِمَت خطاياه على أهل المدينة لَغَمَرَتْهم؟ فقال النبيُّ ﷺ: «أسلمتَ؟». قال: أمّا أنا فأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله. قال: «اذهب، فقد بدَّل الله سيئاتك حسنات». قال: يا رسول الله، وغَدراتي وفجَراتي! قال: «وغَدَراتك وفجراتك». ثلاثًا، فولّى الشابُّ، وهو يقول: الله أكبر
عن مجاهد بن جبر –من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾، قال: كان أهل الجاهلية لا يُوَرِّثون النساء ولا الصبيان شيئًا، كانوا يقولون: لا يغزون، ولا يغنمون خيرًا. ففرض الله لهن الميراث حقًّا واجبًا، ليتنافس أو لِيَنفَس الرجل في مال يتيمته إن لم تكن حسنة
عن عامر الشعبي -من طريق مجالد بن سعيد- قال: لَمّا سلَّم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية قال له معاوية: قُمْ، فتكلم. فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إنّ هذا الأمر تركته لمعاوية؛ إرادة إصلاح المسلمين، وحقن دمائهم، ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾. ثم استغفر، ونزل
قال يحيى بن سلّام: قال الحسن البصري: بعض هذه الآية تطوع، وبعضها فريضة؛ فأما قوله: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ فهو تطوع، وهو ما أمره الله -تبارك وتعالى- به من صلة القرابة ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ يعني: الزكاة، قال يحيى: حدثونا أن الزكاة فُرضت بمكة، ولكن لم تكن شيئًا معلومًا
قال عبد الله بن عمر، والحسن البصري، وعطاء بن يَسار، وسفيان الثوري: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أنّ الآية مُحكَمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين مِن الكفار إذا وقعوا في الأسْر بين أن يقتلهم، أو يسترقّهم، أو يمُنّ عليهم فيطلقهم بلا عِوض، أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين