وجَّهَ ابنُ جرير (١٨/٥-٦) المعنى على هذا القول، فقال: «الواجب على هذا القول أن يكون معناه: والسميعِ اللطيفِ، إنّ هذه الآيات التي أنزلتها إليك -يا محمد- لآيات القرآن، وآيات كتاب مبين. يقول: يبين لِمَن تدبره وفكر فيه بفهم أنه من عند الله، أنزله إليك، لم تتخرصه أنت، ولم تتقوله، ولا أحد سواك مِن خلق الله؛ لأنّه لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثله، ولو تظاهر عليه الجن والإنس». وبنحوه ابنُ عطية (٦/٥١٥). ثم ذكر ابنُ عطية أنّ القول بأن الحروف المقطعة إشارة إلى نوع حروف المعجم؛ أبين الأقوال
نقل ابنُ عطية (٧/٢٠٧) عن بعض المفسرين أنّ قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يدخل فيها أهل الرياء. ثم علَّق عليه بقوله: «ونزول الآية أولًا في المشركين». ووجَّه ابنُ كثير (١١/٣١١) قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وشهر بن حوشب: أنهم المراءون بأعمالهم، بقوله: «يعني: يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بغضاء إلى الله عز وجل، يراءون بأعمالهم، ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء:١٤٢]». ورجَّح مستندًا إلى دلالة العموم شمول معنى الآية، فقال: «والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأَوْلى»
اختُلِف في قوله: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ على قولين: الأول: أن أعمال بني آدم مكتوبة سلفًا، والملائكة تستنسخ عمل كل يوم بيوم. الثاني: كتابة الملائكة لما يعمله الناس بعد أن يعملوه. وذكر ابنُ القيم (٢/٤٤٩) أنّ الآية تعُمّ القولين، فقال: «وهو الأظهر أن الآية تعُمّ الأمرين». وزاد ابنُ عطية (٧/٦٠٥) قولًا ثالثًا، ونسبه لابن عباس، وهو أنّ الله تعالى يأمر بعرض أعمال العباد كل يوم خميس، فيُنقل من الصحف التي رفع الحفظة كل ما هو معدٌّ أن يكون عليه ثواب أو عقاب ويلغى الباقي
في قوله: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ قولان: الأول: وفي سبيل الخلاء من البول والغائط عِبرة لكم. الثاني: وفي تسوية الله -تبارك وتعالى- مفاصل أبدانكم وجوارحكم دلالة لكم على أن خُلقتم لعبادته. وقد ذكر ابنُ جرير (٢١/٥٢٠) القولين، ثم رجّح العموم وقال: «الصواب من القول في ذلك أن يقال: معنى ذلك: وفي أنفسكم أيضًا -أيها الناس- آيات وعِبر تدلّكم على وحدانية صانعكم، وأنه لا إله لكم سواه؛ إذ كان لا شيء يقدر على أن يخلق مثل خلْقه إياكم، ﴿أفلا تبصرون﴾ يقول: أفلا تنظرون في ذلك فتتفكّروا فيه؛ فتعلموا حقيقة وحدانية خالقكم»
وجّه ابن جرير (٢٤/٧٢) معنى القراءتين، فقال: «قرأته عامة قراء المدينة والحجاز والبصرة: ﴿نخرة﴾ بمعنى: بالية. وقرأ ذلك عامة قُراء الكوفة: ‹نّاخِرَةً› بألف، بمعنى: أنها مُجوّفة، تنخر الرياح في جوفها إذا مَرّتْ بها». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/٥٢٩). ثم قال ابنُ جرير معلّقًا: «وأفصح اللغتين عندنا وأشهرهما عندنا: ﴿نخرة﴾ بغير ألف، بمعنى: بالية، غير أنّ رءوس الآي قبلها وبعدها جاءت بالألف؛ فأَعجبُ إليّ لذلك أن تُلْحَق ‹نّاخِرَةً› بها؛ ليتفق هو وسائر رءوس الآيات، لولا ذلك كان أعجبُ القراءتين إليّ حذف الألف منها»
ذَهَبَ ابن جرير (٢/٣٩٧) إلى أنّ قراءة ﴿أو نُنسِها﴾ بمعنى: نتركها، هي أولى القراءات، مُستندًا إلى السياق، وأنّ ذلك المعنى أعَمُّ، فقال: «أولى القراءات من قرأ: ﴿أو نُنسِها﴾ بمعنى: نتركها؛ لأن الله أخبر نبيه أنه مهما بَدَّلَ حكمًا أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله، فالذي هو أولى بالآية -إذ كان ذلك معناها- أن يكون -إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية- أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير، فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ﴾ قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس، مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى الإنساء الذي هو بمعنى: الترك، ومعنى النساء الذي هو بمعنى التأخير، إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك». وقال ابن عطية (١/٣١٤-٣١٥) مُوَجِّهًا تلك القراءات: «وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النَّسْء أو الإنساء بمعنى: التأخير، أو تكون من النسيان، والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك، فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر، فمعنى الآية: ما ننسخ من آيةٍ أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب، فإنا نأتي بما هو خير منها لكم أو مثله في المنفعة، وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان: أحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك، فإنا لابد أن ننزل رفقًا بكم خيرًا من ذلك أو مثله حتى لا ينقص الدين عن حد كماله. والمعنى الثاني: أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا رفع التلاوة والحكم. والمعنى الثالث: أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته، فالنسخ أيضًا على هذا رفع التلاوة والحكم. والمعنى الرابع: أو نتركها غير منسوخة الحكم ولا التلاوة، فالنسخ على هذا المعنى هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في ﴿مِنهآ أوْ مِثْلِها﴾ عائدين على المنسوخة فقط، وكان الكلام إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها. وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في الترك، أولها: ما ننسخ أو نؤخر إنزاله. والثاني: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته. والثالث: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه. والرابع: ما ننسخ أو نؤخره مثبتًا لا ننسخه، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك. وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها؛ لأنها تحتمل»
اختُلِفَ في معنى الإحصار؛ فخصه قوم بالعِلَّة المانعة من المرض وأشباهه، غير القهر من غلبة غالب؛ فإنها تكون حصرًا لا إحصارًا، وأدخلوا فيه حبسَ العدو من باب القياس على المرض، لا بدلالة ظاهر الآية. وخصَّه آخرون بحصر العدو فقط. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٣٤٧-٣٤٨ بتصرف) القولَ الأولَ الذي قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة، وإبراهيم، وابن عباس من طريق علي. وانتَقَد الثانيَ مستندًا إلى اللغة، وظاهر الآية، وسياقها، فقال: «فلذلك قيل: ﴿أحصرتم﴾ لَمّا أُسْقِط ذكرُ الخوف، والمرض. يُقال منه: أحصرني خوفي من فلان عن لقائك، ومرضي عن فلان، يراد به: جعلني أحبس نفسي عن ذلك. فأمّا إذا كان الحابس الرجل والإنسان؛ قيل: حصرني فلان عن لقائك، بمعنى: حبسني عنه. فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾: فإن حبسكم حابسٌ من العدو عن الوصول إلى البيت؛ لوجب أن يكون: فإن حُصِرْتُم. ومِمّا يُبَيِّنُ صِحَّة ما قلناه قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، والأمنُ إنما يكون بزوال الخوف. وإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أنّ الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الأمن. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن حبسُ الحابس الذي ليس مع حبسه خوفٌ على النفس مِن حبسه داخِلًا في حكم الآية بظاهرها المَتْلُوِّ، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجْهِ القياس؛ من أجل أنّ حَبْس مَن لا خوف على النفس مِن حبسه كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالد، وزوج المرأة، إن كان منهم أو من بعضهم حُبِس ومُنِع عن الشخوص لعمل الحج، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام؛ غير داخل في ظاهر قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لِما وصفنا من أنّ معناه: فإن أحصركم خوفُ عدوٍّ، بدلالة قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، وقد بَيَّن الخبرُ الذي ذكرنا آنفًا عن ابن عباس أنّه قال: الحصر: حصر العدو. وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعًا من الوصول إلى البيت؛ فكُلُّ مانعٍ عَرَض للمحرم فصَدَّه عن الوصول إلى البيت، فهو له نظير في الحكم». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٤٧٢) مستندًا إلى اللغة، وأحوال النزول: «أنّ»حَصَر«إنما هي فيما أحاط وجاور، فقد يحصر العدو والماء ونحوه، ولا يحصر المرض، و»أحْصَرَ«معناه: جعل الشيء ذا حصر، كأقبر، وأحمى، وغير ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون مُحْصرًا لا حاصِرًا، ألا ترى أنّ العدو كان محصرًا في عام الحديبية، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل»
عن وهب بن مُنبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله عز وجل: يا إسرافيلُ، هاتِ ما وكَّلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، في الصُّور كذا وكذا ثقبةً، وكذا روحٍ؛ للإنس منها كذا وكذا، وللجِنِّ منها كذا وكذا، وللشياطينِ منها كذا وكذا، وللوحوشِ منها كذا وكذا، وللطير منها كذا وكذا، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوامِّ منها كذا وكذا، وللحيتان منها كذا وكذا. فيقولُ اللهُ عز وجل: خُذْه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا يَنقُصُ، ثم يقولُ اللهُ عز وجل: هاتِ ما وكَّلتُك، يا ميكائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ من السماءِ كذا وكذا كيلةً، وزِنَةَ كذا وكذا مِثْقالًا، وزِنَة كذا وكذا قِيراطًا، وزِنَة كذا وكذا خَرْدَلَةً، وزِنَة كذا وكذا ذرَّةً، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا، وفي شهرِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعةِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا، أنزلتُ للزرع منه كذا وكذا، وأنزلتُ للشياطين منه كذا وكذا، وأنزلتُ للإنسِ منه كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا، وأنزلتُ للوحوشِ كذا وكذا، وللطيرِ كذا وكذا، وللحيتان كذا وكذا، وللهوامِّ كذا وكذا، فذلك كلُّه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقول: يا جبريلُ، هاتِ ما وكلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ على نبيِّك فلان كذا وكذا آية، في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية، وكذا وكذا سورة، فيها كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا حرفًا، وأهلكتُ كذا وكذا مدينةً، وخسفتُ بكذا وكذا. فيقول: خُذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقولُ: هاتِ ما وكلتُك به، يا عِزرائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، قبضتُ روح كذا وكذا إنسيٍّ، وكذا وكذا جنيٍّ، وكذا وكذا شيطانٍ، وكذا وكذا غريقٍ، وكذا وكذا حريقٍ، وكذا وكذا كافرٍ، وكذا وكذا شهيدٍ، وكذا وكذا هديمٍ، وكذا وكذا لديغٍ، وكذا وكذا في سهلٍ، وكذا وكذا في جبلِ، وكذا وكذا طيرًا، وكذا وكذا هوامٍّ، وكذا وكذا وحش، فذلك كذا وكذا، جملتُه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوْح. فإذا مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا ينقص
اختُلِفَ في المعنيِّ بهذه الآية على قولين: الأول: أنها في الكفار. الثاني: أنها في أهل الرياء من أهل القبلة. ووجَّه ابنُ عطية (٤/٥٥٠) القول الأول بقوله: «فأمّا مَن ذهب إلى أنها في الكفرة فمعنى قوله: ﴿يريد﴾: يقصد ويعتمد، أي: هي وجهه ومقصده لا مقصد له غيرها. فالمعنى: مَن كان يريد بأعماله الدنيا فقط إذ لا يعتقد آخرةً فإن الله يجازيه على حسن أعماله في الدنيا بالنعم والحواس وغير ذلك، فمنهم مُضَيَّق عليه، ومنهم مُوَسَّع له، ثم حكم عليهم بأنهم لا يحصل لهم يوم القيامة إلا النار، ولا تكون لهم حال سواها». ووجَّه القول الثاني بقوله (٤/٥٥١): «وأما من ذهب إلى أنها في العصاة من المؤمنين فمعنى ﴿يريد﴾ عنده: يحب ويؤثر ويفضل ويقصد، وإن كان له مقصد آخر بإيمانه، فإن الله يجازيه على تلك الأعمال الحسان التي لم يعملها لله بالنعم في الدنيا ثم يأتي قوله: ﴿ليس لهم﴾ بمعنى: ليس يجب لهم أو يحق لهم إلا النار، وجائز أن يتغمدهم الله برحمته، وهذا هو ظاهر ألفاظ ابن عباس، وسعيد بن جبير». ورجَّح ابنُ عطية (٤/٥٥١) القول الأول مستندًا إلى السياق، فقال بعد توجيهه له: «فاستقام هذا المعنى على لفظ الآية، وهو عندي أرجح التأويلات بحسب تقدم ذكر الكفار والمنافقين في القرآن فإنما قصد بهذه الآية أولئك». ورجَّح ابنُ القيم القول الثاني، وذكر أنّه يدل على صحة هذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿نوف اليهم أعمالهم فيها﴾، ثم أورد إشكالًا على هذا القول مفاده: أنّ الآية التالية لهذه الآية -وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾- تُوجِب على هذا القول تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار، وذكر بعض أجوبة أهل العلم عن هذا الإشكال، ثم قال: «والآية -بحمد الله- لا إشكال فيها، والله سبحانه ذَكَر جزاء مَن يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فاذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه، فإن كان معه إيمان لم يُرد به الدنيا وزينتها، بل أراد الله به والدار الآخرة لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذى حبط وبطل وأنجاه إيمانه من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذى به النجاة المطلقة، والإيمان إيمانان: إيمان يمنع من دخول النار، وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله يبتغى بها وجهه وثوابه، وإيمان يمنع الخلود في النار، وإن كان مع المرائي شيء منه وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد والله الموفق، وذلك قوله: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]، ومنه قوله: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨-١٩]، فهذه ثلاث مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، وتجتمع على معنى واحد، وهو أنّ مَن كانت الدنيا مراده ولها يعمل في غاية سعيه لم يكن له في الاخرة نصيب، ومن كانت الآخرة مراده ولها عمِلَ وهي غاية سعيه فهي له»
عن قتادة بن دعامة -من طريق همام- في قوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾، قال: نسختها الآية التي في التغابن: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا﴾ [التغابن:١٦]، وعليها بايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فيما استطاعوا